لبنان
النوبة والرايات والقهوة
تزدان شوارع وطرقات وشرفات البيوت في المدن اللبنانية بالزينة المضاءة، وتُعلق الشرائط الخضراء والنجوم الأثرية والفوانيس الصغيرة التي يُقبل اللبنانيون على شرائها في قباب الجوامع والمساجد ومحيطها. كما يظهر دور التكافل الاجتماعي بصورته الكبيرة خلال أيام الصوم المبارك، وذلك بقيام الجمعيات الخيرية بدورها في مساعدة المحتاجين والمتعففين، وتقديم المحسنين لوجبات الإفطار للصائمين والمحتاجين عن طريق أحد الموسرين. وتشتهر الأطباق اللبنانية في رمضان بأصناف المأكولات حيث يفطر الصائمون على قدح من القمر الدين ويتناولونه على شكل مربى وقت السحور، ومن الأكلات الرمضانية عندهم الخروف المحشي والقوزيوأطباق السمك، مع ضرورة تنوع المقبلات وأبرزها " الفتوش" الطبق اليومي المفضل على موائد الصائمين، والحمص والمخللات.
تتعدد أصناف الحلويات التي يقبل عليها الصائمون في رمضان، وتشتهر العاصمة بيروت بصناعة الحلويات بمختلف أنواعها لاسيما الكلاج فهو حلوى رمضانية لا تظهر في لبنان في غيره، وسرعان ما تختفي من المحلات بعد وداعه. وهناك حلويات أخرى تقدم للصائمين كزنود الست والكنافة بالجبن والقطايف والمعمول والسنيورة والشعيبيات التي تلقى إقبالاً عليها من مختلف طبقات المجتمع.
وتكثر حلقات حفظ القرآن الكريم في الجوامع والمساجد، حيث يقوم حفظة كتاب الله العزيز بإعادة ختمه على شكل حلقات.. وتبرز مظاهر الاحتفالات برمضان من خلال أعلام الزينة التي ترتفع في كل مكان، واطلاق الأسهم النارية. وأما المقاهي الشعبية فيؤمها مرتادوها بعد صلاة التراويح لقضاء ساعات من السمر الثقافي والاستماع إلى بعض الدروس، ومشاهدة بعض الفنون المحلية. ومن مظاهر رمضان في لبنان في النصف الثاني منه مشاهدة الأطفال" الوداع" الذين يشكلون حلقة ذكر النوبة تطوف بإدارة المسحراتي إلى كل بيوت المنطقة فيأخذون العيدية وهم يحملون الرايات الملونة والطبل والصنوج للإعلان عن وقت السحور في ليالي الصيام. واللافت للنظر أنّ صورة المسحراتي القديمة ما تزال ماثلة أمام الناس وهو يطوف الشوارع ويقرع بطبلته منادياً:
قوموا على سحوركم
جاي رمضان يزوركم
لقد تغيرت صورة المسحراتي عن الماضي إذ استحدثت اليوم فرق تضم من عشرة إلى عشرين شاباً يتجولون معاً في الأحياء والأزقة الشعبية وينشدون أناشيد رمضانية يدعون من ورائها الناس للنهوض لتناول طعام السحور.
إنّ لعيد الفطر عادات وتقاليد متبعة في المدن اللبنانية فكان احتفاء الناس بمقدمه في الماضي، فعندما يثبت حلول العيد، يصعد بضعة رجال من الأئمة والخطباء ورجال الدين إلى المئذنة بالتهليل والتكبير معلنين حلول عيد الفطر السعيد، فيفرح الناس ويتهللون ويبدأ العيد. ويتزين الرجال والنساء والأولاد قبل شروق فجر أول أيامه بأحسن ما عندهم ويذهب الرجال جماعات لأداء صلاة العيد في الجوامع والمساجد، ثم يذهبون بعدها لزيارة موتاهم، حيث يوزع كل واحد صدقة على أرواحهم ويعطي كل واحد الفطرة المفروضة عليه للفقراء، ثم يعودون لتهنئة الأئمة والخطباء، ويكون هؤلاء قد أعدوا السفرة في الغرفة الكبيرة عندهم، وعليها المآكل المتنوعة، مثل الكبة والشوربة والأرز المطبوخ باللحم واليخني بالحمص واللحم واللبن. فيدخل الناس قائلين:
عيدكم مبارك،
أيامكم سعيدة
فيجيبهم صاحب البيت:
علينا وعليكم،
وأيامكم سعيدة
ثم يأكل الناس، وتبقى السفرة مفروشة من الصباح حتى المساء. أمّا اليوم فيتهيأ الأهل للعيد بتوجههم إلى المحلات لشراء الألبسة الجديدة لأولادهم، لأنّ للباس الجديد جزء من العيد في منظور المحتفلين به. ويبدأ احتفالهم به فور إعلانه رسمياً، فيهنئ الأهل بعضهم البعض. ويقومون بزيارة كبير العائلة وتهنئته بمناسبة العيد، ويحصل الأولاد على العيدية من جدهم وجداتهم، ثم يتابع الناس التهنئة باتجاه الأصغر سنّاً، بعدها يعودون إلى المنزل حيث يبدأ المُهنّئون بزيارتهم في بيوتهم. ومن تقاليد التحلية تقديم الحلوى في عيد الفطر أثناء زيارات المعايدة وتبادل التهاني مع فنجان القهوة والمعمول، ومن الحلويات المقدمة للضيوف الكلاج والمفروكة والمدلوقة وشعبيات ونقول الشوكولاته والدبس، والمعمول بالجوز والفستق الحلبي وأقراص التمر والبقلاوة والمِلبَس، ويعتمد الاحتفال بالعيد عند الأطفال على المفرقعات التي ترتبط بعادة إطلاق النار عند الكبار إضافة إلى الذهاب إلى مدن الألعاب لقضاء وقت جميل فيها. وكان" المعلل" من اشهر حلوى الأطفال في العيد، وهو عبارة عن سكر معقود ملون باللون الوردي، وإذا وقع عيد الفطر في فصل الصيف كانوا يشترون قطع الثلج المُحلاة بسوائل ملونة. ثم اصبحوا يقبلون على شراء حلوى يبيعها الباعة المتجولون في الأسواق وفي بحر العيد، وحرج العيد.
الأردن
الخيام واليوم عيدي
ينفرد شهر الصوم في الأردن بتلك الخيام التي ينصبها الأهالي في الأحياء الشعبية لاستخدامها في الجلسات الرمضانية ويشهد السوق الأردني حركة شراء واسعة لتأمين احتياجات الناس من المؤن مثل الأرز والتمر هندي والحلويات وأنواع العصير. ويتم تبادل الأطعمة بين الجيران، علاوة على تبادل الزيارات بين الأهل والأقارب وتفطيرهم في البيوت حيث ينتظر الجميع إعلان أذان المغرب ومدفع الإفطار، ليبدأوا فطورهم الجماعي، بعدما يؤدي الرجال والنساء صلاتي العشاء والتراويح في مساجد الأحياء القريبة.
وكان المسحراتي يتم أخياره في الماضي بالأردن من قبل وجهاء المناطق والحارات وأئمة المساجد، واغلب المسحراتية اليوم هم من ورثوا هذه المهنة عن آبائهم، وكان المسحراتية سابقاً يستخدمون الفناجين النحاسية عن طريق طرقها ببعضها البعض لتنبيه النائمين للسحور مع استخدام الصوت للمناداة عليهم عبر العبارة التالية:
يانايم وحّد الدايم
تسحروا فإنّ في السحور بركة
ثم استبدلت الفناجين بالطبل حتى يصل صوته إلى أبعد مكان، أو الطرق على الأبواب لينادي على صاحب البيت باسمه، أو استخدام مكبر صوت أيام فصل الشتاء الماطر للنداء من فوق المآذن.
ويودع الناس في الليلة السابعة والعشرين شهر الصيام، ويتهيأون لاستقبال عيد الفطر المبارك في الأردن، ويقوم الرجال بإحياء ليلة القدر المباركة في المساجد، بينما كان المسحرون منذ هذه الليلة يقومون بالتوحيش لوداع رمضان بأطرف المدائح قائلين:
لا أوحش الله منك يا رمضان
يا شهر الكرم والإحسان
يا شهر الخير والغفران
أما في الأيام الثلاثة الأخيرة التي يسمونها بـ ليالي الجبر، أي جَبْر خواطر الناس الفقراء والأيتام، فيقومون بإخراج زكاة الفطر. وتنهمك النسوة في ليلة العيد في تنظيف البيوت، ويعكفن على صنع الحلويات مثل المعمول والغريبة وأقراص العيد التي تقدم للضيوف مع القهوة السادة.
ويذهب الناس للترحم على الموتى في المقابر والعودة إلى البيوت وتقسم الزيارات على عدد أيام العيد، فأول يوم العيد تتم الزيارات المكثفة للوالدين والأخوات والأخوة والجيران والأصدقاء، وتقدم العيدية للأطفال، وتعقد الاجتماعات العائلية في ثاني يوم من أيام العيد، وتتم معايدة الأصدقاء الآخرين في أخر أيام العيد، مع اصطحاب الأولاد للتنزه في الحدائق العامة ومدن الألعاب وهم في أبهى زينة. وينشد الأطفال بعض الأغاني الخاصة بهم وهم يلهون في المراجيح ومنها أغنيتهم التي تقول:
اليوم عيــدي يا لالا
والبيت جديـدي يا لالا
فستان مكشكش يا لالا
ع عالصدر مرشرش يا لالا
اليوم العيد وبنعيِّـد
نذبح بقرة السيِّــد
والسيِّد مالو بقـرة
نذبح بنته هالشقرة
ولأهل المناطق الريفية تقليد يحرصون عليه في أول أيام عيد الفطر، فبعد صلاة العيد يتناول أهالي القرية طعام الفطور بالديوان- أو البيت الكبير. وتكون مائدة الغذاء مخصصة لطبق المنسف الذي يتألف من الأرز ولحم الغنم أو الدجاج واللبن ويُسمى الجميد - اللبن المُجفف- ويتم تحليله بالماء، ويسخن على النار حتى يختلط بماء اللحم المسلوق وليتم وضع الأرز في الصينية ثم اللحم المسلوق بعدها يُصبُّ المرق الذي يميل لونه إلى اللون الأبيض وهو ذاته لون الجميد. وللبدو نوع من الحلوى خاص بالعيد يُسمى لزّاجيات ويصنع من الطحين والعسل الأبيض.
فلسطين
الحوّايـــة والمعـمـــــول
يلاحظ على ليالي الشهر المبارك في المدن والقرى الفلسطينية السّهر والبهجة والترفيه البريء، فعقب غروب الشمس تُضاء الطرقات والشوارع والمآذن والمحلات التجارية في الأسواق، التي تعرض أنواعاً من الحلويات والبذورات والأشربة الخاصة بصائمي رمضان.
ومن أصناف الأطعمة الرمضانية التي تحرص النسوة في المدن الفلسطينية على تقديمها ضمن مائدة الفطور المقلوية وتتكون من الأرز ومقلي الباذنجان أو الزهرة أو البطاطا، وكذلك البصل المقلي والثوم، ويوضع اللحم بعد النضج أسفل الوعاء–الحلة- وتضاف إلى الثوم المقلي والأرز التوابل ويسكب المرق ليوضع على نار هادئة حتى النضج، ثم تضاف إليه ملعقة سمن على الأرز، وبعد ذلك تقلب في صينية وتقدم كما هي مع اللبن "الزبادي" أو سلطة خضار.
ولليالي الشهر الكريم في الأرض المحتلة طعمها الخاص للتواصل مع العادات المتوارثة بين الأجيال، ومن تلك العادات التي تقدم في ليالي رمضان المبارك تشكيل فرقة جوالة تعرف بـ الحوّاية، أو المدّاحة التي تجوب الأحياء والأزقة بعد تناول الفطور. ويقف أفرادها في زاوية مظلمة من دهاليز أحد البيوت ويشرعون منشدين بصوت واحد:
لولا فلان ما جينا( يسمون صاحب البيت)،
حلُّو الكيس وأعطونا،
أعطونا حلاوانا، صحنين بقلاوة،
جاي علينا جاي،
بأيدنا العصاي نضرب الحواية،
وإرغيفين شلبيات،
وارغيفين حلبيات،
حي الله يا بلاد الشام،
فيها الخوخ والرمان،
دولابي يا دولابي،
يا سكر حلابي