قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-04-2008, 02:15 PM   رقم المشاركة : 6
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

ونصوص النبي صلى الله عليه وسلم معتدلة فإنه قد روى‏:‏ أن الفقراء قالوا له‏:‏ يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يُصَلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا نتصدق فقال‏:‏ ‏(‏ألا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم، ولم يلحقكم من بعدكم إلا من عمل مثل عملكم‏؟‏‏)‏ فعلمهم التسبيح المائة في دبر كل صلاة‏.‏ فجاؤوا إليه فقالوا‏:‏ إن إخواننا من الأغنياء سمعوا ذلك ففعلوه، فقال‏:‏ ‏(‏ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء‏)‏ وهذه الزيادة في صحيح مسلم من مراسيل أبي صالح، فهذا فيه تفضيل للأغنياء الذين عملوا مثل عمل الفقراء من العبادات البدنية بالقلب والبدن، وزادوا عليهم بالإنفاق في سبيل الله ونحوه من العبادات المالية‏.‏
وثبت عنه أيضًا في الصحيح أنه قال‏:‏ ‏(‏يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ـ خمسمائة عام‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏بأربعين خريفًا‏)‏ فهذا فيه تفضيل الفقراء المؤمنين بأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء المؤمنين، وكلاهما حق، فإن الفقير ليس معه مال كثير يحاسب على /قبضه وصرفه، فلا يؤخر عن دخول الجنة لأجل الحساب، فيسبق في الدخول، وهو أحوج إلى سرعة الثواب، لما فاته في الدنيا من الطيبات‏.‏ والغني يحاسب، فإن كان محسنًا في غناه غير مسىء وهو فوقه، رفعت درجته عليه بعد الدخول‏.‏ وإن كان مثله ساواه، وإن كان دونه نزل عنه‏.‏ وليست حاجته إلى سرعة الثواب كحاجة الفقير‏.‏
ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ‏[‏حوضه‏]‏‏:‏ الذي طوله شهر وعرضه شهر‏:‏ ‏(‏ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، أول الناس، علي وردا فقراء المهاجرين‏:‏ الدنسين ثيابا، الشُّعث رؤوسًا، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب الملوك، يموت أحدهم وحاجته تختلج في صدره لا يجد لها قضاء‏)‏ فكانوا أسبق إلى الذي يزيل ما حصل لهم في الدنيا من اللأواء والشدة، وهذا موضع ضيافة عامة فإنه يقدم الأشد جوعًا في الإطعام، وإن كان لبعض المستأخرين نوع إطعام ليس لبعض المتقدمين لاستحقاقه ذلك ببذله عنده أو غير ذلك، وليس في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم أصح من هذين الحديثين وفيها الحكم الفصل‏:‏ إن الفقراء لهم السبق والأغنياء لهم الفضل، وهذا قد يترجح تارة، وهذا كالسبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغيرحساب ومع كل ألف سبعين ألفًا، وقد يحاسب بعدهم من إذا دخل رفعت درجته عليهم‏.‏
وما روي‏:‏ ‏(‏إن ابن عوف يدخل الجنة حبوًا‏)‏ كلام موضوع / لا أصل له، فإنه قد ثبت بأدلة الكتاب والسنة أن أفضل الأمة أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، والعشرة مفضلون على غيرهم والخلفاء الأربعة أفضل الأمة‏.‏ وقد ثبت في الصحاح أنه قال‏:‏ ‏(‏اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء‏)‏ وثبت في الصحاح أيضًا أنه قال‏:‏ ‏(‏احتجت الجنة والنار فقالت الجنة‏:‏ ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار‏:‏ مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏وقفت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون، إلا أهل النار فقد أمر بهم إلى النار‏)‏، هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير‏)‏‏.‏
فهذه الأحاديث فيها معنيان‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإنه قد ثبت في الصحيح‏:‏ أنه ‏(‏لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر‏)‏، و‏(‏لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏)‏‏.‏ فقيل‏:‏ يارسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس‏)‏ فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يحب التجمل في اللباس /الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس من الكبر، وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم‏:‏ فقير مختال، وشيخ زان، وملك كذاب‏)‏ وكذلك الحديث المروي‏:‏ ‏(‏لا يزال الرجل يذهب بنفسه، ثم يذهب بنفسه، ثم يذهب بنفسه، حتى يكتب عند الله جبارًا‏.‏ وما يملك إلا أهله‏)‏‏.‏ فعلم بهذين الحديثين‏:‏ أن من الفقراء من يكون مختالًا؛ لا يدخل الجنة‏.‏ وأن من الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر؛ يحب الله جماله، مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏)‏‏.‏ومن هذا الباب‏:‏ قول هرقل لأبي سفيان‏:‏ أفضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم‏؟‏ قال‏:‏ بل ضعفاؤهم‏.‏ قال‏:‏ وهم أتباع الأنبياء‏.‏ وقد قالوا لنوح‏:‏ ‏{‏أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏111‏]‏ فهذا فيه أن أهل الرئاسة والشرف يكونون أبعد عن الانقياد إلى عبادة الله وطاعته؛ لأن حبهم للرئاسة يمنعهم ذلك، بخلاف المستضعفين‏.‏ وفي هذا المعنى الحديث المأثور ـ إن كان محفوظًا‏:‏ ‏(‏اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين‏)‏ فالمساكين ضد المتكبرين، وهم الخاشعون لله، المتواضعون لعظمته، الذين لا يريدون علوًا في الأرض‏.‏ سواء كانوا أغنياء أو فقراء‏.‏/ومن هذا الباب‏:‏ أن الله خيره‏:‏ بين أن يكون عبدًا رسولًا وبين أن يكون نبيًا ملكا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا؛ لأن العبد الرسول يتصرف بأمر سيده؛ لا لأجل حظه، وأما الملك فيتصرف لحظ نفسه، وإن كان مباحًا‏.‏ كما قيل لسليمان‏:‏ ‏{‏هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏39‏]‏ ففي هذه الأحاديث‏:‏ أنه اختار العبودية والتواضع‏.‏ وإن كان هو الأعلى هو ومن اتبعه‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏139‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏8‏]‏ ولم يرد العلو وإن كان قد حصل له‏.‏
وقد أعطى مع هذا من العطاء ما لم يعطه غيره، وإنما يفضل الغنى لأجل الإحسان إلى الخلق، والإنفاق في سبيل الله، والاستعانة به على طاعة الله وعبادته، وإلا فذات ملك المال لا ينفع، بل قد يضر وقد صبر مع هذا من اللأواء والشدة على مالم يصبر عليه غيره، فنال أعلى درجات الشاكرين وأفضل مقامات الصابرين، وكان سابقًا في حالي الفقر والغنى، لم يكن ممن لا يصلحه إلا أحدهما، كبعض أصحابه وأمته‏.‏المعنى الثاني‏:‏ أن الصلاح في الفقراء أكثر منه في الأغنياء‏.‏ كما أنه إذا كان في الأغنياء فهو أكمل منه في الفقراء، فهذا في هؤلاء أكثر وفي هؤلاء أكثر، لأن فتنة الغنى أعظم من فتنة الفقر، فالسالم منها أقل‏.‏ومن سلم منها كان أفضل ممن سلم من فتنة الفقر فقط؛ ولهذا/صار الناس يطلبون الصلاح في الفقراء، لأن المظنة فيهم أكثر‏.‏فهذا هذا والله أعلم‏.‏
فلهذا السبب صارت المسكنة نسبته، وكذلك لما رأوا المسكنة والتواضع في الفقراء أكثر، اعتقدوا أن التواضع والمسكنة هو الفقر وليس كذلك، بل الفقر هنا عدم المال، والمسكنة خضوع القلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يستعيذ من فتنة الفقر، وشر فتنة الغني، وقال بعض الصحابة‏:‏ ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها‏)‏ ولهذا كان الغالب على المهاجرين الفقر، والغالب على الأنصار الغنى، والمهاجرون أفضل من الأنصار، وكان في المهاجرين أغنياء، هم من أفضل المهاجرين، مع أنهم بالهجرة تركوا من أموالهم ماصاروا به فقراء بالنسبة إلى ما كانوا عليه‏.‏
/و سئل عن ‏[‏الحمد والشكر‏]‏ ما حقيقتهما‏؟‏ هل هما معنى واحد، أو معنيان ‏؟‏ وعلى أي شيء يكون الحمد‏؟‏ وعلى أي شيء يكون الشكر‏؟‏‏.‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله رب العالمين، الحمد‏:‏ يتضمن المدح، والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد، أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإن الله تعالى يحمد على ما له من الأسماء الحسنى، والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏1‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏1‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏1‏]‏‏.‏
/وأما ‏[‏الشكر‏]‏ فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه؛ لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل‏:‏
أفادتكم النعماء مني ثلاثــــة**يدي، ولساني، والضمير المحجبا
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا‏}‏ ‏[‏سبأ ‏:‏13‏]‏‏.‏
والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه، ومن هذا الحديث ‏(‏الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره‏)‏ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها‏)‏ والله أعلم‏.‏
/ تلخيص مناظرة في ‏[‏الحمد والشكر‏]‏
بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وبين ابن المرحل ‏.‏
كان الكلام في الحمد والشكر، وإن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد لا يكون إلا باللسان‏.‏
فقال ابن المرحل‏:‏ قد نقل بعض المصنفين ـ وسماه ـ‏:‏ إن مذهب أهل السنة والجماعة‏:‏ إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد‏.‏ ومذهب الخوارج‏:‏ أنه يكون بالاعتقاد، والقول والعمل، وبنوا على هذا‏:‏ إن من ترك الأعمال يكون كافرًا؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكرًا كان كافرًا‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ هذا المذهب المحكى عن أهل السنة خطأ والنقل عن أهل السنة خطأ‏.‏ فإن مذهب أهل السنة‏:‏ أن الشكر يكون بالاعتقاد، والقول والعمل‏.‏ قال الله تعالى‏:‏‏{‏اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏13‏]‏‏.‏ وقام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له‏:‏ أتفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أفلا أكون عبدًا شكورًا‏)‏‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ أنا لا أتكلم في الدليل، وأسلم ضعف هذا القول، لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ، فإن القول إذا ثبت ضعفه، كيف ينسب إلى أهل الحق‏؟‏
ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد، والقول والعمل، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة‏.‏
قلت‏:‏ وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن سجدة سورة ‏[‏ص‏]‏ ‏(‏سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا‏)‏‏.‏ ثم من الذي قال من أئمة السنة‏:‏ إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد‏؟‏
قال ابن المرحل‏:‏ هذا قد نقل، والنقل لا يمنع، لكن يستشكل‏.‏ ويقال‏:‏ هذا مذهب مشكل‏.‏
/قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية‏:‏ النقل نوعان‏.‏ أحدهما‏:‏ أن ينقل ما سمع أو رأى‏.‏ والثاني‏:‏ ما ينقل باجتهاد واستنباط‏.‏ وقول القائل‏:‏ مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلان قال ذلك‏.‏
ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرًا‏.‏ ألا ترى أن كثيرًا من المصنفين يقولون‏:‏ مذهب الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه‏؟‏ وعذرهم في ذلك‏:‏ أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول، فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط، لا من جهة النص‏؟‏‏.‏ وكذلك هذا‏.‏ لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي، والخوارج يكفرون بالمعاصي، ثم رأى المصنف الكفر ضد الشكر، أعتقد أنا إذا جعلنا الأعمال شكرًا لزم انتفاء الشكر بانتفائها، ومتى انتفي الشكر خلفه الكفر، ولهذا قال‏:‏ إنهم بنوا على ذلك‏:‏ التكفير بالذنوب‏.‏ فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر‏.‏
قلت‏:‏ كما أن كثيرًا من المتكلمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة‏.‏
قال‏:‏ وهذا خطأ، لأن التكفير نوعان‏:‏ أحدهما‏:‏ كفر النعمة‏.‏ والثاني‏:‏ الكفر بالله‏.‏ والكفر الذي هو ضد الشكر‏:‏ إنما هو كفر/ النعمة لا الكفر بالله‏.‏ فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله‏.‏
قلت‏:‏ على أنه لو كان ضد الكفر بالله، فمن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله‏.‏ والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية‏.‏ كما قال أهل السنة‏:‏ إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا، حتى يترك أصل الإيمان‏.‏ وهو الاعتقاد‏.‏ ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة ـ التي هي ذات شعب وأجزاء ـ زوال اسمها، كالإنسان، إذا قطعت يده، أو الشجرة، إذا قطع بعض فروعها‏.‏
قال الصدر بن المرحل‏:‏ فإن أصحابك قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق كافر النعمة، كما خالفوا الخوارج في جعله كافرًا بالله‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا، فعمن تنقل من أصحابي هذا‏؟‏ بل يجوز عندهم أن يسمى الفاسق كافر النعمة، حيث أطلقته الشريعة‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ إني أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا، لكن أصحابي قد خالفوا الحسن في هذا‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ ولا أصحابك خالفوه‏.‏ فإن أصحابك /قد تأولوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق ـ مثل ترك الصلاة، وقتال المسلمين ـ على أن المراد به كفر النعمة‏.‏ فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة‏.‏ فعلم أنهم موافقو الحسن، لا مخالفوه‏.‏
ثم عاد ابن المرحل، فقال‏:‏ أنا أنقل هذا عن المصنف‏.‏ والنقل ما يمنع، لكن يستشكل‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل، أو ينسب الناقل عنهم إلى تصرفه في النقل كان نسبة الناقل إلى التصرف أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق، مع أنهم صرحوا في غير موضع‏:‏ أن الشكر يكون بالقول، والعمل، والاعتقاد‏.‏ وهذا أظهر من أن ينقل عن واحد بعينه‏.‏
ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق إخراج الأعمال أن تكون شكرًا لله‏.‏ بل قد نص الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال‏.‏ وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل‏.‏
وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يتكلم فيها على لفظ ‏[‏الحمد‏]‏ و ‏[‏الشكر‏]‏ مثل كتب التفسير واللغة، / وشروح الحديث، يعرفه آحاد الناس، والكتاب والسنة قد دلا على ذلك‏.‏
فخرج ابن المرحل إلى شيء غير هذا، فقال‏:‏ الحسن البصري يسمى الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا‏.‏
قال الشيخ تقي الدين له‏:‏ بل يسمى منافقًا النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر‏.‏ والنفاق يطلق على النفاق الأكبر، الذي هو إضمار الكفر‏.‏ وعلى النفاق الأصغر، الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات‏.‏
قال له ابن المرحل‏:‏ ومن أين قلت‏:‏ إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا‏؟‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ هذا مشهور عند العلماء‏.‏ وبذلك فسروا قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏آية المنافق ثلاث‏:‏ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان‏)‏ وقد ذكر ذلك الترمذي وغيره‏.‏ وحكوه عن العلماء‏.‏
وقال غير واحد من السلف ‏(‏كفر دون كفر، و نفاق دون نفاق، وشرك دون شرك‏)‏‏.‏
/وإذا كان النفاق جنسًا تحته نوعان، فالفاسق داخل في أحد نوعيه‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ كيف تجعل النفاق اسم جنس، وقد جعلته لفظًا مشتركًا، وإذا كان اسم جنس كان متواطئًا، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركًا متواطئًا‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ أنا لم أذكر أنه مشترك‏.‏ وإنما قلت‏:‏ يطلق على هذا وعلى هذا، والإطلاق أعم‏.‏
ثم لو قلت‏:‏ إنه مشترك لكان الكلام صحيحًا‏.‏ فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئىن بطريق التواطؤ، وبطريق الاشتراك‏.‏ فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر، وإبطان المعصية، تارة بطريق الاشتراك وتارة بطريق التواطؤ، كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن، عند قوم باعتبار الاشتراك، وعند قوم باعتبار التواطؤ‏.‏ ولهذا سمى مشككا‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ كيف يكون هذا‏؟‏ وأخذ في كلام لا يحسن ذكره‏.‏
قال له الشيخ تقي الدين‏:‏ المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر‏.‏ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليهما باعتبار ما به/ تمتاز كل ماهية عن الأخرى‏.‏ فيكون مشتركًا كالاشتراك اللفظي‏.‏ وقد يكون مطلقًا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين، فيكون لفظًا متواطئًا‏.‏
قلت‏:‏ ثم إنه في اللغة يكون موضوعًا للقدر المشترك، ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله‏:‏ في هذا تارة، وفي هذا تارة‏.‏ فيبقى دالا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز‏.‏ وقد يكون قرينة، مثل لام التعريف، أو الإضافة، تكون هي الدالة على ما به الامتياز‏.‏
مثال ذلك‏:‏ ‏[‏اسم الجنس‏]‏ إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ الدابة، إذا غلب على الفرس، قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينهما وبين سائر الدواب‏.‏ فيكون متواطئًا‏.‏ وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس، فيكون مشتركا بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفرس‏:‏ تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك‏.‏
وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علمًا بالغلبة‏:‏ مثل ابن عمرو، والنجم، فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمرو‏.‏ فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ‏.‏ وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم، ومن بني عمرو، فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي وبين المعنى النوعي‏.‏ وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده، يصح /استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام، فيكون بطريق التواطؤ، بالوضع الثاني، فيصير بطريق الاشتراك‏.‏
ولفظ ‏[‏النفاق‏]‏ من هذا الباب‏.‏ فإنه في الشرع إظهار الدين وإبطان خلافه‏.‏ وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق في اللغة، فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين‏.‏
ثم إبطان ما يخالف الدين، إما أن يكون كفرًا أو فسقًا‏.‏ فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار‏.‏ وإن أظهر أنه صادق أو موف، أو أمين، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك‏.‏ فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا‏.‏
فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ‏.‏
وعلى هذا، فالنفاق اسم جنس تحته نوعان‏.‏ ثم إنه قد يراد به النفاق في أصل الدين، مثل قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ‏}‏‏[‏النساء‏:‏145‏]‏ و ‏{‏إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏1‏]‏ والمنافق هنا‏:‏ الكافر‏.‏
وقد يراد به النفاق في فروعه‏.‏ مثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ /‏(‏آية المنافق ثلاث‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا‏)‏ وقول ابن عمر‏:‏ فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث‏.‏ ثم يخرج فيقول بخلافه‏:‏ كنا نعد هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نفاقًا‏.‏
فإذا أردت به أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد، والإضافة‏.‏ فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل‏:‏ جاء القاضي‏.‏ وعني به قاضي بلده، لكون اللام للعهد‏.‏
كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏16‏]‏ أن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى، لا نفس لفظ ‏(‏رسول‏)‏‏.‏ وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه، فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص‏.‏ فكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ‏}‏ فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود‏:‏ هو الكافر‏.‏
أو تكون لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ثلاث من كن فيه كان منافقًا‏)‏ يعني به منافقًا بالمعنى العام، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن‏.‏
فإطلاق لفظ ‏[‏النفاق‏]‏ على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق، كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك‏.‏ وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة‏.‏ ويكون متواطئًا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ ‏[‏منافق‏]‏ بل لام التعريف‏.‏
/وهذا البحث الشريف جار في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه، إما لغلبة الاستعمال، أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع، مثل تعريف الإضافة، أو تعريف اللام‏.‏ فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال‏:‏ إن اللفظ مشترك‏.‏ وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقيًا على مواطأته‏.‏
فلهذا صح أن يقال‏:‏ ‏[‏النفاق‏]‏ اسم جنس تحته نوعان‏.‏ لكون اللفظ في الأصل عاما متواطئًا‏.‏
وصح أن يقال‏:‏ هو مشترك بين النفاق في أصل الدين، وبين مطلق النفاق في الدين‏.‏ لكونه في عرف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر‏.‏
/بحث ثان
وهو‏:‏ أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص‏.‏
فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها؛ فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان‏.‏ والشكر أعم من جهة ما به يقع، فإنه يكون بالاعتقاد، والقول، والفعل‏.‏ والحمد يكون بالفعل أو بالقول، أو بالاعتقاد‏.‏
أورد الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجى الحنبلي ‏[‏زين الدين ابن المنجى الحنبلي‏:‏ هو أسعد بن المنجَّى بن أبي المنجي بركات بن المؤمل التنوخي المعري الدمشقي الحنبلي، الشيخ الإمام العلامة شيخ الحنابلة وجيه الدين أبو المعالي‏.‏ ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة‏.‏ ارتحل إلى بغداد بعد أن تفقه على شرف الإسلام عبد الوهاب بن الحنبلي سمع من أبي الفضل الأرموي وغيره وروى عنه الشيخ موفق الدين بن قدامة وغيره، ولى قضاء حران في دولة الملك نور الدين، ألف كتاب ‏[‏النهاية في شرح الهداية‏]‏‏.‏ في عدة مجلدات، توفي في جمادي الآخرة سنة ست وستمائة، وله سبع وثمانون سنة‏.‏ ‏[‏سير أعلام النبلاء 12/436، 437 - شذرات الذهب 5/18، 19‏]‏‏:‏ إن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر؛ لأن كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته، فلا يكون فرقًا في الحقيقة، والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات، لا لما خرج عنها‏.‏
فقال شيخ الإسلام ـ تقي الدين ابن تيمية ‏:‏ـ
المعاني على قسمين‏:‏ مفردة، ومضافة‏.‏ فالمعاني المفردة‏:‏ حدودها لا توجد فيها بتعلقاتها‏.‏ وأما المعاني الإضافية فلابد أن يوجد في /حدودها تلك الإضافات‏.‏ فإنها داخلة في حقيقتها‏.‏ ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلقات، فتكون المتعلقات جزءًا من حقيقتها فتعين ذكرها في الحدود‏.‏
والحمد والشكر معلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه‏.‏ فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلقهما‏.‏ فيكون متعلقهما داخلًا في حقيقتهما‏.‏
فاعترض الصدر ابن المرحل‏:‏ بأنه ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية‏.‏فلا يكون الحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية‏.‏ فإن المتعلق صفة نسبية‏.‏ والنسب أمور عدمية‏.‏ وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛لأن العدم لا يكون جزءًا من الوجود‏.‏
فقال الشيخ تقي الدين‏:‏ قولك‏:‏ ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية، ليس على العموم‏.‏ بل قد يكون للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية، وقد لا يكون‏.‏ وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين‏:‏ ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية‏.‏
ثم الصفات المتعلقة نوعان‏:‏ أحدهما‏:‏ إضافة محضة‏.‏ مثل الأبوة والبنوة، والفوقية والتحتية ونحوها‏.‏ فهذه الصفة هي التي يقال فيها‏:‏ هي مجرد نسبة وإضافة‏.‏ والنسب أمور عدمية‏.‏ والثاني‏:‏ صفة ثبوتية مضافة / إلى غيرها، كالحب والبغض‏.‏ والإرادة والكراهة، والقدرة، وغير ذلك من الصفات، فإن الحب صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب‏.‏ فالحب معروض للإضافة، بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة‏.‏ ففرق بين ما هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة‏.‏ فالإضافة يقال فيها‏:‏ إنها عدمية‏.‏ قال‏:‏ وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية، كالحب‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ الحب أمر عدمي؛ لأن الحب نسبة، والنسب عدمية‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ كون الحب، والبغض، والإرادة، والكراهة أمرًا عدميًا باطل بالضرورة‏.‏ وهو خلاف إجماع العقلاء‏.‏
ثم هو مذهب بعض المعتزلة في إرادة الله‏.‏ فإنه زعم أنها صفة سلبية‏.‏ بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره‏.‏ وأطبق الناس على بطلان هذا القول‏.‏ وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال‏:‏ إنه عدمي‏.‏
فأصر ابن المرحل على أن الحب ـ الذي هو ميل القلب إلى المحبوب ـ أمر عدمي‏.‏ وقال‏:‏ المحبة‏:‏ أمر وجودي‏.‏
/قال الشيخ تقي الدين‏:‏ المحبة هي الحب، فإنه يقال‏:‏أحبه، وحبه حبًا ومحبة‏.‏ ولا فرق‏.‏ وكلاهما مصدر‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ وأنا أقول‏:‏ إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمي‏.‏
قال له الشيخ تقي الدين‏:‏ الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم‏.‏ وكون الحب والبغض أمرًا وجوديًا معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليًا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية‏.‏ فإذا صار محبا، فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب‏.‏ ومن يحس ذلك من نفسه يجده، كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه‏.‏
ودليل ذلك‏:‏ أنك تقول‏:‏ أحب يحب محبة، ونقيض أحب‏:‏ لم يحب‏.‏ ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ هذا ينتقض بقولهم‏:‏ امتنع يمتنع، فإن نقيض الامتناع‏:‏ لا امتناع‏.‏ وامتناع صفة عدمية‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ الامتناع أمر اعتباري عقلي؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي، حتى تقوم به صفة‏.‏ وإنما هو معلوم بالعقل، / وباعتبار كونه معلومًا له ثبوت علمي، وسلب هذا الثبوت العلمي‏:‏ عدم هذا الثبوت؛ فلم ينقض هذا قولنا‏:‏ نقيض العدم ثبوت‏.‏ وأما الحب فإنه صفة قائمة بالمحب‏.‏ فإنك تشير إلى عين خارجة، وتقول‏:‏ هذا الحي صار محبًا بعد أن لم يكن محبًا‏.‏ فتخبر عن الوجود الخارجي‏.‏ فإذا كان نقيضها عدمًا خارجيًا، كانت وجودًا خارجيًا‏.‏
وفي الجملة، فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة‏.‏ فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية‏.‏
قلت‏:‏ وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير‏:‏ صفات وجودية، ظهر الفرق بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة‏.‏ فالحمد والشكر من القسم الثاني؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه‏.‏ وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه‏.‏ فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلقة بالغير‏.‏ وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما‏.‏ فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر، وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ثبوتية لهما، وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكرحقيقتهما‏.‏
والدليل على هذا‏:‏ أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر /فعلم أن تصور متعلق الشكر داخل في تصور الشكر‏.‏
قلت‏:‏ ولو قيل‏:‏ إنه ليس هذا إلا أمرًا عدميًا‏.‏ فالحقيقة إن كانت مركبة من وجود وعدم، وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة‏.‏ كما أن من عرف الأب ـ من حيث هو أب ـ فإن تصوره موقوف على تصور الأبوة، التي هي نسبة وإضافة‏.‏ وإن كان الأب أمرًا وجوديًا‏.‏ فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه‏.‏
وإن لم يكن هذا المتعلق عارضًا لصفة ثبوتية‏.‏ فلا يفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا المتعلق‏.‏ كما لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة، الذي هو التعلق‏.‏ وكذلك الحمد والشكر أمران متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه‏.‏
وهذا التعلق جزء من هذا المسمى‏.‏ بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد‏.‏ ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر‏.‏
فإذا كان فهمها موقوفًا على فهم متعلقهما، فوقوفه على فهم التعلق أولى‏.‏ فإن التعلق فرع على المتعلق، وتبع له‏.‏ فإذا توقف فهمهما على فهم المتعلق الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقفه على فهم التعلق أولى‏.‏ وإن كان التعلق أمرًا عدميًا‏.‏ والله أعلم‏.‏
/قال له الشيخ تقي الدين ابن تيمية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 275‏]‏ قد اتبع بقوله‏:‏ ‏{‏وَحَرَّمَ الرِّبَا‏}‏ وعامة أنواع الربا يسمى بيعًا‏.‏ والربا ـ وإن كان اسمًا مجملاً ـ فهو مجهول‏.‏ واستثناء المجهول من المعلوم يوجب جهالة المستثنى فيبقى المراد إحلال البيع الذي ليس بربا‏.‏ فما لم يثبت أن الفرد المعين ليس بربا لم يصح إدخاله في البيع الحلال‏.‏ وهذا يمنع دعوى العموم‏.‏ وإن كان الربا اسمًا عامًا فهو مستثنى من البيع أيضًا‏.‏ فيبقى البيع لفظًا مخصوصًا‏.‏ فلا يصح ادعاء العموم على الإطلاق‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ هذا من باب التخصيص‏.‏ وهنا عمومان تعارضا، وليس من باب الاستثناء‏.‏ فإن صيغ الاستثناء معلومة‏.‏ وإذا كان هذا تخصيصًا لم يمنع ادعاء العموم فيه‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏هذا كلام متصل بعضه ببعض، وهو من باب التخصيص المتصل‏.‏ وتسميه الفقهاء استثناءً، كقوله‏:‏ له هذه الدار ولي منها هذا البيت‏.‏ فإن هذا بمنزلة قوله‏:‏ إلا هذا البيت‏.‏ وكذلك لو قال‏:‏ أكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلانًا وهو منهم‏.‏ كان بمنزلة قوله‏:‏ إلا فلانًا‏.‏ وإذا كان كذلك صار بمنزلة قوله‏:‏ أحل الله البيع إلا ما كان منه ربًا‏.‏
/فمن ادعى بعد هذا أنه عام في كل ما يسمى بيعًا فهو مخطئ‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ أنا أسلم أنه إنما هو عام في كل بيع لا يسمى ربا‏.‏
قال له الشيخ تقي الدين‏:‏وهذا كان المقصود‏.‏ ولكن بطل بهذا دعوى عمومه على الإطلاق؛ فإن دعوى العموم على الإطلاق ينافي دعوى العموم في بعض الأنواع دون بعض‏.‏ وهذا كلام بين‏.‏
وادعى مدعٍ أن فيه قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه عام مخصوص‏.‏ والثاني‏:‏ أنه عموم مراد‏.‏
فقال الشيخ تقي الدين‏:‏ فإن دعوى أنه عموم مراد، باطل قطعًا، فإنا نعلم أن كثيرًا من أفراد البيع حرام‏.‏
فاعترض ابن المرحل بأن تلك الأفراد حرمت بعد ما أحلت فيكون نسخًا‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ فيلزم من هذا ألا نحرم شيئًا من البيوع بخبر واحد، ولا بقياس، فإن نسخ القرآن لا يجوز بذلك، وإنما يجوز تخصيصه به‏.‏ وقد اتفق الفقهاء على التحريم بهذه الطريقة‏.‏
/قال ابن المرحل‏:‏ رجعت عن هذا السؤال؛ لكن أقول‏:‏ هو عموم مراد في كل ما يسمى بيعًا في الشرع‏.‏ فإن البيع من الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعي‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ البيع ليس من الأسماء المنقولة؛ فإن مسماه في الشرع والعرف هو المسمى اللغوي، لكن الشارع اشترط لحله وصحته شروطًا‏.‏ كما قد كان أهل الجاهلية لهم شروط أيضًا بحسب اصطلاحهم‏.‏ وهكذا سائر أسماء العقود، مثل الإجارة والرهن، والهبة والقرض والنكاح، إذا أريد به العقد وغير ذلك، هي باقية على مسمياتها‏.‏ والنقل إنما يحتاج إليه إذا أحدث الشارع معاني لم تكن العرب تعرفها، مثل الصلاة والزكاة، والتيمم‏.‏ فحينئذ يحتاج إلى النقل‏.‏ ومعاني هذه العقود ما زالت معروفة‏.‏
قال ابن المرحل‏:‏ أصحابي قد قالوا‏:‏ إنها منقولة‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ لو كان لفظ البيع في الآية المراد به البيع الصحيح الشرعي لكان التقدير‏:‏ أحل الله البيع الصحيح الشرعي‏.‏أو أحل الله البيع الذي هو عنده حلال‏.‏ وهذا ـ مع أنه مكرر ـ فإنه يمنع الاستدلال بالآية‏.‏ فإنا لا نعلم دخول بيع من البيوع في الآية حتى نعلم أنه بيع صحيح شرعي‏.‏ ومتى علمنا ذلك استغنينا عن الاستدلال بالآية‏.‏
/قال ابن المرحل‏:‏ متى ثبت أن هذا الفرد يسمى بيعًا في اللغة قلت‏:‏ هو بيع في الشرع؛ لأن الأصل عدم النقل، وإذا كان بيعًا في الشرع دخل في الآية‏.‏
قال الشيخ تقي الدين‏:‏ هذا إنما يصح لو لم يثبت أن الاسم منقول أما إذا ثبت أنه منقول لم يصح إدخال فرد فيه‏.‏ حتى يثبت أن الاسم المنقول واقع عليه‏.‏ وإلا فيلزم من هذا أن كل ما سمى في اللغة صلاة وزكاة، وتيممًا، وصومًا وبيعًا، وإجارة، ورهنا‏:‏ أنه يجوز إدخاله في المسمى الشرعي بهذا الاعتبار وعلى هذا التقدير، فلا يبقى فرق بين الأسماء المنقولة وغيرها‏.‏ وإنما يقال‏:‏ الأصل عدم النقل، إذا لم يثبت، بل متى ثبت النقل فالأصل عدم دخول هذا الفرد في الاسم المنقول، حتى يثبت أنه داخل فيه بعد النقل‏.







آخر مواضيعه 0 التوبة
0 الطب النبوي , كتاب لابن القيم الجوزية
0 الحجامة , ما هي الحجامة , فوائد الحجامة
0 تواقيع شهر رمضان . تواقيع رمضان , توقيع رمضاني
0 ISLAM and the AIM of LIFE

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-04-2008, 02:15 PM   رقم المشاركة : 7
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفي بالله شهيدًا‏.‏ أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا‏.‏ فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميًا وآذانًا صما، وقلوبًا غلفًا، وفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والمؤمنين / والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، وبين أولياء الله وأعداء الله، فمن شهد له محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أولياء الله فهو من أولياء الرحمن، ومن شهد له بأنه من أعداء الله فهو من أولياء الشيطان‏.‏
وقد بين ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن لله أولياء من الناس، وللشيطان أولياء، ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏62‏:‏ 64‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏257‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏51‏:‏ 56‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا‏}‏ ‏[‏سورة الكهف‏:‏ 44‏]‏‏.‏
وذكر ‏[‏أولياء الشيطان‏]‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏98 ــ 100‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 76‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏50‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 119 ‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏173 ــ 175‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا‏}‏ إلى قوله‏:‏‏{‏إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏27 ــ 30‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 121‏]‏ وقال الخليل عليه السلام‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 45‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ‏}‏ الآيات، إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏ الممتحنة 1ــ 5 ‏]‏ ‏.‏
فصـــل
وإذا عرف أن الناس فيهم ‏[‏أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏]‏ فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس ‏:‏62‏:‏ 63‏]‏‏.‏
وفي الحديث الصحيح الذى رواه البخارى وغيره عن أبى هريرة ــ رضى الله عنه ــ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقول الله‏:‏ من عادى لي وليًا فقد بارزنى بالمحاربة ــ أو فقد آذنته الحرب ــ وما تقرب إلي/ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، فبى يسمع، وبى يبصر، وبى يبطش، وبى يمشى‏.‏ ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذ بى لأعيذنه، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه‏)‏ وهذا أصح حديث يروى في الأولياء، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من عادى وليًا لله فقد بارز الله بالمحاربة ‏.‏
وفي حديث آخر‏:‏ ‏(‏وإنى لأثأر لأوليائى كما يثأر الليث الحرب‏)‏ أي آخذ ثأرهم ممن عاداهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره، وهذا لأن أولياء الله هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر ونهوا عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع، كما في الترمذى وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أوثق عرى الإيمان‏:‏ الحب في الله والبغض في الله‏)‏ وفي حديث آخر رواه أبو داود قال‏:‏ ‏(‏ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان‏)‏‏.‏
و ‏[‏الولاية‏]‏ ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل /العداوة البغض والبعد‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن الولى سمى وليًا من موالاته للطاعات أي متابعته لها، والأول أصح‏.‏ والولى القريب، فيقال‏:‏ هذا يلى هذا، أي يقرب منه‏.‏ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذَكَر‏)‏ أي لأقرب رجل إلى الميت‏.‏ وأكده بلفظ ‏[‏الذكر‏]‏ ليبين أنه حكم يختص بالذكور، ولا يشترك فيها الذكور والإناث كما قال في الزكاة ‏(‏فابن لبون ذكر‏)‏‏.‏
فإذا كان ولى الله هو المرافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمره به وينهى عنه كان المعادى لوليه معاديًا له كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 1‏]‏ فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، فلهذا قال‏:‏ ‏(‏ومن عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة‏)‏‏.‏
وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم‏:‏ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا‏}‏ ‏[‏ الشورى‏:‏ 13‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 8،7‏]‏ ‏.‏
وأفضل أولى العزم محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المتقين، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة، الذى بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خلقًا، وأول الأمم بعثًا، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيدأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم؛ فهذا يومهم الذى اختلفوا فيه ــ يعنى يوم الجمعة ــ فهدانا الله له‏:‏ الناس لنا تبع فيه، غدًا لليهود وبعد غد للنصارى‏)‏‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا أول من تنشق عنه الأرض‏)‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏آتى باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن‏:‏ من أنت ‏؟‏ فأقول‏:‏ أنا محمد، فيقول‏:‏ بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك‏)‏‏.‏
/وفضائله صلى الله عليه وسلم وفضائل أمته كثيرة، ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون وليًا لله إلا من آمن به وبما جاء به، واتبعه باطنًا وظاهرًا‏.‏ ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏، قال الحسن البصرى ــ رحمه الله ــ‏:‏ ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم، وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فإن الله يحبه، ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فليس من أولياء الله، وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله، فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏ 18‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة ‏:‏111، 112‏]‏ ‏.‏
وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة، ومجاورتهم البيت، وكانوا يستكبرون به على غيرهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 66، 67‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏30 ـ 34‏]‏ فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه‏.‏ ولا أولياء بيته، إنما أولياؤه المتقون ‏.‏
وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص ـ رضى الله عنه ـ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارًا من غير سر‏:‏ ‏(‏إن آل فلان ليسوا لى بأولياء ـ يعنى طائفة من أقاربه ـ إنما ولى الله وصالح المؤمنين‏)‏ وهذا موافق لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ الآية ‏[‏ التحريم‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وصالح المؤمنين هو من كان صالحًا من المؤمنين، وهم المؤمنون المتقون أولياء الله‏.‏ ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة‏)‏ ومثل هذا الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏إن أوليائي المتقون أيا كانوا وحيث كانوا‏)‏‏.‏
كما أن من الكفار من يدعى أنه ولى الله وليس وليًا لله، بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنه مرسل إلى جميع الإنس، بل إلى الثقلين الإنس والجن، ويعتقدون في الباطن /ما يناقض ذلك، مثل ألا يقروا في الباطن بأنه رسول اله، وإنما كان ملكا مطاعًا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك، أو يقولون‏:‏ إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى، أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه، بل لهم طريق إلى الله من غير جهته، كما كان الخضر مع موسى، أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها، وأما الحقائق الباطنة فلم يرسل بها، أو لم يكن يعرفها، أو هم أعرف بها منه، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته ‏.‏
وقد يقول بعض هؤلاء‏:‏ إن ‏[‏أهل الصُّفَّة‏]‏ كانوا مستغنين عنه، ولم يرسل إليهم، ومنهم من يقول‏:‏ إن الله أوحى إلى أهل الصفة في الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج، فصار أهل الصفة بمنزلته، وهؤلاء من فرط جهلهم لا يعلمون أن الإسراء كان بمكة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏ 1‏]‏، وأن الصفة لم تكن إلا بالمدينة، وكانت صفة في شمالى مسجده صلى الله عليه وسلم ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ينزلون عندهم؛ فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي/ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به، ومن تعذر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه ‏.‏
ولم يكن ‏[‏أهل الصفة‏]‏ ناسًا بأعيانهم يلازمون الصفة، بل كانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى، ويقيم الرجل بها زمانًا ثم ينتقل منها‏.‏ والذين ينزلون بها من جنس سائر المسلمين؛ ليس لهم مزية في علم ولا دين، بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي صلى الله عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة ـ أي استوخموها ـ فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح ـ أي إبل لها لبن ـ وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا الراعى، واستاقوا الذود فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتى بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون‏.‏ وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس، وفيه أنهم نزلوا الصفة‏.‏ فكان ينزلها مثل هؤلاء، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبى وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة، ثم انتقل عنها ونزلها أبو هريرة وغيره ‏.‏
وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي ‏[‏هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم بن زاوية بن سعيد بن قبيصة بن سراق الأزدى السلمى الحافظ المحدث،شيخ خراسان وكبير الصوفية أبو عبد الرحمن النيسابورى الصوفي صاحب التصانيف، ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، صنف في علوم القوم سبعمائة جزء وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من جميع الأبواب والمشايخ، وكانت تصانيفه مقبولة، قال عنه الخطيب‏:‏ غير ثقة، وكان يضع للصوفية الأحاديث‏.‏ مات في شهر شعبان سنة اثنتى عشرة وأربعمائة‏.‏ ‏[‏سير أعلام النبلاء‏:‏ 17/247 ــ 255 ‏]‏ تاريخ من نزل الصفة ‏.‏
وأما ‏[‏الأنصار‏]‏ فلم يكونوا من أهل الصفة، وكذلك أكابر المهاجرين كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن/ بن عوف وأبى عبيدة وغيرهم، لم يكونوا من أهل الصفة‏.‏
وقد روي أنه بها غلام للمغيرة بن شعبة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏هذا واحد من السبعة‏)‏ وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية، وكذا كل حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة ‏[‏الأولياء‏]‏ و‏[‏الأبدال‏]‏ و‏[‏النقباء‏]‏ و‏[‏النجباء‏]‏ و‏[‏الأوتاد‏]‏ و‏[‏الأقطاب‏]‏ مثل أربعة أو سبعة أو اثنى عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة وثلاثة عشر، أو القطب الواحد، فليس في ذلك شىء صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينطق السلف بشىء من هذه الألفاظ إلا بلفظ ‏[‏الأبدال‏]‏‏.‏ وروى فيهم حديث‏:‏ أنهم أربعون رجلًا وأنهم بالشام، وهو في المسند من حديث على رضى الله عنه‏.‏ وهو حديث منقطع ليس بثابت، ومعلوم أن عليًا ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ومن معه بالشام، فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر على، وقد أخرجا في الصحيحين عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق‏)‏ وهؤلاء المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة على، فقتلهم على بن أبى طالب وأصحابه، فدل هذا الحديث الصحيح على أن علي /بن أبى طالب أولى بالحق من معاوية وأصحابه، وكيف يكون الأبدال في أدنى العسكرين دون أعلاهما ‏؟‏
وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أنشد منشد ‏:‏
قد لسعت حية الهوى كبدى ** فلا طبيب لها ولا راقى
إلا الحبيب الذى شـغفت به ** فعنـده رقيتـى وترياقــى
وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه، فإنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وأكذب منه ما يرويه بعضهم‏:‏ ‏(‏أنه مزق ثوبه، وأن جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش‏)‏، فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أظهر الأحاديث كذبًا عليه صلى الله عليه وسلم ‏.‏
وكذلك ما يروونه عن عمر ـ رضى الله عنه ـ أنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت بينهما كالزنجى‏.‏ وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ‏.‏
والمقصود هنا أن فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر من يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك، فيكون منافقًا وهو يدعى في نفسه وأمثاله /أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إما عنادًا وإما جهلًا، كما أن كثيرًا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله، وأن محمدًا رسول الله، ولكن يقولون‏:‏ إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب، وأنه لا يجب علينا اتباعه؛ لأنه أرسل إلينا رسلًا قبله، فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بولايته بقوله‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 62، 63‏]‏ ‏.‏
ولابد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بكل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏ البقرة ‏:‏136، 137 ‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ‏}‏ إلى آخر السورة ‏[‏البقرة ‏:‏285، 286‏]‏‏.‏
وقال في أول السورة‏:‏ ‏{‏الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 1ــ 5‏]‏ ‏.‏
فلابد في الإيمان من أن تؤمن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لا نبى بعده، وأن الله أسرله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن؛ فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين؛ ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 150 ــ 152‏]‏ ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ماحرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان‏.‏
/وأما خلق الله تعالى للخلق، ورزقه إياهم، وإجابته لدعائهم وهدايته لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار، فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل‏.‏
ثم لو بلغ الرجل في ‏[‏الزهد والعبادة والعلم‏]‏ ما بلغ، ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس بمؤمن، ولا ولي لله تعالى، كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبادهم، وكذلك المنتسبين إلى العلم والعبادة من المشركين مشركى العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك وله علم أو زهد وعبادة في دينه وليس مؤمنًا بجميع ما جاء به فهو كافر عدو لله، وإن ظن طائفة أنه ولى لله، كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارًا مجوسًا‏.‏
وكذلك حكماء ‏[‏اليونان‏]‏ مثل أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب، وكان أرسطو قبل المسيح ـ عليه السلام ـ بثلاثمائة سنة، وكان وزيرًا للإسكندر بن فيلبس المقدونى، وهو الذى تؤرخ به تواريخ الروم واليونان، وتؤرخ به اليهود والنصارى، وليس هذا هو ذو القرنين الذى ذكره الله في كتابه، كما يظن بعض الناس أن أرسطو كان وزيرًا لذى القرنين لما رأوا أن ذاك اسمه الإسكندر، وهذا قد يسمى بالإسكندر، ظنوا أن هذا ذاك كما يظنه ابن سينا وطائفة معه / وليس الأمر كذلك، بل هذا الإسكندر المشرك الذى قد كان أرسطو وزيره متأخر عن ذاك، ولم يبن هذا السد، ولا وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج، وهذا الإسكندر الذى كان أرسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعرف‏.‏
وفي أصناف المشركين من مشركى العرب ومشركى الهند والترك واليونان وغيرهم من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة، ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما جاؤوا به ولا يصدقهم بما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء لله، وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتنزل عليهم فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين، قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 221 ــ 223‏]‏‏.‏
وهؤلاء جميعهم ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات إذا لم يكونوا متبعين للرسل فلا بد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم‏.‏ ولا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة؛ ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الر حمن‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏36‏]‏ وذكر الرحمن هو الذكر الذى بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل القرآن، فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب أمره، فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 50‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏124 ـ 126‏]‏ فدل ذلك على أن ذكره هو آياته التي أنزلها، لهذا لو ذكر الرجل الله ـ سبحانه وتعالى ـ دائمًا ليلًا ونهارًا مع غاية الزهد، وعبده مجتهدًا في عبادته ولم يكن متبعًا لذكره الذى أنزله ـ وهو القرآن ـ كان من أولياء الشيطان ولو طار في الهواء أو مشى على الماء؛ فإن الشيطان يحمله في الهواء‏.‏ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
فصـــل
ومن الناس من يكون فيه إيمان، وفيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها‏:‏ إذا حدث كذب، /وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر‏)‏ وفي الصحيحين أيضًا عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الإيمان بضع وستون ـ أو بضع وسبعون ـ شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان‏)‏ فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن من كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها، وقد ثبت في الصحيحين أنه قال لأبى ذر ـ وهو من خيار المؤمنين ـ‏:‏ ‏(‏إنك امرؤ فيك جاهلية‏)‏ فقال‏:‏ يا رسول الله، أعلى كبر سني ‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏!‏‏.‏
وثبت في الصحيح عنه أنه قال‏:‏‏(‏أربع في أمتى من أمر الجاهلية‏:‏ الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم‏)‏ وفي الصحيحين عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏آية المنافق ثلاث‏:‏ إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان‏)‏ وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم‏)‏ وذكر البخارى عن ابن أبى مُليْكةَ قال‏:‏ أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 166، 167 ‏]‏ فقد جعل هؤلاء إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، فعلم أنهم مخلطون وكفرهم أقوى؛ وغيرهم يكون مخلطًا وإيمانه أقوى ‏.‏
وإذا كان ‏[‏أولياء الله‏]‏ هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى، كان أكمل ولاية لله‏.‏ فالناس متفاضلون في ولاية الله ــ عز وجل ــ بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 124، 125‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 37‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 17‏]‏، وقال تعالى في المنافقين‏:‏ ‏{‏فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 10‏]‏‏.‏ فبين ـ سبحانه وتعالى ـ أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية الله بحسب إيمانه، وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا‏}‏ ‏[‏ المدثر‏:‏ 31‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏4‏]‏‏.
فصـــل
وأولياء الله على ‏[‏طبقتين‏]‏ سابقون مقربون، وأصحاب يمين مقتصدون‏.‏ ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان، والمطففين وفي سورة فاطر، فإنه ـ سبحانه وتعالى ـ ذكر في الواقعة القيامة الكبرى في أولها، وذكر القيامة الصغرى في آخرها، فقال في أولها‏:‏ ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ‏}‏ ‏[‏ الواقعة‏:‏ 1ــ 14‏]‏ ‏.‏
فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين، كما وصف الله ـ سبحانه ـ ذلك في كتابه في غير موضع ‏.‏
ثم قال تعالى في آخر السورة‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا‏}‏ أي‏:‏ فهلا ‏{‏وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏[‏ الواقعة‏:‏ 83 ــ 96‏]‏ ‏.‏
وقال تعالى في سورة الإنسان‏:‏ ‏{‏إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا‏}‏ الأيات ‏[‏الإنسان‏:‏ 3 ــ 12‏]‏‏.‏
وكذلك ذكر في سورة المطففين فقال‏:‏ ‏{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ أياتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏ المطففين‏:‏ 7 ــ 28‏]‏
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وغيره من السلف قالوا‏:‏ يمزج/ لأصحاب اليمين مزجًا، ويشرب بها المقربون صرفًا، وهو كما قالوا‏.‏ فإنه تعالى قال‏:‏ ‏{‏يَشْرَبُ بِهَا‏}‏ ولم يقل‏:‏ يشرب منها؛ لأنه ضمن ذلك قوله يشرب، يعنى‏:‏ يروى بها، فإن الشارب قد يشرب ولا يروى، فإذا قيل‏:‏ يشربون منها لم يدل على الرى، فإذا قيل‏:‏ يشربون بها كان المعنى يروون بها، فالمقربون يروون بها فلا يحتاجون معها إلى ما دونها؛ فلهذا يشربون منها صرفًا، بخلاف أصحاب اليمين فإنها مزجت لهم مزجًا، وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان‏:‏ ‏{‏كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 5، 6‏]‏‏.‏
فعباد الله هم المقربون المذكورون في تلك السورة، وهذا لأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكين، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه‏)‏ رواه مسلم في صحيحه، وقال/ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الراحمون يرحمهم الرحمن‏.‏ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء‏)‏ قال الترمذى‏:‏ حديث صحيح ‏.‏







آخر مواضيعه 0 ماذا تريد المرأة ,وما حالها ,ولماذا؟
0 الصلاة , اسرار الصلاة
0 حقائق وارقام
0 حقائق وارقام
0 اخطاء وسلوكيات مرفوضة في شهر رمضان

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-04-2008, 02:17 PM   رقم المشاركة : 8
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وفي الحديث الآخر الصحيح الذي في السنن‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمى، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ومن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله‏)‏ ومثل هذا كثير ‏.‏
وأولياء الله تعالى على نوعين‏:‏ مقربون وأصحاب يمين كما تقدم‏.‏ وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عمل القسمين في حديث الأولياء فقال‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لى وليًا فقد بارزنى بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها‏)‏‏.‏
فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات ‏.‏
وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا / الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبًا تامًا، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه‏)‏ يعنى الحب المطلق، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏[‏ الفاتحة‏:‏ 6، 7‏]‏ أي أنعم عليهم الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏‏.‏ فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات، يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت أعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفًا كما علموا له صرفًا، والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم، فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه، فلم يشربوا صرفًا، بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا ‏.‏
ونظير هذا انقسام الأنبياء ـ عليهم السلام ـ إلى عبد رسول، ونبي ملك، وقد خير الله سبحانه محمدًا صلى الله عليه وسلم بين أن يكون عبدًا رسولا، وبين أن يكون نبيًا ملكا، فاختار أن يكون عبدًا رسولا، فالنبي الملك مثل داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلاة والسلام، قال الله تعالى في قصة سليمان الذي ‏{‏قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ ‏[‏ ص‏:‏ 35 ـ 39 ‏]‏ أي اعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك، فالنبي الملك يفعل ما فرض الله عليه ويترك ما حرم الله عليه، ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه ‏.‏
وأما العبد الرسول فلا يعطي أحدًا إلا بأمر ربه ولا يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، بل روى عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت‏)‏، ولهذا يضيف الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 1‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏‏.‏
ولهذا كان أظهر أقوال العلماء أن هذه الأموال تصرف فيما يحبه الله ورسوله بحسب اجتهاد ولى الأمر كما هو مذهب مالك وغيره من السلف، ويذكر هذا روأية عن أحمد، وقد قيل في الخمس أنه يقسم على خمسة، كقول الشافعي وأحمد في المعروف عنه، وقيل‏:‏ على ثلاثة، كقول أبي حنيفة ـ رحمه الله ‏.‏
/ والمقصود هنا أن العبد الرسول هو أفضل من النبي الملك، كما أن إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا عليهم الصلاة والسلام أفضل من يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، كما أن المقربين السابقين أفضل من الأبرار أصحاب اليمين الذين ليسوا مقربين سابقين‏.‏ فمن أدى ما أوجب الله عليه وفعل من المباحات ما يحبه فهو من هؤلاء، ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه ويقصد أن يستعين بما أبيح له على ما أمره الله فهو من أولئك‏.‏
فصـــل
وقد ذكر الله تعالى ‏[‏أولياءه‏]‏ المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ‏}‏ ‏[‏ فاطر‏:‏32 ـ 35 ‏]‏، لكن هذه الأصناف الثلاثة في هذه الأية هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ‏}‏‏.‏
وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة، وليس ذلك مختصًا بحفاظ القرآن، بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء، وقسمهم إلى ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق؛ بخلاف الأيات التي في الواقعة والمطففين والانفطار، فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم، وهذا التقسيم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فـ ‏[‏الظالم لنفسه‏]‏ أصحاب الذنوب المصرون عليها، ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين، و‏[‏المقتصد‏]‏ المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، والسابق للخيرات هو المؤدى للفرائض والنوافل، كما في تلك الأيات، ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج من بذلك عن السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء َالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 133 ـ 136 ‏]‏ و‏[‏المقتصد‏]‏ المؤدى للفرائض المجتنب للمحارم، و‏[‏السابق بالخيرات‏]‏ هو المؤدى للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات ‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا‏}‏ ‏[‏ فاطر‏:‏ 33 ‏]‏ مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد ‏.‏
وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر وإخراج من يخرج من النار بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره‏.‏ فمن قال‏:‏ إن أهل الكبائر مخلدون في النار وتأول الآية على أن السابقين هم الذين يدخلونها وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها، كما تأوله من المعتزلة فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار‏.‏ ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب، وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولإجماع سلف الأمة وأئمتها ‏.‏
وقد دل على فساد قول ‏[‏الطائفتين‏]‏ قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏48 ‏]‏، فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من / المعتزلة؛ لأن الشرك يغفره الله لمن تاب وما دون الشرك يغفره الله أيضًا للتائب فلا تعلق بالمشيئة، ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 53 ‏]‏‏.‏
فهنا عمم المغفرة وأطلقها، فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له، ففي أية التوبة عمم وأطلق، وفي تلك الأية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما سواه على المشيئة ومن الشرك التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب، ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق، أو يجوز ألا يعذب بذنب، فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض، ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورًا له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة ‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ دليل على أنه يغفر البعض دون البعض، فبطل النفي والوقف العام ‏.‏
/ فصـــل
وإذا كان ‏[‏أولياء الله عز وجل‏]‏ هم المؤمنون المتقون‏.‏ والناس يتفاضلون في الأيمان والتقوى، فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك‏.‏ كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك ‏.‏
وأصل الأيمان والتقوى‏:‏ الأيمان برسل الله، وجماع ذلك‏:‏ الأيمان بخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فالأيمان به يتضمن الأيمان بجميع كتاب الله ورسله، وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل، وبما جاءوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة؛ فإن الله تعالى‏:‏ أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، قال الله تعالى ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأيوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 163 ـ 165 ‏]‏، وقال تعالى عن أهل النار‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 8، 9 ‏]‏ فأخبر أنه كلما ألقى في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه، فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير‏.‏ وقال تعالى في خطابه لإبليس‏:‏ ‏{‏لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏ ص‏:‏ 85 ‏]‏ فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه؛ فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم‏.‏ فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع الشيطان، وهذا يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له فإنه ممن لا يتبع الشيطان ولم يكن مذنبًا، وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل ‏.‏
فصـــل
ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانًا مجملا، وأما الإيمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل، وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به؛ ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانًا مجملًا، فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع /إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى، له من ولاية الله بحسب أيمانه وتقواه، وما لم تقم عليه الحجة فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان المفصل به، فلا يعذبه على تركه، لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك، فمن علم بما جاء به الرسل وآمن به أيمانًا مفصلا وعمل به فهو أكمل أيمانًا وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به؛ وكلاهما ولي لله تعالى‏.‏
والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب أيمانهم وتقواهم، قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلًا نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 18 ــ 21 ‏]‏ ‏.‏
فبين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه وإن عطاءه ما كان محظورًا من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا‏}‏‏.‏ فبين الله ـ سبحانه ـ أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا وقد بين/ تفاضل أنبيائه ـ عليهم السلام ـ كتفاضل سائر عباده المؤمنين، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأيدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 253 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 55 ‏]‏ ‏.‏
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل‏:‏ لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل‏:‏ قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان‏)‏ وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر‏)‏‏.‏
وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏ الحديد‏:‏ 10 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلًا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 95، 96 ‏]‏، / وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَأيةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 19 ـ 22 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 11 ‏]‏ ‏.‏
فصـــل
وإذا كان العبد لا يكون وليًا لله إلا إذا كان مؤمنًا تقيًا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏ يونس‏:‏62، 63 ‏]‏ وفي صحيح البخارى الحديث المشهور ـ وقد تقدم ـ يقول الله تبارك وتعالى فيه‏:‏ ‏(‏ولا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه‏)‏ ولا يكون مؤمنًا تقيًا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار/ أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين، فمعلوم أن أحدًا من الكفار والمنافقين لا يكون وليًا لله‏.‏
وكذلك من لا يصح أيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة ـ وإن قيل‏:‏ إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولًا ـ فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين؛ فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا يترك السيئات لم يكن من أولياء الله‏.‏ وكذلك المجانين والأطفال؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ‏)‏‏.‏
وهذا الحديث قد رواه أهل السـنن من حديث علي وعائشة ـ رضي الله عنهما ـ واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول‏.‏ لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء‏.‏ وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء‏.‏ ولا يصح منه أيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة‏.‏ فلا يصلح أن يكون بزازًا ولا عطارًا ولا حدادًا ولا نجارًا ولا تصح عقوده باتفاق العلماء‏.‏ فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل/ أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب‏.‏ بخلاف الصبى المميز فإن له أقوالًا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع‏.‏ وفي مواضع فيها نزاع ‏.‏
وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وامتنع أن يكون وليًا لله، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله؛ لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه، أو نوع من تصرف، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع، فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين ـ من المشركين وأهل الكتاب ـ لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليًا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله ‏؟‏‏!‏ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة‏.‏ أو يعتقد أن لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أو يقول‏:‏ إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعى الولأية، فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان.‏ فضلا عن ولاية الله عز وجل‏.‏ فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولأيتهم كان أضل من اليهود والنصارى ‏.‏
/وكذلك المجنون؛ فإن كونه مجنونًا يناقض أن يصح منه الأيمان والعبادات التي هى شرط في ولاية الله، ومن كان يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا‏.‏
إذا كان في حال إفاقته مؤمنًا بالله ورسوله ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، فهذا إذا جن لم يكن جنونه مانعًا من أن يثيبه الله على أيمانه وتقواه الذي أتى به في حال إفاقته، ويكون له من ولاية الله بحسب ذلك‏.‏ وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد إيمانه وتقواه، فإن الله يثيبه ويأجره على ما تقدم من أيمانه وتقواه، ولا يحبطه بالجنون الذي ابتلي به من غير ذنب فعله، والقلم مرفوع عنه في حال جنونه ‏.‏
فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض ولا يجتنب المحارم بل قد يأتى بما يناقض ذلك‏.‏ لم يكن لأحد أن يقول‏:‏ هذا ولى لله، فإن هذا إن لم يكن مجنونًا، بل كان متولهًا من غير جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارة، ويفيق أخرى وهو لا يقوم بالفرائض، بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وإن كان مجنونًا باطنًا وظاهرًا قد ارتفع عنه القلم، فهذا وإن لم يكن معاقبًا عقوبة الكافرين فليس هو مستحقًا لما يستحقه أهل الأيمان والتقوى من كرامة الله عز وجل، فلا يجوز على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه ولى لله، ولكن إن كان له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنًا بالله متقيًا كان له من ولاية الله بحسب ذلك‏.‏ / وإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرًا أو منافقًا ثم طرأ عليه الجنون، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه، وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق ‏.‏
فصـــل
وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحًا، كما قيل‏:‏ كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويجدون في التجار والصناع والزراع‏.‏
وقد ذكر الله أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرضي وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏ المزمل ‏:‏20 ‏]‏‏.‏
/وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم ‏[‏القراء‏]‏ فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم ‏[‏الصوفية والفقراء‏]‏‏.‏ واسم ‏[‏الصوفية‏]‏ هو نسبة إلى لباس الصوف؛ هذا هو الصحيح‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء‏.‏ وقيل‏:‏ إلى صوفة بن أدّ بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك‏.‏ وقيل‏:‏ إلى أهل الصفة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى الصفا‏.‏ وقيل‏:‏ إلى الصفوة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى الصف المقدم بين يدى الله تعالى‏.‏ وهذه أقوال ضعيفة؛ فإنه لوكان كذلك لقيل‏:‏ صَفي أو صفائى أو صَفَوى أو صُفي، ولم يقل‏:‏ صوفي‏.‏
وصار ـ أيضًا ـ اسم ‏[‏الفقراء‏]‏ يعنى به‏:‏ أهل السلوك‏.‏ وهذا عرف حادث‏.‏ وقد تنازع الناس‏:‏ أيما أفضل‏:‏ مسمى ‏[‏الصوفي‏]‏ أو مسمى ‏[‏الفقير‏]‏ ‏؟‏ ويتنازعون ـ أيضًا ـ‏:‏ أيما أفضل‏:‏ الغنى الشاكر أو الفقير الصابر ‏؟‏
وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء‏.‏ وقد روى عن أحمد بن حنبل فيها روأيتان، والصواب في هذا كله ما قاله الله ـ تبارك وتعالى ـ حيث قال‏:‏ ‏{‏يَا أيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 13‏]‏‏.‏
وفي الصحيح عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي/ صلى الله عليه وسلم أنه سئل‏:‏ أي الناس أفضل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أتقاهم‏)‏‏.‏ قيل له‏:‏ ليس عن هذا نسألك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏يوسف نبى الله ابن يعقوب نبى الله ابن إسحاق نبى الله ابن إبراهيم خليل الله‏)‏‏.‏ فقيل له‏:‏ ليس عن هذا نسألك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏عن معادن العرب تسألوني‏؟‏ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة‏.‏ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا‏)‏‏.‏
فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم ‏.‏
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى‏.‏ كلكم لآدم وآدم من تراب‏)‏‏.‏
وعنه ـ أيضًا ـ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏إن الله تعالى أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس رجلان‏:‏ مؤمن تقي، وفاجر شقي‏)‏‏.‏
فمن كان من هذه الأصناف أتقى لله فهو أكرم عند الله، وإذا استويا في التقى استويا في الدرجة
ولفظ ‏[‏الفقر‏]‏ في الشرع يراد به الفقر من المال، ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏60 ‏]‏، / وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أيهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ‏}‏ ‏[‏ فاطر‏:‏15 ‏]‏‏.‏ وقد مدح الله ـ تعالى ـ في القرآن صنفين من الفقراء‏:‏ أهل الصدقات، وأهل الفيء، فقال في الصنف الأول‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 273 ‏]‏، وقال في الصنف الثاني ـ وهم أفضل الصنفين ـ‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏ ‏[‏ الحشر‏:‏ 8 ‏]‏‏.‏
وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله باطنًا وظاهرًا‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله‏)‏‏.‏
أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك‏:‏ ‏(‏رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر‏)‏ فلا أصل له،ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وجهاد الكفار من أعظم الأعمال؛ بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلًا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏95، 96‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَأيةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏19 ـ 22 ‏]‏ ‏.‏
وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل‏:‏ ما أبالى ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر‏:‏ ما أبالى أن أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال على بن أبي طالب‏:‏ الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتما، فقال عمر‏:‏ لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا قضيت الصلاة سألته، فسأله فأنزل الله تعالى هذه الأية‏.‏
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل عند الله عز وجل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الصلاة على وقتها‏)‏ قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بر الوالدين‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ ثم أي ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الجهاد في سبيل الله‏)‏ قال‏:‏ حدثنى بهن رسول الله /صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني‏)‏، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل‏:‏ أي الأعمال أفضل ‏؟‏ قال ‏(‏أيمان بالله وجهاد في سبيله‏)‏، قيل‏:‏ ثم ماذا ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏حج مبرور‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين أن رجلًا قال له صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رسول الله، أخبرنى بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله قال‏:‏ ‏(‏لا تستطيعه أو لا تطيقه‏)‏ قال‏:‏ فأخبرني به قال‏:‏ ‏(‏هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر ‏؟‏‏)‏‏.‏
وفي السنن عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال‏:‏ ‏(‏يا معاذ، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يا معاذ، إنى لأحبك، فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة‏:‏ اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏)‏، وقال له ـ وهو رديفه‏:‏ ‏(‏يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده ‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا‏.‏ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏حقهم عليهم ألا يعذبهم‏)‏‏.‏
وقال ـ أيضًا ـ لمعاذ‏:‏ ‏(‏رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة/ سنامه الجهاد في سبيل الله‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يا معاذ، ألا أخبرك بأبواب البر ‏؟‏ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقيام الرجل في جوف الليل‏)‏ ثم قرأ ‏{‏تَتَجَافي جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏16، 17‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏يا معاذ، ألا أخبرك بملاك ذلك كله ‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ بلى ‏!‏ فقال‏:‏ ‏(‏أمسك عليك لسانك هذا‏)‏ فأخذ بلسانه، قال‏:‏ يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ثكلتك أمك يا معاذ ‏!‏ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏)‏‏.‏
وتفسير هذا ما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت‏)‏ فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة منهى عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضًا، كما ثبت في صحيح البخارى عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلًا قائمًا في الشمس فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا ‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه‏)‏‏.‏
/وثبت في الصحيحين عن أنس‏:‏ أن رجالًا سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم تَقَالُّوها فقالوا‏:‏ وأينا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ ‏!‏ ثم قال أحدهم‏:‏ أما أنا فأصوم ولا أفطر‏.‏ وقال الآخر‏:‏ أما أنا فأقوم ولا أنام‏.‏ وقال الآخر‏:‏ أما أنا فلا آكل اللحم‏.‏
وقال الآخر‏:‏ أما أنا فلا أتزوج النساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا ‏؟‏‏!‏ ولكنى أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏ أي‏:‏ سلك غيرها؛ ظانًا أن غيرها خير منها، فمن كان كذلك فهو برىء من الله ورسوله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 130 ‏]‏‏.‏ بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة‏.







آخر مواضيعه 0 النخل . شجرة النخل , النخيل وانواعه , التمر وفوائده
0 نتائج رمضان
0 وقفة على أطلال رمضان
0 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
0 عندما بكى أبو بكر

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-04-2008, 02:18 PM   رقم المشاركة : 9
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فصـــل
وليس من شرط ولى الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفي عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى/ الله عنه، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى؛ فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة ‏:‏ 285، 286 ‏]‏ ‏.‏
وقد ثبت في الصحيحين أن الله ـ سبحانه ـ استجاب هذا الدعاء وقال‏:‏ قد فعلت، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 284 ‏]‏ قال‏:‏ دخل قلوبهم منها شىء لم يدخلها قبل ذلك شىء أشد منه، فقال النبي صلى الله علية وسلم‏:‏ ‏(‏قولوا‏:‏ سمعنا وأطعنا وسلمنا‏)‏ قال‏:‏ فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ قال الله‏:‏ قد فعلت ‏{‏رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا‏}‏ قال‏:‏ قد فعلت‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ‏}‏ قال‏:‏ قد فعلت وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏ ‏[‏ الأحزاب‏: ‏5‏]‏‏.‏
وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله علية وسلم من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعًا أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر‏)‏ فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرًا على اجتهاده، وجعل خطأه مغفورًا له ولكن المجتهد المصيب له أجران فهو أفضل منه، ولهذا لما كان ولى الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولى لله لئلا يكون نبيًا، بل ولا يجوز لولى الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله علية وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه ‏.‏
والناس في الباب ‏[‏ثلاثة أصناف‏]‏ طرفان وسط‏.‏ فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولى لله وافقه في كل ما يظن أنه حدث/ به قلبه عن ربه، وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشر