قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 11:30 PM   رقم المشاركة : 11
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وكذلك قولهم‏:‏ الضدان لا يجتمعان، فأي شيئين علم تضادهما، فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان، وما من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن كل جسم لا يكون في مكانين، وأمثال ذلك كثير‏.‏
فما من معين مطلوب علمه بهذه القضايا الكلية إلا وهو يعلم قبل أن تعلم هذه القضية، ولا يحتاج في العلم به إليها، وإنما يعلم بها ما يقدر في الذهن من أمثال ذلك مما لم يوجد في الخارج‏.‏
وأما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس‏.‏ وإذا قيل‏:‏ أن من الناس من يعلم بعض الأعيان الخارجية بهذا القياس، فيكون مبناه على قياس التمثيل الذي ينكرون أنه يقيني‏.‏ فهم بين أمرين‏:‏ إن اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم إلى يقيني وظني، بطل تفريقهم، وإن ادعوا الفرق بينهما وأن قياس الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك، وبين لهم أن اليقين لا يحصل / في هذه الأمور إلا أن يحصل بالتمثيل، فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات الموجودة في الخارج قياسًا على ما علم منها، وهذا حق لا ينازع فيه عاقل، بل هذا من أخص صفات العقل التي فارق بها الحس؛ إذ الحس لا يعلم إلا معينًا، والعقل يدركه كليًا مطلقًا، لكن بواسطة التمثيل، ثم العقل يدركها كلها مع عزوب الأمثلة المعينة عنه، لكن هي في الأصل إنما صارت في ذهنه كلية عامة بعد تصوره لأمثال معينة من أفرادها، وإذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة، فقد يغلط كثيرًا بأن يجعل الحكم إما أعم وإما أخص، وهذا يعرض للناس كثيرًا؛ حيث يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح، ويكون عند التحقيق ليس كذلك، وهم يتصورون الشيء بعقولهم، ويكون ما تصوروه معقولا بالعقل، فيتكلمون عليه، ويظنون أنهم تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي، من غير أن تكون ثابتة في الخارج ولا في الذهن، فيقولون‏:‏ الإنسان من حيث هو هو، والوجود من حيث هو هو، والسواد من حيث هو هو، ونحو ذلك ‏.‏
ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة في الخارج على هذا التجريد، وذلك غلط، كغلط أوليهم فيما جردوه من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها، بل هذه المجردات لا تكون إلا مقدرة في الذهن، وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج، وهذا الذي يسمى الإمكان الذهني، فإن الإمكان على وجهين‏:‏
/ذهني‏:‏ وهو أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه، بل يقول يمكن هذا، لا لعلمه بإمكانه، بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذلك الشيء قد يكون ممتنعًا في الخارج‏.‏
وخارجي‏:‏ وهو أن يعلم إمكان الشيء في الخارج، وهذا يكون بأن يعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه‏.‏ فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودًا ممكن الوجود، فالأقرب إلى الوجود منه أولى‏.‏
وهذه طريقة القرآن في بيان ‏[‏إمكان المعاد‏]‏؛ فقد بين ذلك بهذه الطريقة، فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم، كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا‏:‏ ‏{‏أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏، قال‏:‏ ‏{‏فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ‏.‏ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 55، 56‏]‏، وعن ‏{‏الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 243‏]‏، وعن الذي مر على قرية فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وعن إبراهيم إذ قال‏:‏ ‏{‏رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏، القصة‏.‏ وكما أخبر عن المسيح أنه كان يحيى الموتى بإذن الله وعن أصحاب الكهف أنهم بعثوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين‏.‏
وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى؛ فإن الإعادة أهون من الابتداء، كما في قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ‏}‏الآية ‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏، / وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 79‏]‏، ‏{‏قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 51‏]‏، ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏‏.‏
وتارة يستدل على ذلك بخلق السموات والأرض، فإن خلقهما أعظم من إعادة الإنسان كما في قوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 33‏]‏‏.‏
وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 57‏]‏‏.‏
فقد تبين أن ما عند أئمة النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الإلهية، فقد جاء القرآن الكريم بما فيها من الحق، وما هو أبلغ وأكمل منها على أحسن وجه، مع تنزهه عن الأغاليط الكثيرة الموجودة عند هؤلاء، فإن خطأهم فيها كثير جدًا، ولعل ضلالهم أكثر من هداهم، وجهلهم أكثر من علمهم؛ ولهذا قال أبو عبد الله الرازي في آخر عمره في كتابه‏:‏ ‏[‏أقسام الذات‏]‏ لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏، ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 10‏]‏ واقرأ في النفي‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏، ‏{‏وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 110‏]‏، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي‏.‏
/والمقصود أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع، كما يقوله طائفة ـ منهم الآمدي ـ وأبعد من إثباته الإمكان الخارجي بالإمكان الذهني، ما يسلكه المتفلسفة ـ كابن سينا ـ في إثبات الإمكان الخارجي بمجرد إمكان تصوره في الذهن، كما أنهم لما أرادوا إثبات موجود في الخارج معقول لا يكون محسوسًا بحال‏.‏ استدلوا على ذلك بتصور الإنسان الكلي المطلق المتناول للأفراد الموجودة في الخارج، وهذا إنما يفيد إمكان وجود هذه المعقولات في الذهن، فإن الكلي لا يوجد كليًا إلا في الذهن، فأين طرق هؤلاء في إثبات الإمكان الخارجي من طريقة القرآن‏؟‏‏!‏
ثم إنهم يمثلون بهذه الطرق الفاسدة، يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية، وما جاءت به الرسل من الأخبار الإلهية عن الله واليوم الآخر، ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة، والخيالات الفاسدة أصولا عقلية يعارض بها ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه من الآيات،وما فطر الله عليه عباده، وما تقوم عليه الأدلة العقلية التي لا شبهة فيها، وأفسدوا بأصولهم العلوم العقلية والسمعية، فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها، ومبنى السمع على تصديق الأنبياء- صلوات الله عليهم- ثم الأنبياء - صلوات الله عليهم - كملوا للناس الأمرين، فدلوهم على الأدلة العقلية التي بها تعلم المطالب التي يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال، وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم‏.‏
/ وليس تعليم الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مقصورًا على مجرد الخبر كما يظنه كثير، بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها تعلم العلوم الإلهية ما لا يوجد عند هؤلاء البتة‏.‏ فتعليمهم ـ صلوات الله عليهم ـ جامع للأدلة العقلية والسمعية، جميعًا بخلاف الذين خالفوهم؛ فإن تعليمهم غير مفيد للأدلة العقلية والسمعية، مع ما في نفوسهم من الكبر الذي ما هم بالغيه،كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 56‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 35‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 83‏]‏ ومثل هذا كثير في القرآن‏.‏
وقد ألفت كتاب ‏[‏دفع تعارض الشرع والعقل‏]‏؛ ولهذا لما كانوا يتصورون في أذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج كان أكثر علومهم مبنيًا على ذلك في ‏[‏الإلهي‏]‏ و‏[‏الرياضي‏]‏
وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في أنواع علومهم، لم يجد عندهم علمًا بمعلومات موجودة في الخارج إلا القسم الذي يسمونه ‏[‏الطبيعي‏]‏، وما يتبعه من ‏[‏الرياضي‏]‏‏.‏ وأما ‏[‏الرياضي‏]‏ المجرد في الذهن، فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج‏.‏والذي سموه ‏[‏علم ما بعد الطبيعة‏]‏ ـ إذا تدبرـ / لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج، وإنما تصوروا أمورًا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج؛ ولهذا منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلي، والمشروط بسلب جميع الأمور الوجودية‏.‏
والمقصود أنهم كثيرًا ما يدعون في المطالب البرهانية والأمور العقلية، ما يكونون قدروه في أذهانهم‏.‏ ويقولون‏:‏ نحن نتكلم في الأمور الكلية والعقليات المحضة، وإذا ذكر لهم شيء قالوا‏:‏ نتكلم فيما هو أعم من ذلك، وفي الحقيقة من حيث هي هي، ونحو هذه العبارات، فيطالبون بتحقيق ما ذكروه في الخارج، ويقال‏:‏ بينوا هذا أي شيء هو‏؟‏ فهنالك يظهر جهلهم، وأن ما يقولونه هو أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان‏.‏ مثل أن يقال لهم‏:‏ اذكروا مثال ذلك، والمثال أمر جزئي، فإذا عجزوا عن التمثيل، وقالوا‏:‏ نحن نتكلم في الأمور الكلية، فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم، وفيما لا يعلمون أن له معلومًا في الخارج، بل فيما ليس له معلوم في الخارج، وفيما يمتنع أن يكون له معلوم في الخارج، وإلا فالعلم بالأمور الموجودة إذا كان كليا كانت معلوماته ثابتة في الخارج‏.‏ وقد كان الخسروشاهي من أعيانهم ومن أعيان أصحاب الرازي، وكان يقول‏:‏ ما عثرنا إلا على هذه الكليات، وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول‏:‏ والله ما أدري ما أعتقد‏!‏ والله ما أدري ما أعتقد‏!‏
/والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات، هو إذا كان علمًا، فهو مما يعرف بقياس التمثيل، لا يقف على القياس المنطقي الشمولي أصلا، بل ما يدعون ثبوته بهذا القياس، تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس، وذلك أيسر وأسهل، ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالا على الأجلى بالأخفى، وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلي بالخفي، وهذا في صناعة البرهان أشد عيبًا، فإن البرهان لا يراد به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وإيضاحه، فإذا كان هو أوضح وأظهر، كان بيانًا للجلي بالخفي‏.‏
قال‏:‏ ثم إن الفلاسفة أصحاب هذا المنطق البرهاني الذي وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعي والإلهي ليسوا أمة واحدة، بل أصناف متفرقون، وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله، أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى أضعافًا مضاعفة؛ فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب كان أعظم في تفرقهم واختلافهم، فإنهم يكونون أضل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل‏)‏‏.‏ ثم قرأ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 58‏]‏، إذا لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونبي مرسل، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهٌِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏ ‏.‏
وقد بين الله في كتابه من الأمثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل، وأمر الله بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏.‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ‏}‏‏[‏هود‏:‏ 118، 119‏]‏؛ ولهذا يوجد أتبع الناس للرسل أقل اختلافًا من جميع الطوائف المنتسبة للسنة، وكل من قرب للسنة كان أقل اختلافًا ممن بعد عنها، كالمعتزلة والرافضة فنجدهم أكثر الطوائف اختلافًا‏.‏
وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد، وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، ‏[‏مقالات غير الإسلاميين‏]‏، فأتى بالجم الغفير سوى ما ذكره الفارابي وابن سينا، وكذلك القاضي أبو بكر ابن الطيب في كتاب ‏[‏الدقائق‏]‏ الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان‏.‏ وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة، وصنف الغزالي كتاب ‏[‏التهافت‏]‏ في الرد عليهم‏.‏
ومازال نظار المسلمين يصنفون في الرد عليهم في المنطق،ويبينون خطأهم / فيما ذكروه في الحد والقياس جميعًا، كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها، ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم، بل الأشعرية والمعتزلة والكرَّامية والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها، ويبينون فسادها، وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي، وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره‏.‏ وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب الكلام‏.‏
وفي كتاب ‏[‏الآراء والديانات‏]‏ لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي فصل جيد من ذلك؛ فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال‏:‏
وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطق هذه، وقالوا‏:‏ أما قول صاحب المنطق‏:‏ إن القياس لا يبني من مقدمة واحدة، فغلط؛ لأن القائل إذا أراد مثلا أن يستدل على أن الإنسان جوهر، فله أن يستدل على نفس الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين، بأن يقول‏:‏ الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات في أزمان مختلفة، وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي‏:‏ أن يقول‏:‏ إن كل قابل للمتضادات في أزمان مختلفة جوهر؛ لأن الخاص داخل في العام، فعلى أيهما دل استغنى عن الآخر، وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر أن له مؤثرًا، والكتابة أن لها كاتبًا، من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى مقدمتين‏.‏
/قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ إنه لابد من مقدمتين، فإذا ذكرت إحداهما استغنى بمعرفة المخاطب عن الأخرى فترك ذكرها؛ لأنه مستغن عنها‏.‏ قلنا‏:‏ لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة؛ لأن القائل إذا قال‏:‏ الجوهر لكل حي، والحياة لكل إنسان، فتكون النتيجة‏:‏ إن الجوهر لكل إنسان، فسواء في العقول قول القائل‏:‏ الجوهر لكل حي، وقوله‏:‏ لكل إنسان، ولا يجدون من المطالب العملية أن المطلوب يقف على مقدمتين بينتين بأنفسهما، وإذا كان الأمر كذلك، كانت إحداهما كافية‏.‏ ونقول لهم‏:‏ أرونا مقدمتين أوليين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما، يستدل بهما على شيء مختلف فيه، وتكون المتقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة،فإذا كنتم لا تجدون ذلك بطل ما ادعيتموه‏.‏
قال النوبختى‏:‏ وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجدنيه فما أوجدنيه فما ذكره أرسطاطاليس غير موجود ولا معروف‏.‏ قال‏:‏ فأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين فهما غير مستعملين على ما بناهما عليه، وإذا كانا يصحان، بقلب مقدمتيهما حتى يعودا إلى الشكل الأول، فالكلام في الشكل الأول هو الكلام فيها‏.‏ انتهى‏.‏
قال ابن تيمية‏:‏ ومقصوده أن سائر الأشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل الأول على ما تقدم بيانه فسائر الأشكال ونتاجها فيه كلفة ومشقة، مع أنه لا حاجة إليها، فإن الشكل الأول يمكن أن يستعمل جميع المواد الثبوتية والسلبية / الكلية والجزئية‏.‏ وقد علم انتفاء فائدته فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد إلا بالرد إليه أولى وأحرى‏.‏
والمقصود أن هذه الأمة ـ ولله الحمد ـ لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده‏.‏ وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيًا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ‏.‏ وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه، ويبين أنه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي، بل يكون استعماله تطويلا وتكثيًرا للفكر والنظر، والكلام بلا فائدة‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة، وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان‏.‏ وأما الموجودات في الخارج، فهي أمور معينة، كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشركه فيها غيره، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود معين، وهم معترفون بذلك وقائلون أن القياس لا يدل على أمر معين، وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وإنما يدل على كلي‏.‏ فإذن القياس لا يفيد معرفة أمر موجود بعينه‏.‏ وكل موجود فإنما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات، وإنما يفيد أمورًا كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا محققة في الأعيان، فما يذكره النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه، لا يدل شيء منها على عينه، وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه‏.‏
/فإذا قال‏:‏ هذا محدث، وكل محدث فلابد له من محدث، إنما يدل هذا على محدث مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإنما تعلم عينه بعلم آخر يجعله الله في القلوب‏.‏ وهم معترفون بهذا؛ لأن النتيجة لا تكون أبلغ من المقدمات والمقدمات فيها قضية كلية لابد من ذلك، والكلي لا يدل على معين، وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏ إلى غير ذلك يدل على المعين كالشمس التي هي آية النهار‏.‏ والدليل أعم من القياس؛ فإن الدليل قد يكون بمعين على معين، كما يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة، فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه، لا على قدر مشترك بينه وبين غيره، فإن كل ما سواه مفتقر إليه نفسه، فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ أن الحد الأوسط المكرر في قياس الشمول وهو الخمر من قولك‏:‏ كل مسكر خمر، وكل خمر حرام هو مناط الحكم في قياس التمثيل، وهو القدر المشترك الجامع بين الأصل والفرع، فالقياسان متلازمان، كل ما علم بهذا القياس، يمكن علمه بهذا القياس، ثم إن كان الدليل قطعيًا فهو قطعي في القياسين، أو ظنيًا فظني فيهما‏.‏
وأما دعوى من يدعي من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل بقياس الشمول دون قياس التمثيل، فهو قول في غاية الفساد‏.‏ وهو قول / من لم يتصور حقيقة القياسين‏.‏ وقد يعلم بنص‏:‏ أن كل مسكر حرام، كما ثبت في الحديث الصحيح، وإذا كان كذلك، لم يتعين قياس الشمول لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة؛ فإنه قد يعلم بلا قياس، فبطل قولهم لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم‏.‏
والمقصود هنا بيان قلة منفعته أو عدمها، فإن المطلوب إن كان ثم قضية علمت من جهة الرسول تفيد العموم، وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه، فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسول تفيد العلم في المطالب الإلهية، وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه إما منتقضة وإما أنها بمنزلة قياس التمثيل، وإما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة، بل بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة؛ فإنه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار، فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس، فلم يكن القياس محصلا للمقصود أو تكون مما لا اختصاص لهم بها، بل يشترك فيها سائر الأمم بدون خطور منطقهم بالبال، مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول‏.‏
وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفًا على الأقيسة، بل يعلم بالآيات الدالة على معين لا شركة فيه يحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر، وما يحصل منها بالشمول فهو بمنزلة ما يحصل بالتمثيل أمر كلي، لا يحصل به العلم بما يختص به الرب، وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم آخر إليه‏.‏
/الوجه الخامس‏:‏ أن يقال‏:‏ هذا القياس الشمولي ـ وهو العلم بثبوت الحكم لكل فرد من الأفراد ـ فنقول‏:‏ قد علم وسلموا أنه لابد أن يكون العلم بثبوت بعض الأحكام لبعض الأفراد بديهيًا؛ فإن النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلابد أن ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلمان بدون مقدمتين، وإلا لزم الدور أو التسلسل الباطلان، وإذا فرض مقدمتان طريق العلم بهما واحد، لم يحتج إلى القياس كالعلم بأن كل إنسان حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة‏.‏ فالعلم بأن كل إنسان متحرك بالإرادة، أبين وأظهر‏.‏ فالمقدمتان إن كان طريق العلم بهما واحدًا‏.‏ وقد علمتا فلا حاجة إلى بيانهما‏.‏ وإن كان طريق العلم بهما مختلفا فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى بيانها ولم يحتج إلى بيان الأخرى التي علمها‏.‏ وهذا ظاهر في كل ما يقدره‏.‏ فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الأذهان‏.‏
الوجه السادس‏:‏ لا ريب أن المقدمة الكبري أعم من الصغري أو مثلها، ولا تكون أخص منها، و النتيجة أخص من الكبرى، أو مساوية لها، وأعم من الصغرى أو مثلها، ولا تكون أخص منها، والحس يدرك المعينات أولا، ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة‏.‏ فيرى هذا الإنسان وهذا الإنسان، و كل مما رآه حساس متحرك بالإرادة، فنقول‏:‏ العلم بالقضية العامة‏.‏ أما إن يكون بتوسط قياس، والقياس لابد فيه من قضية عامة،فلزم ألا يعلم العام إلا بعام، و ذلك يستلزم الدور أو التسلسل، فلابد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة / معلومة بالبديهة‏.‏ وهم يسلمون ذلك، وإن أمكن علم القضية العام بغير توسط قياس، أمكن علم الأخرى‏.‏ فإن كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفًا لازمًا لها يجب استواء جميع الناس فيه، بل هو أمر نسبي إضافي بحسب حال الناس، فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له، ومن احتاج إلى نظر واستدلال، كانت نظرية له، وهكذا سائر الأمور، فإذا كانت القضايا الكلية منها ما يعلم بلا دليل ولا قياس، وليس لذلك حد في نفس القضايا، بل ذلك بحسب أحوال بني آدم، لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد بالقياس‏:‏ إنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس، بل هذا نفي كاذب‏.‏
الوجه السابع‏:‏ قد تبين فيمـا تقـدم أن قياس الشمول يمكن جعـله قياس تمثيل وبالعكس‏.‏
فإن قيل‏:‏ من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم‏؟‏
قيل‏:‏ من حيث تعلم القضية الكبرى في قياس الشمول‏.‏
فإذا قال القائل‏:‏ هذا فاعل محكم لفعله، وكل محكم لفعله فهو عالم، فأي شيء ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل، وزيادة أن هناك أصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك، وفي الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التي ثبت الحكم فيها، / ومعلوم أن ذكر الكلي المشترك مع بعض أفراده أثبت في العقل من ذكره مجردًا عن جميع الأفراد باتفاق العقلاء‏.‏
ولهذا قالوا‏:‏ إن العقل تابع للحس فإذا أدرك الحس الجزئيات، أدرك العقل منها قدرًا مشتركًا كليًا، فالكليات تقع في النفس بعد معرفة الجزئيات المعينة، فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفًا للقياس، وعدم ذكرها موجبا لقوته‏؟‏‏!‏ وهذه خاصة العقل؛ فإن خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزئيات‏.‏ فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان، ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة أقوي من ذكرها مع التمثيل بمواضعها المعينة، كان مكابرًا‏.‏
وقد اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات، وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجردًا عنه، ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والصناعات والتجارات وغير ذلك،وجد الأمر كذلك‏.‏ والإنسان قد ينكر أمرًا حتى يري واحدًا من جنسه فيقر بالنوع، ويستفيد بذلك حكمًا كليًا؛ ولهذا يقول سبحانه‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 105‏]‏، ‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 123‏]‏، ونحو ذلك‏.‏ وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد ولكن كانوا مكذبين بجنس الرسل، لم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه‏.‏
/ ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا، فجعل حكمهما واحدًا، كما إذا رأى الماء والماء، والتراب والتراب، والهواء والهواء، ثم حكم بالحكم الكلي على القدر المشترك، وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير، وذكر المشترك، كان أحسن في البيان، فهذا قياس الطرد‏.‏ وإذا رأي المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما، وهذا قياس العكس‏.‏
وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم، فيتقى تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة، وهذا قياس الطرد‏.‏ ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين، فإن المقصود أن ما ثبت في الفرع عكس حكم الأصل لا نظيره‏.‏ والاعتبار يكون بهذا وبهذا‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 111‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 13‏]‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ‏}‏ ‏[‏الشورى 17‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏ ‏.‏
و‏[‏الميزان‏]‏ فسره السلف بالعدل، وفسره بعضهم بما يوزن به، وهما متلازمان‏.‏ وقد أخبر ـ تعالى ـ أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، فما يعرف / به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان‏.‏ وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات، فإذا علمنا أن الله ـ تعالى ـ حرم الخمر لما ذكره من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، ثم رأينا النبيذ يماثلها في ذلك، كان القدر المشترك الذي هو العلة، هو الميزان الذي أنزله الله في قلوبنا لنزن به هذا ونجعله مثل هذا، فلا نفرق بين المتماثلين‏.‏ فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله به‏.‏ ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط، والمقصود بها وزن الأمور الموجودة في الخارج، وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينة لم يكن بها اعتبار ،كما أنه لولا الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة، ولا ريب أنه إذا حضر أحد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان،كان أتم في الوزن من أن يكون الميزان وهو الوصف الكلي المشترك في العقل، أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن بها مع مغيب الآخر‏.‏
ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي أنزله الله هو منطق اليونان لوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الله أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم، وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلاثمائة سنة، فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به‏؟‏‏!‏
/الثاني‏:‏ أن أمتنا - أهل الإسلام - ما زالوا يزنون بالموازين العقلية، ولم يسمع سلفًا بذكر هذا المنطق اليوناني، وإنما ظهر في الإسلام لما عربت الكتب الرومية في عهد دولة المأمون أو قريبًا منها‏.‏
الثالث‏:‏ أنه ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه، يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية، ولا يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية، وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم، فإنه ليس الأمر كذلك، بل فيه معاني كثيرة فاسدة‏.‏
ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي هي الأقيسة العقلية، وزعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره، وليس الأمر كذلك، فإنه لو احتاج الميزان إلى ميزان، لزم التسلسل‏.‏
وأيضا، فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي، وإن كانت بليدة أو فاسدة لم يزدها المنطق إلا بلادة وفسادًا، ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه، لابد أن يتخبط ولا يأتي بالأدلة العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى بها على الوجه المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق؛ لما فيه من العجز والتطويل، وتبعيد الطريق، وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط‏.‏ فإنهم إذا عدلوا عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية، وضعوا / ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا، حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين، وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة، و كانوا فيها من المطففين، ‏{‏الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‏.‏ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 2، 3‏]‏ وأين البخس في الأموال من البخس في العقول والأديان‏؟‏‏!‏‏.‏ مع أن أكثرهم لا يقصدون البخس، بل هم بمنزلة من ورث موازين من أبيه يزن بها تارة له، وتارة عليه، ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة‏.‏
والميزان التي أنزلها الله مع الكتاب ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله، وخلافه، فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين، بما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف‏.‏
فإذا قيل‏:‏ إن كان هذا مما يعرف بالعقل، فكيف جعله الله مما أرسل به الرسل‏؟‏
قيل‏:‏ لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية‏.‏ فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر، بل الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الله علما وعملا، وضربت الأمثال فكمـلت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها، لما كانت الفطرة معرضة عنه، /أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة، فأزالت ذلك الفساد، والقرآن والحديث مملوءان من هذا؛ يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ الآية ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ‏.‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 35، 36‏]‏ أي هذا حكم جائر لا عادل، فإن فيه تسوية بين المختلفين، ومن التسوية بين المتماثلين قوله‏:‏ ‏{‏أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 43‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏ ‏.‏
والمقصود التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر الله في كتابه، وليست هي مختصة بمنطق اليونان، بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل،وصيغ التمثيل هي الأصل وهي الحمل، والميزان هو القدر المشترك وهو الجامع‏.‏
الوجه الثامن‏:‏ أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا؛ الحسيات، والأوليات، والمتواترات، والمجربات، والحدسيات‏.‏ ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرها ما جرت العادة باشتراك / بني آدم فيه وتناقضوا في ذلك؛ فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات، فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون جنس السحاب والبرق، وإن لم يكن ما يراه هؤلاء عين ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد، وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض وصوته، فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه، بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم، وكذا أكثر المرئيات‏.‏
وأما الشم والذوق واللمس، فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه، بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه، ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء، لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين ‏.‏
وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس، فإنه قد يتواتر عند هؤلاء، ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ويجربوه، ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الأدوية، ويجرب آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب‏.‏
ثم ـ هم مع هذا ـ يقولون في المنطق‏:‏ إن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره‏.‏







آخر مواضيعه 0 نتيجة وحصاد العصيان
0 البيوت تهدم
0 الصلاة , اسرار الصلاة
0 ليلة القدر,فضائل واحكام
0 قصة للعبرة _ توبة الفضيل بن عياض

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 11:31 PM   رقم المشاركة : 12
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فيقال لهم‏:‏ وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات، بل اشتراك / الناس في المتواترات أكثر؛ فإن الخبر المتواتر ينقله عدد كثير، فيكثر السامعون له، ويشتركون في سماعه من العدد الكثير، بخلاف ما يدرك بالحواس؛ فإنه يختص بمن أحسه، فإذا قال‏:‏ رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت، فكيف يمكنه أن يقيم من هذا برهانًا على غيره، ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد، فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها،ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر‏.‏
وعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم بعادة ذلك الموجود، وهو ما يسمونه ‏[‏الحدسيات‏]‏، وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية، والعلوم الفلكية، كعلم الهيئة، فهو من قسم المجربات وهذه لا يقوم فيها برهان؛ فإن كون هذه الأجسام الطبيعية جربت، وكون الحركات جربت، لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل، والتواتر في هذا قليل‏.‏
وغاية الأمر أن تنقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب، وغاية ما يوجد، أن يقول بطليموس‏:‏ هذا مما رصده فلان، وأن يقول جالينوس‏:‏ هذا مما جربته، أو ذكر لي فلان أنه جربه، وليس في هذا شيء من المتواتر‏.‏ وإن قدر أن غيره جربه أيضًا، فذاك خبر واحد، وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه، ولا علموا بالأرصاد ما ادعوا أنهم / علموه، وإن ذكروا جماعة رصدوا، فغايته أنه من المتواتر الخاص الذي تنقله طائفة‏.‏
فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء، كيف يمكنه أن يقيم على غيره برهانًا بمثل هذا التواتر‏؟‏‏!‏ ويعظم علم الهيئة والفلسفة، ويدعي أنه علم عقلي معلوم بالبرهان‏.‏ وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله،فما الظن بالإلهيات، التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين، وأن كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بهذه الأمور‏.‏
الوجه التاسع‏:‏ أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه، بل الفراسة ـ أيضًا ـ وأمثالها، فإن أدخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات، لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه ولم يبق لهم ضابط وقد ذكر ابن سينا وأتباعه أن القضايا الواجب قبولها التي هي مادة البرهان، الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات، وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها، ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر؛ ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه، وإذا كان كذلك، لم يلزم إن كل ما لم يدخل في قياسهم لا يكون معلومًا، وحينئذ فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ؛ فإنه / إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذا الطريق، لم يمكن وزنها بهذه الأدلة‏.‏
وعامة هؤلاء المنطقيين يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم، وهذا في غاية الجهل، لاسيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء‏.‏
فإذا كان أشرف العلوم لا سبيل إلى معرفته بطريقهم، لزم أمران‏:‏
أحدهما‏:‏ ألا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه‏.‏
والثاني‏:‏ أن ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه، فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة‏؟‏‏!‏
الوجه العاشر‏:‏ أنهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علما، وما هو باطل وليس بعلم، يجعلونه علما، فزعموا أن ما جاءت به الأنبياء في معرفة الله وصفاته والمعاد لا حقيقة له في الواقع، وإنهم إنما أخبرو الجمهور بما يتخيلونه في ذلك، لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم، لا ليعرفوا بذلك الحق وأنه من جنس الكذب لمصلحة الناس، ويقولون‏:‏ إن النبي حاذق بالشرائع العملية دون العلمية، ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبي؛ وعلى نبينا ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ولا يوجبون اتباع نبي بعينه، لا محمد، ولا / غيره؛ ولهذا لما ظهرت التتار، وأراد بعضهم الدخول في الإسلام قيل‏:‏ إن ‏[‏هولاكو‏]‏ أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بألا يفعل، قال‏:‏ ذاك لسانه عربي ولا تحتاجون إلى شريعته‏.‏
ومن تبع النبي منهم في الشرائع العملية لا يتبعه في أصول الدين والاعتقاد، بل النبي عدهم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة عند المتكلمين، فإن أئمة الكلام إذا قلدوا مذهبًا من المذاهب الأربعة، اقتصروا في تقليده على القضايا الفقهية، ولا يلتزمون موافقته في الأصول ومسائل التوحيد‏.‏ بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم في ذلك‏.‏
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بأسمائه وصفاته المعينة، وعن الملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار، وليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم، وكذا أخبر عن أمور معينة مما كان وسيكون، وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم، لا البرهاني ولا غيره، فإن أقيستهم لا تفيد إلا أمورًا كلية، وهذه أمور خاصة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بما يكون من الحوادث المعينة حتى أخبر عن التتر الذين جاؤوا بعد ستمائة سنة من إخباره، وكذلك عن النار التي خرجت قبل مجىء التتر سنة خمس وخمسين وستمائة هـ، فهل يتصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على آدمي معين أو أمة معينة، فضلًا عن موصوف بالصفات التي ذكرها‏؟‏
/ثم من بلاياهم وكفرياتهم أنهم قالوا‏:‏ إن الباري ـ تعالى ـ لا يعلم الجزئيات، و لا يعرف عين موسى وعيسى ولا غيرهما، ولا شيئًا من تفاصيل الحوادث‏.‏والكلام والرد عليهم في ذلك مبسوط في موضعه‏.‏
والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم يقولون‏:‏ من الجهل والكفر ما هو في غاية الضلال؛ فرارًا من لازم ليس لهم ـ قط ـ دليل على نفيه‏.‏
الوجه الحادي عشر‏:‏ أنهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة كالجوع والألم واللذة‏.‏ ونفوا وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس كالملائكة والجن، وما تراه النفس عند الموت، والكتاب والسنة ناطقان بإثبات ذلك، ولبسط هذه الأمور موضع آخر‏.‏ وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفي ما لم يعلم نفيه، أوجب لهم من الجهل والكفر ما صار حاجبًا، وأنهم به أسوأ حالا من كفار اليهود والنصارى‏.‏
الوجه الثاني عشر‏:‏ أن يقال‏:‏ كون القضية ‏[‏برهانية‏]‏ معناه عندهم‏:‏ أنها معلومة للمستدل بها، وكونها ‏[‏جدلية‏]‏، معناه كونها مسلمة، وكونها ‏[‏خطابية‏]‏ معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة، وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات عارضة للقضية، ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها، فضلا / عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم، بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها، بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها‏.‏ ومعلوم أن القضية قد تكون حقًا‏.‏ والإنسان لا يشعر بها، فضلا عن أن يظنها أو يعلمها، و كذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهي حق في نفسها، بل تكون برهانية ـ أيضًا ـ كما قد سلموا ذلك، وإذا كان كذلك ،فالرسل ـ صلوات الله عليهم ـ أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها، لا تكون كذبًا باطلًا قط‏.‏ وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق القضايا ما هو مشترك‏.‏ فينتفع به جنس بني آدم، وهذا هو العلم النافع للناس‏.‏
وأما هؤلاء المتفلسفة، فلم يسلكوا هذا المسلك، بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل، وغير ذلك لم يجعلوه برهانيًا، وإن علمه مستدل آخر‏.‏ وعلى هذا، فيكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة، ما ليس من البرهانيات عند آخرين، فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع، بل تختلف باختلاف أحوال من علمها ومن لم يعلمها، حتى إن أهل الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم، وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه عند أهل كل صناعة من الحق والباطل، ومن الصدق والكذب، ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين، بخلاف طريقة الأنبياء؛ فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل / والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب، وكل ما ناقض الحق فهو باطل؛ فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنزل ـ أيضا ـ الميزان وما يوزن به، ويعرف به الحق من الباطل‏.‏ ولكل حق ميزان يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون؛ فإنه لا يمكن أن يكون هاديًا للحق، ولا مفرقًا بين الحق والباطل، ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل‏.‏
وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقًا لما جاءت به الأنبياء، فهو منه‏.‏ وما خالفه فهو من البدع الباطلة شرعًا وعقلا‏.‏
فإن قيل‏:‏ نحن نجعل البرهانيات إضافية، فكل ما علمه الإنسان بمقدماته، فهو برهاني عنده، وإن لم يكن برهانيا عند غيره‏.‏
قيل‏:‏ لم يفعلوا ذلك، فإن من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان في أشياء معينة، مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخرى بغير تلك المواد المعينة التي عينوها‏.‏ وإذا قالوا‏:‏ نحن لا نعين المواد، فقد بطل أحد أجزاء المنطق وهو المطلوب‏.‏
الوجه الثالث عشر‏:‏ أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل لبني آدم ـ مع أن الأمر ليس كذلك وقد علم الناس إما ـ بالحس وإما / بالعقل وإما بالأخبار الصادقة ـ معلومات كثيرة، لا تعلم بطرقهم التي ذكروها، ومن ذلك ما علمه الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ من العلوم ـ أرادوا إجراء ذلك على قانونهم الفاسد،فقالوا‏:‏ النبي له قوة أقوى من قوة غيره، وهو أن يكون بحيث ينال الحد الأوسط من غير تعليم معلم، فإذا تصور أدرك بتلك القوة الحد الذي قد يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم؛ لأن قوى الأنفس في الإدراك غير محدودة، فجعلوا ما يخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي، وهذا في غاية الفساد، فإن القياس المنطقي إنما تعرف به أمور كلية كما تقدم، وهم يسلمون ذلك، والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة، فعلم بذلك أن ما علمته الرسل لم يكن بواسطة القياس المنطقي‏.‏ بل جعل ابن سينا علم الرب بمفعولاته في هذا الباب، تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا‏.‏
وقد تبين بما تقرر، فساد ما ذكروه في المنطق من حصر طريق العلم، مادة وصورة، وتبين أنهم أخرجوا من العلوم الصادقة أجل وأعظم وأكثر مما أثبتوه، وأن ما ذكروه من الطريق إنما يفيد علومًا قليلة خسيسة لا كثيرة ولا شريفة، وهذه مرتبة القوم؛ فإنهم من أخس الناس علمًا وعملا، وكفار اليهود والنصاري أشرف علمًا وعملًا منهم من وجوه كثيرة، والفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، /فضلا عن درجتهم قبل ذلك‏.‏ وقد أنشد ابن القشيري في الرد على ‏[‏الشفاء‏]‏ لابن سينا‏:‏
قطعنا الأخوة من معـــــــشر ** بهم مرض من كتاب الشفـا
وكم قلت‏:‏ يا قوم أنتم على ** شفا جرف من كتاب الشفـا
فلما استهانوا بتنبيهنـــــــــا ** رجعنا إلى الله حتى كـفـى
فماتوا على ديــن رسطالـس ** وعشــنا على ملة المصطـفى
فإن قيل‏:‏ ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم، يوجد نحو منه في كلام متكلمي المسلمين، بل منهم من يذكره بعينه إما بعباراتهم، وإما بتغيير العبارة‏.‏
فالجواب‏:‏ أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقًا، بل كل ما جاءت به الرسل فهو حق، وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يوافق ذلك فهو حق، وما قالوه مما يخالفه، فهو باطل‏.‏ وقد عرف ذم السلف والأئمة لأهل الكلام المحدث‏.‏
قال‏:‏ والعجب من قوم أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة، فكان ما فعلوه مما جرأ الملحدين أعداء الدين / عليه، فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا، ثم من العجائب أنهم يتركون أتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق، ويعرضون عن تقليدهم ويقلدون ويساكنون مخالف ما جاؤوا به من يعلمون أنه ليس بمعصوم، وأنه يخطئ تارة ويصيب أخرى، والله الموفق للصواب‏.‏
قال السيوطي‏:‏
هذا آخر ما لخصته من كتاب ابن تيمية‏.‏ وقد أوردت عبارته بلفظه من غير تصرف ـ في الغالب ـ وحذفت من كتابه الكثير، فإنه في عشرين كراسًا‏.‏ ولم أحذف من المهم شيئًا، ولله الحمد والمنة‏.‏
/قال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
فصــل
في ضبط كليات ‏[‏المنطق‏]‏ والخلل فيه
بنوه على أن مدارك العلم منحصرة في الحد وجنسه من الرسم ونحوه وفي القياس ونحوه من الاستقراء والتمثيل؛ لأن العلم إما تصور وهو معرفة المفردات، وإما تصديق وهو العلم بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، وكل من العلمين إما بديهي لايحتاج إلى طريق، وإما نظري مفتقر إلى الطريق، وطريق التصور هو الحد، وطريق التصديق هو القياس الذي يسمونه البرهان ـ إن كانت مقدماته يقينية‏.‏
ثم قالوا‏:‏ الحد‏:‏ هو القول الدال على ماهية الشيء، وإن كان يراد به نفس المحدود، كما أن الاسم هو القول الدال على المسمى ويراد به المسمى،/ إذ المفهوم من الحد والاسم هو المحدود والمسمى، كما أن ‏[‏الماهية‏]‏ هي المقولة في جواب ما هو،و يعبر عنها بأنها جواب ما يقال في السؤال بصيغة ما هو، فتكون الماهية هي الحد وهي ذات الشيء أيضًا، وهذه المصادر المشتقة من الجمل الاستفهامية مولدة مثل الماهية والمائية والكيفية والحيثية والأينية واللمية بمنزلة المصادر من الجمل الخبرية كالحولقة والقلحدة والبسملة والحمدلة ونحو ذلك‏.‏
ثم قالوا‏:‏ الماهية مركبة من الصفات الذاتية، وتكلموا على الفرق بين الصفات الذاتية والعرضية بأن الذاتية هي التي يمتنع تصور الموصوف إلا بتصورها، فالذات متوقفة عليها في الوجود والذهن كالتجسيم للحيوان، وما ليس كذلك فهو العرضي‏.‏
ثم هو ينقسم‏:‏ إلى لازم وعارض مفارق، واللازم إما لازم للماهية كالزوجية للأربعة، والفردية للثلاثة، وإما لازم لوجودها دون ماهيتها كالسواد للقار، والحدوث للحيوان‏.‏
والعارض المفارق إما بطىء الزوال كالشباب والمشيب، وإما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، والمشكل هو الفرق بين الذاتي واللازم للماهية؛ فإن كلاهما لا يفارق الذات، لا في الوجود العيني ولا الذهني، / ففرقوا بينهما بأن الذاتي يسبق تصوره تصور الماهية، بحيث لا تفهم الذات بدونه بخلاف لازم الماهية‏.‏
ثم كل من الذاتي والعرضي، إما أن يشترك فيه الجنس، وهو الجنس العام والعرض العام‏.‏ وإما ينفرد به نوع وهو الفصل والخاصة، وإما أن يجمع بين المشترك والمميز وهو النوع، فهذه ‏[‏الكليات الخمس‏]‏ الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام‏.‏ فالكلام في هذه الصفات وأقسامها غالب منفعته في الحدود والحقائق، وأما القياس، فإنه قول مؤلف من أقوال، إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، ولابد فيه من مقدمتين و ‏[‏المقدمة‏]‏ هي القضية وهي الجملة الخبرية ولابد فيها من مفردين، فكان الكلام فيه في ثلاث مراتب‏:‏
الأولى‏:‏ الكلام في المفردات؛ ألفاظها ومعانيها لدلالة المطابقة والتضمن والالتزام، والأسماء المترادفة والمتباينة والمشتركة والمتواطئة والمفردة والمركبة والكلى والجزئي‏.‏
والمرتبة الثانية‏:‏ الكلام في القضايا وأقسامها؛ من الخاص والعام والمطلق، والإيجاب والسلب وجهات القضايا، وفي أحكام القضايا، مثل كذب النقيض، وصدق العكس، وعكس النقيض‏.‏
/و المرتبة الثالثة‏:‏ الكلام في القياس وضروبه وشروط نتاجه من أنه لابد فيه من قضية عامة إيجابية، وأن النتاج لا يحصل عن سالبتين ولا خاصيتين جزئيتين ولا سالبة صغرى وجزئية كبرى، بل إما موجبتان فيهما كلية، وإما صغرى سالبة وكبرى جزئية وغير ذلك من أحكام صور القياس وأنواعه، التي تتبين ببرهان الخلف المردود إلى حكم نقيض القضية، أو بالرد إلى عكس القضية أو عكس نقيضها‏.‏
ثم بينوا بعد ذلك مواد القياس فقسموه إلى‏:‏
برهانى‏:‏ وهو ما كانت مواده يقينية ـ وحصروا اليقينيات فيما ذكروه من الحسيات الباطنة والظاهرة والبديهيات والمتواترات والمجربات، وزاد بعضهم الحدسيات‏.‏
وإلى خطابي‏:‏ وهو ما كانت مواده مشهورة يقينية، أو غير يقينية ‏.‏
وإلى جدلي‏:‏ وهو ما كانت مواده مسلمة من المنازع، يقينية أو مشهورة أو غير ذلك‏.‏
وإلى شعري‏:‏ وهو ما كانت مواده مشعورًا بها غير معتقدة كالمفرحة والمحزنة والمضحكة‏.‏
وإلى مغلطي سوفسطائي‏:‏ وهو ما كانت مواده مموهة بشبه الحق‏.
فصــل
الناس في مسمى القياس على ثلاثة أقوال‏:‏
أحدها‏:‏ أنه حقيقة في التمثيل مجاز في الشمول، وهو قول الغزالي وأبي محمد‏.‏
والثاني‏:‏ العكس وهو قول ابن حزم‏.‏
والثالث‏:‏ أنه حقيقة فيهما، وهو الأصح الذي عليه الجمهور، فإن القياس عند أصحابنا والجمهور ينقسم إلى‏:‏ عقلي، وهو‏:‏ ما يكتفي فيه بالعقل، وإلى شرعي وهو‏:‏ ما لا بد فيه من أصل معلوم بالشرع‏.‏
وكل من العقلي والشرعي وكل ما يسمى قياسًا ينقسم، إلي قياس تمثيل وقياس شمول‏.‏ فالأول إلحاق الشيء بنظيره، والثاني إدخال الشيء تحت حكم المعنى العام الذي يشمله، ثم كل منهما متصل بالآخر؛ لأنه لابد بين المثلين من معنى مشترك يكون شاملا لهما، ولابد في المعنى الشامل لاثنين فصاعدًا من تسوية أحد الاثنين بالآخر في ذلك المعنى، فالقياس ثابت فيهما وهو التقدير والاعتبار والحسبان‏.‏
/ فصــل
الفساد في المنطق في البرهان وفي الحد‏.‏
أما ‏[‏البرهان‏]‏ فصورته صورة صحيحة وإذا كانت مواده صحيحة فلا ريب أنه يفيد علمًا صحيحًا لكن الخطأ من و جهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن حصر مواده فيما ذكروه من الأجناس المذكورة لا دليل عليه البتة، فأصابوا فيما أثبتوه دون ما نفوه، فمن أين يحكم بأنه لا يقين إلا من هذه الجهات المعينة، فإن رجع فيه الإنسان إلى ما يجده من نفسه فمن أين له أن سائر النوع ـ حتى الأنبياء والأولياء ـ لا يحصل لهم يقين بغير ذلك، ثم الواقع خلاف ذلك‏.‏
الثاني‏:‏ أن هذا البرهان يفيد العلم، لكن من أين علم أنه لا يحصل لقلب بشر علم إلا بهذا البرهان الموصوف بل قد رأينا علومًا كثيرة هي لقوم ضرورية أو حسية، ولآخرين نظرية قياسية، فلهذا كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وهو ما حصل من العلوم بغير هذه المواد المحصورة، أو بغير قياس أصلا، بل زعم أفضل المتأخرين منهم أن علوم الأنبياء والأولياء لا تحصل إلا / بواسطة القياس، وكلامهم يقتضى أن علم الرب كذلك ولا دليل له على ذلك أصلا سوى محض قياس الأنبياء والأولياء على نفسه، وقياس الرب والملائكة على البشر‏.‏
فهذا موضع ينبغي للمؤمن أن يتيقنه،ويعلم أن هؤلاء القوم وغيرهم إنما ضلوا ـ غالبًا ـ من جهة ما نفوه وكذبوا به، لا من جهة ما أثبتوه وعلموه؛ ولهذا كان المنطق مظنة الزندقة لمن لم يقو الإيمان في قلبه، حيث اعتقد أنه لا علم إلا بهذه المواد المعينة، وهذه الصورة، وذلك مفقود عنده في غالب ما أخبرت به الأنبياء فيشك في ذلك أو يكذب به أو يعرض عن اعتقاده والتصديق به، فيكون عدم إيمانه وعلمه من اعتقاده الفاسد أنه لا علم إلا من هذه المواد المعينة ولا دليل عليه البتة، وإن كانت مفيدة للعلم، فالفرق ظاهر بين كونها تفيده وبين كونها تفيده ولا يحصل بغيرها‏.‏
ومما يبين ذلك أن القياس لا يدل على علم كلي، وهم معترفون بذلك؛ لأنه لابد فيه من مقدمة كلية إيجابية، والكلي لا يدل إلا على القدر المشترك وهو الكلي، فجميع الحقائق المعينة لا يدل عليها القياس بأعيانها، وإنما يعلم به ـ إن علم ـ صفة مشتركة بينها وبين غيرها فلا يعلم به شيء من خواص الربوبية البتة، ولا شيء من خواص ملك من الملائكة ولا نبي من الأنبياء ولا ولي من الأولياء، بل ولا ملك من الملوك، ولا أحد من الموجودات العلوية ولا السفلية، فإذا العلم بهذه الأشياء إما أن يكون منتفيًا أو حاصلًا / بغير القياس، وكلا القسمين واقع فإنه منتف عندهم؛ إذ لا طريق لهم غير القياس، وحاصل ذلك عند الأنبياء وأتباعهم بل حاصل ذلك في الجملة عند جميع أولى العلم من الملائكة والنبيين وسائر الآدميين‏.‏
وأيضًا، فإذا كان لابد فيه من مقدمة كلية فإن كانت نظرية افتقرت إلى أخرى وإن كانت بديهية، فإذا جاز أن يحصل العلم بجميع أفرادها بديهة، فما المانع أن يحصل ببعض الأفراد وهو أسهل‏.‏
وأما الحد، فالكلام عليه في مواضع‏:‏
أحدها‏:‏ دعواهم أن التصورات النظرية لا تعلم إلا بالحد الذي ذكروه فالقول فيه، كالقول في أن التصديقات النظرية لا تحصل إلا بالبرهان الذي حصروا مواده، ولا دليل على ذلك، ويدل على ضعفه أن الحاد إن عرف المحدود بحد غيره فقد لزم الدور أو التسلسل، وإن عرفه بغير حد بطل المدعى‏.‏ فإن قيل‏:‏ بل عرفه بالحد الذي انعقد في نفسه كما عرف التصديق بالبرهان الذي انعقد في نفسه قبل أن يتكلم به، قيل‏:‏ البرهان مباين للنتيجة؛ فإن العلم بالمقدمتين ليس هو عين العلم بالنتيجة، وأما الحد المنعقد في النفس فهو نفس العلم بالمحدود، وهو المطلوب، فأين الحد المفيد للعلم بالمحدود، وهذا أحد ما يبين‏.‏
/الموضع الثاني‏:‏ وهو أنه قد يقال‏:‏ إن الحد لا تعرف به ماهية المحدود بحال، بخلاف البرهان فإنه دليل على المطلوب أما بالنسبة إلى الحاد؛ فلأنه عرف الشيء قبل أن يحده، وإلا لم يصح حده؛ لأن الحد يجب أن يطابقه عمومًا و خصوصًا ولولا معرفته به قبل أن يحده لم تصح معرفته بالمطابقة، وأما بالنسبة إلى المستمع، فلأن معرفته بذلك إذا لم تكن بديهية ولم يقم الحاد عليه دليلا، امتنع أن يحصل له علم بمجرد دعوى الحاد المتكلم بالحد؛ ولهذا تجد المستمع يعارض الحد ويناقضه في طرده وعكسه ولولا تصوره المحدود بدون الحد لا متنعت المعارضة والمناقضة‏.‏
وإنما فائدة الحد التمييز بين المحدود وغيره لا تصويره، وهو مطابق لاسم الحد في اللغة فإنه الفاصل بينه وبين غيره؛ وذلك أنه قد يتصور ماهية الشيء مطلقًا، مثل من يتصور الأمر والخبر والعلم، فيتصوره مطلقًا لا عامًا، فالحد يميز العام الذي يدخل فيه كل خبر وعلم وأمر‏.‏ ومن هنا يتبين لك أن الذي يتصور بالبديهة من مسميات هذه الأسماء وهو الحقيقة المطلقة غير المطلوب بالحد، وهو الحقيقة العامة، ثم التمييز للأسماء تارة وللصفات أخرى فالحد إما بحسب الاسم وهو الحد اللفظي الذي يحتاج إليه في الاستدلال بالكتاب والسنة وكلام كل عالم، وإما بحسب الوصف وهو تفهيم الحقيقة التي عرفت صفتها وهذا يحصل بالرسم والخواص وغير ذلك‏.‏
الموضع الثالث‏:‏ الفرق بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية بحيث يدعي / أن هذا لا تفهم الماهية بدونه بخلاف الآخر، فإن العاقل إذا رجع إلى ذهنه لم يجد أحدهما سابقًا والآخر لاحقًا، ثم إذا كان المرجع في معرفة الذاتي إلى تصور الذات، والمرجع في تصورها إلى معرفة الذاتي كان دورًا؛ لأنا لا نعرف الماهية إلا بالصفات الذاتية، ولا نعرف الصفات الذاتية حتى نتصور الذات؛ فإن الصفات الذاتية ما تقف معرفة الذات عليها، فلا تعرف الذاتية إلا بأن نعرف أن فهم الذات موقوف عليها، فلا تريد أن تفهم الذات حتى تعرف الذاتية وبسط هذا كثير‏.‏
الموضع الرابع‏:‏ دعواهم أن الماهيات مركبة ولا تركيب في الذهن‏.‏







آخر مواضيعه 0 فتاوى ابن تيمية _ الجزء التاسع
0 عندما بكى أبو بكر
0 حكم وامثال واقوال ماثورة
0 دموع السجينات
0 تحياتي , مع اطيب التحيات , تحية لك

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 11:31 PM   رقم المشاركة : 13
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

/وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
فَصـــل
قد كتبت فيما تقدم ملخص ‏[‏المنطق‏]‏ المعرب الذي بلغته العرب عن اليونانيين، وعربته لفظًا ومعنى، فإنها أحسنت ألفاظه وحررت معانيه، وهو المنسوب إلى أرسطو اليوناني الذي يسميه أتباعه من الصابئين الفلاسفة المبتدعين ‏[‏المعلم الأول‏]‏؛ لأنه وضع التعاليم التي يتعلمونها من المنطق والطبيعي وما بعد الطبيعة‏.‏
فإن هذه التعاليم لما اتصلت بالمسلمين وعربت كتبها مع ما عرب من كتب الطب والحساب والهيئة وغير ذلك، وكان انتشار تعريبها في دولة الخليفة أبى العباس الملقب بالمأمون، أخذها المسلمون فحرروها لفظًا ومعنى، لكن فيها من الباطل والضلال شيء كثير‏.‏
/فمنهم من اتبعها مع ما ينتحله من الإسلام وهم صابئة المسلمين المسمون بالفلاسفة، فصاروا مؤمنين ببعض الكتاب دون بعض، بمنزلة المبتدعة من اليهود والنصارى قبل النسخ، لما بدلوا بعض الكتب التي بأيديهم‏.‏
ومنهم من لم يقصد اتباعها لكن تلقى عنهم أشياء يظن أنها جميعها توافق الإسلام وتنصره، وكثير منها تخالفه وتخذله، وهذه حال كثير من أهل الكلام المعتزلة؛ ولهذا قيل‏:‏ هم مخانيث الفلاسفة‏.‏
ومنهم من أعرض عنها إعراضًا مجملا، ولم يتبع من القرآن والإسلام ما يغني عن كل حقها ويدفع باطلها ولم يجاهدهم الجهاد المشروع، وهذه حال كثير من أهل الحديث والفقه وغير ذلك، وقد كتبت فيما تقدم بعض ما يتعلق بذلك في مواضع من القواعد، وذكرت في تلخيص جمل المنطق ما وقع من الجهل والضلال بسببه وبعض ما وقع فيه من الخلل‏.‏ وهنا تلخيص ذلك فأقول‏:‏
مقصود الكلام في طرق العلم بالتصورات والتصديقات، فالأول كالحد والرسم، والثاني كالقياس بأنواعه من البرهان وغيره، وكالتمثيل والاستقراء‏.‏
وقد يزعمون أن المطلوب من التصورات لا ينال إلا بجنس الحد، / والمطلوب من التصديقات لا ينال إلا بجنس القياس، وقد يسمى جنس القياس بالنسبة، كما يسمى جنس القول الشارح حدًا، وأما البديهي من النوعين فمستغن عن الحـد والبرهان، فتضمن هذا الكلام أن الحدود تفيد تصوير الحقائق، وأن ذلك لا يحصل بغيرها، وأن القياس يفيد التصديق بالحقائق، وأن ذلك لا يحصل بغيره، وفي كلا الأمرين وقع الخطأ‏.‏
أما في الحد ففي كلا القضيتين السلب والإيجاب، فيما أثبتوه وفيما نفوه‏.‏
أما الأول، فإن الحد لا يفيد تصور الحقائق، وإنما يفيد التمييز بين المحدود وغيره، وتصور الحقائق لا يحصل بمجرد الحد الذي هو كلام الحاد، بل لابد من إدراكها بالباطن والظاهر، وإذا لم تدرك ضرب المثل لها، فيحصل بالمثال الذي هو قياس التصويرـ لا قياس التصديق ـ نوع من الإدراك كإدراكنا لما وعد الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، والأمثال المضروبة في القرآن تارة تكون للتصوير، وتارة تكون للتصديق، وهذا الوجه مقرر بوجوه متعددة، وإنما الغرض هنا تلخيص المقصود‏.‏
وأما الثاني، وهو النفي فإن إدراك الحقائق المتصورة المطلقة ليس موقوفًا على الحد لو فرض أنها تعرف بالحد، بل تحصل بأسباب الإدراك المعروفة / وقد تحصل من الكلام بالأسماء المفردة كما تحصل بالحد، وربما كان الاسم فيها أنفع من الحد، وهذا ـ أيضًا ـ مقرر‏.‏
وأما القياس فلا ريب أنه يفيد التصديق إذا صحت مقدماته وتأليفها، لكن الخطأ فيه من النفي من وجهين أيضًا‏:‏
أحدهما‏:‏ أن حصول العلم التصديقي في النفس ليس موقوفًا على القياس، بل يحصل بغير القياس‏.‏
الثاني‏:‏ أن القياس البرهاني ليست مواده منحصرة فيما ذكروه في الحسيات والوجديات والبديهيات والنظريات والمتواترات والتجريبيات والحدسيات، كما بينت هذا في غيرهذا الموضع، والله أعلم‏.‏
/ وسُئِلَ عن ‏[‏كتب المنطق‏]‏‏.‏
فأجاب‏:‏
أما كتب المنطق، فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعًا، وإن كان قد أدى اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية، وقال بعض الناس‏:‏ إن العلوم لا تقوم إلا به، كما ذكر ذلك أبو حامد، فهذا غلط عظيم عقلًا وشرعًا‏.‏
أما عقلًا، فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين في العلم حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني‏.‏ وأما شرعًا، فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان‏.‏
وأما هو في نفسه فبعضه حق، وبعضه باطل، والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا يحتاج إليه، والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على / من لم يكن خبيرًا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه، فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء، وكانت سبب نفاقهم، وفساد علومهم‏.‏
وقول من قال‏:‏ إنه كله حق كلام باطل، بل في كلامهم في الحد، والصفات الذاتية والعرضية، و أقسام القياس والبرهان، ومواده من الفساد ما قد بيناه في غير هذا الموضع، وقد بين ذلك علماء المسلمين، والله أعلم‏.‏
/ سُئل شيخ الإسلام الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ـ رضي الله عنه ـ عن ‏[‏العقل‏]‏ الذي للإنسان هل هو عرض‏؟‏ وما هي ‏[‏الروح‏]‏ المدبرة لجسده‏؟‏ هل هي النفس‏؟‏ وهل لها كيفية ‏؟‏ وهل هي عرض أو جوهر‏؟‏ وهل يعلم مسكنها من الجسد ومسكن العقل‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله رب العالمين‏.‏ ‏[‏العقل‏]‏ في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل، سواء سمي عرضا أو صفة، ليس هو عينًا قائمة بنفسها، سواء سمي جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك، وإنما يوجد التعبير باسم ‏"‏العقل‏"‏ عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس، ويدعون ثبوت عقول عشرة، كما يذكر ذلك من يذكره من أتباع أرسطو أو غيره من المتفلسفة المشائين‏.‏ ومن تلقي ذلك عنهم من المنتسبن إلى الملل‏.‏
وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع، وبين أن ما يذكرونه / من العقول والنفوس والمجردات والمفارقات والجواهر العقلية لا يثبت لهم منه إلا نفس الإنسان، وما يقول بها من العلوم وتوابعها، فإن أصل تسميتهم لهذه الأمور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت، وهذا أمر صحيح، فإن نفس الميت تفارق بدنه بالموت، وهذا مبني على أن النفس قائمة بنفسها، تبقى بعد فراق البدن بالموت منعمة أو معذبة، وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم، وهو قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، وإن كان كثير من أهل الكلام يزعمون أن النفس هي الحياة القائمة بالبدن‏.‏
ويقول بعضهم‏:‏ هي جزء من أجزاء البدن كالريح المترددة في البدن أو البخار الخارج من القلب‏.‏
ففي الجملة، النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءا من أجزاء البدن، ولا صفة من صفات البدن عند سلف الأمة وأئمتها، وإنما يقول هذا وهذا من يقوله من أهل الكلام المبتدع المحدث من أتباع الجهمية والمعتزلة ونحوهم ‏.‏ والفلاسفة المشاؤون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن، لكن يصفون النفس بصفات باطلة، فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلا، والعقل عندهم هو المجرد عن المادة وعلائق المادة، والمادة عندهم هي الجسم، وقد يقولون‏:‏ هو المجرد عن التعلق بالهيولي، والهيولي في لغتهم هو بمعنى المحل‏.‏ ويقولون‏:‏ المادة والصورة‏.‏
/والعقل عندهم جوهر قائم بنفسه لا يوصف بحركة ولا سكون ولا تتجدد له أحوال البتة‏.‏
فحقيقة قولهم‏:‏ إن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال، لا علوم ولا تصورات، ولا سمع ولا بصر ولا إرادات، ولا فرح وسرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلًا وأبدًا، كما يزعمونه في العقل والنفس‏.‏ ثم منهم من يقول‏:‏ إن النفوس واحدة بالعين‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ هي متعددة‏.‏ وفي كلامهم من الباطل ما ليس هذا موضع بسطه‏.‏
وإنما المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع، فهم يسمون ما اقترن بالمادة التي هي الهيولي ـ وهي الجسم في هذا الموضع ـ نفسًا كنفس الإنسان المدبرة لبدنه، ويزعمون أن للفلك نفسًا تحركه كما للناس نفوس، لكن كان قدماؤهم يقولون‏:‏ إن نفس الفلك عرض قائم بالفلك كنفوس البهائم، وكما يقوم بالإنسان الشهوة والغضب، لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا أن النفس الفلكية جوهر قائم بنفسه كنفس الإنسان، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سموها نفسًا، فإذا فارقت سموها عقلا؛ لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادة وعن علائق المادة، وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف‏.‏
/وأصل تسميتهم هذه مجردات هو مأخوذ من كون الإنسان يجرد الأمور العقلية الكلية عن الأمور الحسية المعينة، فإنه إذا رأى أفرادًا للإنسان كزيد وعمرو عقل قدرًا مشتركًا بين الأناسي وبين الإنسانية الكلية المشتركة المعقولة في قلبه، وإذا رأي الخيل والبغال والحمير وبهيمة الأنعام وغير ذلك من أفراد الحيوان، عقل من ذلك قدرًا كليًا مشتركًا بين الأفراد، وهي الحيوانية الكلية المعقولة، وإذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات، عقل من ذلك قدرًا مشتركًا كليًا وهو الجسم النامي المغتذي، وقد يسمون ذلك النفس النباتية وإذا رأى مع ذلك سائر الأجسام العلوية الفلكية والسفلية العنصرية، عقل من ذلك قدرًا مشتركا كليا وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم إلى جوهر وعرض، وهذا الوجود هو عندهم موضوع ‏"‏العلم الأعلى‏"‏ الناظر في الوجود ولواحقه، وهي ‏[‏الفلسفة الأولى‏]‏ و‏[‏الحكمة العليا‏]‏ عندهم‏.‏
وهم يقسمـون الوجود إلى جوهـر وعرض، والأعراض يجعلونها ‏[‏تسعة أنواع‏]‏، هذا هو الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق؛ لأن فيه المفردات التي تنتهي إليها الحدود المؤلفة، وكذلك من سلك سبيلهم، ممن صنف في هذا الباب كابن حزم وغيره‏.‏
وأما ابن سينا وأتباعه فقالوا‏:‏ الكلام في هذا لا يختص بالمنطق،/ فأخرجوها منه وكذلك من سلك سبيل ابن سينا كأبى حامد والسهروردي المقتول والرازي والآمدي وغيرهم‏.‏ وهذه هي ‏[‏المقولات العشر‏]‏ التي يعبرون عنها بقولهم‏:‏الجوهر، والكم والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والوضع، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، وقد جمعت في بيتين وهي‏:‏
زيد الطويل الأسود بن مالك ** في داره بالأمس كان متكي
في يده سيف نضاه فانتضـــا ** فهذه عشر مقولات ســـوا
وأكثر الناس ـ من أتباعه وغير أتباعه ـ أنكروا حصر الأعراض في تسعة أجناس، وقالوا‏:‏ إن هذا لا يقوم عليه دليل، ويثبتون إمكان ردها إلى ثلاثة وإلى غير ذلك من الأعداد، وجعلوا الجواهر خمسة أنواع‏:‏ الجسم، والعقل، والنفس، والمادة، والصورة‏.‏
فالجسم جوهر حسي، والباقية جواهر عقلية، لكن ما يذكرونه من الدليل على إثبات الجواهر العقلية، إنما يدل على ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان‏.‏
وهذه التي يسمونها ‏[‏المجردات العقلية‏]‏ ويقولون‏:‏ الجواهر تنقسم إلى ماديات، ومجردات، فالماديات القائمة بالمادة وهي الهيولي وهي الجسم، والمجردات هي المجردات عن المادة، وهذه التي يسمونها المجردات أصلها هي هذه الأمور / الكلية المعقولة في نفس الإنسان، كما أن المفارقات أصلها مفارقة النفس البدن‏.‏ وهذان أمران لا ينكران، لكن ادعوا في صفات النفس وأحوالها أمورًا باطلة، وادعوا ـ أيضًا ـ ثبوت جواهر عقلية قائمة بأنفسها ويقولون فيها‏:‏ العاقل، والمعقول والعقل شيء واحد‏.‏ كما يقولون‏:‏ مثل ذلك في رب العالمين، فيقولون‏:‏ هو عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة‏.‏
ويجعلون الصفة عين الموصوف، ويجعلون كل صفة هي الأخرى، فيجعلون نفس العقل الذي هو العلم نفس العاقل العالم، ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب، ونفس اللذة هي نفس العلم ونفس الحب، ويجعلون القدرة والإرادة هي نفس العلم، فيجعلون العلم هو القدرة وهو الإرادة وهو المحبة وهو اللذة، ويجعلون العالم المريد المحب الملتذ هو نفس العلم الذي هو نفس الإرادة وهو نفس المحبة وهو نفس اللذة، فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا، ويجعلون نفس الصفات المتنوعة هي نفس الذات الموصوفة، ثم يتناقضون فيثبتون له علما ليس هو نفس ذاته، كما تناقض ابن سينا في إشاراته، وغيره من محققيهم، وبسط الكلام في الرد عليهم بموضع آخر‏.‏
والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه، ويثبتون جواهر عقلية يسمونها المجردات والمفارقات للمادة؛ وإذا حقق الأمر عليهم لم يكن عندهم غير نفس الإنسان التي يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذي يسمى عقلا‏.‏
/ وكان أرسطو وأتباعه يسمون ‏[‏الرب‏]‏ عقلا وجوهرًا، وهو عندهم لا يعلم شيئًا سوى نفسه، ولا يريد شيئا، ولا يفعل شيئًا، ويسمونه ‏[‏المبدأ‏]‏ و‏[‏العلة الأولى‏]‏؛ لأن الفلك عندهم متحرك للتشبه به أو متحرك للشبه بالعقل، فحاجة الفلك عندهم إلى العلة الأولى من جهة أنه متشبه بها كما يتشبه المؤتم بالإمام والتلميذ بالأستاذ‏.‏ وقد يقول‏:‏ إنه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه، ليس عندهم أنه أبدع شيئًا ولا فعل شيئًا، ولا كانوا يسمونه واجب الوجود ولا يقسمون الوجود إلى واجب وممكن، ويجعلون الممكن هو موجودًا قديما أزليًا كالفلك عندهم‏.‏
وإنما هذا فعل ابن سينا وأتباعه، وهم خالفوا في ذلك سلفهم وجميع العقلاء، وخالفوا أنفسهم ـ أيضًا ـ فتناقضوا، فإنهم صرحوا بما صرح به سلفهم وسائر العقلاء من أن الممكن الذي يمكن أن يكون موجودًا وأن يكون معدومًا، لا يكون إلا محدثًا مسبوقا بالعدم‏.‏
وأما الأزلي الذي لم يزل ولا يزال، فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم، بل كل ما قبل الوجود والعدم لم يكن إلا محدثًا، وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله فهو محدث مسبوق بالعدم كائن بعد أن لم يكن، كما بسط في موضعه‏.‏
لكن ابن سينا ومتبعوه تناقضوا فذكروا في موضع آخر أن الوجود ينقسم إلى‏:‏واجب، وممكن، وأن الممكن قد يكون قديمًا أزليًا لم يزل ولايزال يمتنع / عدمه، ويقولون‏:‏ هو واجب بغيره، وجعلوا الفلك من هذا النوع، فخرجوا عن إجماع العقلاء الذين وافقوهم عليه في إثبات شيء ممكن يمكن أن يوجد وألا يوجد، وأنه مع هذا يكون قديمًا أزليًا أبديًا ممتنع العدم واجب الوجود بغيره، فإن هذا ممتنع عند جميع العقلاء، وذلك بين في صريح العقل لمن تصور حقيقة الممكن الذي يقبل الوجود والعدم كما بسط في موضعه‏.‏
وهؤلاء المتفلسفة إنما تسلطوا على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم؛ لأن هؤلاء لم يعرفوا حقيقة ما بعث الله به رسوله، ولم يحتجوا لما نصروه بحجج صحيحة في المعقول، فقصر هؤلاء المتكلمون في معرفة السمع والعقل، حتى قالوا‏:‏ إن الله لم يزل لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بمشيئته ‏.‏ ثم حدث ما حدث من غير تجدد سبب حادث، وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلمًا بمشيئتة ثم حدث ما حدث من غير تجدد سبب حادث، وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء؛ لزعمهم امتناع دوام الحوادث، ثم صار أئمتهم ـ كالجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف ـ إلى امتناع دوامها في المستقبل والماضي، فقال الجهم بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما، وأنهم يبقون دائمًا في سكون، ويزعم بعض من سلك هذه السبيل أن هذا هو مقتضى العقل، وأن كل ما له ابتداء، فيجب أن يكون له انتهاء‏.‏
ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم أهل الجنة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏35‏]‏، وقال‏:‏‏{‏إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 54‏]‏، ظنوا أنه يجب تصديق الشرع فيما خالـف فيه أهل العقل، ولم يعـلموا أن الحجة العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة، بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة، سواء كانت عقلية أو سمعية أو سمعية وعقلية، بل إذا تعارضت حجتان دل على فساد إحداهما أو فسادهما جميعًا‏.‏
وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، وذكروا فروعًا عرف حذاقهم ضعفها، كما بسط في غير هذا الموضع، وهو لزومهم أن يكون الرب كان غير قادر ثم صار قادرًا من غير تجدد سبب يوجب كونه قادرًا، وأنه لم يكن يمكنه أن يفعل ولا يتكلم بمشيئته، ثم صار الفعل ممكنا له بدون سبب يوجب تجدد الإمكان‏.‏ وإذا ذكر لهم هذا قالوا‏:‏ كان في الأزل قادرًا على ما لم يزل‏.‏ فقيل لهم‏:‏ القادر لا يكون قادرًا مع كون المقدور ممتنعًا، بل القدرة على الممتنع ممتنعة، وإنما يكون قادرًا على ما يمكنه أن يفعله، فإذا كان لم يزل قادرًا، فلم يزل يمكنه أن يفعل‏.‏
ولما كان أصل هؤلاء هذا صاروا في كلام الله على ثلاثة أقوال‏:‏
فرقة قالت‏:‏ الكلام لا يقوم بذات الرب، بل لا يكون كلامه إلا مخلوقًا؛ لأنه إما قديم وإما حادث، ويمتنع أن يكون قديمًا؛ لأنه متكلم بمشيئته وقدرته، والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة، وإذا كان الكلام / بالقدرة والمشيئة كان مخلوقًا لا يقوم بذاته؛ إذ لو قام بذاته كانت قد قامت به الحوادث، والحوادث لا تقوم به؛ لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، قالوا‏:‏ إذ بهذا الأصل أثبتنا حدوث الأجسام، وبه ثبت حدوث العالم، قالوا‏:‏ ومعلوم أن ما لم يسبق الحادث لم يكن قبله إما معه وإما بعده، وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث‏.‏
وكثير منهم لم يتفطن للفرق بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين، فإن الحادث المعين والحوادث المحصورة يمتنع أن تكون أزلية دائمة، وما لم يكن قبلها فهو إما معها وإما بعدها، وما كان كذلك فهو حادث قطعًا، وهذا لا يخفى على أحد‏.‏
ولكن موضع النظر والنزاع ‏[‏نوع الحوادث‏]‏ وهو أنه هل يمكن أن يكون النوع دائمًا فيكون الرب لايزال يتكلم أو يفعل بمشيئته وقدرته أم يمتنع ذلك‏؟‏ فلما تفطن لهذا الفرق طائفة قالوا‏:‏ وهذا ـ أيضًا ـ ممتنع لامتناع حوادث لا أول لها، وذكروا على ذلك حججًا كحجة التطبيق، وحجة امتناع انقضاء ما لا نهاية له وأمثال ذلك‏.‏ وقد ذكر عامة ما ذكر في هذا الباب وما يتعلق به في مواضع غير هذا الموضع، ولكل مقام مقال‏.‏
وأولئك المتفلسفة لما رأوا أن هذا القول مما يعلم بطلانه بصريح العقل، وأنه يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث، ويمتنع كون الرب يصير فاعلا بعد / أن لم يكن، وأن المؤثر التام يمتنع تخلف أثره عنه ـ ظنوا أنهم إذا أبطلوا هذا القول فقد سلم لهم ما ادعوه من ‏[‏قدم العالم‏]‏ كالأفلاك وجنس المولدات ومواد العناصر، وضلوا ضلالا عظيمًا خالفوا به صرائح العقول‏.‏وكذبوا به كل رسول‏.‏
فإن الرسل مطبقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، ليس مع الله شيء قديم بقدمه، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏.‏ والعقول الصريحة تعلم أن الحوادث لابد لها من محدث، فلو لم تكن إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها، لم يكن في العالم شيء من الحوادث، فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتنع، فإنه إذا كان معلولها لازمًا لها كان قديمًا معها لم يتأخر عنها، فلا يكون لشيء من الحوادث سبب اقتضى حدوثه فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث، وهؤلاء فروا من أن يحدثها القادر بغير سبب حادث، وذهبوا إلى أنها تحدث بغير محدث أصلا لا قادر ولا غير قادر، فكان ما فروا إليه شرًا مما فروا منه، وكانوا شرًا من المستجير من الرمضاء بالنار‏.‏
واعتقد هؤلاء أن المفعول المصنوع المبتدع المعين كالفلك، يقارن فاعله أزلًا وأبدًا لا يتقدم الفاعل عليه تقدمًا زمانيًا، وأولئك قالوا‏:‏ بل المؤثر التام يتراخى عنه أثره ثم يحدث الأثر من غير سبب اقتضى حدوثه، فأقام الأولون الأدلة العقلية الصريحة على بطلان هذا، كما أقام هؤلاء الأدلة العقلية الصريحة / على بطلان قول الآخرين، ولا ريب أن قول هؤلاء ـ أهل المقارنة ـ أشد فسادًا ومناقضة لصريح المعقول، وصحيح المنقول، من قول أولئك ـ أهل التراخي‏.‏
والقول الثالث ـ الذي يدل عليه المعقول الصريح ويقر به عامة العقلاء ودل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة ـ لم يهتد له الفريقان، وهو أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام لا يقترن به ولا يتراخى، كما إذا طلقت المرأة فطلقت، وأعتقت العبد فعتق، وكسرت الإناء فانسكر، وقطعت الحبل فانقطع، فوقوع العتق والطلاق ليس مقارنًا لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه، ولا هو ـ أيضًا ـ متراخ عنه، بل يكون عقبه متصلا به، وقد يقال‏:‏هو معه ومفارق له باعتبار أنه يكون عقبه متصلا به، كما يقال‏:‏ هو بعده متأخر عنه، باعتبار أنه إنما يكون عقب التأثير التام؛ ولهذا قال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏82‏]‏، فهو ـ سبحانه ـ يكون ما يشاء تكوينه، فإذا كونه كان عقب تكوينه متصلا به، لا يكون مع تكوينه في الزمان، ولا يكون متراخيا عن تكوينه بينهما فصل في الزمان، بل يكون متصلا بتكوينه كاتصال أجزاء الحركة والزمان بعضها ببعض‏.‏
وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث، كائن بعد أن لم يكن، وإن قيل مع ذلك ـ بدوام فاعليته ومتكلميته، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع‏.‏
/والمقصود هنا أن هذا هو أصل من قال‏:‏ القرآن محْدَث، ومن قال‏:‏ إن الرب لم يقم به كلام ولا إرادة، بل ولا علم، بل ولا حياة، ولا قدرة ولا شيء من الصفات، فلما ظهر فساد هذا القول شرعًا وعقلا، قالت طائفة ممن وافقتهم على أصل مذهبهم‏:‏ هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه أمر لازم لذاته كما تلزم ذاته الحياة،ثم منهم من قال‏:‏ هو معنى واحد؛ لامتناع اجتماع معاني لا نهاية لها في آن واحد، وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد‏.‏ وقالوا‏:‏ ذلك المعنى هو الأمر بكل مأمور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وقالوا‏:‏ إن الأمر والنهي صفات للكلام لا أنواع له، فإن معنى ‏[‏آية الكرسي‏]‏ و‏[‏آية الدين‏]‏ و ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏سورة الإخلاص‏]‏ و‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ‏}‏ ‏[‏سورة المسد‏]‏ معنى واحد‏.‏
فقال جمهور العقلاء لهم‏:‏ تصور هذا القول يوجب العلم بفساده، وقالوا لهم‏:‏ موسى سمع كلام الله كله أو بعضه، إن قلتم‏:‏ كله لزم أن يكون قد علم علم الله‏.‏ وإن قلتم‏:‏ بعضه، فقد تبعض، وقالوا لهم‏:‏ إذا جوزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر، وحقيقة النهي عن كل منهى عنه، والأمر بكل مأمور به هو حقيقة الخبر عن كل مخبر عنه، فجوزوا أن تكون، حقيقة العلم هي حقيقة القدرة، وحقيقة القدرة هي حقيقة الإرادة، فاعترف حذاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه، ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات‏.‏ وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن، والتزم ذلك طائفة منهم فقالوا‏:‏ / الوجود واحد، وعين الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن المخلوق المحدث‏.‏
وهذا أصل قول القائلين بوحدة الوجود، كابن عربي الطائي وابن سبعين وأتباعهما، كما بسط في مواضع‏.‏
ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به من قال‏:‏ كلامه المعين حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولاتزال‏.‏ وزعموا أن كلا من القرآن والتوراة والإنجيل حروف وأصوات قديمة أزلية، لم تزل ولاتزال‏.‏ فقال لهم جمهور العقلاء‏:‏ معلوم بالاضطرار أن الباء قبل السين، والسين قبل الميم، فكيف يكونان معًا أزلا وأبدا ‏؟‏ ومعلوم أن الصوت المعين لا يبقى زمانين، فكيف يكون أزليا لم يزل ولا يزال‏؟‏
فقالت الطائفة الثالثة ـ ممن سلك مسلك أولئك المتكلمين‏:‏ بل نقول‏:‏ إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، وإن لزم من ذلك قيام الحوادث به فلا محذور في ذلك لا شرعًا ولا عقلا، بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء، وعليه دلت النصوص الكثيرة وأقوال السلف والأئمة ‏.‏ ونقول‏:‏ إنه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي، وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى، كما دلت على ذلك النصوص وأقوال السلف، لكن نقول‏:‏ إنه لم يكن في الأزل متكلمًا، ويمتنع أن / يكون لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته؛ لأن ذلك يستلزم حوادث لا أول لها، وهو أصل هؤلاء‏.‏
فقيل لهم‏:‏ معلوم أن الكلام صفة كمال لا صفة نقص، وأن من يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون قادرًا على الكلام بمشيئته وقدرته‏.‏ وحينئذ فمن لم يزل متكلمًا بمشيئته أكمل ممن صار قادرًا على الكلام، بعد أن كان لا يمكنه أن يتكلم‏.‏
وقالوا لهم‏:‏ إذا قلتم‏:‏ تكلم بعد أن كان الكلام ممتنعًا، من غير أن يكون هناك سبب أوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له، قلتم‏:‏ إنه لم يزل غير قادر على الكلام ولم يزل الكلام غير ممكن له، ثم صار قادرًا يمكنه أن يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء، وهذا مخالفة لصريح العقل، وسلب لصفات الكمال عن الباري، وجعله مثل المخلوق الذي صار قادرًا على الكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه‏.‏
والسلف والأئمة نصوا على أن الرب تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء وكما شاء، كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الدين وسلف المسلمين، وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، لم يقل أحد منهم‏:‏ إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم إنه‏:‏ مخلوق بائن / عنه، ولا قال أحد منهم إنه صار متكلما أو قادرًا على الكلام بعد أن لم يكن كذلك، وقد بسطت هذه الأمور في موضع آخر‏.‏
والمقصود أن هذه الأقوال ـ التي قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية ـ والمعتزلة والكُلاَّبية والكرَّامية والسالمية، ومن وافقهم من المتأخرين الذين انتسبوا إلى بعض الأئمة الأربعة وخالفوا بها إجماع السلف والأئمة، وما جاء به الكتاب والسنة، وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عباده ـ هي التي سلطت أولئك المتفلسفة الدهرية عليهم، لكن قول الفلاسفة أعظم فسادًا في المعقول والمنقول‏.‏
فصــل
والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضًا قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ‏}‏‏.‏ ‏[‏البقرة‏:‏37‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏46‏]‏ ‏.‏ وقوله‏:‏‏{‏قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏118‏]‏ ونحو ذلك مما يدل على أن العقل مصدر عقل يعقل عقلا، وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم / الذي يعمل به والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النار‏:‏‏{‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏10‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏46‏]‏ ‏.‏
والعقل المشروط في التكليف لابد أن يكون علومًا يميز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره، فالمجنون الذي لا يميز بين الدراهم والفلوس، ولا بين أيام الأسبوع، ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل، أما من فهم الكلام وميز بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل‏.‏
ثم من الناس من يقول‏:‏ العقل هو علوم ضرورية، ومنهم من يقول‏:‏ العقل هو العمل بموجب تلك العلوم ‏.‏
والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا، وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، كما قال أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما‏:‏ إن العقل غريزة، وهذه الغريزة ثابتة عند جمهور العقلاء، كما أن في العين قوة بها يبصر، وفي اللسان قوة بها يذوق، وفي الجلد قوة بها يلمس عند جمهور العقلاء‏.‏
ومن الناس من ينكر القوى والطبائع كما هو قول أبي الحسن ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم،وهؤلاء المنكرون للقوي والطبائع / ينكرون الأسباب أيضًا ويقولون‏:‏ إن الله يفعل عندها لا بها، فيقولون‏:‏ إن الله لا يشبع بالخبز، ولا يروي بالماء، ولا ينبت الزرع بالماء، بل يفعل عنده لا به، وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف مع مخالفة صريح العقل والحس، فإن الله قال في كتابه‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏57‏]‏ فأخبر أنه ينزل الماء بالسحاب، ويخرج الثمر بالماء‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏164‏]‏ وقال‏:‏‏{‏وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ‏}‏‏[‏ق‏:‏ 9‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏14‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ‏.‏ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 15، 16‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏26‏]‏ ومثل هذا في القرآن كثير‏.‏
والناس يعلمون بحسهم وعقلهم أن بعض الأشياء سبب لبعض، كما يعلمون أن الشبع يحصل بالأكل لا بالعد، ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى وأن الماء سبب لحياة النبات والحيوان كما قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏30‏]‏، وأن الحيوان يروي بشرب الماء لا بالمشي، ومثل ذلك كثير، ولبسط هذه المسائل موضع آخر‏.‏
/ فصــل
والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن الصلاة‏:‏‏(‏إن الله قبض أرواحنا حيث شاء، وردها حيث شاء‏)‏ وقال له بلال‏:‏ يارسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، وقال تعالى‏}‏ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ‏}‏‏[‏الزمر‏:‏42‏[‏‏.‏
قال ابن عباس وأكثر المفسرين‏:‏ يقبضها قبضين‏:‏ قبض الموت، وقبض النوم، ثم في النوم يقبض التي تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتي أجلها وقت الموت‏.‏
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا نام‏:‏ ‏(‏باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها ‏.‏ وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين‏)‏،وقد ثبت في الصحيح‏:‏ أن الشهداء جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح / في الجنة ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش‏.‏ وثبت ـ أيضا ـ بأسانيد صحيحة‏:‏ أن الإنسان إذا قبضت روحه فتقول الملائكة‏:‏ اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجى راضية مرضيًا عنك، ويقال‏:‏ اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجســد الخبيث، اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك، وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏نسمة المؤمن طائر تعلق من ثمر الجنة ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش‏)‏ فسماها نسمة‏.‏
وكذلك في الحديث الصحيح حديث المعراج‏:‏ أن آدم ـ عليه السلام ـ قبل يمينه أسودة، وقبل شماله أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، وأن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذه الأسودة نسم بنيه‏:‏ عن يمينه السعداء، وعن يساره الأشقياء‏)‏، وفي حديث على‏:‏ ‏(‏والذي فلق الحبة وبرأ النسمة‏)‏، وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏إن الروح إذا قبض تبعه البصر‏)‏ فقد سمى المقبوض وقت الموت ووقت النوم روحًا ونفسا، وسمى المعروج به إلى السماء روحًا ونفسًا، لكن يسمى نفسًا باعتبار تدبيره للبدن ويسمى روحًا باعتبار لطفه، فإن لفظ ‏[‏الروح‏]‏ يقتضى اللطف؛ ولهذا تسمى الريح روحًا‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الريح من روح الله‏)‏ أي من الروح التي خلقها الله فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله‏.‏
/فالأول كقوله‏:‏ ‏{‏نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا‏}‏‏[‏الشمس‏:‏ 13‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا‏}‏ وهو جبريل‏:‏ ‏{‏فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏.‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا ‏.‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 17ـ 19‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 12‏]‏ وقال عن آدم‏:‏ ‏{‏فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 29‏]‏‏.‏
والثاني كقولنا‏:‏ علم الله، وكلام الله، وقدرة الله، وحياة الله، وأمر الله، لكن قد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به فيسمى المعلوم علمًا، والمقدور قدرة والمأمور به أمرًا، والمخلوق بالكلمة كلمة، فيكون ذلك مخلوقًا‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 45‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، ومن هذا الباب قوله‏:‏ ‏(‏إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك، فرحم بها عباده‏)‏، ومنه قوله في الحديث الصحيح للجنة‏:‏ ‏(‏أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي‏)‏ كما قال للنار‏:‏ ‏(‏أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها‏)‏‏.







آخر مواضيعه 0 حسن الخاتمة ,, مقطع فيديو لوفاة شيخ وهو يخطب
0 اشجان في وداع رمضان
0 بذور الخير في رمضان
0 ما الذي أبكى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى سقط مغشياً عليه
0 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 11:32 PM   رقم المشاركة : 14
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فصــل
ولكن لفظ ‏[‏الروح، والنفس‏]‏ يعبر بهما عن عدة معان‏:‏ فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن، والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق، وهو الذي تسميه الأطباء الروح ويسمى الروح الحيواني، فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي النفس‏.‏
ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه كما يقال‏:‏ رأيت زيدًا نفسه وعينه،وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 54‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 28، 30‏]‏، وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين‏:‏ ‏(‏لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن‏:‏ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته‏)‏، وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم‏)‏‏.‏
فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء‏:‏ الله نفسه التي / هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ‏.‏
وقد يراد بلفظ النفس‏:‏ الدم الذي يكون في الحيوان كقول الفقهاء‏:‏ ‏[‏ما له نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة‏]‏ ومنه يقال‏:‏ نفست المرأة إذا حاضت، ونفست إذا نفسها ولدها، ومنه قيل‏:‏ النفساء، ومنه قول الشاعر‏:‏
تسيل على حد الظباة نفوسنا ** وليست على غير الظباة تسيل
فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح، ويراد بالنفس عند كثير من المتأخرين صفاتها المذمومة، فيقال‏:‏ فلان له نفس، ويقال‏:‏ اترك نفسك، ومنه قول أبي مرثد‏:‏ رأيت رب العزة في المنام، فقلت‏:‏ أي رب، كيف الطريق إليك‏؟‏ فقال‏:‏ اترك نفسك‏.‏ ومعلوم أنه لا يترك ذاته وإنما يترك هواها وأفعالها المذمومة، ومثل هذا كثير في الكلام،يقال‏:‏ فلان له لسان، فلان له يد طويلة، فلان له قلب، يراد بذلك لسان ناطق، ويد عاملة صانعة، وقلب حي عارف بالحق مريد له، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 37‏]‏‏.‏
كذلك النفس لما كانت حال تعلقها بالبدن يكثر عليها اتباع هواها صار / لفظ ‏[‏النفس‏]‏ يعبر به عن النفس المتبعة لهواها أو عن اتباعها الهوى، بخلاف لفظ ‏"‏الروح‏"‏ فإنها لا يعبر بها عن ذلك؛ إذ كان لفظ ‏[‏الروح‏]‏ ليس هو باعتبار تدبيرها للبدن‏.‏
ويقال‏:‏ النفوس ثلاثة أنواع، وهي‏:‏
‏[‏النفس الأمارة بالسوء‏]‏ التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي‏.‏
و‏[‏النفس اللوامة‏]‏ وهي التي تذنب وتتوب فعنها خير وشر، لكن إذا فعلت الشر تابت وأنابت، فتسمى لوامة؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب ؛ ولأنها تتلوم أي تتردد بين الخير والشر‏.‏
و‏[‏النفس المطمئنة‏]‏ وهي التي تحب الخير والحسنات وتريده، وتبغض الشر والسيئات وتكره ذلك، وقد صار ذلك لها خلقًا وعادة وملكة، فهذه صفات وأحوال لذات واحدة، وإلا فالنفس التي لكل إنسان هي نفس واحدة، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه‏.‏
وقد قال طائفة من المتفلسفة الأطباء‏:‏ إن النفوس ثلاثة‏:‏ نباتية، محلها الكبد‏.‏ وحيوانية ،محلها القلب‏.‏ وناطقية، محلها الدماغ‏.‏
وهذا إن أرادوا به أنها ثلاث قوى تتعلق بهذه الأعضاء فهذا مسلم، وإن أرادوا أنها ثلاثة أعيان قائمة بأنفسها فهذا غلط بين ‏.‏
/ فصــل
وأما قول السائل‏:‏ هل لها كيفية تعلم‏؟‏ فهذا سؤال مجمل، إن أراد أنه يعلم ما يعلم من صفاتها وأحوالها فهذا مما يعلم، وإن أراد أنها هل لها مثل من جنس ما يشهده من الأجسام، أو هل لها من جنس شيء من ذلك‏؟‏ فإن أراد ذلك فليس كذلك، فإنها ليست من جنس العناصر‏:‏ الماء والهواء والنار والتراب، ولا من جنس أبدان الحيوان والنبات والمعدن، ولا من جنس الأفلاك والكواكب، فليس لها نظير مشهود ولا جنس معهود؛ ولهذا يقال‏:‏ إنه لا يعلم كيفيتها، ويقال‏:‏ إنه ‏"‏من عرف نفسه عرف ربه‏"‏ من جهة الاعتبار، ومن جهة المقابلة، ومن جهة الامتناع‏.‏
فأما الاعتبار، فإنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا‏:‏ من العسل، واللبن، / والماء ،والخمر، والحرير، والذهب، والفضة، لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة،فقد قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء‏.‏
فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة، ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا، بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع عليها ما يمتنع عليها، وتكون مادتها مادتها وتستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يفسد ويأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب، ولا نازلا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا، وأمثال ذلك، فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه، علم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق ـ جل جلاله ـ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا‏.‏
فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير، لم يلزم أن يكون مماثلا لخلقه؛ إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين‏.‏
والله ـ سبحانه وتعالى ـ سمى نفسه وصفاته بأسماء، وسمى بها بعض المخلوقات، فسمى نفسه حيًا عليما سميعًا بصيرًا عزيزًا جبارًا متكبرًا / ملكا رؤوفًا رحيما؛ وسمى بعض عباده‏:‏ عليما، وبعضهم‏:‏ حليما، وبعضهم‏:‏ رؤوفًا رحيما، وبعضهم‏:‏ سميعًا بصيرًا، وبعضهم‏:‏ ملكا، وبعضهم‏:‏ عزيزًا، وبعضهم‏:‏ جبارًا متكبرًا، ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، وهكذا في سائر الأسماء، قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 28‏]‏ وقال‏:‏ ‏{إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا‏}‏‏[‏ فاطر‏:‏ 41‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 101‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 58‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 2‏]‏ وكذلك سائر ما ذكر، لكن الإنسان يعتبر بما عرفه ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة‏.‏
وأما من جهة ‏[‏المقابلة‏]‏ فيقال‏:‏ من عرف نفسه بالعبودية عرف ربه بالربوبية، ومن عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى، ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم، ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه بالعز، وهكذا أمثال ذلك؛ لأن العبد ليس له من نفسه إلا العدم، وصفات النقص كلها ترجع إلى العدم، وأما الرب تعالى‏:‏ فله صفات الكمال، وهي من لوازم ذاته، يمتنع انفكاكه عن صفات الكمال أزلًا وأبدًا، ويمتنع عدمها؛ لأنه واجب الوجود أزلًا وأبدًا، وصفات كماله من لوازم ذاته، ويمتنع ارتفاع اللازم إلا بارتفاع الملزوم، فلا يعد شيء من صفات كماله إلا بعدم ذاته، /وذاته يمتنع عليها العدم، فميتنع على شيء من صفات كماله العدم‏.‏
وأما من جهة العجز والامتناع، فإنه يقال‏:‏ إذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه، بل هي هويته وهو لا يعرف كيفيتها ولا يحيط علما بحقيقتها - فالخالق جل جلاله ـ أولى ألا يعلم العبد كيفيته، ولا يحيط علما بحقيقته؛ ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم بربه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم إني أْعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك‏)‏، وثبت في صحيح مسلم وغيره‏:‏ أنه كان يقول هذا في سجوده‏.‏ وقد روى الترمذي وغيره‏:‏ أنه كان يقوله في قنوت الوتر، وإن كان في هذا الحديث نظر، فالأول صحيح ثابت‏.‏
فصــل
وأما سؤال السائل‏:‏ هل هو جوهر أو عرض ‏؟‏ فلفظ ‏[‏الجوهر‏]‏ فيه إجمال، ومعلوم أنه لم يرد بالسؤال الجوهر في اللغة، مع أنه قد قيل‏:‏ إن لفظ ‏[‏الجوهر‏]‏ ليس من لغة العرب وأنه معرب، وإنما أراد السائل الجوهر في الاصطلاح من تقسيم الموجودات إلى جوهر وعرض‏.‏
/وهؤلاء منهم من يريد بالجوهر المتحيز، فيكون الجسم المتحيز عندهم جوهرًا، وقد يريدون به الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ‏.‏
والعقلاء متنازعون في إثبات هذا،وهو أن الأجسام هل هي مركبة من الجواهر المفردة‏؟‏ أم من المادة والصورة‏؟‏ أم ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا ‏؟‏ على ثلاثة أقوال‏:‏
أصحها‏:‏ الثالث، أنها ليست مركبة لا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية، وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء كما قد بسط في موضعه‏.‏
والقائلون بأن لفظ ‏[‏الجوهر‏]‏ يقال على المتحيز متنازعون‏:‏ هل يمكن وجود جوهر ليس بمتحيز‏؟‏ ثم هؤلاء منهم من يقول‏:‏ كل موجود، فإما جوهر وإما عرض، ويدخل الموجود الواجب في مسمى الجوهر، ومن هؤلاء من يقول‏:‏ كل موجود، فإما جسم أو عرض، ويدخل الموجود الواجب في مسمى الجسم، وقد قال بهذا وبهذا طائفة من نظار المسلمين وغيرهم، ومن المتفلسفة والنصارى من يسميه جوهرًا ولا يسميه جسمًا، وحكى عن بعض نظار المسلمين أنه يسميه جسمًا ولا يسميه جوهرًا، إلا أن الجسم عنده / هو المشار إليه أو القائم بنفسه، والجوهر عنده هو الجوهر الفرد‏.‏
ولفظ ‏[‏العرض‏]‏ في اللغة له معنى ،وهو ما يعرض ويزول كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 169‏]‏ وعند أهل الاصطلاح الكلامي، قد يراد بالعرض ما يقوم بغيره مطلقًا، وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات، ويراد به في غير هذا الاصطلاح أمور أخرى‏.‏
ومعلوم أن مذهب السلف والأئمة وعامة أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله، وأن له علمًا وقدرة وحياة وكلامًا، ويسمون هذه الصفات، ثم منهم من يقول‏:‏ هي صفات وليست أعراضًا؛ لأن العرض لا يبقى زمانين وهذه باقية، ومنهم من يقول‏:‏ بل تسمى أعراضًا؛ لأن العرض قد يبقى، وقول من قال‏:‏ إن كل عرض لا يبقى زمانين قول ضعيف، وإذا كانت الصفات الباقية تسمى أعراضًا جاز أن تسمى هذه أعراضًا‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ أنا لا أطلق ذلك، بناء على أن الإطلاق مستنده الشرع‏.‏
والناس متنازعون‏:‏ هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو إجماع‏؟‏ على قولين مشهورين‏.‏
وعامة النظار يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع كلفظ القديم والذات / ونحو ذلك، ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها، وبين ما يخبر به عنه للحاجة، فهو ـ سبحانه ـ إنما يدعى بالأسماء الحسنى كما قال‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 180‏]‏‏.‏
وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال‏:‏ ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات بل هو ـ سبحانه ـ قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل‏:‏ ليس بشيء، فقيل‏:‏ بل هو شيء فهذا سائغ، وإن كان لا يدعي بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل‏:‏ يا شيء، إذ كان هذا لفظًا يعم كل موجود، وكذلك لفظ‏:‏ ‏[‏ذات وموجود‏]‏ ونحو ذلك، إلا إذا سمى بالموجود الذي يجده من طلبه كقوله‏:‏ ‏{‏وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 39‏]‏ ،فهذا أخص من الموجود الذي يعم الخالق والمخلوق‏.‏
إذا تبين هذا، فالنفس ــ وهي الروح المدبرة لبدن الإنسان ــ هي من باب ما يقوم بنفسه التي تسمى جوهرًا وعينًا قائمة بنفسها، ليست من باب الأعراض التي هي صفات قائمة بغيرها‏.‏
وأما التعبير عنها بلفظ ‏[‏الجوهر‏]‏ و‏[‏الجسم‏]‏، ففيه نزاع، بعضه اصطلاحي وبعضه معنوي‏.‏ فمن عنى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر، ومن عني بالجسم ما يشار إليه وقال‏:‏ إنه يشار إليها فهي عنده جسم، ومن عنى بالجسم المركب / من الجواهر المفردة أو المادة والصورة فبعض هؤلاء قال‏:‏ إنها جسم أيضًا، ومن عنى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة فمنهم من يقول‏:‏ إنها جوهر، والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها فإنه يشار إليها وتصعد وتنزل وتخرج من البدن وتسل منه، كما جاءت بذلك النصوص ودلت عليها الشواهد العقلية‏.‏
فصــل
وأما قول القائل، أين مسكنها من الجسد‏؟‏ فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسرى الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة‏.‏
/ فصــل
وأما قوله‏:‏ أين مسكن العقل فيه‏؟‏ فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل، وأما من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 46‏]‏‏.‏ وقيل لابن عباس‏:‏ بماذا نلت العلم‏؟‏ قال‏:‏ بلسان سؤول،وقلب عقول‏.‏
لكن لفظ ‏[‏القلب‏]‏ قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد‏)‏، وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك، ومنه سمى القليب قليبًا ؛ لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا، فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا؛ ولهذا قيل‏:‏ إن العقل في الدماغ، كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه‏:‏ إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ‏.‏
والتحقيق‏:‏ أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف / من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب‏.‏
والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء، وكلا القولين له وجه صحيح، وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق، والله أعلم‏.‏







آخر مواضيعه 0 كتاب الصيام ,شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام
0 زاد المعاد في هدي خير العباد
0 الباكين من خشية الله
0 الصراحة راحة , وفي الصراحة تكون الراحة
0 دودة القز , معلومات عن دودة القز , كيفية انتاج الحرير