(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الحادي عشر

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-04-2008, 02:10 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي فتاوى ابن تيمية _ الجزء الحادي عشر

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ‏.‏
سُئِلَ شيخ الإسلام ـ قدسَ اللَّه روحَهُ ـ عن ‏(‏الصوفية‏)‏ وأنهم أقسام و‏(‏الفقراء‏)‏ أقسام، فما صفة كل قسم‏؟‏ وما يجب عليه ويستحب له أن يسلكه ‏؟‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه‏.‏أما لفظ ‏(‏الصوفية‏)‏‏:‏ فإنه لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ؛ كالإمام أحمد ابن حنبل، وأبي سليمان الداراني، وغيرهما‏.‏ وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري، وتنازعوا في المعنى الذي / أضيف إليه الصوفي، فإنه من أسماء النسب؛ كالقرشي، والمدني، وأمثال ذلك‏.‏
فقيل‏:‏ إنه نسبة إلى ‏(‏أهل الصفة‏)‏ وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل‏:‏ صُفِّيّ‏.‏ وقيل‏:‏ نسبة إلى الصف المقدم بين يدي اللّه، وهو أيضًا غلط؛ فإنه لو كان كذلك لقيل‏:‏ صَفِّيّ‏.‏ وقيل‏:‏ نسبة إلى الصفوة من خلق اللّه وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل‏:‏ صفوي‏.‏ وقيل‏:‏ نسبة إلى صوفـة بن بشر بن أدِّ بن طابخـة، قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك، وهذا وإن كان موافقًا للنسب من جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا؛ لأن هؤلاء غير مشهورين، ولا معروفين عند أكثر النساك، ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى، ولأن غالب من تكلم باسم ‏(‏الصوفى‏)‏ لا يعرف هذه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافًا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود لها في الإسلام‏.‏
وقيل ـ وهو المعروف ـ ‏:‏ إنه نسبة إلى لبس الصوف؛ فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد‏[‏عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة البصرى شيخ الصوفية وواعظهم، لحق الحسن البصرى وغيره‏.‏ قال البخارى‏:‏ تركوه‏.‏ وقال النسائى‏:‏ متروك الحديث‏.‏ وقال الجوزجانى‏:‏ سيئ المذهب، ليس من معادن الصدق‏.‏ توفى بعد الخمسين ومائة من الهجرة‏.‏ ‏[‏ سير أعلام النبلاء 7/178 ـ 180، ميزان الاعتدال 2/372، 376‏]‏‏.‏
وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان فى البصرة من المبالغة فى الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك، /مالم يكن في سائر أهل الأمصار؛ ولهذا كان يقال ‏:‏ فقه كوفي، وعبادة بصرية‏.‏ وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف، فقال‏:‏ إن قوما يتخيرون الصوف، يقولون‏:‏ أنهم متشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس القطن وغيره، أو كلاما نحوا من هذا‏.‏
ولهذا غالب ما يحكي من المبالغة في هذا الباب إنما هو عن عباد أهل البصرة، مثل حكاية من مات أو غشى عليه في سماع القرآن، ونحوه‏.‏
كقصة زرارة بن أوفى قاضي البصرة فإنه قرأ في صلاة الفجر‏:‏ ‏{‏فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ‏}‏ ‏[‏ المدثر‏:‏ 8 ‏]‏ فخر ميتا، وكقصة أبي جهير الأعمى الذي قرأ عليه صالح المري فمات، وكذلك غيره ممن روى أنهم ماتوا باستماع قراءته، وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن، ولم يكن في الصحابة من هذا حاله؛ فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين‏:‏ كأسماء بنت أبي بكر، وعبد اللّه بن الزبير، ومحمد بن سيرين، ونحوهم ‏.‏
والمنكرون لهم مأخذان‏:‏
منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا‏.‏ يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال‏:‏ ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ / على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق‏.‏
ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدى الصحابة، كما نقل عن أسماء، وابنهاعبد اللّه‏.‏
والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه، وإن كان حال الثابت أكمل منه؛ ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا‏.‏ فقال‏:‏ قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى ابن سعيد، فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا‏.‏ وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك، وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة، وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب في صدقه‏.‏
لكن الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة في القرآن، وهي وجل القلوب، ودموع العين، واقشعرار الجلود، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 2‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 23‏]‏‏.‏ وقال تعَالى‏:‏ ‏{‏إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِم آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا‏}‏‏[‏مريم‏:‏ 58‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ‏}‏‏[‏المائدة‏:‏ 83 ‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 109‏]‏‏.‏
وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب والرين عليها، والجفاء عن الدين، ماهو مذموم، وقد فعلوا، ومنهم من يظن أن حالهم هذا أكمل الأحوال وأتمها وأعلاها، وكلاطرفي هذه الأمور ذميم‏.‏
بل المراتب ثلاث‏:‏
أحدها‏:‏ حال الظالم لنفسه الذي هو قاسي القلب، لا يلين للسماع والذكر، وهؤلاء فيهم شبه من اليهود‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 74 ‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏ الحديد‏:‏ 16‏]‏ ‏.‏
والثانية‏:‏ حال المؤمن التقي الذي فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه، فهذا الذي يصعق صعق موت، أو صعق غشي، فإن ذلك/ إنما يكون لقوة الوارد، وضعف القلب عن حمله، وقد يوجد مثل هذا في من يفرح أو يخاف أو يحزن أو يحب أمورا دنيوية، يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله‏.‏ ومن عباد الصور من أمرضه العشق أو قتله أو جننه، وكذلك في غيره، ولا يكون هذا إلا لمن ورد عليه أمر ضعفت نفسه عن دفعه، بمنزلة ما يرد على البدن من الأسباب التي تمرضه أو تقتله، أو كان أحدهم مغلوبا على ذلك‏.‏
فإذا كان لم يصدر منه تفريط ولا عدوان، لم يكن فيه ذنب فيما أصابه، فلا وجه للريبة‏.‏ كمن سمع القرآن السماع الشرعي، ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك، وكذلك ما يرد على القلوب مما يسمونه السكر والفنا، ونحو ذلك من الأمور التي تغيب العقل بغير اختيار صاحبها؛ فإنه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن السكران مذموما، بل معذورا فإن السكران بلا تمييز، وكذلك قد يحصل ذلك بتناول السكر من الخمر والحشيشة فإنه يحرم بلانزاع بين المسلمين، ومن استحل السكر من هذه الأمور فهو كافر، وقد يحصل بسبب محبة الصور وعشقها كما قيل‏:‏
سكران‏:‏ سكر هوى، وسكر مدامة**ومــتى إفاقــة من به سكـــــران
/وهذا مذموم، لأن سببه محظور، وقد يحصل بسبب سماع الأصوات المطربة التي تورث مثل هذا السكر، وهذا أيضًا مذموم، فإنه ليس للرجل أن يسمع من الأصوات التي لم يؤمر بسماعها ما يزيل عقله؛ إذ إزالة العقل محرم‏.‏ ومتي أفضى إليه سبب غير شرعي كان محرما، وما يحصل في ضمن ذلك من لذة قلبية أو روحية، ولو بأمور فيها نوع من الإيمان، فهي مغمورة بما يحصل معها من زوال العقل، ولم يأذن لنا اللّه أن نمتع قلوبنا ولا أرواحنا من لذات الإيمان ولا غيرها بما يوجب زوال عقولنا؛ بخلاف من زال عقله بسبب مشروع، أو بأمر صادفه لا حيلة له في دفعه‏.‏
وقد يحصل السكر بسبب لا فعل للعبد فيه، كسماع لم يقصده يهيج قاطنه، ويحرك ساكنه، ونحو ذلك‏.‏ وهذا لا ملام عليه فيه، وما صدر عنه في حال زوال عقله فهو فيه معذور؛ لأن القلم مرفوع عن كل من زال عقله بسبب غير محرم، كالمغمي عليه والمجنون ونحوهما‏.‏
ومن زال عقله بالخمر‏.‏ فهل هو مكلف حال زوال عقله‏؟‏ فيه قولان مشهوران، وفي طلاق من هذه حاله نزاع مشهور، ومن زال عقله بالبنج يلحق به، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وقيل يفرق بينه وبين الخمر؛ لأن هذا يشتهي، وهذا لا يشتهي؛ ولهذا/ أوجب الحد في هذا دون هذا، وهذا هو المنصوص عن أحمد ومذهب أبي حنيفة‏.‏
ومن هؤلاء من يقوى عليه الوارد حتى يصير مجنونًا، إما بسبب خلط يغلب عليه، وإما بغير ذلك، ومن هؤلاء عقلاء المجانين الذين يعدون في النساك، وقد يسمون المولهين ‏[‏المولهين‏:‏ الوَلهُ‏:‏ الحزن، وقيل‏:‏ هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد أو الحزن‏.‏‏‏]‏‏.‏ قال فيهم بعض العلماء‏:‏ هؤلاء قوم أعطاهم اللّه عقولًا وأحوالًا؛ فسلب عقولهم، وأسقط ما فرض بما سلب‏.‏
فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة وصاحبها صادقا عاجزا عن دفعها كان محمودا على ما فعله من الخير وما ناله من الإيمان، معذورا فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره وهم أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب التي تتضمن ترك ما يحبه اللّه أو فعل ما يكرهه اللّه‏.‏
ولكن من لم يزل عقله، مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه فهو أفضل منهم‏.‏ وهذه حال الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أسرى به إلى السماء وأراه اللّه ما أراه، وأصبح كبائت لم يتغير عليه حاله، فحاله أفضل من/ حال موسى صلى الله عليه وسلم الذي خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال موسى حال جليلة علية فاضلة، لكن حال محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأعلا وأفضل‏.‏
والمقصود‏:‏ أن هذه الأمور التي فيها زيادة في العبادة والأحوال خرجت من البصرة، وذلك لشدة الخوف، فإن الذي يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء السليمي وأمثالهما أمر عظيم‏.‏ ولا ريب أن حالهم أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده من خشية اللّه ما قابلهم أو تفضل عليهم‏.‏ ومن خاف اللّه خوفا مقتصدا يدعوه إلى فعل ما يحبه اللّه وترك ما يكرهه اللّه من غير هذه الزيادة فحاله أكمل وأفضل من حال هؤلاء، وهو حال الصحابة رضي اللّه عنهم وقد روى‏:‏ أن عطاء السليمي - رضي اللّه عنه - رؤى بعد موته فقيل له‏:‏ مافعل اللّه بك‏؟‏ فقال‏:‏ قال لي‏:‏ ياعطاء‏!‏ أما استحيت مني أن تخافني كل هذا‏؟‏‏!‏ أما بلغك أني غفور رحيم‏؟‏‏!‏‏.‏
وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال ذلك قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضي اللّه عنهم وعلى ما سنه الرسول أمور توجب أن يصير الناس طرفين ‏:‏
قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما أسرفوا في ذلك‏.‏
/وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها‏.‏
والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين في مسائل القضاء والإمارة ونحو ذلك‏.‏ وخرج فيهم الرأي الذي فيه من مخالفة السنة ما أنكره جمهور الناس‏.‏
وخيار الناس من ‏(‏أهل الفقه والرأي‏)‏ في أولئك الكوفيين على طرفين‏:‏
قوم يذمونهم ويسرفون فى ذمهم ‏.‏
وقوم يغلون في تعظيمهم ويجعلونهم أعلم بالفقه من غيرهم وربما فضلوهم على الصحابة‏.‏ كما أن الغلاة في أولئك العباد قد يفضلونهم على الصحابة، وهذا باب يفترق فيه الناس‏.‏
والصواب‏:‏ للمسلم أن يعلم أن خيرالكلام كلام اللّه، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير القرون القرن الذي بعث فيهم، وأن أفضل الطرق والسبل إلى اللّه ما كان عليه هو وأصحابه، ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا اللّه بحسب اجتهادهم ووسعهم، كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏ التغابن ‏:‏ 16 ‏]‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ / ‏(‏إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏)‏، وقال‏:‏ ‏{‏لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285‏]‏‏.‏ وإن كثيرا من المؤمنين - المتقين أولياء اللّه - قد لا يحصل لهم من كمال العلم والإيمان ماحصل للصحابة، فيتقى اللّه ما استطاع ويطيعه بحسب اجتهاده، فلابد أن يصدر منه خطأ إما في علومه وأقواله وإما في أعماله وأحواله، ويثابون على طاعتهم ويغفر لهم خطاياهم؛ فإن اللّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 285، 286 ‏]‏ قال اللّه تعالى‏:‏ قد فعلت‏.‏
فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء، أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ، ضال مبتدع، ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا، فهو مخطئ ضال مبتدع‏.‏
ثم الناس في الحب والبغض والموالاة والمعاداة هم أيضا مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئون تارة،وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه، أحب الرجل مطلقا، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقا، وأعرض عن حسناته، محاط وحال من يقول / بالتحافظ وهذا من أقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة‏.‏
وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن المؤمن يستحق وعد اللّه وفضله الثواب على حسناته، ويستحق العقاب على سيئاته، وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه، وما يعاقب عليه، وما يحمد عليه وما يذم عليه، وما يحب منه وما يبغض منه، فهذا هذا‏.‏
وإذا عرف أن منشأ ‏(‏التصوف‏)‏ كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد، مما له فيه اجتهاد، كما كان في الكوفة من يسلك من طريق الفقه والعلم ماله فيه اجتهاد، وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهي لباس الصوف‏.‏ فقيل في أحدهم‏:‏ ‏(‏صوفي‏)‏ وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف، ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال‏.‏
ثم‏(‏التصوف‏)‏ عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا في حدوده وسيرته وأخلاقه، كقول بعضهم‏:‏ ‏(‏الصوفي‏)‏ من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر‏.‏ التصوف كتمان المعاني، وترك الدعاوي‏.‏ وأشباه ذلك‏:‏ وهم يسيرون بالصوفي إلى/ معنى الصديق، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون‏.‏ كما قـال اللّــه تعالــى‏:‏ ‏{‏فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏ ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفي؛ لكن هو في الحقيقة نوع من الصديقين، فهو الصديق الذي اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذي اجتهدوا فيه، فكان الصديق من أهل هذه الطريق، كما يقال‏:‏ صديقوا العلماء، وصديقوا الأمراء، فهو أخص من الصديق المطلق، ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم‏.‏
فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين‏:‏ إنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضًا، كل بحسب الطريق الذي سلكه من طاعة اللّه ورسوله بحسب اجتهاده وقد يكونون من أجلِّ الصديقين بحسب زمانهم، فهم من أكمل صديقي زمانهم، والصديق في العصر الأول أكمل منهم، والصديقون درجات وأنواع؛ ولهذا يوجد لك منهم صنف من الأحوال والعبادات، حققه وأحكمه وغلب عليه، وإن كان غيره في غير ذلك الصنف أكمل منه وأفضل منه‏.‏
ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنزع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت ‏(‏الصوفية والتصوف‏)‏‏.‏ وقالوا‏:‏ إنهم / مبتدعون، خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام‏.‏
وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم‏.‏
و‏(‏الصواب‏)‏ أنهم مجتهدون في طاعة اللّه، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة اللّه، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب‏.‏
ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه‏.‏
وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم‏:‏ كالحلاج مثلا؛ فإن أكثر مشائخ الطريق أنكروه، وأخرجوه عن الطريق‏.‏ مثل‏:‏ الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره‏.‏ كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي؛ في ‏(‏طبقات الصوفية‏)‏ وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد‏.‏
فهذا أصل التصوف‏.‏ ثم أنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت / الصوفية ‏(‏ثلاثة أصناف‏)‏‏:‏ صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم‏.‏
فأما ‏(‏صوفية الحقائق‏)‏‏:‏ فهم الذين وصفناهم‏.‏
وأما ‏(‏صوفية الأرزاق‏)‏ فهم الذين وقفت عليهم الوقوف‏.‏ كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق‏.‏فإن هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط‏:‏
‏(‏أحدها‏)‏‏:‏ العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم‏.‏
و‏(‏الثاني‏)‏‏:‏ التأدب بآداب أهل الطريق،وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها‏.‏
و‏(‏الثالث‏)‏‏:‏ أن لا يكون أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جماعا للمال، أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقا فإنه لا يستحق ذلك‏.‏
وأما صوفية الرسم‏:‏ فهم المقتصرون على النسبة،فهمهم في اللباس/ والآداب الوضعية، ونحو ذلك فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع مَّا من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم‏.‏
وأما اسم ‏(‏الفقير‏)‏‏:‏ فإنه موجود في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن المراد به في الكتاب والسنة الفقير المضاد للغني‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ و‏(‏الفقراء والفقر‏)‏ أنواع‏:‏ فمنه المسوغ لأخذ الزكاة‏.‏ وضده الغني المانع لأخذ الزكاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب‏)‏ والغني الموجب للزكاة غير هذا عند جمهور العلماء‏.‏ كمالك والشافعي وأحمد،وهو ملك النصاب وعندهم قد تجب على الرجل الزكاة، ويباح له أخذ الزكاة خلافا لأبي حنيفة‏.‏
واللّه سبحانه قد ذكر الفقراء في مواضع؛ لكن ذكر اللّه الفقراء المستحقين للزكاة في آية والفقراء المستحقين للفيء في آية‏.‏ فقال في الأولى‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ‏}‏ ـ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 271‏:‏ 273‏]‏‏.‏ وقال في الثانية‏:‏ ‏{‏مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى‏}‏ الآية إلى قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7-8‏]‏‏.‏
وهؤلاء ‏[‏الفقراء‏]‏ قد يكون فيهم من هو أفضل من كثير من الأغنياء، وقد يكون من الأغنياء من هو أفضل من كثير منهم‏.‏
وقد تنازع الناس أيما أفضل‏:‏ الفقير الصابر،أوالغني الشاكر‏؟‏ والصحيح‏:‏ أن أفضلهما أتقاهما؛ فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة كما قد بيناه في غير هذا الموضع، فإن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لأنه لا حساب عليهم‏.‏ ثم الأغنياء يحاسبون، فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير، كانت درجته في الجنة أعلى، وإن تأخر عنه في الدخول‏.‏ ومن كانت حسناته دون حسناته كانت درجته دونه؛ لكن لما كان جنس الزهد في الفقراء أغلب صار الفقر في إصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد، وهو من جنس التصوف‏.‏
فإذا قيل‏:‏ هذا فيه فقر أو ما فيه فقر لم يرد به عدم المال، / ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف والأحوال والأخلاق، والآداب ونحو ذلك‏.‏
وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل‏:‏ الفقير، أو الصوفي ‏؟‏ فذهب طائفة إلي ترجيح الصوفي، كأبي جعفر السهروردي ونحوه، وذهب طائفة إلى ترجيح الفقير ـ كطوائف كثيرين ـ وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو ذلك، وأكثر الناس قد رجحوا الفقير‏.‏
والتحقيق أن أفضلهما أتقاهما، فإن كان الصوفي أتقى للّه كان أفضل منه، وهو أن يكون أعمل بما يحبه اللّه، وأترك لما لايحبه فهو أفضل من الفقير، وإن كان الفقير أعمل بما يحبه اللّه وأترك لما لا يحبه كان أفضل منه، فإن استويا في فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا في الدرجة‏.‏
وأولياء اللّه هم المؤمنون المتقون، سواء سمى أحدهم فقيرًا أو صوفيًا أو فقيهًا أو عالمًا أو تاجرًا أو جنديًا أو صانعًا أو أميرًا أو حاكمًا أو غير ذلك‏.‏
قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 62، 63‏]‏‏.‏
/وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏‏.‏ وهذا الحديث قد بين فيه أولياء اللّه المقتصدين، أصحاب اليمين والمقربين السابقين‏.‏
فالصنف الأول‏:‏ الذين تقربوا إلى اللّه بالفرائض‏.‏ والصنف الثاني‏:‏ الذي تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه بالنوافل حتى أحبهم، كما قال تعالى‏.‏
وهذان الصنفان قد ذكرهم اللّه في غير موضع من كتابه كما قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 32‏]‏ وكما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 22-28‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ يشرب /بها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 17، 18‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 8-11‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 88-91‏]‏‏.‏
وهذا الجواب فيه جمل تحتاج إلى تفصيل طويل لم يتسع له هذا الموضع‏.‏ واللّه أعلم‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
0 كن من اهل الجنة
0 قصص التائبين والتائبات
0 العلم , طلب العلم , طالب العلم , فضل طلب العلم
0 الصبر


رد مع اقتباس
قديم 08-04-2008, 02:11 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وسئل‏:‏
ما تقول الفقهاء - رضي اللّه عنهم- في رجل يقول‏:‏ إن الفقر لم نتعبد به، ولم نؤمر به، ولا جسم له، ولا معنى، وأنه غير سبيل موصل إلى رضا اللّه تعالى وإلى رضا رسوله، وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،وإن أصل كل شيء العلم والتعبد به والعمل به، والتقوى والورع عن المحارم، ‏[‏والفقر‏]‏ المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو الزهد في الدنيا، والزهد في الدنيا يفيده العلم الشرعي فيكون الزهد في الدنيا العمل بالعلم، وهذا هو الفقر، فإذا الفقر فرع من فروع العلم،والأمر على هذا‏.‏وما ثم طريق أوصل من العلم والعمل بالعلم، على ما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقول‏:‏ إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزي المشروع في هذه الأعصار من الزي والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضى للّه ولا لرسوله، فهل الأمر كما قال، أو غير ذلك‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏
/ فأجاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية ـ رضي اللّه عنه ـ‏:‏
الحمد للّه‏.‏ أصل هذه ‏[‏المسألة‏]‏ أن الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه، مثل لفظ الإيمان، والبر، والتقوى، والصدق، والعدل، والإحسان، والصبر، والشكر، والتوكل، والخوف والرجاء، والحب للّه، والطاعة للّه وللرسول، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه اللّه ورسوله من القلب والبدن‏.‏ فهذه الأمور التي يحبها اللّه ورسوله هي الطريق الموصل إلى اللّه، مع ترك ما نهى اللّه عنه ورسوله‏:‏ كالكفر، والنفاق والكذب، والإثم والعدوان، والظلم والجزع والهلع، والشرك والبخل والجبن، وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك‏.‏ فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر اللّه به ورسوله فيفعله، وما نهى اللّه عنه ورسوله فيتركه‏.‏ هذا هو طريق اللّه وسبيله ودينه الصراط المستقيم‏.‏ صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين‏.‏
وهذا ‏[‏الصراط المستقيم‏]‏ يشتمل على علم وعمل‏:‏ علم شرعي، وعمل شرعي، فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجرا، ومن عمل بغيرعلم كان ضال ًا، وقد أمرنا اللّه ــ سبحانه ــ أن نقول‏:‏ ‏{‏اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏[‏سورة الفاتحة‏]‏‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اليهود مغضوب عليهم، والنصارى /ضالون‏)‏ وذلك إن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى عبدوا اللّه بغير علم‏.‏
ولهذا كان السلف يقولون‏:‏ احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون‏.‏ وكانوا يقولون‏:‏ من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود؛ ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى‏.‏ فمن دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضل ًا، ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلًا، وأضل منهما من سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورا تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما وهي جهالات‏.‏ وكذلك من سلك في العبادة طريق أهل البدع‏.‏ فيعمل أعمالًا تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات‏.‏ فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر‏.‏ يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة‏.‏ وطريق اللّه لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقا الشريعة‏.‏
فالسالك طريق ‏[‏الفقر والتصوف والزهد والعبادة‏]‏ إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة، وإلا كان ضالًا عن الطريق، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه‏.‏ والسالك من ‏[‏الفقه والعلم والنظر والكلام‏]‏ إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجرا ضالا عن الطريق‏.‏ فهذا هو /الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم‏.‏
وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من اللّه فهو من عمل الجاهلية‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 50‏]‏ ‏.‏
ولا ريب أن لفظ ‏[‏الفقر‏]‏ في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق اللّه، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك؛ بل الفقر عندهم ضد الغنى‏.‏ والفقراء هم الذين ذكرهم اللّه في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 60‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 273‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 8‏]‏ والغني هو الذي لا يحل له أخذ الزكاة، أو الذي تجب عليه الزكاة، أو ما يشبه ذلك؛ لكن لما كان الفقر مظنة الزهد طوعا أو كرها؛ إذ من العصمة ألا تقدر، وصار المتأخرون كثيرًا ما يقرنون بالفقر معنى الزهد، والزهد قد يكون مع الغنى، وقد يكون مع الفقر‏.‏ ففي الأنبياء والسابقين والأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير‏.‏
و‏[‏الزهد‏]‏ المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة اللّه فليس تركه من الزهد المشروع/ بل ترك الفضول التي تشغل عن طاعة اللّه ورسوله هو المشروع‏.‏ وكذلك في أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ الصوفي؛ لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد، ومن قال إن الصوفي نسبة إلى الصفة، أو الصفا أو الصف الأول، أو صوفة بن بشر بن أد بن طابخة، أو صوفة القفا؛ فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى؛ لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض، بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر، أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار، ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه، فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار، ويكون معه من الإيمان بدين اللّه تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه‏.‏
ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر، وكان من القدرية كالمعتزلة ونحوهم،الذين هم مجوس هذه الأمة، فهؤلاء يشبهون المجوس، وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس، ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب ــ سبحانه ــ وخاصمه، كما نقل ذلك عنه‏.‏ فهذا التقسيم في القول والاعتقاد‏.‏
وكذلك هم في ‏[‏الأحوال، والأفعال‏]‏ فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي اللّه فيفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر علي ما يصيبه / من المقدور، فهو عند الأمر والدين والشريعة، ويستعين باللّه علي ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏ وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات، ولا يرى المخلوق حجة على رب الكائنات؛ بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به، كما في الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد‏:‏ ‏(‏اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك مااستطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفرلي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏)‏ فيقر بنعمة اللّه عليه في الحسنات‏.‏ ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى‏.‏ ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها‏.‏ كما قال بعضهم‏:‏ أطعتك بفضلك، والمنة لك‏.‏ وعصيتك بعلمك، والحجة لك‏.‏ فأسألك بوجوب حجتك علي، وانقطاع حجتي إلا غفرت لي ‏.‏
وفي الحديث الصحيح الإلهي‏:‏ ‏(‏يا عبادي‏!‏ إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها،فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏)‏ وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
وآخرون قد يشهدون ‏[‏الأمر‏]‏ فقط، فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة، لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب/ لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر‏.‏ وآخرون يشهدون ‏[‏القدر‏]‏ فقط، فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر اللّه ورسوله، واتباع شريعته، وملازمته ما جاء به الكتاب والسنة من الدين‏.‏ فهؤلاء يستعينون اللّه ولا يعبدونه، والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه، والمؤمن يعبده ويستعينه‏.‏
والقسم الرابع‏:‏ شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه،فلا هو مع الشريعة الأمرية، ولا مع القدر الكوني‏.‏ وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل المقدور من توكل واستعانة، ونحو ذلك‏.‏ وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك، فهم في التقوى هي طاعة الأمر الديني، والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام‏:‏
أحدها‏:‏ أهل التقوى والصبر، وهم الذين أنعم اللّه عليهم أهل السعادة في الدنيا والآخرة‏.‏
والثاني‏:‏ الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها، ويتركون المحرمات؛ لكن إذا أصيب أحدهم/ في بدنه بمرض ونحوه أو ماله أو في عرضه، أو ابتلى بعدو يخيفه، عظم جزعه، وظهر هلعه‏.‏
والثالث‏:‏ قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى‏:‏ مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص، والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب، وأخذ الحرام، والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها، وكذلك طلاب الرياسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها كثير من الناس‏.‏
وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام، وهؤلاء هم الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرياسة، والعلو على الخلق، ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك، يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور، وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب‏:‏ كالمرض والفقر وغير ذلك، ولا يكون فيه تقوى إذا قدر‏.‏
/وأما القسم الرابع‏:‏ فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا، ولا يصبرون إذا ابتلوا؛ بل هم كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 19- 21‏]‏‏.‏ فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا، إن قهرتهم ذلوا لك، ونافقوك، وحبوك واسترحموك، ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل، وتعظيم المسؤول، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس، وأقساهم قلبا، وأقلهم رحمة وإحسانا وعفوا‏.‏ كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد‏:‏ مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون، ومن يشبههم في كثير من أمورهم، وإن كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق‏.‏ فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏.‏
فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم، كان شبيها لهم من هذا الوجه، وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه، بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار‏.‏ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبه‏:‏ ‏(‏خير الكلام كلام اللّه، و خير/ الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة‏)‏‏.‏
وإذ كان خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدي هدي محمد، فكل من كان إلى ذلك أقرب، وهو به أشبه، كان إلى الكمال أقرب، وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه أضعف، كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق‏.‏ والكامل هو من كان للّه أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر اللّه به ورسوله، وأعظم موافقة للّه فيما يحبه ويرضاه، وصبر على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك‏.‏
وقد ذكر اللّه تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه، وبين أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين والمعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 125 ‏]‏ وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ‏}‏ آل عمران‏:‏ 186‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 118‏:‏ 120‏]‏ وقال إخوة يوسف له‏:‏ ‏{‏أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ّ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏90‏]‏‏.‏
وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عمومًا وخصوصًا فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 109‏]‏‏.‏ وفي اتباع ما أوحى إليه التقوى كلها‏:‏ تصديقًا لخبر اللّه، وطاعة لأمره، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ
اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 114، 115‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 130‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ َ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 45‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏ فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر‏.‏
/وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 17‏]‏ وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها، فإن القسمة أيضا رباعية‏.‏ إذ من الناس من يصبر ولا يرحمك كأهل القوة والقسوة، ومنهم من يرحم ولا يصبر‏:‏ كأهل الضعف واللين، مثل كثير من النساء ومن يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع،والمحمود هو الذي يصبر ويرحم؛ كما قال الفقهاء في صفة المتولي‏:‏ ينبغي أن يكون قويا من غير عنف، لينا من غير ضعف، فبصبره يقوى، وبلينه يرحم، وبالصبر ينصرالعبد، فإن النصر مع الصبر، وبالرحمة يرحمه اللّه تعالى‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من لم يرحم لا يرحم‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا تنزع الرحمة إلا من شقي، الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء‏)‏‏.‏ واللّه أعلم، انتهى‏.‏
سُئِلَ شَيْخُ الإِسْلاَم وقدوة الأنام ومفتى الفرق وناصر السنة‏:‏ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ـ رضي اللّه عنه ـ عن ‏(‏أهل الصفة‏)‏ كم كانوا‏؟‏ وهل كانوا بمكة أو بالمدينة‏؟‏ وأين موضعهم الذي كانوا يقيمون فيه‏؟‏ وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة ‏؟‏ أو كان منهم من يقعد بالصفة‏؟‏ ومنهم من يتسبب في القوت‏؟‏ وما كان تسببهم ‏؟‏ هل يعملون بأبدانهم، أم يشحذون بالزنبيل ‏[‏الزنبيل‏:‏ خطأ لغة، والصواب‏:‏ الزبِّيِل‏:‏ وهى القفة أو الجراب، وهو الوعاء الذى يحمل فيه‏:‏ جمع زُبُل وزبُلان‏.‏ انظر‏:‏ معجم متن اللغة 3/14‏]‏ ‏؟‏ وفي من يعتقد أن ‏[‏أهل الصفة‏]‏ قاتلوا المؤمنين مع المشركين ‏؟‏ وفيمن يعتقد أن ‏[‏أهل الصفة‏]‏ أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم ‏؟‏ ومن الستة الباقين من العشرة‏؟‏ وهل كان في ذلك الزمان أحد ينذر لأهل الصفة ‏؟‏ وهل تواجدوا على دف أو شبابة ‏[‏الشبابة‏:‏ آلة طرب متخذة من القصب المجوف‏.‏ يقال لها‏:‏ اليراع ويعبر عنها بالمزمار العراقى وهى معروفة إلى اليوم‏.‏ انظر‏:‏ معجم متن اللغة 3/264‏]‏ ‏؟‏ أو كان لهم حاد ينشد الأشعار ويتحركون عليها بالتصدية ويتواجدون‏؟‏
وعن هذه الآية وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 28‏]‏ هل هي مخصوصة بأهل الصفة ‏؟‏ أم هي / عامة ‏؟‏ وهل الحديث الذي يرويه كثير من العامة ويقولون‏:‏ إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي للّه‏:‏ لا الناس يعرفونه ولا الولي يعرف أنه ولي‏)‏ صحيح ‏؟‏ وهل تخفى حالة الأولياء أو طريقتهم على أهل العلم أو غيرهم‏؟‏ ولماذا سمي الولي وليا؛ وما المراد بالولي‏؟‏‏.‏
وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة‏؟‏ وما الفقراء الذين أوصى بهم في كلامه، وذكرهم سيد خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته‏.‏ هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا ‏؟‏‏.‏
فأجاب‏:‏ شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيميه ـ رضي اللّه عنه ـ بقلمه ما صورته‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏
أما ‏[‏الصفة‏]‏ التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شمالي المسجد بالمدينة النبوية، كان يأوى إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوى إليه؛ وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى أمر نبيه/ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية، حين آمن من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج، وبايعهم بيعة العقبة عند منى، وصار للمؤمنين دار عز ومنعة، جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة، وكان المؤمنون السابقون بها صنفين‏:‏ المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم، والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر‏.‏ وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس، وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم‏.‏
فكل هذه ‏[‏الأصناف‏]‏ مذكورة في القرآن، وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم‏.‏قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏:‏ 74‏]‏ فهذا في السابقين‏.‏
ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٌ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 57‏]‏ ،وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 100‏]‏
وذكر في السورة الأعراب المؤمنين، وذكر المنافقين من أهل المدينة ومن حولها، وقال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 97-99‏]‏‏.‏
فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله، أو بغير أهله؛ لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم، ويواسوهم، وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل عنده منهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار، وآخى بينهم، ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئًا بعد شيء؛ فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه‏.‏
والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه، وتارة بسراياه /فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا وتارة ظاهرا فقط، ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء والأغنياء، والأهلين والعزاب، فكان من لم يتيسر له مكان يأوى إليه، يأوى إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد، بل منهم من يتأهل، أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له‏.‏ ويجيء ناس بعد ناس، فكانوا تارة يقلون، وتارة يكثرون، فتارة يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر، وتارة يكونون ستين وسبعين‏.‏
وأما جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم، فقد قيل‏:‏ كانوا نحو أربعمائة من الصحابة، وقد قيل‏:‏ كانوا أكثر من ذلك ولم يعرف كل واحد منهم‏.‏
وقد جمع أسماءهم ‏[‏الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي‏]‏ في كتاب ‏[‏تاريخ أهل الصفة‏]‏ جمع ذكر من بلغه أنه كان من ‏[‏أهل الصفة‏]‏ وكان معتنيا بذكر أخبار النساك، والصوفية؛ والآثار التي يستندون إليها، والكلمات المأثورة عنهم؛ وجمع أخبار زهاد السلف، وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة؛ وكم بلغوا، وأخبار الصوفية المتأخرين بعد القرون الثلاثة‏.‏
وجمع أيضا في الأبواب‏:‏ مثل حقائق التفسير، ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه، ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة، ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال، وغير ذلك من الأبواب‏.‏ وفيما جمعه فوائد كثيرة، ومنافع جليلة‏.‏
/وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل‏.‏وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير‏.‏ويروي أحيانا أخبارا ضعيفة بل موضوعة‏.‏ يعلم العلماء أنها كذب‏.‏
وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه‏.‏
وكان البيهقي إذا روى عنه يقول‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه، وما يظن به وبأمثاله إن شاء اللّه تعمد الكذب، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية؛ فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث، مثل ثابت البناني ‏[‏أبو محمد ثابت بن أسلم البنانى البصرى، كان من أئمة أهل العلم والعمل، ولد فى خلافة معاوية، وثقه العجلى والنسائى وابن حبان، وغيرهم، توفى سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل‏:‏ سبع وعشرين‏.‏ ‏[‏تهذيب التهذيب 2/2، وسير أعلام النبلاء 5/220 ــ 223‏]‏، والفضيل ابن عياض، وأمثالهما ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط، وضعف‏.‏ مثل مالك بن دينار وفرقد السبخي ‏[‏هو فرقد بن يعقوب السبخى أبو يعقوب البصرى من سبخة البصرة، وقيل‏:‏ من سبخة الكوفة، روى عن أنس وسعيد بن جبير‏.‏ قال البخارى‏:‏ فى حديثه مناكير، وقال النسائى‏:‏ ليس بثقة، وقال يعقوب بن شيبة‏:‏ رجل صالح ضعيف الحديث جدًا، وقال ابن حبان‏:‏ كانت فيه غفلة ورداءة حفظ فكان يرفع المراسيل وهو لا يعلم‏.‏ وقال ابن سعد‏:‏ مات بالطاعون سنة 131 هـ‏.‏ ‏[‏تهذيب التهذيب 8/262، 263‏]‏
ونحوهما‏.‏
وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال‏.‏ فيه من الهدى والعلم شيء كثير‏.‏ وفيه ـ أحيانا ـ من الخطأ أشياء؛ وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ‏.‏ وبعضه باطل قطعا‏.‏ مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة‏.‏ وذكر عن بعض طائفة أنواعا من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة‏.‏ واستدلالات مناسبة‏.‏ وبعضها من نوع الباطل واللغو‏.‏
/فالذي جمعه ‏[‏الشيخ أبو عبد الرحمن‏]‏ ونحوه في ‏[‏تاريخ أهل الصفة‏]‏ وأخبار زهاد السلف، وطبقات الصوفية، يستفاد منه فوائد جليلة، ويجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة، ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة‏.‏
وهكذا كثير من أهل الروايات، ومن أهل الآراء والأذواق، من الفقهاء والزهاد والمتكلمين، وغيرهم‏.‏ يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم، وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى، ودين الحق، الذي بعث اللّه به رسوله‏.‏ ويوجد ـ أحيانا ـ عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير‏.‏
ومن له في الأمة لسان صدق عام، بحيث يثنى عليه، ويحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل، فهم بعداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن، وما تهوى الأنفس







من مواضيع : الغريب 0 صلاة الخوف , احكام صلاة الخوف . صلاه الخوف
0 العشر الاواخر من رمضان _ احكام العشر الاواخر
0 من أنت يا ابن آدم
0 فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثالث
0 الحب , حب , الحبيب , معنى الحب


رد مع اقتباس
قديم 08-04-2008, 02:13 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فصـل
وأما حال ‏[‏أهل الصفة‏]‏ هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة، أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات، فكما وصفهم اللّه تعالى في كتابه، حيث بين مستحقي الصدقة منهم، ومستحقي الفيء منهم‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 271‏:‏ 273‏]‏‏.‏ وقال في أهل الفيء‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 8‏]‏‏.‏
وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى اللّه ورسوله من الكسب، وأما إذا أحصروا في سبيل اللّه عن الكسب، فكانوايقدمون ما هو أقرب إلى اللّه ورسوله، وكان أهل الصفة ضيوف /الإسلام، يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده، فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق‏.‏
وأما ‏[‏المسألة‏]‏ فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث حرمها على المستغنى عنها، وأباح منها أن يسأل الرجل حقه، مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال اللّه،أو يسأل إذا كان لابد سائلًا الصاحلين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك، ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقًا، حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلايقول لأحد‏:‏ ناولني إياه‏.‏
وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل‏.‏ وكلام العلماء لا يسعه هذا المكان‏.‏ مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب‏:‏ ‏(‏ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك‏)‏ ومثل قوله‏:‏ ‏(‏من يستغن يغنه اللّّه ومن يستعفف يعفه اللّه، ومن يتصبر يصبره اللّه، وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر‏)‏ ومثل قوله‏:‏ ‏(‏من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشا ‏[‏خدوشا‏:‏ خدش الجلد‏:‏ قشره بعود أو نحوه‏.‏ خدشه، يخدشه خدشا والجمع خُدُوش‏.‏ اننظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/14‏]‏، أو خموشا ‏[‏خموشا‏:‏ هو بمعنى الخدوش‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر لا بن الأثير 2/80‏]‏، أو كدوشا ‏[‏كدوشا‏:‏ الكدش‏:‏ الجرح‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر لابن الأثير 4/155‏]‏ ‏(‏في وجهه‏)‏ ومثل قوله‏:‏ ‏(‏لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه‏)‏ إلى غير ذلك من الأحاديث‏.‏
/وأما الجائز منها فمثل ما أخبر اللّه تعالى عن موسى والخضر‏:‏ أنهما أتيا أهل قرية فاستطعما أهلها‏.‏ ومثل قوله‏:‏ ‏(‏لا تحل المسألة إلا لذي دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع ‏[‏مدقع‏:‏ أى‏:‏ شديد يفضى بصاحبه إلى الدقعاء‏.‏ وقيل‏:‏ هو سوء احتمال الفقر‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر 2/127‏]‏‏)‏ ومثل قوله لقبيصة بن مخارق الهلالي‏:‏ ‏(‏يا قبيصة‏!‏ لا تحل المسألة إلا لثلاثة‏:‏ رجل أصابته جائحه ‏[‏جائحة‏:‏ الجائحة هى الآفة التى تهلك الثمار والأموال وتستأصلها‏.‏ انظر‏:‏ اللسان، مادة ‏[‏جوح‏]‏ ‏]‏ اجتاحت ماله‏:‏ فسأل حتى يجد سدادا ‏[‏السداد‏:‏ هو مايفى من الشىء وماتسد بها الحاجة انظر‏:‏ النهاية 2/353‏]‏ من عيش، أو قواما ‏[‏قواما من عيش‏:‏ أى يجد ماتقوم به حاجته من معيشة‏.‏ انظر‏:‏ النهاية 4/124‏]‏ من عيش، ثم يمسك‏.‏ ورجل أصابته فاقة ‏[‏ فاقة‏:‏ فقر وحاجة‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر لابن الأثير 3/480‏]‏، حتي يقوم ثلاثة من ذوي الحجا ‏[‏الحجا‏:‏ العقل‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1/348 ‏]‏ من قومه فيقولون‏:‏ لقد أصابت فلانًا فاقة، فسأل حتى يجد سدادا من عيش، أو قوامًا من عيش، ثم يمسك، ورجل تحمل حمالة فسأل حتي يجد حمالته، ثم يمسك‏.‏ وما سوى ذلك من المسألة فإنما هي سحت يأكله صاحبه سحتًا ‏[‏السحت‏:‏ الحرام‏.‏ الذى لايحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/345‏]‏‏)‏‏.‏
ولم يكن في الصحابة - لا أهل الصفة ولا غيرهم - من يتخذ مسألة الناس، ولا الإلحاف في المسألة بالكدية، والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة، بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك، كما لم يكن في الصحابة أيضا أهل فضول من الأموال يتركون، لا يؤدون الزكاة ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله، ولا يعطون في النوائب‏.‏ بل هذان الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر، من مانعي الزكاة، والحقوق الواجبة، والمتعدين حدود اللّه تعالى في أخذ أموال الناس كانا معدومين في الصحابة المثنى عليهم‏.‏
فصـل
وأما من قال‏:‏ إن أحدًا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو تابعي التابعين قاتل مع الكفار، أو قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه، أو أنهم كانوا يستحلون ذلك، أو أنه يجوز ذلك‏.‏ فهذا ضال غاو؛ بل كافر يجب أن يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ ‏{‏وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 115‏]‏؛ بل كان أهل الصفة وغيرهم كالقراء الذين قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على من قتلهم من أعظم الصحابة إيمانًا وجهادًا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونصرًا للّه ورسوله، كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 8‏]‏‏.‏
وقال‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏‏.‏
وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوات متعددة، وكان القتال منها في تسع مغاز‏:‏ مثل بدر‏.‏ وأحد‏.‏ والخندق‏.‏ وخيبر‏.‏ وحنين‏.‏ وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا، ثم عادوا يوم حنين، ونصرهم الله ببدر وهم أذلة، وحصروا في الخندق حتى دفع اللّه عنهم أولئك الأعداء، وفي جميع المواطن كان يكون المؤمنون من أهل الصفة وغيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقاتلوا مع الكفار قط، وإنما يظن هذا ويقوله من الضلال والمنافقين قسمان‏:‏
‏[‏قسم‏]‏ منافقون‏.‏ وإن أظهروا الإسلام، وكان في بعضهم زهادة وعبادة، يظنون أن إلى اللّه طريقا غير الإيمان بالرسول ومتابعته، وإن من أولياء اللّه من يستغنى عن متابعة الرسول، كاستغناء الخضر عن متابعة موسى‏.‏ وفي هؤلاء من يفضل شيخه أو عالمه أو ملكه على النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إما تفضيلاً مطلقًا، أو في بعض صفات الكمال‏.‏ وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم‏.‏
فإن اللّه تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين‏:‏ إنسهم وجنهم وزهادهم وملوكهم‏.‏ وموسى عليه السلام إنما بعث إلى/ قومه لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه؛ بل قال له‏:‏ إني على علم من علم اللّه تعالى علمنيه اللّه لا تعلمه، وأنت على علم من علم اللّه علمكه اللّه لا أعلمه‏.‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة‏.‏ وبعثت إلى الناس عامة‏)‏ وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 158‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 28‏]‏‏.‏
والقسم الثاني‏:‏ من يشاهد ربوبية اللّه تعالى لعباده التي عمت جميع البرايا، ويظن أن دين اللّه الموافقة للقدر، سواء كان في ذلك عبادة اللّه وحده لا شريك له، أو كان فيه عبادة الأوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه، وسواء كان فيه الإيمان بكتبه ورسله، أو الإعراض عنهم والكفر بهم، وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض، وبين المتقين والفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين، ويجعلون الإيمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان، وأهل الجنة كأهل النار، وأولياء اللّه كأعداء الله، وربما جعلوا هـذا من ‏[‏باب الرضــا بالقــضاء‏]‏ وربما جعلوه ‏[‏التوحيد والحقيقة‏]‏ بنـاء على أنه توحيـد الربوبية الذي يقر به المشركون، وأنه ‏[‏الحقيقة الكونية‏]‏‏.‏
/وهؤلاء يعبدون اللّه على حرف‏:‏ فإن أصابهم خير اطمأنوا به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم،خسروا الدنيا والآخرة، وغالبهم يتوسعون في ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتالًا للّه، ويجعلون أعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس اللّه وذاته، ويقولون‏:‏ ما في الوجود غيره، ولا سواه، بمعنى أن المخلوق هو الخالق، والمصنوع هو الصانع‏.‏ وقد يقولون‏:‏ ‏{‏لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 148‏]‏ ويقولون‏:‏ ‏{‏أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 47‏]‏‏.‏
إلى نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي شر من مقالات اليهود والنصارى، بل ومن مقالات المشركين والمجوس، وسائر الكفار، من جنس مقالة فرعون والدجال، ونحوهما ممن ينكر الصانع الخالق البارئ رب العالمين، أو يقولون‏:‏ إنه هو، أو أنه حل فيه‏.‏
وهؤلاء كفار بأصلي الإسلام وهما‏:‏ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول الله ‏.‏
فإن التوحيد الواجب أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئًا، ولا نجعل له ندا في إلهيته، لا شريكا ولا شفيعا‏.‏ فأما ‏[‏توحيد الربوبية‏]‏ وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء، فهذا قد أقر به المشركون الذين قال اللّه فيهم‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 106‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ تسألهم من خلق السموات والأرض‏؟‏ فيقولون‏:‏ / اللّّه، وهم يعبدون غيره‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ‏}‏ ‏[‏ الـزمر‏:‏ 38 ‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 84‏:‏ 89‏]‏‏.‏
فالكفار المشركون مقرون أن اللّه خالق السموات والأرض، وليس في جميع الكفار من جعل للّه شريكا مساويا له في ذاته وصفاته وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط، لا من المجوس الثنوية،ولا من أهل التثليث، ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة،ولا من عباد الأنبياء والصالحين، ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم؛ فإن جميع هؤلاء - وإن كانوا كفارًا مشركين متنوعين في الشرك - فهم مقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته، وجميع أفعاله؛ ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته، بأن يعبدوا معه آلهة أخرى، يتخذونها شفعاء أو شركاء؛ أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب، وخالق ذلك الخلق‏.‏
وقد أرسل اللّه جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب بالتوحيد / الذي هو عبادة اللّه وحده، لا شريك له‏.‏ كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونَِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏25‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ َ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏45‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏51، 52‏]‏ ‏.‏
وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم‏:‏ ‏{‏أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏3‏]‏ فكل الرسل دعوا إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم‏.‏
والإيمان بالرسل، هو ‏[‏الأصل الثاني‏]‏ من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن محمدا رسول اللّه إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه اللّه، والدين ما شرعه، فهو كافر‏:‏ مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه وشرعته وطاعته؛ إما عمومًا وإما خصوصًا‏.‏ ويجوز إعانة الكفار والفجار على إفساد دينه وشرعته‏.‏
/ويحتجون بما يفترونه‏:‏ إن أهل الصفة قاتلوه‏.‏ وإنهم قالوا‏:‏ نحن مع اللّه، من كان اللّه معه كنا معه، يريدون بذلك القـدر و ‏[‏الحقيقة الكونية‏]‏ دون الأمر و ‏[‏الحقيقة الدينية‏]‏ ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار، ويخفرهم بقلبه وهمته، وتوجهه من ذوي الفقر، ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء اللهّّ، وإن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل‏.‏ وإن كان لأصحابه زهد وعبادة، فهم في العباد مثل أوليائهم من التتار ونحوهم في الأجناد فإن ‏(‏المرء على دين خليله‏)‏ و ‏(‏المرء مع من أحب‏)‏‏.‏ هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جعل اللّه المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكافرين بعضهم أولياء بعض‏.‏
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين من الإسلام مع عبادتهم العظيمة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم‏.‏ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية‏.‏ أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند اللّه لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد‏)‏ وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما خرجوا عن شريعة رسول الله/ صلى الله عليه وسلم وسنته، وفارقوا جماعة المسلمين، فكيف بمن يعتقد أن المؤمنين كانوا يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم ‏؟‏‏!‏
ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين‏:‏ أن أهل الصفة سمعوا ما خاطب اللّه به رسوله ليلة المعراج؛ وإن اللّه أمره ألا يعلم به أحدا‏.‏ فلما أصبح وجدهم يتحدثون، فأنكر ذلك، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏(‏أنا أمرتك ألا تعلم به أحدًا؛ لكن أنا الذي أعلمتهم به‏)‏‏.‏
إلى أمثال هذه الأكاذيب التي هي من أعظم الكفر‏.‏ وهي كذب واضح؛ فإن ‏[‏أهل الصفة‏]‏ لم يكونوا إلا بالمدينة؛ لم يكن بمكة أهل صفة؛ والمعراج إنما كان من مكة؛ كما قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏1‏]‏‏.‏
ومما يشبه هذا من بعض الوجوه‏:‏ رواية بعضهم عن عمر أنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث هو أبو بكر وكنت كالزنجي بينهما‏.‏
وهذا من الإفك المختلق‏.‏ ثم أنهم مع هذا يجعلون عمر الذي سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه، وهو أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام، بل كان كالزنجي‏.‏ ويدعون أنهم هم سمعوه وعرفوه ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات الكفرية التي يزعم أنها ‏[‏علم الأسرار والحقائق‏]‏ ويريدون بذلك إما الاتحاد وإما تعطيل الشرائع ونحو ذلك‏.‏ مثل ما تدعي النصيرية / والإسماعيلية؛ والقرامطة والباطنية الثنوية، والحاكمية وغيرهم، من الضلالات المخالفة لدين الإسلام‏.‏ وما ينسبونه إلى علي بن أبي طالب؛ أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عنضب، وغير ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة، وكل هذا باطل‏.‏
فإنه لما كان لآل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم به اتصال النسب والقرابة، وللأولياء الصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة، صار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته، وأهل موالاته ومتابعته، وصار كثير من الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء، أو من هؤلاء، حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، وحتى يخالف كتاب اللّه وسنة رسوله، وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل الموالاة له والمتابعة، وهذا كثير في أهل الضلال‏.‏
/ فصـــل
وأما تفضيل ‏[‏أهل الصفة‏]‏ على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال، بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفًا ومرفوعا، وكما دل على ذلك الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة، وبعدهما عثمان وعلي وكذلك سائر أهل الشورى‏:‏ مثل طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف، وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراج ـ أمين هذه الأمة ـ ومع سعيد بن زيد‏.‏
هم العشرة المشهود لهم بالجنة‏.‏
قال اللّه عز وجل في كتابه‏:‏ ‏{‏لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏10‏]‏‏.‏ ففضل اللّه السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم على التابعين بعدهم، وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 18‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏100‏]‏ فرضى اللّه سبحانه عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار‏.‏
/وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم، وهؤلاء الذين فضلهم اللّه ورسوله‏.‏ فمنهم من هو من أهل الصفة، وأكثرهم لم يكونوا من أهل الصفة، والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة إلا سعد بن أبي وقاص‏.‏ فقد قيل‏:‏ إنه أقام بالصفة مرة، وأما أكابر المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة، ومثل سعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير، وعباد بن بشر، وأبي أيوب الأنصاري، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ونحوهم، فلم يكونوا من ‏[‏أهل الصفة‏]‏ بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين؛ لأن الأنصار كانوا في ديارهم‏.‏ ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم‏.‏
فصـــل
وأما سماع المكاء والتصدية‏:‏ وهو الإجتماع لسماع القصائد الربانية، سواء كان بكف، أو بقضيب، أو بدف، أو كان مع ذلك شبابة، فهذا لم يفعله أحد من الصحابة، لا من أهل الصفة ولا من غيرهم؛ بل ولا من التابعين، بل القرون المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏)‏ لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع، لا في الحجاز ولا في الشام / ولا في اليمن، ولا العراق ولامصر، ولاخراسان ولا المغرب‏.‏ وإنما كان السماع الذي يجتمعون عليه سماع القرآن، وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه، فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ، والباقي يستمعون، وقد روى ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم‏)‏ وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى‏:‏ يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون‏.‏ وكان وجدهم على ذلك، وكذلك إرادة قلوبهم وكل من نقل أنهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب، أو أنهم لما أنشد بعض القصائد تواجدوا على ذلك‏.‏ أو أنهم مزقوا ثيابهم، أو أن قائلًا أنشدهم‏:‏
قد لسعـت حيـة الهوى كبدي**فلا طبيب لها ولا راقـــي
إلا الطبيب الذي شغفـت بــه**فعنده رقيتي وترياقــــي
أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال‏:‏ ‏(‏إن الفقراء يدخلون / الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم‏)‏ أنشدوا شعرا وتواجدواعليه، فكل هذا وأمثاله إفك مفترى، وكذب مختلق باتفاق أهل الاتفاق من أهل العلم والإيمان، لا ينازع في ذلك إلاجاهل ضال، وإن كان قد ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل العلم والإيمان‏.‏
فصـــل
وأما قوله‏:‏‏{‏وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏28‏]‏ فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف؛ مثل الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة، فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، سواء كانوا من ‏[‏أهل الصفة‏]‏ أو غيرهم، أمر اللّه نبيه بالصبر مع عباده الصالحين؛ الذين يريدون وجهه، وإلا تعد عيناه عنهم، تريد زينة الحياة الدنيا‏.‏ وهذه الآية في الكهف وهي سورة مكية‏.‏ وكذلك الآية التي في سورة الأنعام‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏52‏]‏‏.‏
/وقد روى أن هاتين الآيتين نزلنا في المؤمنين المستضعفين لما طلب المتكبرون أن يبعدهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه فنهاه الله عن طرد من يريد وجه الله وإن كان مستضعفا ثم أمره بالصبر معهم، وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة وقبل وجود الصفة؛ لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم‏.‏
والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذين هم أولياء الله وإن كانوا فقراء ضعفاء، ولا يتقدم أحد عند الله بسلطانه وماله ولا بذله وفقره، وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح، فنهى اللّه نبيه أن يطيع أهل الرياسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفًا أو فقيرًا وأمره ألا يطرد من كان منهم يريد وجهه، وأن يصبر نفسه معهم في الجماعة التي أمر فيها بالاجتماع بهم، كصلاة الفجر والعصر، ولا يطيع أمر الغافلين عن ذكر اللّه المتبعين لأهوائهم‏.‏
فصـــل
وأما الحديث المروي‏:‏ ‏(‏ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله‏)‏ فمن الأكاذيب ليس في شيء من دواوين الإسلام، وكيف والجماعة قد يكونون كفارا أو فساقا يموتون على ذلك‏؟‏‏!‏‏.‏
/ فصـــل
وأولياء اللّه هم ‏{‏الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏63‏]‏ كما ذكر اللّه تعالى في كتابه‏.‏ وهم ‏(‏قسمان‏)‏‏:‏ المقتصدون أصحاب اليمين‏.‏ والمقربون السابقون‏.‏
فولي اللّه ضد عدو اللّه، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏62، 63‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏55، 56‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏1‏]‏، وقال‏:‏‏{‏وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏19‏]‏ وقال‏:‏‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏50‏]‏‏.‏
وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها‏.‏ فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه‏)‏‏.‏
/و‏[‏الولي‏]‏ مشتق من الولاء وهو القرب كما أن العدو من العدو وهو البعد‏.‏ فولي اللّه من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته، وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته‏.‏ وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الصنفين المقتصدين من أصحاب اليمين، وهم المتقربون إلى اللّه بالواجبات، والسابقين المقربين وهم المتقربون إليه بالنوافل بعد الواجبات‏.‏
وذكر اللّه الصنفين في ‏[‏سورة فاطر‏]‏ و‏[‏الواقعة‏]‏ و‏[‏الإنسان‏]‏ و‏[‏المطففين‏]‏ وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه صرفًا يمزج لأصحاب اليمين‏.‏
والولي المطلق هو من مات على ذلك‏.‏ فأما إن قام به الإيمان والتقوى وكان في علم اللّه أنه يرتد عن ذلك، فهل يكون في حال إيمانه وتقواه وليا للّه أو يقال‏:‏ لم يكن وليا لله قط لعلم اللّه بعاقبته ‏؟‏ هذا فيه قولان للعلماء‏.‏وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر‏:‏ هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من الأعمال بعد كماله، أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب الشمس في صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته‏.‏ فيه أيضًا قولان‏:‏ للفقهاء والمتكلمين والصوفية‏.‏
والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد/ وغيرهم وكذلك يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم‏.‏ لكن أكثر اصحاب أبي حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يشترط سلامة العاقبة، وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث‏:‏ كالأشعري، ومن متكلمي الشيعة ويبنون على هذا النزاع ‏:‏ أن ولي اللّه هل يصير عدوا لله وبالعكس ‏؟‏ ومن أحبه الله ورضي عنه‏.‏ هل أبغضه وسخط عليه في وقت ما وبالعكس ‏؟‏ ومن أبغضه اللّه وسخط عليه هل أحبه اللّه ورضى عنه، في وقت ما على القولين ‏؟‏
والتحقيق هو الجمع بين القولين‏.‏ فإن علم اللّه القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه، وبغضه وسخطه، وولايته وعداوته لا يتغير‏.‏ فمن علم اللّه منه أنه يوافى حين موته بالإيمان والتقوى فقد تعلق به محبة اللّه وولايته ورضاه عنه أزلًا وأبدًا، وكذلك من علم اللّه منه أنه يوافى حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض اللّه وعداوته، وسخطه أزلًا وأبدًا لكن مع ذلك فإن اللّه تعالى يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته‏.‏ وقد يقال‏:‏ إنه يبغضه ويمقته على ذلك، كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى، ويحب ما يأمر به ويرضاه، وقد يقال إنه يواليه حينئذ على ذلك‏.‏
والدليل على ذلك‏:‏ اتفاق الأئمة على أن من كان مؤمنًا ثم ارتد، /فإنه لا يحكم بأن إيمانه الأول كان فاسدا، بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل الإكمال؛ وإنما يقال كما قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏5‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏65‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏88‏]‏ ولو كان فاسدا في نفسه لوجب الحكم بفساد أنكحته المتقدمة،وتحريم ذبائحه، وبطلان إرثه المتقدم، وبطلان عباداته جميعها، حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلًا، ولو صلى مدة بقوم ثم ارتد كان عليهم أن يعيدوا صلاتهم خلفه، ولو شهد أو حكم ثم ارتد لوجب أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك‏.‏ وكذلك أيضا الكافر إذا تاب من كفره، لو كان محبوبًا لله وليا له في حال كفره، لوجب أن يقضي بعدم أحكام ذلك الكفر، وهذا كله خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع‏.‏
والكلام في هذه ‏[‏المسألة‏]‏ نظير الكلام في الأرزاق والآجال وهي أيضا مبنية على ‏[‏قاعدة الصفات الفعلية‏]‏ وهي قاعدة كبيرة‏.‏
وعلى هذا يخرج جواب السائل، فمن قال‏:‏ إن ولي اللّه لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى، فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره‏.‏ ومن قال‏:‏ قد يكون وليا للّه من كان مؤمنًا تقيًا وإن لم تعلم عاقبته فالعلم به أسهل‏.‏
/ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره، ولكنه قليل ولا يجوز لهم القطع على ذلك، فمن ثبتت ولايته بالنص، وإنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص‏.‏ وأما من شاع له لسان صدق في الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك‏؟‏ هذا فيه نزاع بين أهل السنة، والأشبه أن يشهد له بذلك‏.‏ هذا في الأمر العام‏.‏
وأما‏[‏خواص الناس‏]‏ فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف اللّه لهم، لكن هذا ليس ممن يجب التصديق العام به، فإن كثيرًا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظانا في ذلك ظنًا لا يغني من الحق شيئًا، وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة؛ ويخطئون أخرى؛ كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد؛ ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب اللّه وسنة رسوله؛ ولا يكتفوا بمجرد ذلك، فإن سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب؛ وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ أو صديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدثه قلبه عن ربه‏.‏
ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم /وطاعته في جميع أموره الباطنة والظاهرة، ولو كان أحد يأتيه من اللّه مالا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض دينه‏.‏
وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى‏.‏ ومن قال هذا فهو كافر‏.‏
وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏52‏]‏ فقد ضمن اللّه للرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته، ولم يضمن ذلك للمحدث، ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره‏:‏ ‏(‏وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏)‏‏.‏
ويحتمل واللّه أعلم ألا يكون هذا الحرف متلوًا، حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان في أمنية المحدث؛ فإن نسخ ما ألقى الشيطان ليس إلا للأنبياء والمرسلين؛ إذ هم معصومون فيما يبلغونه عن اللّه تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان، وغيرهم لا تجب عصمته من ذلك، وإن كان من أولياء اللّه المتقين، فليس من شرط أولياء اللّه المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورًا لهم؛ بل / ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقًا، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة‏.‏
وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ َ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏33-35‏]‏ فقد وصفهم اللّه بأنهم هم المتقون‏.‏
و‏[‏المتقون‏]‏ هم أولياء اللّه، ومع هذا فأخبر أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان‏.‏
وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشائخ، ومن يعتقدون أنه من الأولياء‏.‏ فالرافضة تزعم أن ‏[‏الأثناعشر‏]‏ معصومون من الخطأ والذنب‏.‏
ويرون هذا من أصول دينهم، والغالية في المشائخ قد يقولون‏:‏ إن الولي محفوظ والنبي معصوم‏.‏ وكثير منهم إن لم يقل ذلك بلسانه؛ فحاله حال من يرى أن الشيخ والولي لا يخطئ ولا يذنب؛ وقد بلغ الغلو بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي وأفضل منه، وإن زاد الأمر جعلوا له نوعا من الإلهية، وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية‏.‏
فإن في النصارى من الغلو في المسيح والأحبار والرهبان ما ذمهم اللّه عليه في القرآن؛ وجعل ذلك عبرة لنا؛ لئلا /نسلك، سبيلهم، ولهذا قال سيد ولد آدم ‏:‏‏(‏لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم‏.‏ فإنما أنا عبد فقولوا‏:‏ عبد اللّه؛ ورسوله‏)‏‏.‏
فصـــل
وأما ‏(‏الفقراء‏)‏ الذين ذكرهم اللّه في كتابه فهم صنفان‏:‏ مستحقوا الصدقات، ومستحقوا الفيء‏.‏
أما مستحقوا الصدقات فقد ذكرهم اللّه في كتابه في قوله‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏271‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏60‏]‏‏.‏
وإذا ذكر في القرآن اسم ‏[‏الفقير‏]‏ وحده، و ‏[‏المسكين‏]‏ وحده ـ كقوله‏:‏ ‏{‏فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏89‏]‏ ـ فهما شيء واحد، وإذا ذكرا جميعًا فهما صنفان‏.‏ والمقصود بهما أهل الحاجة‏.‏ وهم الذين لا يجدون كفايتهم، لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه، فمن كان كذلك من المسلمين استحق الأخذ من الصدقات المفروضة، والموقوفة والمنذورة، والموصى بها، وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع المسألة معروف عند أهل العلم‏.‏
وضد هؤلاء ‏[‏الأغنياء‏]‏ الذين تحرم عليهم الصدقة، ثم هم / ‏[‏نوعان‏]‏‏:‏ نوع تجب عليهم الزكاة، وإن كانت الزكاة تجب على من قد تباح له عند جمهور العلماء ‏.‏
ونوع لا تجب عليه الزكاة‏.‏
وكل منهما قد يكون له فضـل عن نفقاتـه الواجبة، وهـم الذين قـال اللّه فيهـم‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏219‏]‏‏.‏ وقد لا يكون له فضل، وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف هم أغنياء باعتبار غناهم عن الناس، وهم فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها‏.‏
وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم، لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على مخارجها ومصارفها، فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء، وإن لم يكن من أهل الزكاة، ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم، فقد يكونون بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم، كما تقدم أغنياء الأنبياء والصديقين من السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم‏.‏ ومن هنا قال الفقراء‏:‏ ‏(‏ذهب أهل الدثور بالأجور‏)‏ وقيل لما ساواهم الأغنياء في العبادات البدنية، وامتازوا عنهم بالعبادات المالية‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء‏}‏ فهذا هو ‏[‏الفقير‏]‏ في عرف الكتاب والسنة‏.‏
/وقد يكون الفقراء سابقين، وقد يكونون مقتصدين، وقد يكونون ظالمي أنفسهم كالأغنياء، وفي كلا الطائفتين ‏:‏المؤمن الصديق، والمنافق الزنديق‏.‏
وأما المستأخرون فـ ‏[‏الفقير‏]‏ في عرفهم عبارة عن السالك إلى اللّه تعالى، كماهو ‏[‏الصوفي‏]‏ في عرفهم أيضًا، ثم منهم من يرجح مسمى ‏[‏الصوفي‏]‏ على مسمى ‏[‏الفقير‏]‏ لأنه عنده الذي قام بالباطن والظاهر ومنهم من يرجح مسمي الفقير؛ لأنه عنده الذي قطع العلائق، ولم يشتغل في الظاهر بغير الأمور الواجبة، وهذه منازعات لفظية اصطلاحية‏.‏
و‏[‏التحقيق‏]‏ أن المراد المحمود بهذين الاسمين، داخل في مسمى الصديق، والولي والصالح، ونحو ذلك من الأسماء التي جاء بها الكتاب والسنة، فمن حيث دخل في الأسماء النبوية، يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة، وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلًا وليس بفضل، أو مما يوالي عليه صاحبه غيره، ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها زيادة الدرجة في الدين والدنيا، فهي أمور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات كالصناعات، فهذا لا بأس به، بشرط ألا يعتقد أن تلك المباحات من الأمور المستحبات‏.‏ وإما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين اللّه‏:‏ من أنواع البدع والفجور‏.‏ فيجب النهي عنه كما جاءت به الشريعة‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 ماذا تريد المرأة ,وما حالها ,ولماذا؟
0 الباكين من خشية الله
0 أبو سفيان بن حرب
0 المعاشرة الزوجية , رسالة الى كل زوج وزوجة
0 رسالة لمستخدمين الانترنت


رد مع اقتباس
قديم 08-04-2008, 02:13 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وسئل‏:‏ عن قوم يقولون‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى باب ‏[‏أهل الصفة‏]‏ فاستأذن، فقالوا‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا محمد، قالوا‏:‏ ماله عندنا موضع الذي يقول‏:‏ أنا‏.‏ فرجع ثم استأذن ثانية، وقال‏:‏ أنا محمد مسكين، فأذنوا له‏.‏ فهل يجوز التكلم بهذا‏.‏ أم هو كفر‏؟‏
فأجاب‏:‏
هذا الكلام من أعظم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ‏[‏أهل الصفة‏]‏ فإن ‏[‏أهل الصفة‏]‏ لم يكن لهم مكان يستأذن عليهم فيه، إنما كانت الصفة في شمالي مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يأوى إليها من لا أهل له من المؤمنين، ولم يكن يقيم بها ناس معينون، بل يذهب قوم ويجىء آخرون، ولم يكن ‏[‏أهل الصفة‏]‏ خيار الصحابة؛ بل كانوا من جملة الصحابة؛ ولم يكن أحد من الصحابة يستخف بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر‏.‏ ومن فعل ذلك فهو كافر ومن اعتقد هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ واللّه أعلم‏.
سئل ـ رحمه الله ـ عن قوم يروون عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحاديث لا سند لهم بها‏.‏ فيقولون‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا من اللّه، والمؤمنون مني يتسمون بالأهوية منه‏)‏، فهل هذا صحيح أم لا ‏؟‏ ويقرءون بينهم أحاديث، ويزعمون أن عمر ـ رضي اللّه عنه ـ قال‏:‏ كان أبو بكر ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتحدثان بحديث أبقى بينهما كأني زنجي، لا أفقه، فهل يصح هذا أم لا‏؟‏
ويتحدثون عن أصحاب الصفة بأحاديث كثيرة‏:‏ منها أنهم يقولون‏:‏ إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجدهم على الإسلام من قبل أن يبعث فوجدهم على الطريق، وأنهم لم يكونوا يغزون معه حقيقة، وأنه ألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة، فلما فر المسلمون منهزمين ضربوا بسيوفهم في عسكر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقالوا‏:‏ نحن حزب اللّه الغالبون، وزعموا أنهم لم يقتلوا إلا منافقين في تلك المرة، فهل يصح ذلك أم لا‏؟‏
والمسؤول تعيين ‏[‏أصحاب الصفة‏]‏ كم هم من رجل‏؟‏ ومن كانوا من/ الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ويزعمون أن اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ لما عرج بنبيه صلى الله عليه وسلم أوحى اللّه إليه مائة ألف سر، وأمره ألا يظهرها على أحد من البشر‏.‏ فلما نزل إلى الأرض وجد أصحاب الصفة يتحدثون بها‏.‏ فقال‏:‏ يارب، إنني لم أظهر على هذا السر أحدًا، فأوحى اللّه إليه أنهم كانوا شهودًا بيني وبينك، فهل لهذه الأشياء صحة أم لا‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه رب العالمين، جميع هذه الأحاديث أكاذيب مختلقة، ليتبوأ مفتريها مقعده من النار‏.‏لا خلاف بين جميع علماء المسلمين ـ أهل المعرفة وغيرهم ـ أنها مكذوبة مخلوقة، ليس لشيء منها أصل؛ بل من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فإنه كافر؛ يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وليس لشيء من هذه الأحاديث أصل البتة‏.‏ ولا توجد في كتاب، ولا رواها قط أحد ممن يعرف اللّه ورسوله‏.‏
فأما الحديث الأول ـ قوله‏:‏ ‏(‏أنا من اللّه والمؤمنون مني‏)‏ ـ فلا يحفظ هذا اللفظ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي‏:‏ ‏(‏أنت مني وأنا منك‏)‏ كما قال اللّه ـ سبحانه‏:‏ ‏{‏بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏195‏]‏ أي‏:‏ أنتم نوع واحد، متفقون في القصد والهدى، كالروحين اللتين تتفقان في صفاتهما؛ وهي الجنود المجندة التي/ قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف‏)‏‏.‏
وأما أن يكون الخلق جزءًا من الخالق تعالى، فهذا كفر صريح يقوله أعداء اللّه النصارى، ومن غلا من الرافضة؛ وجهال المتصوفة ومن اعتقده فهو كافر‏.‏ نعم‏!‏ للمؤمنين العارفين باللّه المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة، ولا يعرفه حق المعرفة إلا من أدركه وناله، والرب رب، والعبد عبد؛ ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته؛ وليس أحد من أهل المعرفة باللّه يعتقد حلول الرب تعالى به، أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به‏.‏
وإن سمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ، فكثير منه مكذوب، اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحية؛ الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة النصرانية‏.‏
والذي يصح منه عن الشيوخ له معان صحيحة؛ ومنه ما صدر عن بعضهم في حال استيلاء حال عليه، ألحقه تلك الساعة بالسكران الذي لا يميز ما يخرج منه من القول، ثم إذا ثاب عليه عقله وتمييزه ينكر ذلك القول، ويكفر من يقوله، وما يخرج من القول في حال غيبة /عقل الإنسان لا يتخذه هو ولا غيره عقيدة، ولا حكم له، بل القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه والسكران الذي سكر بغير سبب محرم؛ مثل من يسقى الخمر وهو لا يعرفها أو أوجرها حتى سكر أو أطعم البنج وهو لا يعرفه، فكذلك‏.‏
وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلال اللّه وعظمته وجماله أمورا عظيمة، تصادف قلوبًا رقيقة، فتحدث غشيًا وإغماءً‏.‏ ومنها ما يوجب الموت‏.‏ ومنها ما يخل العقل‏.‏ وإن كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا كما لا يعتري الناقصين عنهم؛ لكن يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم، وضعف المحل المورود عليه، فمن اغتر بما يقولونه أو يفعلونه في تلك الحال كان ضالًا مضلًا‏.‏
وإنما ‏[‏الأحوال الصحيحة‏]‏ مثل ما دل عليه ما رواه البخاري في صحيحه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال‏:‏ ‏(‏من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشـي بهـا‏.‏ فبي يسـمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وماترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن/ قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏‏.‏
فانظر كيف قال في تمام الحديث‏:‏ ‏(‏فبي يسمع، وبي يبصر، ولئن سألني، ولئن استعاذني‏)‏ فميز بين الرب وبين العبد، ألا تسمع إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏72‏]‏، وقال‏:‏‏{‏وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏75‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏171-172‏]‏‏.‏
وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ يابن آدم ‏!‏ مرضت فلم تعدني فيقول‏:‏ رب ‏!‏ كيف أعودك، وأنت رب العالمين‏؟‏‏!‏ فيقول‏:‏ أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلوعدته لوجدتني عنده‏)‏ ‏.‏
وذكر في الجوع والعري مثل ذلك‏.‏ فانظر كيف عبر في أول الحديث بلفظ /مرضت ثم فسره في تمامه؛ بأن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده، فميز بين الرب والعبد، والعبد العارف باللّه تتحد إرادته بإرادة اللّه، بحيث لا يريد إلا مايريده اللّه أمرًا به ورضا، ولا يحب إلا ما يحبه اللّه، ولا يبغض إلا ما يبغضه اللّه، ولا يلتفت إلى عذل العاذلين، ولوم اللائمين، كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏54‏]‏‏.‏
والكلام في مقامات العارفين طويل‏.‏
وإنما الغرض أن يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا النصارى، وسلكوا سبيل أهل ‏[‏الحلول، والاتحاد‏]‏ وكذبوا على اللّه ورسوله‏.‏ وكذبوا اللّه ورسوله، وبين العالمين باللّه والمحبين له أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء، كما اشتبه على كثير من الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبي بمحمد ابن عبد اللّه رسول اللّه حقًا، حتى صدقوا الكاذب وكذبوا الصادق‏.‏ واللّه قد جعل على الحق آيات وعلامات وبراهين‏.‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏40‏]‏‏.‏
وأما حديث عمر‏:‏ أنه كان كالزنجي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، فكذب مختلق، نعم‏!‏ كان أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - أقرب الناس إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم،وأولاهم به، وأعلمهم بمراده لما يسألونه عنه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام العربي الذي يفهمه الصحابة ـ رضي اللّه عنهم‏.‏
ويزداد الصديق بفهم آخر يوافق ما فهموه، ويزيد عليهم ولا يخالفه؛ مثل ما في الصحيحين عن أبي سعيد‏:‏أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال‏:‏ ‏(‏إن عبدًا خيره اللّه بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبد ما عند اللّه‏)‏‏.‏ فبكى أبو بكر‏.‏ وقال‏:‏ بل نفديك بأنفسنا وأموالنا‏.‏ فجعل بعض الناس يعجب ويقول‏:‏ عجبًا لهذا الشيخ يبكي أن ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عبدًا خيره اللّه بين الدنيا والآخرة‏.‏ قال‏:‏ فكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به‏.‏
فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر عبدًا مطلقًا، وهذا كلام عربي لا لغز فيه، ففهم الصديق لقوة معرفته بمقاصد النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو العبد المخير، ومعرفة أن المطلق هذا المعين خارج عن دلالة اللفظ، لكن يوافقه ولا يخالفه؛ ولهذا قال أبو سعيد‏:‏ كان أبو بكر أعلمنا به‏.‏
ومن هذا أن الصديق - رضي اللّه عنه - لما عزم على قتال /مانعي الزكاة قال له عمر‏:‏ كيف تقاتل الناس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه عز وجل‏)‏‏؟‏‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ الزكاة من حقها، واللّه، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال؛ واللّه لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها‏.‏
فرجع عمر وغيره إلى قول أبي بكر‏.‏وكان هو أفهم لمعنى كلام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام‏)‏‏.‏ فهذا النص الصريح موافق لفهم أبي بكر‏.‏
وكذلك قوله في صلح الحديبية لعمر مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم قال له، وأمثال ذلك كثير‏.‏ فأما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بكلام لا يفهمه عمر وأمثاله، بل يكون عندهم ككلام الزنجي‏.‏ فمن اعتقد هذا فهو جاهل ضال، عليه من اللّه ما يستحقه‏.‏
وأما كون أهل الصفة كانوا قبل المبعث مهتدين‏.‏ فعلى من قال /هذا‏:‏ لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين؛ بل لا خلاف بين المسلمين أنهم كانوا جاهلين؛ بل لا خلاف بين المسلمين أنهم كانوا كافرين جاهلين باللّه وبدينه؛ وإنما هداهم اللّه بكتابه؛ وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن بين أهل الصفة وسائر الصحابة فرق في الكفر والضلالة قبل إيمانهم برسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولقد كان بعد الإسلام كثير ممن لم يكن من ‏[‏أهل الصفة‏]‏ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي اللّه عنهم ـ أعلم باللّه؛ وأعظم يقينًا من عامة أهل الصفة‏.‏
وأما ما ذكر من تخلفهم عنه في الجهاد فقول جاهل ضال؛ بل هم الذين كانوا أعظم الناس قتالًا وجهادًا؛ كما وصفهم القرآن في قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏8‏]‏‏.‏
وقال في صفتهم‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏273‏]‏، ولقد قتل منهم في يوم واحد ــ يوم بئر معونة ــ سبعون؛ حتى وجد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم موجدة، وقنت شهرًا يدعوا على الذين قتلوهم؛ وأخبر عنهم‏:‏ ‏(‏أنهم بهم تتقي المكاره، وتسد بهم الثغور، وأنهم أول الناس ورودًا على الحوض، وأنهم الشعث رؤوسًا، الدنّس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم أبواب الملوك‏)‏ ‏.‏
/وأما ‏[‏عددهم‏]‏ فقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي تاريخهم‏:‏ وهم نحو من ستمائة، أو سبعمائة، أو نحو ذلك‏.‏ ولم يكونوا مجتمعين في وقت واحد، بل كان في شمال المسجد صفة يأوي إليها فقراء المهاجرين، فمن تأهل منهم، أو سافر، أو خرج غازيًا خرج منها، وقد كان يكون في الوقت الواحد فيها السبعون، أو أقل، أو أكثر ومنهم‏:‏ سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة، وأبو هريرة، وخبيب، وسلمان وغيرهم‏.‏
وأما ما ذكر من أنهم عرفوا ما أوحاه اللّه إلى نبيه ليلة المعراج فكذب، ملعون قائله‏.‏ وكيف يكون ذلك والمعراج كان بمكة قبل الهجرة‏؟‏‏!‏ وأهل الصفة إنما كانوا بالمدينة بعد الهجرة، وبناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة‏:‏ الطيبة، وهذا كله واضح عند من عرف اللّه ورسوله وكان مسلمًا حنيفًا أو كان عالما بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه معه‏.‏
وإنما يقع في هذه الجالهات أقوام نقص إيمانهم وقل علمهم، واستكبرت أنفسهم، حتى صاروا بمنزلة فرعون، وصاروا أسوأ حالًا من النصارى‏.‏
واللّه يتوب علينا وعليهم، وعلى سائر إخواننا المسلمين، ويهدينا وإياهم صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم‏.‏ غير المغضوب عليهم‏.‏ ولا الضالين‏.‏ واللّه تعالى أعلم‏.‏
/ وسئل عن ‏[‏الفتوة‏]‏ المصطلح عليها ‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏
فأجاب ـ رضي اللّه عنه ـ قائلًا ‏:‏
أما ما ذكره من ‏[‏الفتوة‏]‏ التي يلبس فيها الرجل لغيره سراويل، ويسقيه ماء وملحًا؛ فهذا لا أصل له‏.‏ ولم يفعلها أحد من السلف لا علي ولا غيره‏.‏ والإسناد الذي يذكرونه في ‏[‏الفتوة‏]‏ إلى أمير المؤمنين‏:‏علي بن أبي طالب، من طريقة الخليفة الناصر وغيره، إسناد مظلم، عامة رجاله مجاهيل لا يعرفون وليس لهم ذكر عند أهل العلم‏.‏
وقد ذكر أن أصل ذلك‏:‏ أنه وضع سراويل عند قبر علي فأصبح مسدودًا، وهذا يجري عند غير علي، كما يجري أمثال ذلك من الأمور التي يظن أنها كرامة، في الكنائس وغيرها، مثل دخول مصروع إليها فيبرأ بنذر يجعل للكنيسة، ونحو ذلك‏.‏ وهذا إذا لم يكن كذبًا فإنه من فعل الشياطين‏.‏ كما يفعل مثل ذلك عند الأوثان، وأنا أعرف من ذلك وقائع متعددة‏.‏
/والمقصود هنا أن سراويل الفتوة لا أصل له عن علي ولا غيره من السلف، وما يشترطه بعضهم من الشروط، إن كان مما أمر اللّه به ورسوله، فإنه يفعل؛ لأن اللّه أمر به ورسوله، وما نهى عنه مثل التعصب لشخص على شخص، والإعانة على الإثم والعدوان، فهو مما ينهي عنه، ولو شرطوه‏.‏
ولفظ ‏[‏الفتى‏]‏ في اللغة هو الشـاب، كما ذكر ذلك أهل اللغة‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏36‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏13‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاه‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏60‏]‏‏.‏ وقد فتى يفتي فهو فتى، أي بين الفتا، والأفتا من الدواب خلاف المسان، وقد يعبر بالفتى عن المملوك مطلقًا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏25‏]‏‏.‏
ولما كان الشاب ألين عريكة من الشيخ صار في طبعه من السخاء والكرم ما لا يوجد في الشيوخ‏.‏ فصاروا يعبرون بلفظ الفتى عن السخي الكريم‏.‏ يقال‏:‏ هو فتى بين الفتوة وقد يفتى، ويفاتى، والجمع فتيان وفتية‏.‏
واستعمال لفظ الفتى بمعنى المتصف بمكارم الأخلاق موجود في كلام كثير من المشائخ،وقد يظن أن لفظ القرآن يدل على هذا‏.‏ومنه قول بعض الشيوخ‏:‏طريقنا تفتى وليس تنصر، يعني هو استعمال مكارم /الأخلاق؛ ليس هو النسك اليابس‏.‏ ومنه قول أبي إسماعيل الأنصاري ‏[‏أبو إسماعيل الأنصارى‏:‏ هو عبد الله بن محمد بن على بن محمد بن أحمد بن على بن جعفر بن متَّ الأنصارى الهروىّ، مصنف كتاب ‏[‏ذم الكلام‏]‏، وشيخ خراسان، من ذرية صاحب النبى صلى الله عليه وسلم أبى أيوب الأنصارى‏.‏ ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة‏.‏ توفى فى ذي الحجة سنة 481 هـ‏.‏ ‏[‏ سير أعلام النبلاء‏:‏ 18/503 ــ 518‏]‏‏:‏ الفتوة أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتحسن إلى من يسيء إليك، سماحة لا كظما، وموادة لا مصابرة‏.‏
ونقل عن أحمد بن حنبل - رضي اللّه عنه - أنه قال‏:‏ الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏40‏]‏‏.‏ فمن دعا إلى ما دعا إليه اللّه ورسوله من مكارم الأخلاق كان محسنًا، سواء سمى ذلك فتوة أو لم يسمه، ومن أحدث في دين اللّه ما ليس منه فهو رد‏.‏
والغالب أنهم يدخلون في الفتوة أمورًا ينهى عنها فينهون عن ذلك، ويؤمرون بما أمر اللّه به ورسوله، كما ينهون عن الإلباس، والإسقاء‏.‏ وإسناد ذلك إلى علي ـ رضي اللّه عنه ـ وأمثال ذلك‏.‏
/ سئل الشيخ العالم العلامة إمام الوقت، فريد الدهر، جوهر العلم، لب الإيمان، قطب الزمان مفتى الفرق، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مؤيد السنة مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني ـ رضي اللّه عنه ونفع به آمين ـ في جماعة يجتمعون في مجلس، ويلبسون لشخص منهم لباس ‏[‏الفتوة‏]‏ ويديرون بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء يشربونها ويزعمون أن هذا من الدين، ويذكرون في مجلسهم ألفاظًا لا تليق بالعقل والدين‏.‏
فمنها أنهم يقولون‏:‏ إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ألبس علي ابن أبي طالب - رضي اللّه تعالى عنه - لباس الفتوة، ثم أمره أن يلبس من شاء، ويقولون‏:‏ إن اللباس أنزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في صندوق، ويستدلون عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏26‏]‏، فهل هو كما زعموا ‏؟‏ أم /كذب مختلق‏؟‏ وهل هو من الدين أم لا‏؟‏ وإذا لم يكن من الدين فما يجب على من يفعل ذلك أو يعين عليه