بسم الله الرحمن الرحيم
فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم
للعلامة ابن قيم الجوزية
فتاوى في مسائل من العقيدة
فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى ، فقال : هل تضارون في رؤية الشمس صحواً في الظهيرة ليس دونها سحاب؟ قالوا : لا ، فقال :هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب؟ قالوا : لا ، قال: فإنكم ترونه كذلك متفق عليه .
وسئل : كيف نراه ونحن ملء الأرض وهو واحد ؟ فقال : أنبئكم عن ذلك في آلاء الله ، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ، ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه . ذكره أحمد .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن مسألة القدر ، وما يعمل الناس فيه ، أمر قد قضي وفرغ منه، أم أمر يستأنف؟ فقال: بل أمر قد قضي وفرغ منه ، فسئل حينئذ ، ففيم العمل ؟ فأجاب بقوله : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان من أهل السعادة
فسييسر لعمل أهل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ قوله تعالى : فأما من أعطى واتقى إلى آخر الآيتين . ذكره مسلم .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم ، هل يعلمه الله ؟ فقال : نعم ، [ذكره مسلم].
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أين كان ربنا قبل أن تخلق السموات والأرض ؟ فلم ينكر على السائل ، وقال : كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء [ذكره أحمد].
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن مبدأ هذا العالم ، فأجاب بأن قال: كان الله ولم يكن شئ غيره، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شئ . [ذكره البخاري].
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض ؟ فقال : على الصراط ، وفي لفظ آخر : هم في الظلمة دون الجسر ، فسئل : من أول الناس إجازة ، فقال: فقراء المهاجرين ، [ذكره مسلم].
ولا تنافي بين الجوابين ، فإن الظلمة أول الصراط ، فهناك مبدأ التبديل ، وتمامه وهم على الصراط .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : فسوف يحاسب حساباً يسيراً 'الانشقاق : 8 ' فقال : ذلك العرض ، [ذكره مسلم].
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال : زيادة كبد الحوت، فسئل صلى الله عليه وسلم : ما غذاؤهم على إثره ؟ فقال : ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ، فسئل صلى الله عليه وسلم : ما شرابهم عليه فيها؟ فقال : من عين فيها تسمى سلسبيلاً . [ذكره مسلم].
وسئل صلى الله عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ فقال : نور أنى أراه . [ذكره مسلم].
فذكر الجوار ، ونبه على المانع من الرؤية ، وهو النور الذي هو حجاب الرب تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شئ .
وسئل صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله كيف يجمعنا ربنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع ؟ فقال للسائل : أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية ، فقلت : لا تحيى أبداً ، ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياماً ، ثم أشرفت عليها وهي شربة واحدة ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض . [ذكره أحمد].
وسئل صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه ؟ فقال : تعرضون عليه بادية له صفحاتكم ، لا تخفى عليه خافية منكم ، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء ، فينضح بها قلبكم، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه واحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء ، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحميم الأسود . [ذكره أحمد].
وسئل صلى الله عليه وسلم : بم نبصر ، وقد حبس الشمس والقمر؟ فقال للسائل: بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس، وذلك في يوم أشرقت فيه الأرض ، ثم واجهته الجبال ، فسئل صلى الله عليه وسلم : بم نجزى من حسناتنا وسيئاتنا ؟ فقال : الحسنة بعشرة أمثالها ، والسيئة بمثلها أو يعفو ، فسئل صلى الله عليه وسلم على ما نطلع من الجنة، فقال : على أنهار من عسل مصفى ، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وماء غير آسن ، وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون ، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة، فسئل صلى الله عليه وسلم : ألنا فيها أزواج ؟ فقال : الصالحات للصالحين ، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ، ويلذونكم ، غير أن لا توالد . [ذكره أحمد] .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية إتيان الوحي إليه، فقال: يأتيني أحياناً مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً . [متفق عليه] .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن شبه الولد بأبيه تارة ، وبأمه تارة ، فقال: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها . [متفق عليه].
وأما ما رواه مسلم في صحيحه أنه قال: إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنث بإذن الله .
فكان شيخنا يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظاً، ويقول : المحفوظ هو اللفظ الأول، والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي ، وإنما هو بأمر الرب تبارك وتعالى للملك أن يخلقه كما يشاء ، ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة .
قلت : فإن كان هذا اللفظ محفوظاً فلا تنافى بينه وبين اللفظ الأول ، ويكون سبق الماء سبباً للشبه ، وعلوه على ماء الآخر سبباً للإذكار والإيناث ، والله أعلم .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون ، فيصاب من ذراريهم ونسائهم ، فقال : هم منهم . حديث صحيح .
ومراده صلى الله عليه وسلم بكونهم منهم : التبعية في أحكام الدنيا، وعدم الضمان ، لا التبعية في عقاب الآخرة ، فإن الله تعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : ولقد رآه نزلة أخرى 'النجم :13 ' فقال : إنما هو جبريل عليه السلام، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين . [ذكره مسلم].
ولما نزل قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون 'الزمر :30 ،31 ] سئل صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال : نعم ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه ، فقال الزبير : والله إن الأمر لشديد .
وسئل صلى الله عليه وسلم: كيف يحشر الكافر على وجهه؟ فقال : أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادراً على أن يمشيه في الآخرة على وجهه؟
وسئل صلى الله عليه وسلم : هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟ فقال : أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحداً، حيث يوضع الميزان حتى يعلم: أيثقل ميزانه أم يخف، وحيث تتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أو من شماله أو من وراء ظهره ، وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم ، على حافتيه كلاليب وحسك، يحبس الله به من يشاء من خلقه ، حتى يعلم أينجو أم لا ينجو .
وسئل صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله الرجل يحب القوم، ولما يعمل بأعمالهم، فقال : المرء مع من أحب .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الكوثر ، فقال : هو نهر أعطانيه ربي في الجنة ، هو أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر ، قيل : يا رسول الله إنها لناعمة. قال : أكلتها أنعم منها .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال : الأجوفان: الفم والفرج، وعن أكثر ما يدخلهم الجنة، فقال : تقوى الله وحسن الخلق .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة ، مع من تكون منهم يوم القيامة؟ فقال : تخير ، فتكون مع أحسنهم خلقاً .
وسئل صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم؟ فقال : أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، قيل : ثم ماذا؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قيل : ثم ماذا ؟ قال أن تزني بحليلة جارك .
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال : الصلاة على وقتها ، وفي لفظ : لأول وقتها، قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله، قيل : ثم ماذا ؟ قال : بر الوالدين .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : يا أخت هارون 'مريم :28' وبين عيسى وموسى عليهما السلام ما بينهما، فقال : كانوا يسمون بأنبيائهم، وبالصالحين قبلهم .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أول أشراط الساعة ، فقال : نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب .
وهذه إحدى مسائل عبد الله بن سلام الثلاث .
والمسألة الثانية: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟
والثالثة: سبب شبه الولد بأبيه وأمه، فولدها الكاذبون، وجعلوها كتاباً مستقلاً، سموه مسائل عبد الله بن سلام، وهي هذه الثلاثة في صحيح البخاري .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة 'المؤمنون : 60 '، فقال : هم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، ويخافون أن لا يقبل منهم .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم 'الأعراف : 172 ' الآية، فقال: إن الله تعالى خلق آدم، ثم مسح على ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم 'المائدة : 105' فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الأدوية والرقى، هل ترد من القدر شيئاً؟ فقال: هي من القدر .
وسئل صلى الله عليه وسلم عمن يموت من أطفال المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين . وليس هذا قولاً بالتوقف كما ظنه بعضهم، ولا قولاً بمجازاة الله لهم على ما يعلم منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جواب فصل، وأن الله يعلم ماهم عاملوه، وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة ، لا على مجرد علمه ، كما صرحت به سائر الأحاديث ، واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن سبأ: هل هو أرض أم امرأة، فقال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب ، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة ، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا، فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار ، فقال رجل : يا رسول الله وما أنمار؟ فقال : الذين منهم خثعم وبجيلة .
وسئل عن قوله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة 'يونس : 64 ' فقال صلى الله عليه وسلم : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن ، أو ترى له .
وسئل عن أفضل الرقاب، يعني في العتق، فقال: أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمناً .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الجهاد ، فقال: من عقر جواده وأريق دمه .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة، فقال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر ، وتأمل الغنى .