بسم الله الرحمن الرحيم
نادي تراث الإمارات - أبو ظبي- دولة الإمارات العربية المتحدة
نادي تراث الإمارات
كتاب تـراث
* رئيس التحرير: عادل محمّد الراشد
* الكتاب : رمضان والعيـد عادات وتقاليد
* المؤلف: محمّد رجب السامرّائي
*الطبعة الأولى 1423هـ / 2002م
*الناشر : نـادي تـراث الإمـارات، أبو ظبي، دولة الإمارات العربية المتحدة
* الإخراج: محمد الوكيل
محتويات الكتاب
المقدمــة
التمهيـد: أيام وليالٍ رمضانية
الفصل الأول: رمضان والعيد في دول الخليج والجزيرة العربية
الإمارات: المجالس والفنون الشعبية
السعودية: حلقات للدروس والصلاة في الحرمين الشريفين
قطر: طحن الحبوب والنافلة
البحرين: الهريس وقدوع العيد
الكويت: الديوانيات والكَركَعيان والدوارف
عُمان: الفطور بالفريج وقرنقشوه والمظبي
العراق: الماجينة والكليجة ودواليب الهواء
اليمن: التماسي والاستعداد للعيد
الفصل الثاني: رمضان والعيد في بلاد الشام
سورية: أكلات رمضانية والصلاة في الجامع الأموي
لبنان: النوبة والرايات والقهوة
الأردن: الخيام واليوم عيدي
فلسطين: الحوّاية والمعمول
الفصل الثالث: رمضان والعيد في أفريقية وبلاد المغرب العربي
مصر: وحوي ياوحوي وكحك العيد
السودان: شليل وينو ومُوية رمضان والبيت الكبير
ليبيا: النوبادجي وغدوة عيد
تونس: ألوان التواشيح والخِطبَة
الجزائر: أذن كاس لبن وقرن الغزال
المغرب: احتفالات بصيام الأطفال وأسهم نارية
الصومال: العركيك وحق العيد للأولاد
موريتانيا: القديد والتمور والنديونة
جيبوتي: إغلاق المدارس والعَطية
يُقبل شهر رمضان المبارك، وهو يحمل الخير والبركة إلى المسلمين قاطبة في كل أرجاء المعمورة، وقد هلّ هلاله الكريم ليمنح الله القدير عباده الصائمين العابدين المبتهلين خلاله خصالاً عديدة لم يُعْطِها لأمة غير أمة النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم الذي قال: " أتاكم شهرُ رمضان خير وبركة يغشاكم الله فينزِّل فيه الرّحمة ويحطُّ الخطايا، ويستجيب الدّعاء، فأروا الله فيه من أنفسكم خيراً فإنّ الشقيَّ مَن حُرِمَ فيه رحمة الله عزَّ وجل".
عقدنا فصول الكتاب لشهر رمضان ولعيد الفطر في الدول العربية كافة، حيث أوضحنا فيها لطبيعة العادات والتقاليد العربية التي يلتزم بها الإنسان العربيّ، ويعني هذا أنّنا نتعامل مع عمق جغرافي كبير يمتد من الخليج العربي وصولاً إلى المحيط الأطلسي، بمدنه وقراه، وبتنوع لهجاته وبيئاته وتضاريسه، مما ينعكس على طبيعة عادات وتقاليد الناس، ثم قدمنا لما بقيَّ في ذاكرة الناس إلى اليوم الذين يلونون صور الشهر والعيد بملامح تراثية نابعة من جذورهم الأصيلة ليحافظ عليها الأبناء قبل أن تنمحي وتزول من ذاكرة الوجدان العربيّ وعلى امتداد خريطته.
ولقد كان التحقيقان اللذان كتبتهما في مجلة " تراث " التي تصدر عن نادي تراث الإمارات في أبو ظبي، بعدديها الثالث عشر بعنوان: عادات وتقاليد المسلمين في رمضان، وعن: العيد في 35 دولة إسلامية ، ضمن العدد الرابع عشر، كانا هُما المادة الأساسية لفصول الكتاب، إضافة إلى بعض ما نُشِرَ في المجلة من موضوعات لغوية وتراثية أخرى عن شهر رمضان والعيد، ولكنّني أضفت إلى تلك المادتين المنشورتين الكثير، حيث ركزت على إبراز مظاهر العادات والتقاليد لكل دولة عربية وأعطيتها الشمولية بقدر الإمكان، من خلال الرجوع إلى الكتب الاجتماعية والتراثية الشعبية، أو الاستعانة بالملحقيات الثقافية العربية، وبإجراء المقابلات الشخصية مع أبناء الدول العربية الذين كتبنا عن عاداتهم وتقاليدهم في هاتين المناسبتين الكريمتين.
واشتمل كتاب رمضان والعيد عادات وتقاليد، على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول، أوضحنا في التمهيد: أيام وليالٍ رمضانية، التعريف لاشتقاق اسمي رمضان والصوم، والوقوف عند مناسبات وليالٍ مباركة في الشهر المبارك، ثم الإشارة للرحالة العرب الذين كتبوا ودونوا ذكرياتهم خلال أسفارهم عن رمضان وعيد الفطر، عند الرحالة العربي ابن جبيـر عن مكة المكرمة لأيام وليالي رمضان والاحتفاء بالأهلّة، كذلك لما دونّه الرحالة العربيّ ابن بطوطة في رحلته الشهيرة لعادات أهل مكة عند قدوم شهر الصيام، وللتسحير في الحرم المكيّ الشريف، ولاحتفاء أهل مكة المكرمة بختم القرآن الكريم والاستعداد لاستقبال عيد الفطر السعيد.
أما الفصل الأول: رمضان والعيد في الخليج والجزيرة العربية، فعرضنا فيه لمظاهر استقبال المسلمين في كل من: " الإمارات، والسعودية، وقطر، والبحرين، والكويت وعُمان، والعراق، واليمن"، لغُرّة شهر رمضان الكريم وعيد الفطر، وما يقومون به من عادات وتقاليد متوارثة عنهما سواء في الأطعمة أو الأغاني أو الألعاب الشعبية المتوارثة بين الناس.
وتحدثنا في الفصل الثاني عن : رمضان والعيد في بلاد الشام، لطرق احتفال الناس بمقدم رمضان والعيد، في: " سورية، ولبنان، والأردن، وفلسطين"، وما يهيؤون لهما من مظاهر فرح لاستقبالهما وقضاء أيامهما ولياليهما، بصوره التراثية الشعبية المحببة لدى الكبار والصغار.
أما الفصل الثالث للكتاب وهو: رمضان والعيد في أفريقية وبلاد المغرب العربي، فقد رسمنا فيه لبيان ملامح شهر القرآن والعيد السعيد وما يقدمون من عادات أصيلة وتقاليد عريقة مازال الناس يتمسكون بها رغم تقادم السنين لأنها جزء من إرثهم الحبيب في كل من : مصر، والسودان، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، والصومال، وموريتانيا، والصومال.
أخيراً نأمل أن نكون قد أوضحنا صورة قريبة لهذه الاحتفالات الشعبية في عموم الدول العربية لشهر رمضان وعيد الفطر من خلال تنوع الاحتفالات وممارسة بعض العادات والتقاليد في أصناف طعام الفطور وفي السحور، وفي المظاهر الأخرى التي تتفرد بها كل دولة عربية عن شقيقاتها الأخرى، رغم التشابه بينها لأنّ هناك رابطاً يجمعهما كالدين الإسلامي ولغة القرآن المعجز، والتاريخ المشترك علاوة على التجاور والقرب بين الدول العربية كافة، ونسأل الله العزيز أن يتقبل من الصائمين صيامهم وقيامهم، وعساكم من عوّاده، والله من وراء القصد.
محمّد رجب السامرّائي
يونيو " حزيران " 2001م
أبو ظبي
التمهـيـد
أيام وليالٍ رمضانية
يردد المسلمون اسم رمضان والصوم والصيام عند قدوم شهر الصيام المبارك ، وقد حظي شهر رمضان بوافر من الذكر والحديث عند المصنفين العرب، أو ما دبجّه الشعراء حول معانيه ولياليه الشعراء في غرر القصائد، أو ما كتب فيه الأدباء العديد من المقطوعات النثرية البليغة، عبر العصور الأدبية الماضية، ومازال شهر رمضان يحظى بنفس المكانة والاهتمام على المستويين الرسمي والشعبي.
اشتُقَ اسم رمضان في لغتنا العربية من الفعل رَمَضَ ومن مشتقاته الحجارة، والرَمْضَاء هي: الأرض الشديدة الحرارة من وهج الشمس. وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: صلاة الأوّابين إذا رَمَضَتْ الفصال. أي إذا أحرقت الرمضاء لِخِفَافِها فبَرَكت من شدة الحرِّ. وتكون صلاة الأوّابين في وقت الضحى. وشاءت الأقدار أن كان الوقت حاراً عندما أرادت العرب تسمية الشهور فسميّ هذا الشهر ذاك بشهر رمضان. ويقال رَمَضَتْ النصل، إذا دفعته بين حجرين لِيَرُّقَ، وسميَّ رمضان لأن العرب كانوا يَرْمِضُوْنَ فيه أسلحتهم استعداداً للقتال في شهر شوال الذي يسبق الأشهر الحرم. وأطلق رَمَضَانُ على شهر الصيام لأنه يَرْمِضُ الذنوب أي يحرقها أما عند عالم اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي فإنه: مشتق من الرمضاء وهومطر يأتي قبل فصل الخريف.
وأشتُقَ الصوم من المصدر: صامَ يصوُمُ ومن مصادره الأخرى: الصيام فتقول: رجل صائم وصَوْمَان على الوصف بالمصدر، وهو ما يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. ويجمع الصائم على: صُوّام وصِيّام وصُوَّم وصِيَّم وصَيامَى، وتدور جميعها حول الأصل، ففي قولنا: صامَ الرجل، امتنع وفي قول الحق تعالى على لسان مريم في سورة مريم/26 :" إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْمَاً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيَّا"، بمعنى امتنع، لأن المراد بالصوم في الآية المباركة هو الصمت والامتناع عن الكلام.
وقد حفل شهر رمضان المبارك خلال أيامه الكريمات على مناسبات وليالٍ يحرص الصائمون على أدائها لما فيها من أجر كبير مثل صلاة التراويح التي يؤديها المسلمون عقب صلاة العشاء والتي جمع المسلمين أثناء صلاتها على إمام واحد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضيّ الله عنه. وهناك طعام السحور الذي يعدّ من أبرز سمات ليالي الصوم المبارك حيث يستعد الصائمون خلال وقت السحر وقبيل أذان الفجر لتناول طعام السحور في الهزيع الأخير من الليل ليتقووا به على صيام يوم رمضاني جديد.
أما العشر الأواخر من شهر الصيام فيحيي الصائمون لياليها بالذكر والعبادة وتلاوة ومذاكرة القرآن المعجز والتسبيح والتحميد والتمجيد لربِّ العالمين، ويحيون ليلة السابع والعشرين منه لتاج الليالي " ليلة القدر " المباركة التي أنزل فيها الحق الجليل قرآنه الكريم على نبيِّ الرحمة والهدى محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وسلّم. ثم يستعد الصائمون بعد وداعه وقد أنهوا صيام أيام الشهر الكريم بالطاعات ونيل الأجر العميم من الله سبحانه وتعالى لاستقبال عيد الفطر السعيد.
ولقد برز في التراث الجغرافي العربي وعبر القرون الإسلامية المتعاقبة رحالة مسلمون جابوا الآفاق ودوَّنوا بقلمهم ما وصلوا إليه من مدن وبلدان تجاوز بعضهم فيها رقعة الخلافة العربية الإسلامية، فسجلوا لنا تفاصيل عديدة عن عادات وتقاليد الحياة الاجتماعية لتلك الأقوام والمِلَل والنِحَل التي وصلوا إليها. ودوّن أولئك الرحالة الذين قصدوا جزيرة العرب ما شاهدوه من احتفالات تقام خاصة في استقبال الأشهر العربية، وحكوا في رحلاتهم للقرّاء بصور ناطقة حيّة عن احتفالات المسلمين بشهر رمضان المبارك في كلٍ من مكة المكرمة والمدينة المنورة، ونتوقف في هذا المقام عند رحالتين عربيين هماابن جبير، وابن بطوطة.
ويعدّ أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الشاطبي، البلنسي، المولود في عام 540هـ، الموافق 1145م في بلنسية من أسرة عربية عريقة، والذي بدأ رحلته إلى الأراضي الحجازية مع صديقه أحمد بن حسّان، فزار خلالها مكة المكرمة وأقام فيها قُرابة نصف عام، ثم قصد المدينة المنورة في طريقه إلى الكوفة وبغداد وسامراء والموصل في العراق، ثم زار حلب ودمشق في الشام. وأما رحلته الأخيرة فبدأها وعمره في الثالثة والسبعين ولم يعد إلى مسقط رأسه حتى توفاه الله تعالى في الإسكندرية عام 614هـ – 1217م.
ولقد وصف الرحالة ابن جبير في كتابه : " تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار" المعروف- برحلة ابن جبير - شهر رمضان في مكة المكرمة والاحتفالات الخاصة بقدوم وإحياء لياليه المباركة لعاميّ 578 -579 هجرية، فسجل مظاهر ختم القرآن الكريم فيها في كل وتر من الليالي العشر الأواخر في رمضان. فوصف في رحلته إلى مكة الأركان الأربعة للحرم، وبازاء المقام الكريم منبر الخطيب، فقال:" وهو أيضاً على بكرات أربع.. فإذا كان يوم الجمعة، وقرب وقت الصلاة، ضمّ إلى صفحة الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الأسود والعراقي، فيسند إليه المنبر".
وأشار الرحالة ابن جبير بإسهاب إلى توجُّه الخطيب إلى باب النبي- صلّى الله عليه وسيلّم- وهو يقابل في البلاط الآخذ من الشرق إلى الشمال، ويصف لنا ملابس الخطيب ولون عمامته السوداء والطيلسان الذي يرتديه، وإذا قرب الخطيب من المنبر يقول عنه ابن جبير: فإذا قرب من المنبر عرّج إلى الحجر الأسود فقبلّه ودعا عنده، ثم سعى إلى المنبر، والمؤذن الزمزمي- رئيس المؤذنين بالحرم الشريف- ساعياً أمامه، لابساً السواد أيضاً…. ويشير إلى جلوسه ومبادرة المؤذنين بإعلان الآن بلسان واحد، ثم تلاوة الخطبة.
ثم عرفنا ابن جبير عن الاحتفاء بالأهِلَة في مكة المكرمة، وما يجرى فيها من احتفالات وكيف دخل أمير مكة مكثر المذكور داخل الحرم الشريف مع طلوع الشمس، والاحتفال بشهر رمضان فيها، فسجل الاهتمام الكبير بزيادة أحجام وأعداد وسائل الإضاءة منذ صلاة المغرب- الفطور وحتى الفجر- السحور- وتجديد فُرُش الحرم الشريف من الحصير عند دخول غُرّة الشهر المبارك.
كذلك أوضح لإقامة صلاة التراويح في الحرم المكي الشريف في عدّة أماكن متفرقة، وكان لكل فرقة إمامها، وأن عدد ركعات التراويح بلغت أربعاً وعشرين ركعة خارجاً عن الشفع والوتر، مع تعدد مرات الطواف حول الكعبة المشرفة فيما بينها. وذكر ابن جبير عن السحور في مكة، الذي كان يتم من المئذنة التي توجد في الركن الشرقي للمسجد الحرام، وذلك بسبب قربها من دار شريف مكة، فيقوم الزمزمي بأعلاها وقت السحور داعياً ومُذكِراً ومُحرِّضاً على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانهِ ويقاولانهِ. ونظراً لترامي الدُور بعيداً عن الحرم المكي حيث يصعب وصول صوت المؤذن كانت تنصب في أعلى المئذنة كما يقول ابن جبير: خشبة طويلة في رأسها عمود كالذراع وفي طرفيه بَكْرَتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يُوقِدان مُدّة التسحير فإذا قَرُبَ تبيّن خطى الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرّة بعد مرّة حطَّ المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ وثُوب المؤذنين من كل ناحية بالأذان. وعندما يرى أهل مكة من سطوح منازلهم العالية القنديلين قد أُطفئا علموا أنّ الوقت قد أنقطع.
ودوّن لنا ابن جبير في رحلته وفي أثناء إقامته في مكة لمظاهر ختم القرآن الكريم في كل وتر من الليالي العشر الأواخر في رمضان، حيث كان أبناء مكة من الصبية يتنافسون في ختمه والاحتفال بذلك بإيقاد الشموع والثريات وتقديم الطعام. وأشار الرحالة إلى ابن إمام الحرم الذي ختم القران في ليلة خمس وعشرين وأعقب ذلك بخطبة بليغة نالت استحسان الحضور على الرغم من صغر سن الخطيب. ونقل حكاية أخرى عن غلام مكيّ من ذوي اليَسار دون الخامس عشر احتفل أبوه به عند ختم للقرآن العظيم في ليلة ثلاث وعشرين، حيث أعدّ له ثريا صُنِعت من الشمع وذات غصون علقت فيها أنواع الفواكه اليابسة والرطبة، وأعدّ لها والده شمعاً كثيراً، ووضع وسط الحرام شبيه المحراب المربع أقيم على أربع قوائم تدلّت منه قناديل مُسرجة أحاط دائرة المحراب المربع بمسامير مدببة الأطراف غرز فيها الشمع وأوقدت الثريا المغصّنة ذات الفواكه، ووضع الأب بمقربة من المحراب مِنْبَرا مُجللاً بكسوة مجزعة مختلف الألوان، وحضر الأمام الطفل فصلى التراويح وختم وقد ملئ المسجد بالرجال والنساء وهو في محرابه وحوله الشمع المضاء.
أمّا الرحالة العربي أبو عبدالله محمد بن إبراهيم اللواتي، المعروف بابن بطوطة، والمولود في مدينة طنجة المغربية، فقد اندفع بدافع التقوى لأداء فريضة الحج، وانساق بحبه للأسفار إلى التجوال في بلدان العالم المعروف في أيامه. ويُعدّ ابن بطوطة بحق سيّد الرحالة العرب والمسلمين، حيث استغرقت رحلاته قرابة تسعٍ وعشرين سنة، أطولها الرحلة الأولى التي لم يترك ناحية من نواحي المغرب والمشرق إلاّ وزارها، وشملت جولاته بلدان المغرب العربي، ومصر، وبلاد الشام، وشبه جزيرة العرب، والعراق، وجزءاً من الساحل الشرقي لأفريقية، والأندلس والهند وروسية الجنوبية، وغيرها. وشاهد ابن بطوطة حلول شهر رمضان الكريم في مكة المكرمة، فذكر في رحلته المعروفة لعادات أهل مكة المكرمة في استهلال الشهور قائلاً: " وعادتهم في ذلك أن يأتي أمير مكة في أول يوم من الشهر، وقوّاده يحفلون به، وهو لابس البياض معمم، متقلدٌ سيفاً، وعليه السَكينة والوقار، فيصلي عند المقام الكبير ركعتين ثم يُقَبِّل الحجر، ويشرع في الطواف، ورئيس المؤذنين على أعلى قبة زمزم، فعندما يكمل الأمير شوطاً واحداً ويقصد الحجر لتقبيله يندفع رئيس المؤذنين بالدعاء له والتهنئة بدخول الشهر رافعاً بذلك صوته ثم يذكر شعراً في مدحه ومدح سلفه الكريم ، ويفعل به هكذا في سبعة أشواط، فإذا فرغ منها ركع عند الملتزم ركعتين ثم ركع خلف المقام أيضاً ركعتين ثم انصرف، ومثل هذا سواء يفعل إذا أراد سفراً وإذا قدم من سفر أيضاً". ثم عرض لنا عادة المكيين في شهر رمضان المُعظّم بقوله:
وإذا أهلَّ هلال رمضان تضرب الطبول والدبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقاً… من القُرّاء يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلاّ وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القُرّاء، وترقّ النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين. ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفرداً، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادا، وعاداتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة، وهي عشرون ركعة، يطوف إمامهم وجماعته، فإذا فرغ من الأسبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة وكان ذلك إعلاما بالعودة إلى الصلاة ، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعاً، هكذا إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى، ثم يصلون الشفع والوتر، وينصرفون، وأضاف بالقول: وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئاً، وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم، فيقوم داعياً ومذكراً ومحرضاً على السحور ، والمؤذنون في سائر الصوامع، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه، وقد نصبت في أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد علق فيه قنديلان من الزجاج كبيران يتّقدان، فإذا قرب الفجر، ووقع الأذان بالقطع مرة بعد مرة حطَّ القنديلان، وابتدأ المؤذنون بالأذان، وأجاب بعضهم بعضاً. ولديار مكة، شرّفها الله، سطوح فمن بَعُدَت داره بحيث لا يسمع الأذان يبصر القنديلين المذكورين فيتسحر حتى إذا لم يبصرهما أقلع عن الأكل. وفي ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة، فإذا ختم نصب له منبر مزين بالحرير، وأُوقِدَ الشمع، وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات.