(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الحادي عشر

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-04-2008, 02:40 PM رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وكذلك قول الخليل لقومه أيضًا‏:‏ ‏{‏مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 85- 96‏]‏ فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه، قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم، ولهذا استفهم استفهام منكر، فقال‏:‏ ‏{‏أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏}‏، أي‏:‏ وخلق ما تنحتون‏.‏ فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم‏؟‏ وتدعون رب العالمين‏.‏
/فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلوم بالعقل، لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعني قبحه كونه منهيًا عنه، لا لمعنى فيه، كما تقوله المجبرة‏.‏
وأيضًا، ففي القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية، ويضرب لهم الأمثال، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ وقوله‏:‏‏{‏أَفَلَا تَتَّقُونَ‏}‏ وقوله ‏:‏‏{‏فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏84-89‏]‏‏.‏ فهذا يقتضي أن اعترافهم بأن الله هو الخالق يوجب انتهاءهم عن عبادتها، وأن عبادتها من القبائح المذمومة، ولكن هؤلاء يظنون أن الشرك هو اعتقاد أن ثم خالق آخر، وهذا باطل، بل الشرك عبادة غير الله، وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق‏.‏
وقوله ‏:‏ إنه كله لله، كذب مفترى وإن قال‏:‏ إنه مخلوق‏.‏ ومثل هذا كثير في القرآن‏.‏ كقوله‏:‏‏{‏أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏، وهذا في جملة بعد جملة يقول‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏60‏:‏ 61‏]‏، إنكار عليهم أن يعبدوا غير الله، ويتخذوه إلهًا مع اعترافهم بأن هذا لم يفعله إله غير الله، وإنما فعله هو وحده‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ‏}‏ جواب الاستفهام ،أي‏:‏ إله مع الله موجود وهذا غلط، فإنهم يجعلون مع الله آلهة ويشهدون بذلك، لكن ما كانوا يقولون‏:‏ إنهم فعلوا ذلك، والتقرير إنما يكون لما يقرون به، وهم مقرون بأنهم لم يفعلوا، لا يقرون بأنه لم يكن معه إله‏.‏ قال تعالى‏:‏‏{‏أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏19‏]‏
وقد قال سبحانه ‏:‏‏{‏وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏54‏]‏‏.‏ وقال ‏:‏‏{‏إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏17‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏[‏النحل‏:‏119‏]‏ ‏.‏
/فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون‏:‏ إن كل عاص فهو جاهل ـ كما قد بسط في موضع آخرـ فهو متناول لمن يكون علم التحريم أيضًا‏.‏
فدل على أنه يكون عاملا سوءًا، وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي عنه، وأنه يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب، وقيام الحجة‏.‏
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات، وتكون مما لم يكن علم أنه ذنب، تبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار، فإن كثيرًا من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها قبيحة‏:‏ كالفاحشة، والظلم الظاهر، فأما ما قد يتخذ دينًا فلا يعلم أنه ذنب، إلا من علم أنه باطل؛ كدين المشركين، وأهل الكتاب المبدل، فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه، وأهله يحسبون أنهم على هدى‏.‏ وكذلك البدع كلها‏.‏
ولهذا قال طائفة من السلف ـ منهم الثوري ‏:‏ البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها‏.‏ وهذا معنى ما روى عن طائفة أنهم قالوا‏:‏ إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة، بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه لا يقبل / توبة مبتدع مطلقًا فقد غلط غلطًا منكرًا، ومن قال‏:‏ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه‏:‏ ما دام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة، فإنه يتوب منها كما يرى الكافر إنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة، تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله، والخوارج لما أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، ورجع منهم نصفهم أو نحوه، وتابوا وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد العزيز، وغيره ومنهم من سمع العلم، فتاب وهذا كثير، فهذا القسم الذى لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة، وهو في غيرهم عام، وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم وجوبها كثيرة جدا، ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والايمان وما كان مأمورًا بالتوبة منه والاستغفار مما كان سيئة، والتائب يتوب مما تركه وضيعه وفرط فيه من حقوق الله تعالى، كما يتوب مما فعله من السيئات وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة؛ فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا فعل هذا، وإلا فكونه كان فاعلًا للسيئات المذمومة وتاركًا للحسنات التى يذم تاركها كان تائبًا قبل ذلك كما تقدم وذكرنا القولين قول من نفى الذم والعقاب وقول من أثبت الذم والعقاب‏.‏ فإن قيل إذا لم يكن معاقبا عليها فلا معنى لقبحها قيل بل فيه معنيان‏:‏-
أحدهما‏:‏ إنه سبب للعقاب، لكن هو متوقف على الشرط، وهو الحجة قال تعالى ‏:‏‏{‏وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا‏}‏‏[‏آل عمران 103‏]‏‏.‏ فلولا إنقاذه لسقطوا ومن كان واقفًا على شفير فهلك، فهلاكه موقوف على سقوطه، بخلاف ما إذا بان، وبعد عن ذلك؛ فقد بعد عن الهلاك، فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب الثاني أنهم مذمومون منقوصون معيبون، فدرجتهم منخفضة بذلك، ولابد ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم، من ذلك من كرامته أيضًا وثوابه فهذه عقوبة بحرمان خير، وهى أحد نوعي العقوبة وهذا وإن كان حاصلًا لكل من ترك مستحبًا، فإنه يفوته خيره، ففرق بين ما يفوته مالم يحصل له، وبين ما ينقص ما عنده، وهذا كلام عام فيما لم يعاقب عليه من الذنوب، وأما من لم يرسل إليه رسول في الدنيا، فقد رويت آثار أنهم يرسل إليهم رسول في عرصامات القيامة كما قد بسط في مواضع‏.‏
وقد تنازع الناس في الوجوب والتحريم؛ هل يتحقق بدون العقاب على الترك على قولين، قيل لا يتحقق، فإنه إذا لم يعاقب كان كالمباح، وقيل يتحقق؛ فإنه لابد أن يذم وإن لم يعاقب، وتحقيق الأمر أن العقاب نوعان‏:‏
نوع بالآلام، فهذا قد يسقط بكثرة الحسنات، ونوع بنقص الدرجة، وحرمان ما كان يستحقه، فهذا يحصل إذا لم يحصل الأول، والله تعالى يكفر سيئات المسيء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا‏}‏‏[‏النساء 31‏]‏‏.‏ فيكفرها تارة بالمصائب، فتبقى درجة صاحبها كما كانت، وقد تصير درجته أعلى، ويكفرها بالطاعات، ومن لم يأت بتلك السيئات أعلى درجة، فيحرم صاحب السيئات، ما يسقط بازائها من طاعته، وهذا مما يتوب منه من أراد أن لا يخسر ومن فرط في مستحبات؛ فإنه يتوب أيضًا ليحصل له موجبها، فالتوبة تتناول هؤلاء كلهم‏.‏
وتوبة الإنسان من حسناته على أوجه‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يتوب ويستغفر من تقصيره فيها‏.‏
والثاني‏:‏ أن يتوب مما كان يظنه حسنات ولم يكن كحال أهل البدع‏.‏
والثالث‏:‏ يتوب من إعجابه ورؤيته أنه فعلها، وأنها حصلت بقوته، وينسى فضل الله، وإحسانه، وأنه هو المنعم بها، وهذه توبة من فعل مذموم وترك مأمور؛ ولهذا قيل تخليص الأعمال مما يفسدها، أشد على العالمين من طول الاجتهاد، وهذا مما يبين احتياج الناس إلى التوبة دائما، ولهذا قيل هى مقام يستصحبه العبد من أول ما يدخل فيه؛ إلى آخر عمره، ولابد منه لجميع الخلق، فجميع الخلق عليهم أن يتوبوا وأن يستديموا التوبة‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا‏.‏ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏‏[‏الأحزاب 72‏,‏ 73‏]‏ فغاية كل مؤمن التوبة، وقد قال الله لأفضل الأنبياء، وأفضل الخلق بعد الأنبياء، وهم السابقون الأولون ‏{‏لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة 117‏]‏‏.‏ ومن آواخر ما أنزل الله قوله ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ‏.‏ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا‏.‏ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا‏}‏ ‏[‏النصر 1‏:‏ 3‏]‏ وقد ثبت في الصحيحين أنه كان يقول في ركوعه، وسجوده ‏:‏‏(‏سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن‏)‏ وفى لفظ لمسلم عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت‏:‏ ‏(‏سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك‏)‏ قالت‏:‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله أراك تكثر من قولك سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك، فقال‏:‏ ‏(‏أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فقد رأيتها ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ‏}‏ فتح مكة ‏{‏وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا‏.‏ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا‏}‏‏)‏‏.‏
وأمره سبحانه له بالتسبيح بحمده والاستغفار في هذه الحال، لا يقتضي أنه لا يشرع في غيرها أو لا يؤمر به غيره بل يقتضي أن هذا سبب لما أمر به وإن كان مأمورًا به في مواضع أخر، كما يؤمر الإنسان بالحمد والشكر على نعمه، وإن كان مأمورًا بالشكر عليها وكما يؤمر بالتوبة من ذنب؛ وإن كان مأمورًا بالتوبة من غيره، لكن هو أمر أن يختم عمله بهذا، فغيره أحوج إلى هذا منه‏.‏ وقد يحتاج العبد إلى هذا في غير هذه الحال، كما يحتاج إلى التوبة، فهو محتاج إلى التوبة والاستغفار مطلقا، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر عقب الصلاة ثلاثا قال تعالى‏{‏وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ‏}‏‏[‏آل عمران 17‏]‏ قاموا الليل ثم جلسوا وقت السحر يستغفرون‏.‏ وقد ختم الله سورة المزمل وفيها قيام الليل بقوله ‏{‏وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏المزمل 20‏]‏، كما ختم بذلك سورة المدثر بقوله ‏{‏هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ‏}‏ ‏[‏المدثر 56‏]‏، فهو سبحانه أهل التقوى، ولم يقل سبحانه أهل للتقوى بل قال‏:‏ أهل التقوى فهو وحده أهل أن يتقى فيعبد دون ما سواه، ولا يستحق غيره أن يتقى، كما قال ‏{‏وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ‏}‏‏[‏النحل 52‏]‏، وقال ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏‏[‏النور 52‏]‏، وهو أهل المغفرة، ولا يغفر الذنوب غيره، كما قال تعالى ‏{‏وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران 135‏]‏، وفى غير حديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏(‏إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏)‏‏.‏
فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة، وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع، كقوله سبحانه ‏(‏فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات‏)‏ فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الاسلام من توحيد الله وعبادته، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد، كما تقدم، والرسول يستغفر من ترك ما كان تاركه، كما قال فيه ‏{‏مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏‏.‏ وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب، والمؤمن إذا تبين له أنه ضيع حق قرابته، أو غيره استغفر الله من ذلك وتاب، وكذلك إذا تبين له أن بعض ما يفعله هو مذموم‏.
فصل
وأيضًا فمما يستغفر ويتاب منه ما في النفس من الأمور التى لو قالها، أو فعلها عذب، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏[‏البقرة 284‏]‏‏.‏ فهو يغفر لمن يرجع عما في نفسه فلم يتكلم به ولم يعمل كالذي همّ بالسيئة ولم يعملها، وإن تركها لله كتبت له حسنة، وهذا مما يستغفر منه ويتوب، فإن الاستغفار والتوبة من كل ما كان سببا للذم والعقاب، وإن كان لم يحصل العقاب ولا الذم، فإنه يفضي إليه فيتوب من ذلك، أي يرجع عنه، حتى لا يفضي إلى شر فيستغفر الله منه، أي يطلب منه أن يغفر له فلا يشقيه به، فإنه وإن لم يعاقب عليه فقد ينقص به، فالذي يهم بالسيئات، وإن كان لا يكتب عليه سيئة، لكن اشتغل بها عما كان ينفعه فينقص بها عمن لم يفعلها واشتغل بما ينفعه عنها، وقد بسطنا في غير هذا الموضع؛ أن فعل الإنسان وقوله، إما له وإما عليه، لا يخلو من هذا أو هذا، فهو يستغفر الله ويتوب مما عليه، وقد يظن ظنون سوء باطلة، وإن لم يتكلم بها فإذا تبين له فيها، استغفر الله وتاب، وظلمه لنفسه يكون بترك واجب، كما يكون بفعل محرم، فقوله تعالى ‏{‏وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ‏}‏ ‏[‏النساء 110‏]‏ من عطف العام على الخاص وكذلك قوله ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران 135‏]‏‏.‏ وقد قيل في قوله تعالى ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران 135‏]‏ قيل الفاحشة‏:‏ الزنا وقيل كل كبيرة وظلم النفس المذكور معها، قيل هو‏:‏ فاحشة أيضًا وقيل هى الصغائر‏.‏
وهذا يوافق قول من قال‏:‏ الفاحشة هي الكبيرة، فيكون الكلام قد تناول الكبيرة والصغيرة، ومن قال‏:‏ الفاحشة الزنا، يقول ظلم النفس يدخل فيه سائر المحرمات، وقيل الفاحشة‏:‏ الزنا وظلم النفس ما دونه، من اللمس والقبلة والمعانقة، وقيل‏:‏ هذا هو الفاحشة، وظلم النفس‏:‏ المعاصى وقيل الفاحشة‏:‏ فعل وظلم النفس، قول والتحقيق أن ظلم النفس جنس عام، يتناول كل ذنب‏.‏
وفى الصحيحين أن أبا بكر قال يا رسول الله علمني دعاءًا أدعو به في صلاتي فقال ‏(‏قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم‏)‏‏.‏
والتحقيق أن ‏[‏ظلم النفس‏]‏ جنس عام يتناول كل ذنب، وفي الصحيحين أن أبا بكر قال‏:‏ يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال‏:‏ ‏(‏قل‏:‏ اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم‏)‏، / وفي صحيح مسلم، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه‏:‏ ‏(‏اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت‏)‏‏.‏
وقد قال أبو البشر وزوجته‏:‏ ‏{‏قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏، وقال موسى ‏:‏‏{‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 16‏]‏، وقال ذو النون ـ يونس ـ ‏:‏‏{‏لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 87‏]‏، وقالت بلقيس‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏44‏]‏‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عن أهل القرى المعذبين ‏:‏‏{‏وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ‏}‏‏[‏هود‏:‏101‏]‏، وأما قوله‏:‏ ‏{‏ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏147‏]‏، فقد قيل‏:‏ إن الذنوب هي الصغائر، والإسراف هو الكبائر‏.‏
و‏[‏التحقيق‏]‏ أن ‏[‏الذنوب‏]‏ اسم جنس، و‏[‏الإسراف‏]‏ تعدي الحد، ومجاوزة القصد، كما في لفظ الإثم والعدوان فالذنوب كالإثم، /والإسراف كالعدوان، كما في قوله‏:‏ ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏145‏]‏، ومجاوزة قدر الحاجة، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله، فهذا كله ذنب، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبع لهواه، و‏[‏الإسراف‏]‏ كالذي يغضب لله، فيعاقب بأكثر مما أمر الله‏.‏ والآية في سياق قتال المشركين، وما أصابهم يوم أحد‏.‏
وقد أخبر عمن قبلهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏146‏]‏، وقد قيل على الصحيح، المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يقتل في معركة فقد قتل أنبياء كثيرون، ‏{‏فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلَّا أن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا‏}‏ الآية‏.‏
فجمعوا بين الصبر والاستغفار وهذا هو المأمور به في المصائب الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها‏.‏ والقتال كثيرا ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله كالذي يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء‏.‏ فهذا كله ذنوب والذي يقاتل لله قد يسرف فيقتل من لا يستحق القتل ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء 33‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا‏}‏ ‏[‏الفرقان 67‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ‏}‏ ‏[‏الأعراف 31‏]‏‏.‏ فالإسراف مجاوزة الحد‏.‏ هذا آخر ما كتبته هنا‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله‏:‏
الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه؛ إلى الفعل المحبوب من العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل ‏;‏ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علمًا بالله، وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ‏;‏ بل هو مضطر إليه دائمًا في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية‏.‏
وقد ثبتت‏:‏ دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله، من أولهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد، والاستغفار للخلق كلهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكل عامل مقام معلوم‏.‏ فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين؛ تذهب الشرك كله، دقه وجله، خطأه وعمده، أوله وآخره، سره وعلانيته وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه‏.‏ والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك، فإن الذنوب كلها من شعب الشرك، فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول‏:‏ لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول‏:‏ أستغفر الله‏.‏
فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين‏.‏ وقال‏:‏ إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه كلما قوي نور الحق وبرهانه في القلوب، خفي عن المعرفة، كما يبهر ضوء الشمس ‏[‏عيون‏]‏ الخفافيش بالنهار‏.‏ فاحذر مثل هؤلاء وعليك بصحبة أتباع الرسل، المؤيدين بنور الهدى، وبراهين الإيمان، أصحاب البصائر في الشبهات والشهوات، الفارقين بين الواردات الرحمانية والشيطانية العالمين العاملين ‏{‏أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏[‏المجادلة 22‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ التوبة من أعظم الحسنات، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات، وبابه واسع؛ فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه ، أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص‏.‏ وكذلك إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم والاستغفار‏.‏ قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لي لسانًا ذربًا على أهلي‏.‏ فقال له ‏:‏‏(‏أين أنت من الاستغفار ‏؟‏ إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة‏)‏‏.‏
وسئل رحمه الله
عن قوله‏:‏ ‏ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم والليلة سبعين مرة‏)‏‏.‏ هل المراد ذكر الاستغفار باللفظ ‏؟‏ أو أنه إذا استغفر ينوي بالقلب أن لا يعود إلى الذنب ‏؟‏ وهل إذا تاب من الذنب، وعزم بالقلب أن لا يعود إليه، وأقام مدة ثم وقع فيه، أفيكون ذلك الذنب القديم يضاف إلى الثاني ‏؟‏ أو يكون مغفورًا بالتوبة المتقدمة ‏؟‏ وهل التائب من شرب الخمر ولبس الحرير يشربه في الآخرة ‏؟‏ ويلبس الحرير في الآخرة ‏؟‏ والتوبة النصوح ما شرطها ‏؟‏‏.‏
فأجاب‏:‏ الحمد لله‏.‏ بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما في الحديث الآخر ‏:‏‏(‏لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار‏)‏ فإذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة، وإذا تاب منها غفرت‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ‏}‏‏[‏آل عمران 135‏]‏ الآية‏.‏ وإذا تاب توبة صحيحة غفرت ذنوبه، فإن عاد إلى الذنب فعليه أن يتوب أيضًا‏.‏ وإذا تاب قبل الله توبته أيضًا‏.‏
وقد تنازع العلماء في التائب من الكفر‏.‏ إذا ارتد بعد إسلامه ثم تاب بعد الردة وأسلم، هل يعود عمله الأول ‏؟‏ على قولين مبناهما أن الردة هل تحبط العمل مطلقا أو تحبطه بشرط الموت عليها ‏؟‏‏.‏
فمذهب أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقا، ومذهب الشافعي أنها تحبطه بشرط الموت عليها، والردة ضد التوبة، وليس من السيئات ما يمحو جميع الحسنات إلا الردة، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا‏}‏ ‏[‏التحريم 8‏]‏‏.‏ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏تَوْبَةً نَّصُوحًا‏}‏ أن يتوب ثم لا يعود فهذه التوبة الواجبة التامة‏.‏ ومن تاب من شرب الخمر ولبس الحرير فإنه يلبس ذلك في الآخرة كما جاء في الحديث الصحيح ‏:‏‏(‏من شرب الخمر ثم لم يتب منها حرمها‏)‏‏.‏ وقد ذهب بعض الناس كبعض أصحاب أحمد‏:‏ إلى أنه لا يشربها مطلقًا وقد أخطئوا الصواب الذي عليه جمهور المسلمين‏.‏
وسئل عن
اليهودي أو النصراني إذا أسلم‏.‏ هل يبقى عليه ذنب بعد الإسلام ‏؟‏
فأجاب‏:‏ - إذا أسلم باطنًا وظاهرًا غفر له الكفر الذي تاب منه بالإسلام بلا نزاع، وأما الذنوب التي لم يتب منها مثل أن يكن مصرًا على ذنب، أو ظلم، أو فاحشة، ولم يتب منها بالإسلام، فقد قال بعض الناس‏:‏ أنه يغفر له بالإسلام‏.‏ والصحيح‏:‏ أنه إنما يغفر له ما تاب منه‏.‏ كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل‏:‏ ‏(‏أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ‏؟‏ فقال‏:‏ من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية‏.‏ ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر‏)‏‏.‏ وحسن الإسلام أن يلتزم فعل ما أمر الله به، وترك ما نهي عنه‏.‏ وهذا معنى التوبة العامة، فمن أسلم هذا الإسلام غفرت ذنوبه كلها‏.‏ وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ‏;‏ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص ‏:‏‏(‏أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله‏)‏ فإن اللام لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر‏)‏ أي‏:‏ إذا أصر على ما كان يعمله من الذنوب، فإنه يؤاخذ بالأول والآخر‏.‏ وهذا موجب النصوص والعدل، فإن من تاب من ذنب غفر له ذلك الذنب، ولم يجب أن يغفر له غيره، والمسلم تائب من الكفر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة 5‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ‏}‏ ‏[‏الأنفال 38‏]‏‏.‏ أي إذا انتهوا عما نهوا عنه غفر لهم ما قد سلف‏.‏
فالانتهاء عن الذنب هو التوبة منه‏.‏ من انتهى عن ذنب غفر له ما سلف منه‏.‏ وأما من لم ينته عن ذنب فلا يجب أن يغفر له ما سلف لانتهائه عن ذنب آخر‏.‏ والله أعلم‏.‏



انتهى الجزء الحادي عشر

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته







من مواضيع : الغريب 0 شرح سنن ابن ماجه
0 فتاوى , فتاوى إسلامية
0 ذاقت الموت في معتقل اخوانها(قصة محزنة جدا).
0 ليلة القدر _ تعريفها _علاماتها _ الدعاء
0 صلاة الخوف , احكام صلاة الخوف . صلاه الخوف


رد مع اقتباس
رد

فتاوى ابن تيمية _ الجزء الحادي عشر



أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

فتاوى ابن تيمية _ الجزء الحادي عشر

الساعة الآن: 08:00 AM


Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0 ©2007, Crawlability, Inc.