(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء التاسع

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 11:26 PM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وقد تنازع الناس في مسمى القياس، فقالت طائفة من أهل الأصول‏:‏ هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول ـ كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل / ـ كابن حزم وغيره‏.‏ وقال جمهور العلماء‏:‏ بل هو حقيقة فيهما، والقياس العقلي يتناولهما جميعا‏.‏ وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية وهو الصواب، فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر ،وإنما تختلف صورة الاستدلال‏.‏
والقياس في اللغة‏:‏ تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير الشيء المعين بنظيره المعين، وتقديره بالأمر الكلي المتناول له ولأمثاله، فإن الكلى هو مثال في الذهن لجزئياته؛ ولهذا كان مطابقًا موافقًا له‏.‏
وقياس الشمول هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول، وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص، من جزئي إلى كلي، ثم من ذلك الكلي إلى الجزئي الأول، فيحكم عليه بذلك الكلي‏.‏
ولهذا كان الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم فإنه يلزم من وجود الدليل وجود الحكم، واللازم لا يكون أخص من ملزومه، بل أعم منه أو مساويه، وهو المعنى بكونه أعم‏.‏
/والمدلول الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع إما أخص من الدليل أو مساويه، فيطلق عليه القول بأنه أخص منه لا يكون أعم من الدليل؛ إذ لو كان أعم منه، لم يكن الدليل لازمًا له، فلا يعلم ثبوت الحكم له، فلا يكون الدليل دليلا، وإنما يكون إذا كان لازمًا للمحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى الموضوع، والمبتدأ مستلزمًا للحكم الذي هو صفة وخبر وحكم، وهو الذي يسمى المحمول والخبر، وهذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه، وأخص من التحريم، وقد يكون الدليل مساويًا في العموم والخصوص للحكم لازمًا للمحكوم عليه‏.‏ فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك‏.‏
وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان‏.‏ ولهذا كانت أذهان بني آدم تستدل بالأدلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما في نفوسهم، وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم، وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم‏.‏ فالعلم بذلك الملزوم لابد أن يكون بينًا بنفسه أو بدليل آخر‏.‏
وأما قياس التمثيل، فهو انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين، لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي؛ لأن ذلك الحكم يلزم المشترك الكلي‏.‏ ثم العلم بذلك اللزوم لابد له من سبب؛ إذا لم يكن بينا كما تقدم، فهو يتصور المعينين أولا، وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما / وهو المشترك، ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم، ولابد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك، وهو الذي يسمى هناك قضية كبرى، ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين، فهذا هو هذا في الحقيقة، وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه، وإلا فالحقيقة التي بها صار دليلًا، وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة‏.‏
ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل‏:‏ السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسًا على الإنسان‏.‏ ثم يوردون على هذا القياس ما يختص به، فإنه لو قيل‏:‏ السماء مؤلفة وكل مؤلف محدث، لورد عليه هذه الأسئلة وزيادة، ولكن إذا أخذ قياس الشمول في مادة بينة، لم يكن فرق بينه وبين قياس التمثيل، فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته؛ ولهذا كان مطابقًا موافقًا له بل قد يكون التمثيل أبين‏.‏ ولهذا كان العقلاء يقيسون به وكذلك قولهم في الحد ‏:‏ إنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي يحصل به التمييز بين المحدود وغيره، بحيث يعرف به ما يلازم المحدود طردًا وعكسًا ـ بحيث يوجد حيث وجد وينتفي حيث انتفى ـ فإن الحد المميز للمحدود هو ما به يعرف الملازم المطابق طردًا وعكسا ،فكلما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره‏.‏ وهذا هو الحد عند جماهير النظار، ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد‏.‏ فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز، فأرى رغيفًا وقيل له هذا، فقد يفهم أن هذا لفظ يوجد / فيه كل ما هو خبز، سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته‏.‏
وقد بسط الكلام على ما ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك وجد هذا في الأمثلة المجردة؛ إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الأوسط هو الباء، فقيل‏:‏ كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم‏.‏ وإذا قيل‏:‏ كل ألف جيم قياسا على الدال؛ لأن الدال هي جيم وإنما كانت جيمًا؛ لأنها باء والألف أيضا باء، فيكون الألف جيمًا لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء، كان هذا صحيحًا في معنى الأول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف، مع أن الحد الأوسط وهو الباء موجود فيها‏.‏
فإن قيل‏:‏ ما ذكرتموه من كون البرهان لابد فيه من قضية كلية صحيح؛ ولهذا لا يثبتون به إلا مطلوبًا كليًا‏.‏
ويقولون‏:‏ البرهان لا يفيد إلا الكليات، ثم أشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل، وهي التي تكمل بها النفس فتصير عالما معقولا موازيًا للعالم الموجود بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير‏.‏
وإذا كان المطلـوب به هـو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير،/ فتلك إنما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها، بل إنما تكون في القضايا التي جهتها الوجوب، كما يقال‏:‏ كل إنسان حيوان، وكل موجود فإما واجب وإما ممكن، ونحو ذلك من الكلية التي لا تقبل التغيير‏.‏
ولهذا كانت العلوم ثلاثة‏:‏ إما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج، وهو ‏[‏الطبيعي‏]‏ وموضوعه الجسم، وإما مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج، وهو ‏[‏الرياضي‏]‏‏:‏ كالكلام في المقدار والعدد‏.‏ وأما ما يتجرد عن المادة منها، وهو ‏[‏الإلهي‏]‏ وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود، كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض‏.‏ وانقسام الجوهر إلى ما هو حال وإلى ما هو محل‏.‏ وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، وإلى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك‏.‏
فالأول‏:‏ هو الصورة‏.‏ والثاني‏:‏ هو المادة‏.‏ وهو الهيولى ومعناه في لغتهم المحل‏.‏ والثالث ‏:‏ هو النفس‏.‏ والرابع ‏:‏ هو العقل‏.‏
والأول يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر، ولكن طائفة من متأخريهم ــ كابن سينا ــ امتنعوا من تسميته جوهرًا، وقالوا‏:‏ الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع، أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه، وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته، والأول ليس كذلك، فلا يكون جوهرًا‏.‏ وهذا مما / خالفوا فيه سلفهم، ونازعوهم فيه نزاعًا لفظيًا، ولم يأتوا بفرق صحيح معقول، فإن تخصيص اسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي، وأولئك يقولون‏:‏ بل هو كل ما ليس في موضوع، كما يقول المتكلمون‏:‏ كل ما هو قائم بنفسه، أو كل ما هو متحيز، أو كل ما قامت به الصفات، أو كل ما حمل الأعراض ونحو ذلك‏.‏
وأما الفرق المعنوي، فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل، ودعواهم أن الأول وجود مقيد بالسلوب ـ أيضا ـ باطل، كما هو مبسوط في موضعه، والمقصود هنا الكلام على البرهان‏.‏
فيقال‏:‏ هذا الكلام، وإن ضل به طوائف، فهو كلام مزخرف وفيه من الباطل ما يطول وصفه، لكن ننبه هنا على بعض ما فيه، وذلك من وجوه‏:‏
الأول‏:‏ أن يقال‏:‏ إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات، والكليات إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا موجود معين، لم يعلم بالبرهان شيء من المعينات، فلا يعلم به موجود أصلا، بل إنما يعلم به أمور مقدرة في الأذهان‏.‏ ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلم فقط، وإن كانت هذه قضية كاذبة، كما بسط في موضعه، فليس هذا علمًا تكمل به النفس؛ إذ لم تعلم شيئًا من / الموجودات، ولا صارت عالما معقولًا موازيًا للعالم الموجود، بل صارت عالما لأمور كلية مقدرة لا يعلم بها شيء من العالم الموجود، وأي خير في هذا فضلا عن أن يكون كمالا‏.‏
والثاني‏:‏ أن يقال‏:‏ أشرف الموجودات هو ‏[‏واجب الوجود‏]‏، ووجوده معين لا كلي؛ فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، بل إنما علم أمر كلي مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود، وكذلك ‏[‏الجواهر العقلية‏]‏ عندهم، وهي العقول العشرة، أو أكثر من ذلك عند من يجعلها أكثر من ذلك عندهم، كالسهروردي المقتول، وأبي البركات وغيرهما‏.‏ كلها جواهر معينة، لا أمور كلية، فإذا لم نعلم إلا الكليات، لم نعلم شيئًا منها، وكذلك الأفلاك التي يقولون‏:‏ إنها أزلية أبدية، فإذا لم نعلم إلا الكليات، لم تكن معلومة، فلا نعلم واجب الوجود ولا العقول، ولا شيئًا من النفوس ولا الأفلاك ولا العناصر ولا المولدات، وهذه جملة الموجودات عندهم، فأي علم هنا تكمل به النفس‏؟‏
الثالث‏:‏ أن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي، وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي‏.‏ والإلهي أشرف من الرياضي، هو مما قلبوا به الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج، ومبدأ / حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورًا أو مثلثًا أو مربعًا ـ ولو تصور كل ما في إقليدس ـ أو لا يتصور إلا أعدادًا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج، وليس ذلك كمال النفس، ولولا أن ذلك طلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجة التي هي أجسام وأعراض لما جعل علمًا، وإنما جعلوا علم الهندسة مبدأ تعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة، أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا، هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية‏.‏
فإن علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل، والهندسة التي هي علم بالكم المتصل، علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة، مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ونسبة بعضها إلى بعض، فإنك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنهما مائتان‏.‏ فإذا قسمتها على عشرة كان لكل واحد عشرة وإذا ضربتها في عشرة، كان المرتفع مائة، والضرب مقابل للقسمة، فإن ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر، فإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد العددين خرج المضروب الآخر‏.‏وإذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم،فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب،فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه، والنسبة / تجمع هذه كلها، فنسبة أحد المضروبين إلى المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر، ونسبة المرتفع إلى أحد المضروبين نسبة الآخر إلى الواحد‏.‏
فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول مما يشترك فيه ذوو العقول، وما من أحد من الناس إلا يعرف منه شيئًا فإنه ضروري في العلم، ولهذا يمثلون به في قولهم‏:‏ الواحد نصف الاثنين، ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض البتة‏.‏
وهذا كان مبدأ فلسفتهم التي وضعها ‏[‏فيثاغورس‏]‏ وكانوا يسمون أصحابه أصحاب العدد، وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارجة عن الذهن، ثم تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك، وظنوا أن الماهيات المجردة كالإنسان والفرس المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية، ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ذلك، فقالوا‏:‏ بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود الأشخاص، ومشى من مشى من أتباع أرسطو من المتأخرين على هذا، وهو ـ أيضًا ـ غلط‏.‏ فإن ما في الخارج ليس بكلي أصلا، وليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص‏.‏ وإذا قيل‏:‏ الكلي الطبيعي في الخارج، فمعناه إنما هو كلي في الذهن يوجد في الخارج، لكن إذا وجد في الخارج لا يكون إلا معينًا، لا يكون كليًا، فكونه كليا مشروط بكونه في الذهن، ومن أثبت ماهية لا في الذهن / ولا في الخارج، فتصور قوله تصورًا تامًا يكفي في العلم بفساد قوله، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا أن هذا العلم هو الذي تقوم عليه براهين صادقة، لكن لا تكمل بذلك نفس، ولا تنجو به من عذاب، ولا تنال به سعادة؛ ولهذا قال أبوحامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء‏:‏ هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها وإن بعض الظن إثم‏.‏ يشيرون بالأول إلى العلوم الرياضية، وبالثاني إلى ما يقولونه في الإلهيات وفي أحكام النجوم ونحو ذلك؛ لكن قد تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك، فإن الإنسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه، وسماع ما لم يكن سمعه، إذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو أهم عنده منه، كما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التي هي من جنس اللهو واللعب‏.‏
وأيضًا، ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح، والقضايا الصحيحة الصادقة، والقياس المستقيم، فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك، وتعود النفس أنها تعلم الحق وتقوله، لنستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك، ولهذا يقال‏:‏ إنه كان أوائل الفلاسفة أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي، وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك؛ لأنه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل، ولم / يجد في ذلك ما هو حق، أخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي، كما كان يتحرى مثل ذلك من هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره‏.‏ وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك؛ لأن فيه تفريحًا للنفس، وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط‏.‏
وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض‏.‏ فإن حساب الفرائض علم معقول مبني على أصل مشروع، فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع، لكن ليس هو علمًا يطلب لذاته، ولا تكمل به النفس‏.‏
وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، ويدعونها بأنواع الدعوات‏.‏ كما هو معروف من أخبارهم، وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعة في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده‏.‏ وكان الشيطان ـ بسبب الشرك والسحر ـ يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر، وكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها، ومقادير حركاتها وما بين بعضها من الاتصالات، مستعينين بذلك على ما يرونه مناسبًا لها‏.‏
/ولما كانت الأفلاك مستديرة، ولم يمكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المستقيمة والمنحنية، تكلموا في ‏[‏الهندسة‏]‏ لذلك ولعمارة الدنيا؛ فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك، وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير، لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور، وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك، فإن لذات النفوس أنواع، ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار، حتى يشغله ذلك عما هو أنفع له منه‏.‏
وكان مبدأ وضع ‏[‏المنطق‏]‏ من الهندسة، وسموه حدودًا، لحدود تلك الأشكال؛ لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول؛ وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة‏.‏ والله ـ تعالى ـ يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان‏.‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏
وأما ‏[‏العلم الإلهي‏]‏ الذي هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج، فقد تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج، وإنما هو علم بأمور كلية مطلقة لا توجد كلية إلا في الذهن، وليس في هذا من كمال النفس شيء‏.‏ وإن عرفوا واجب الوجود بخصوصه، فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وهذا مما لا يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان، فبرهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه، لا واجب الوجود ولا غيره،/ وإنما يدل على أمر كلي‏.‏ والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه‏.‏ وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه‏.‏ ومن لم يتصور ما يمنع الشركة فيه لم يكن قد عرف الله، ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات ـ كما يزعمه ابن سينا وأمثاله، وظن أن ذلك كمال للرب، فكذلك يظنه كمالا للنفس بطريق الأولى، لا سيما إذا قال‏:‏ إن النفس لا تدرك إلا الكليات، وإنما يدرك الجزئيات البدن- فهذا في غاية الجهل، وهذه الكليات التي لا تعرف بها الجزئيات الموجودة، لا كمال فيها البتة، والنفس إنما تحب معرفة الكليات، لتحيط بها بمعرفة الجزئيات، فإذا لم يحصل ذلك لم تفرح النفس بذلك‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ أن يقال‏:‏ هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة، كما يزعمون، فما يذكرونه في العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه ليس كذلك؛ فإن تصور معني الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره، فليس هو المطلوب وإنما المطلوب أقسامه، ونفس أقسامه إلى واجب وممكن، وجوهر وعرض، وعلة ومعلول، وقديم وحادث‏:‏ هو أخص من مسمى الوجود، وليس في مجرد انقسام الأمر العام في الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام ما يقتضى علما كليا عظيما عاليا على تصور الوجود‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 اخطاء وسلوكيات مرفوضة في شهر رمضان
0 الكذب , اسباب الكذب . حكم الكذب
0 هدي النبي في رمضان
0 اشجان في وداع رمضان
0 ISLAM and the AIM of LIFE


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 11:27 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فإذا عرفت الأقسام فليس ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغيير والاستحالة، وليس معهم دليل أصلا يدلهم أن العالم لم يزل ولا يزال هكذا، وجميع / ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك، فإنما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه، لا قدم شيء معين ولا دوام شيء معين‏.‏ فالجزم أن مدلول تلك الأدلة هو هذا العالم أو شيء منه، جهل محض لا مستند له، إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم‏.‏
ولهذا لم يكن عند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، فهم لا يؤمنون لا بالله ولا بملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت‏.‏ وإذا قالوا‏:‏ نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن المحسوس، وذلك هو الغيب، فإن هذا وإن كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال، فإن ما يثبتونه من المعقولات، إنما يعود ـ عند التحقيق ـ إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا موجودة في الأعيان‏.‏
والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج وهو أكمل وأعظم وجودًا مما نشهده في الدنيا‏.‏ فأين هذا من هذا‏؟‏‏!‏ وهم لما كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل قالوا‏:‏ إن الرسل قصدوا إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم لينتفعوا بذلك في العدل الذي أقاموه لهم‏.‏
ثم منهم من يقول‏:‏ إن الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه الأمور‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ بل لم يكونوا يعرفون هذا، وإنما كان كمالهم في القوة العملية لا النظرية‏.‏
/وأقل أتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم، وجده مما لا يرضى به أقل أتباع الرسل‏.‏ وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا العالم يمتنع أن يكون شيء منه قديمًا أزليًا، وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالما آخر منه خلق، وأنه سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك، علم أن غاية ما عندهم من الأحكام الكلية ليست مطابقة بل هي جهل لا علم‏.‏
وهب أنهم لا يعلمون ما أخبرت به الرسل، فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الأنواع الكلية في هذا العالم، أزلية أبدية، لم تزل ولا تزال‏.‏ فلا يكون العلم بذلك علما بكليات ثابتة، وعامة ‏[‏فلسفتهم الأولى‏]‏ و ‏[‏حكمتهم العليا‏]‏ من هذا النمط، وكذلك من صنف على طريقتهم؛ كصاحب ‏[‏المباحث المشرقية‏]‏، وصاحب ‏[‏حكمة الإشراق‏]‏، وصاحب ‏[‏دقائق الحقائق‏]‏، و‏[‏رموز الكنوز‏]‏، وصاحب ‏[‏كشف الحقائق‏]‏، وصاحب ‏[‏الأسرار الخفية في العلوم العقلية‏]‏، وأمثال هؤلاء، ممن لم يجرد القول لنصر مذهبهم مطلقًا، ولا تخلص من إشراك ضلالهم مطلقًا، بل شاركهم في كثير من ضلالهم، وشاركهم في كثير من محالهم، وتخلص من بعض وبالهم، وإن كان ـ أيضا ـ لم ينصفهم في بعض ما أصابوا، وأخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم معرفته أن ما قالوا صواب‏.‏ ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا‏.‏
و‏[‏ابن سينا‏]‏ تكلم في أشياء من الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع، لم يتكلم فيها سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم، ولا بلغتها علومهم، فإنه استفادها من / المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية‏.‏ وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وأحسن ما يظهرون دين الرفض وهم في الباطن يبطنون الكفر المحض‏.‏ وقد صنف المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كتبا كبارًا وصغارًا، وجاهدوهم باللسان واليد؛ إذ كانوا بذلك أحق من اليهود والنصارى‏.‏ ولو لم يكن إلا كتاب ‏[‏كشف الأسرار وهتك الأستار‏]‏ للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب، وكتاب عبد الجبار بن أحمد، وكتاب أبي حامد الغزالي، وكلام أبي إسحاق، وكلام ابن فورك، والقاضي أبي يعلي، والشهرستاني، وغير هذا مما يطول وصفه‏.‏
والمقصود هنا أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة، وأنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك، فإنه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس، وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب إليهم، هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن، أعلم بالله من سلفه الفلاسفة؛ كأرسطو وأتباعه؛ فإن أولئك ليس عندهم من العلم باللّه إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه‏.‏
وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في ‏[‏علم ما بعد الطبيعة‏]‏ في ‏[‏مقالة اللام‏]‏ وغيرها، وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل، فإنه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم أجهل / من هؤلاء، ولا أبعد عن العلم بالله تعالى منهم‏.‏ نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها ذلك، وهم قد يقصدون الحق، لا يظهر عليهم العناد، لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ‏.‏
وابن سينا لما عرف شيئًا من دين المسلمين، وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه، ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات، بل وكلامه في بعض الطبيعيات، وكلامه في واجب الوجود، ونحو ذلك، وإلا فأرسطو وأتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود، ولا شيء من الأحكام التي لواجب الوجود، وإنما يذكرون ‏[‏العلة الأولى‏]‏ ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به‏.‏
فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح، حتى راجت على من يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار، وصار يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض، فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده، ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات، ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل، فصار ذلك سببًا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية، ومقاصد سامية قرآنية، خرجوا بها / عن حقيقة العلم والإيمان، وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، بل يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات‏.‏
والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم، كما زعموه، مع أنه قول باطل، فإن النفس لها قوتان‏:‏ قوة علمية نظرية، وقوة إرادية عملية، فلابد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته، وعبادته تجمع محبته والذل له، فلا تكمل نفس فقط إلا بعبادة الله وحده لا شريك له‏.‏
والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له، وبهذا بعث الله الرسل وأنزل الكتب الإلهية كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له‏.‏ وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل، مقصودها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية، فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم، ولذلك يرون هذا ساقطا عمن حصل المقصود، كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية ومن دخل في الإلحاد أو بعضه، وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم‏.‏
فالجهمية قالوا‏:‏ الإيمان مجرد معرفة الله‏.‏ وهذا القول ـ وإن كان خيرًا من قولهم ـ فإنه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله‏.‏ وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولواحقه، وهذا أمر / لو كان له حقيقة في الخارج، لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها سبحانه وتعالى‏.‏ فهؤلاء الجهمية من أعظم المبتدعة، بل جعلهم غير واحد خارجين عن الثنتين وسبعين فرقة، كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم‏.‏ وقد كفر غير واحد من الأئمة - كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما - من يقول هذا القول‏.‏ وقالوا‏:‏ هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود - الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم - مؤمنين‏.‏
فقول الجهمية خير من قول هؤلاء، فإن ما ذكروه هو أصل ما تكمل به النفوس، لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين إرادتها التي هي مبدأ القوة العملية، وجعلوا الكمال في نفس العلم، وإن لم يصدقه قول ولا عمل ولا اقترن به من الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من أصول الإيمان ولوازمه‏.‏ وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد‏.‏
والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط، وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب أصولهم الفاسدة‏.‏
واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض، لا يستلزم كونهم أشقياء في الآخرة إلا إذا بعث الله إليهم رسولا فلم يتبعوه، بل يعرف به أن من جاءته الرسل بالحق فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء، كان من الأشقياء في الآخرة ‏.‏/ والقوم لولا الأنبياء لكانوا أعقل من غيرهم، لكن الأنبياء جاؤوا بالحق وبقاياه في الأمم وإن كفروا ببعضه، حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا من دين إبراهيم، فكانوا خيرًا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو وأمثاله على أصولهم‏.‏
الوجه الخامس ‏:‏أنه إن كان المطلوب بقياسهم البرهاني معرفة الموجودات الممكنة، فتلك ليس فيها ما هو واجب البقاء على حال واحدة أزلًا وأبدًا، بل هي قابلة للتغير والاستحالة وما قدر أنه من اللازم لموصوفه، فنفس الموصوف ليس واجب البقاء، فلا يكون العلم به علمًا بموجود واجب الوجود، وليس لهم على أزلية شيء من العالم دليل صحيح، كما بسط في موضعه، وإنما غاية أدلتهم تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة‏.‏ وذلك ممكن بوجود عين بعد عين من ذلك النوع أبدًا، مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم، كما هو مقتضى العقل الصريح والنقل الصحيح، فإن القول بأن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلا وأبدا مما يقضي صريح العقل بامتناعه، أي شيء قدر فاعله، لاسيما إذا كان فاعلا باختياره، كما دلت عليه الدلائل اليقينية ـ ليست التي يذكرها المقصرون في معرفة أصول العلم والدين؛ كالرازي وأمثاله ـ كما بسط في موضعه‏.‏
وما يذكرون من اقتران المعلول بعلته، فإذا أريد بالعلة، ما يكون مبدعًا للمعلول، فهذا باطل بصريح العقل؛ولهذا تقر بذلك جميع الفطر السليمة التي / لم تفسد بالتقليد الباطل‏.‏ ولما كان هذا مستقرًا في الفطر، كان نفس الإقرار بأنه خالق كل شيء موجبا لأن يكون كل ما سواه محدثًا مسبوقًا بالعدم، وإن قدر دوام الخالقية المخلوق بعد مخلوق، فهذا لا ينافى أن يكون خالقًا لكل شيء، وما سواه محدث مسبوق بالعدم ليس معه شيء سواه قديم بقدمه، بل ذلك أعظم في الكمال والجود والأفضال‏.‏
وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك ــ كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليد، وحصول الشعاع عن الشمس ــ فليس هذا من باب الفاعل في شيء، بل هو من باب المشروط، والشرط قد يقارن المشروط، وأما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين، وإن لم يمتنع أن يكون فاعلا لشيء بعد شيء، فقدم نوع الفعل كقدم نوع الحركة، وذلك لا ينافى حدوث كل جزء من أجزائها، بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه‏.‏ وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو وأتباعه، فإنهم وإن قالوا بقدم العالم، فهم لم يثبتوا له مبدعًا، ولا علة فاعلية، بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، لأن حركة الفلك إرادية‏.‏
وهذا القول، وهو أن الأول ليس مبدعًا للعالم، وإنما هو علة غائية للتشبه به، وإن كان في غاية الجهل والكفر، فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن الممكن المعلول لا يكون قديمًا بقدم علته، كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه؛ ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة / أرسطو وسائر العقلاء في ذلك، وبينوا أن ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه وجماهير العقلاء، وكان قصده أن يركب مذهبًا من مذاهب المتكلمين ومذهب سلفه فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب، مع كونه أزليًا قديمًا بقدمه‏.‏ واتبعه على إمكان ذلك أتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي والرازي والآمدي والطوسي وغيرهم‏.‏
وزعم الرازي فيما ذكره في محصله أن القول بكون المفعول المعلول يكون قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة المتقدمون الذين نقلت إلينا أقوالهم؛ كأرسطو وأمثاله‏.‏ وإنما قاله ابن سينا وأمثاله‏.‏ والمتكلمون إذ قالوا بقدم ما يقوم بالقديم من الصفات ونحوها، فلا يقولون‏:‏ إنها مفعولة ولا معلولة لعلة فاعلة، بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم، فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب قديمًا إلا بصفاته اللازمة له، كما قد بسط في موضعه‏.‏ ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن فاعله‏.‏
وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع أن يكون الممكن لم يزل واجبًا، سواء قيل‏:‏إنه واجب بنفسه أو بغيره‏.‏ ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديمًا واجبًا بغيره أزليا أبديًا ـ كما يقولونه في الفلك هو الذي فتح عليهم في ‏[‏الإمكان‏]‏ ـ من الأسئلة القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه، كما بسط في موضعه‏.‏ فإن هذا ليس موضع / تقرير هذا، ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي لا يفيد أمورًا كلية واجبة البقاء في الممكنات‏.‏وأما واجب الوجود ـ تبارك وتعالى ـ فالقياس لا يدل على ما يختص به، وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره، إذ كان مدلول القياس الشمولي عندهم ليس إلا أمورًا كلية مشتركة، وتلك لا تختص بواجب الوجود ـ رب العالمين سبحانه وتعالى ـ فلم يعرفوا ببرهانهم شيئًا من الأمور التي يجب دوامها، لا من الواجب ولا من الممكنات‏.‏
وإذا كانت النفس إنما تكمل بالعلم الذي يبقى ببقاء معلومه، لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم، فضلا عن أن يقال‏:‏ إن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم، ولهذا كانت طريقة الأنبياء ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ الاستدلال على الرب ـ تعالى ـ بذكر آياته‏.‏
وإن استعملوا في ذلك ‏[‏القياس‏]‏، استعملوا قياس الأولى، لم يستعملوا قياس شمول تستوى أفراده، ولا قياس تمثيل محض، فإن الرب ـ تعالى ـ لا مثيل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوى أفراده، بل ما ثبت لغيره من كمال لا نقص فيه، فثبوته له بطريق الأولي‏.‏ وما تنزه غيره عنه من النقائص، فتنزهه عنه بطريق الأولى؛ ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة / في القرآن من هذا الباب، كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد، وغير ذلك من المطالب العالية السنية، والمعالم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف، وإن كان كمالها لابد فيه من كمال علمها وقصدها جميعًا، فلابد من عبادة الله وحده، المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له‏.‏
وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القرآن ‏.‏
والفرق بين الآيات وبين القياس‏:‏ أن ‏[‏الآية‏]‏ هي العلامة، وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول، لا يكون مدلوله أمرًا كليًا مشتركًا بين المطلوب وغيره، بل نفس العلم به يوجب العلـم بعين المدلول، كمـا أن الشمس آية النهار، قال الله تعــالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏12‏]‏، فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار، وكذلك نبوة محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ العلم بنبوته بعينه لا يوجب أمرًا مشتركًا بينه وبين غيره‏.‏
وكذلك آيات الرب ـ تعالى ـ نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى، لا يوجب علمًا كليا مشتركًا بينه وبين غيره، والعلم بكون هذا مستلزمًا لهذا هو جهة الدليل، فكل دليل في الوجود لابد أن يكون مستلزمًا للمدلول، والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين / من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة، والقضايا الكلية هذا شأنها‏.‏
فإن القضايا الكلية إن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل وإلا لم تعلم إلا بالتمثيل، فلابد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الأوسط، فإذا كان كليا فلابد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي المطلوب يلزم كل فرد من أفراد الدليل، كما إذا قيل‏:‏ كل أ‏:‏ ب، وكل ب‏:‏ ج، فكل ج ‏:‏أ، فلابد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل فرد من أفراد الألف‏.‏ ومعلوم أن العلم بلزوم الجيم المعين للباء المعين، والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا‏.‏ وإذا قيل‏:‏ تلك القضية الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل‏.‏ قيل‏:‏ حصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب‏.‏ ومعلوم أن كل ما سوى الله من الممكنات فإنه مستلزم لذات الرب تعالى‏.‏ يمتنع وجوده بدون وجود ذات الرب تعالى، وتقدس، وإن كان مستلزمًا ـ أيضًا ـ لأمور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه يلزم من وجوده وجود لوازمه‏.‏
وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين، أعني يلزمه ما يخصه من ذلك الكلي العام، والكلي المشترك يلزمه بشرط وجوده، ووجود العالم الذي يتصور القدر المشترك وهوـ سبحانه ـ يعلم الأمور على ما هي عليه، فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها، ويعلم الكليات أنها كليات، فيلزم من وجود الخاص وجود العام المطلق، كما يلزم من وجود هذا الإنسان وجود الإنسانية والحيوانية، فكل ما / سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها، يمتنع وجود شيء سواه بدون وجود نفسه المقدسة، فإن الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان‏.‏ فضلا عن أن يكون خالقًا لها مبدعًا‏.‏
ثم يلزم من وجود المعين وجود المطلق المطابق، فإذا تحقق الموجود الواجب، تحقق الوجود المطلق المطابق، وإذا تحقق الفاعل لكل شيء، تحقق الفاعل المطلق المطابق، وإذا تحقق القديم الأزلي، تحقق القديم المطلق المطابق، وإذا تحقق الغني عن كل شيء، تحقق الغني المطلق المطابق، وإذا تحقق رب كل شيء تحقق الرب المطابق، كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا الإنسان وهذا الحيوان تحقق الإنسان المطلق المطابق، والحيوان المطلق المطابق، لكن المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان مطلق لم يكن عالما بنفس العين‏.‏
كذلك إذا علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقًا وغنيا مطلقا، لم يكن عالما بنفس رب العالمين وما يختص به عن غيره، وذلك هو مدلول آياته تعالى‏.‏ فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها‏.‏ وكل ما سواه دليل على عينه وآية له، فإنه ملزوم لعينه وكل ملزوم فإنه دليل على ملزوم، ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه، فكلها لازمة لنفسه دليل عليه آية له، ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلي الذي لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ببرهانهم ما يختص بالرب تعالى‏.‏
/ وأما ‏[‏ قياس الأولى ‏]‏ الذي كان يسلكه السلف اتباعًا للقرآن، فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتًا لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق، بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق، كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره‏.‏
فكان ‏[‏قياس الأولى‏]‏ يفيده أمرًا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر، ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك، ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل أفراده، بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج‏.‏ فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن، وهو في الواجب أكمل وأفضل من فضل هذا البياض على هذا البياض، لكن هذا التفاضل في الأسماء المشككة لا يمنع أن يكون أصل المعنى مشتركًا كليًا فلابد في الأسماء المشككة من معنى كلي مشترك وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن‏.‏
وذلك هو مورد ‏[‏التقسيم‏]‏؛ تقسيم الكلي إلى جزئياته إذا قيل‏:‏ الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، فإن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام، ثم كون / وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى كليًا مشتركًا بينهما، وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق، كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير، وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه، وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته‏.‏
والناس تنازعوا في هذا الباب‏.‏ فقالت طائقة ـ كأبي العباس الناشى من شيوخ المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي علي ـ‏:‏ هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق‏.‏ وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة بالعكس‏:‏هي مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق‏.‏ وقال جماهير الطوائف‏:‏ هي حقيقة فيهما‏.‏ وهذا قول طوائف النظار من المعتزلة الأشعرية والكرَّامية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وهو قول الفلاسفة؛ لكن كثيرًا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بأنها حقيقة كاسم الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك، وينازع في بعضها لشبه نفاة الجميع‏.‏ والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته؛ ولكن هو لقصوره فرق بين المتماثلين، ونفى الجميع يمنع أن يكون موجودًا، وقد علم أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم وحادث، وغني وفقير، ومفعول وغير مفعول، وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب، ووجود المحدث يستلزم وجود القديم، ووجود الفقير يستلزم وجود الغني، ووجود المفعول يستلزم وجود / غير المفعول‏.‏ وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك، والواجب يختص بما يتميز به، فكذلك القول في الجميع‏.‏
والأسماء المشككة هي متواطئة باعتبار القدر المشترك، ولهذا كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم، بل لفظ المتواطئة يتناول ذلك كله، فالمشككة قسم من المتواطئة العامة، وقسيم المتواطئة الخاصة‏.‏ وإذا كان كذلك فلابد من إثبات قدر مشترك كلي، وهو مسمى المتواطئة العامة، وذلك لا يكون مطلقًا إلا في الذهن، وهذا مدلول قياسهم البرهاني‏.‏ ولابد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة الخاصة، وذلك هو مدلول الأقيسة البرهانية القرآنية وهي قياس الأولى، ولابد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه، وذلك مدلول آياته ـ سبحانه ـ التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه، لا يدل على هذه قياس لا برهاني ولا غير برهاني ‏.‏
فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها، فضلا عن أن يقال‏:‏ لا تعلم المطالب إلا به، وهذا باب واسع، لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان قضيتهم السالبة، وهي قولهم ‏:‏إن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة برهانهم‏.‏
/ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا؛ وقصروا العلوم على طريق ضيقة لا تحصل إلا مطلوبًا لا طائل فيه حتى زعموا أن علم الله ـ تعالى ـ وعلم أنبيائه وأوليائه، إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الأوسط، كما يذكر ذلك ابن سينا وأتباعه، وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم أنبيائه من سلفهم الذين هم من أجهل الناس برب العالمين وأنبيائه وكتبه‏.‏ فابن سينا لما تميز عن أولئك، بمزيد علم وعقل، سلك طريقهم المنطقي في تقرير ذلك‏.‏ وصار سالكو هذه الطريق، وإن كانوا أعلم من سلفهم وأكمل، فهم أضل من اليهود والنصارى وأجهل؛ إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان بواجب الوجود وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال، وهم من أتباع فرعون وأمثاله؛ ولهذا تجدهم لموسي ومن معه من أهل الملل والشرائع متنقصين أو معادين‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏56‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏35‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏83-85‏[‏‏.‏
/وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمروذ بن كنعان وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال، ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل الله ـ صلوات الله عليهم ـ في مواضع‏.‏
وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين أهل الجنة، وآل فرعون أئمة لأهل النار، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ
وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ ‏}‏ إلى قوله‏:‏
‏{‏قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏39-49‏]‏، وقال في آل إبراهيم‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏24‏]‏‏.‏
والمقصود أن متأخريهم ـ الذين هم أعلم منهم ـ جعلوا علم الرب يحصل بواسطة القياس البرهاني، وكذلك علم أنبيائه‏.‏ وقد بسطنا الكلام في الرد عليهم في غير هذا الموضوع‏.‏
والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم‏:‏ إنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان الذي وصفوه، وإذا كان هذا السلب باطلا في علم آحاد الناس، كان بطلانه / أولى في علم رب العالمين سبحانه وتعالى، ثم ملائكته وأنبيائه، صلوات الله عليهم أجمعين‏.







من مواضيع : الغريب 0 شعر عن غربتي
0 فتاوى ابن تيمية _ الجزء العاشر
0 الفوائد العشرة لغض البصر
0 العين , عين الانسان , امراض العيون , الرمد ,
0 ليلة القدر, تدبرات قرأنية


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 11:27 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فصــل
وأيضًا، فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل، قالوا‏:‏ لأن الاستدلال إما أن يكون بالكلي على الجزئي؛ أو بالجزئي على الكلي، أو بأحد الجزئيين على الآخر، وربما عبروا عن ذلك بالخاص والعام‏.‏ فقالوا‏:‏ إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد الخاصين على الآخر‏.‏
قالوا‏:‏ والأول هو ‏[‏القياس‏]‏، يعنون به قياس الشمول؛ فإنهم يخصونه باسم القياس، وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل‏.‏ وأما جمهور العقلاء، فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا، قالوا‏:‏ والاستدلال بالجزئيات على الكلى هو الاستقراء، فإن كان تامًا فهو الاستقراء التام، وهو يفيد اليقين، وإن كان ناقصًا لم يفد اليقين‏.‏ فالأول‏:‏ هو استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما وجد في جزئياته‏.‏ والثاني‏:‏ استقراء أكثرها، وذلك كقول القائل‏:‏ الحيوان إذا أكل حرك فكه الأسفل، لأنا استقريناها فوجدناها هكذا، فيقال له‏:‏ التمساح يحرك الأعلى‏.‏
/ثم قالوا‏:‏ إن القياس ينقسم إلى اقتراني واستثنائي، فالاستثنائي‏:‏ ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل، والاقتراني‏:‏ ما تكون فيه بالقوة، كالمؤلف من القضايا الحملية، كقولنا‏:‏ كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، والاستثنائي‏:‏ ما يؤلف من الشرطيات، وهو نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ متصلة، كقولنا‏:‏ إن كانت الصلاة صحيحة، فالمصلي متطهر، واستثناء عين المقدم، ينتج عين التالي، واستثناء نقيض التالي، ينتج نقيض المقدم‏.‏
والثاني‏:‏ المنفصلة وهي‏:‏ إما مانعة الجمع والخلو، كقولنا‏:‏ العدد إما زوج وإما فرد، فإن هذين لا يجتمعان، ولا يخلو العدد عن أحدهما، وإما مانعة الجمع فقط، كقولنا‏:‏ هذا إما أسود وإما أبيض، أي‏:‏ لا يجتمع السواد والبياض‏.‏ وقد يخلو المحل عنهما، وأما مانعة الخلو، فهي التي يمتنع فيها عدم الجزأين جميعًا ولا يمتنع اجتماعهما، وقد يقولون‏:‏ مانعة الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية، وهي مطابقة للنقيضين في العموم والخصوص، ومانعة الجمع، هي أخص من النقيضين، فإن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما أخص من النقيضين‏.‏ وأما مانعة الخلو فإنها أعم من النقيضين، وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك، بخلاف النوعين الأولين؛ فإن أمثالهما كثيرة‏.‏
ويمثلونه بقول القائل‏:‏ هذا ركب البحر أو لا يغرق فيه، أي‏:‏ لا يخلو / منهما، فإنه لا يغرق إلا إذا كان في البحر، فإما ألا يغرق فيه وحينئذ لا يكون راكبه، وإما أن يكون راكبه، وقد يجتمع أن يركب ويغرق‏.‏ والأمثال كثيرة، كقولنا‏:‏ هذا حي، أو ليس بعالم، أو قادر أو سميع أو بصير أو متكلم، فإنه إن وجدت الحياة، فهو أحد القسمين، وإن عدمت عدمت هذه الصفات‏.‏ وقد يكون حيا من لا يوصف بذلك، فكذلك إذا قيل‏:‏ هذا متطهر، أو ليس بمصلٍ، فإنه إن عدمت الصلاة عدمت الطهارة، وإن وجدت الطهارة فهو القسم الآخر، فلا يخلو الأمر منهما‏.‏
وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه، فإنه إذا ردد الأمر بين وجود المشروط وعدم الشرط، كان ذلك مانعًا من الخلو، فإنه لا يخلو الأمر من وجود الشرط وعدمه، وإذا عدم عدم الشرط، فصار الأمر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط‏.‏
ثم قسموا الاقتراني إلى الأشكال الأربعة ـ لكون الحد الأوسط إما محمولًا في الكبرى موضوعًا في الصغرى ـ وهو الشكل الطبيعي، وهو ينتج المطالب الأربعة‏:‏الجزئي، والكلي، والإيجابي، والسلبي‏.‏ وإما أن يكون الأوسط محمولا فيهما، وهو الثاني ولا ينتج إلا السلب، وإما أن يكون موضوعًا فيهما ولا ينتج إلا الجزئيات، والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلي، لكنه بعيد عن الطبع، ثم إذا أرادوا بيان الإنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب، احتاجوا إلى الاستدلال بالنقيض والعكس وعكس النقيض، فإنه يلزم من صدق / القضية كذب نقيضها، وصدق عكسها المستوى، وعكس نقيضها، فإذا صدق قولنا‏:‏ ليس أحد من الحجاج بكافر، صح قولنا‏:‏ ليس أحد من الكفار بحاج‏.‏
فنقول‏:‏ هذا الذي قالوه، إما أن يكون باطلا، وإما أن يكون تطويلا يبعد الطريق على المستدل، فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق، أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق، مع إمكان وصوله بطريق قريب، كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له‏:‏ أين أذنك‏؟‏ فرفع يده رفعًا شديدًا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى، وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم‏.‏ وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله‏:‏‏{‏إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏9‏]‏، فأقوم الطريق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله، وأما طريق هؤلاء فهي ـ مع ضلالهم في البعض، واعوجاج طريقهم، وطولها في البعض الآخر ـ إنما توصلهم إلى أمر لا ينجي من عذاب الله، فضلا عن أن يوجب لهم السعادة، فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم‏.‏
بيان ذلك‏:‏ أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل حصر لا دليل عليه، بل هو باطل‏.‏ فقولهم أيضًا‏:‏ إن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص، قول لا دليل عليه، بل هو باطل، واستدلالهم على الحصر بقولهم‏:‏ إما أن يستدل بالكلي على الجزئي، أو بالجزئي على الكلي، / أو بأحد الجزأين على الآخر، والأول هو القياس، والثاني هو الاستقراء، والثالث هو التمثيل ‏.‏
فيقال‏:‏ لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في الثلاثة، فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئي على جزئي، قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصرًا، وقد بقى الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي علي الجزئي الملازم له بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه، فإن هذا ليس مما سميتموه قياسًا ولا استقراء ولا تمثيلا، وهذه هي الآيات‏.‏
وهذا كالاستدلال بطلوع الشمس على النهار، وبالنهار على طلوع الشمس، فليس هذا استدلالًا بكلى على جزئي، بل الاستدلال بطلوع معين على نهار معين استدلال بجزئي على جزئي، وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلال بكلي على كلي، وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلال بجزئي على جزئي، كالاستدلال بالجدي وبنات نعش‏(‏1‏)‏ والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب، وكذلك بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض، والاستدلال بطلوعه على غروب آخر، وتوسط آخر، ونحو ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏16‏]‏‏.‏
/والاستدلال على المواقيت والأمكنة بالأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة، فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقًا ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب، كان استدلالًا بجزئي على جزئي لتلازمهما، وليس ذلك من قياس التمثيل‏.‏ فإن قضى به قضاء كليًا كان استدلالًا بكلى علي كلي، وليس استدلالا بكلي على جزئي، بل بأحد الكليين المتلازمين على الآخر، ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها عن بعض، وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر، استدل بما رآه منها على ما مضى من الليل، وما بقى منه، وهو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر‏.‏ ومن علم الجبال والأنهار والرياح، استدل بها على ما يلازمها من الأمكنة‏.‏
ثم اللزوم إن كان دائما لا يعرف له ابتداء، بل هو منذ خلق الله الأرض، كوجود الجبال والأنهار العظيمة‏:‏ النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان، والبحر، كان الاستدلال مطردًا‏.‏
وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة، شرفها الله تعالى، فإن الخليل بناها، ولم تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط، استدل بها بحسب ذلك، فيستدل بها وعليها؛ فإن أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربع‏:‏ الحجر الأسود يقابل المشرق، والغربي ـ الذي يقابله ويقال له‏:‏ الشامي ـ يقابل المغرب، واليماني يقابل الجنوب، وما يقابله يقال له‏:‏ العراقي ـ إذا قيل / للذي يليه من ناحية الحجر الشامي، وإن قيل لذاك ‏:‏الشامي قيل لهذا‏:‏ العراقي، فهذا الشامي العراقي يقابل الشمال، وهو يقابل القطب، وحينئذ فيستدل بها على الجهات، ويستدل بالجهات عليها‏.‏
وما كان مدته أقصر من مدة الكعبة ـ كالأبنية التي في الأمصار والأشجار ـ كان الاستدلال بها بحسب ذلك‏.‏ فيقال‏:‏ علامة الدار الفلانية أن على بابها شجرة من صفتها كذا وكذا، وهما متلازمان مدة من الزمان، فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، وكلاهما معين جزئي، وليس هو من قياس التمثيل‏.‏
ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم، فقالوا‏:‏ الدليل هو المرشد إلى المطلوب، وهو الموصل إلى المقصود، وهو ما يكون العلم به مستلزمًا للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم، أو إلى اعتقاد راجح، ولهم نزاع اصطلاحي‏:‏ هل يسمى هذا الثاني دليلا، أو يخص باسم الأمارة ‏؟‏ والجمهور يسمون الجميع دليلا، ومن أهل الكلام من لا يسمى بالدليل إلا الأول‏.‏
ثم الضابط في الدليل أن يكون مستلزمًا للمدلول، فكلما كان مستلزمًا لغيره أمكن أن يستدل به عليه ، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، فيستدل المستدل بما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه‏.‏ ثم إن كان اللزوم قطعيًا، كان الدليل قطعيًا، وإن كان ظاهرًا / ـ وقد يتخلف ـ كان الدليل ظنيًا‏.‏
فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها ـ سبحانه وتعالى ـ وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته، فإن وجودها مستلزم لوجود ذلك، ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا توجد الأدلة على ذلك، ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما أخبر به عن الله؛ فإنه لا يقول عليه إلا الحق إذ كان معصومًا في خبره عن الله لا يستقر في خبره عنه خطأ البتة‏.‏ فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزومًا واجبًا لا ينفك عنه بحال، وسواء كان الملزوم المستدل به وجودًا أو عدما، فقد يكون الدليل وجودًا وعدما، ويستدل بكل منهما على وجود وعدم، فإنه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده، ويستدل بانتفاء نقيضه على ثبوته، ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم، وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، بل كل دليل يستدل به، فإنه ملزوم لمدلوله، وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه، فإن ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم، وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، سواء عبر عن هذا بصيغة الشرط أو بصيغة الجزم، فاختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه، لا يغير حقيقته، والكلام إنما هو في المعاني العقلية لا في الألفاظ‏.‏
فإذا قال القائل‏:‏ إذا كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، وإن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وإن كان الفاعل عالمًا قادرًا فهو حي ونحو ذلك‏.‏/ فهذا معنى قوله‏:‏ صحة الصلاة تستلزم صحة الطهارة، وقوله‏:‏ يلزم من صحة الصلاة ثبوت الطهارة، وقوله‏:‏ لا يكون مصليا إلا مع الطهارة‏.‏ وقوله‏:‏ الطهارة شرط في صحة الصلاة، وإذا عدم الشرط عدم المشروط‏.‏ وقوله‏:‏ كل مصل متطهر، فمن ليس بمتطهر فليس بمصل، وأمثال ذلك من أنواع التأليف للألفاظ والمعاني التي تتضمن هذا الاستدلال من حصر الناس في عبارة واحدة‏.‏
وإذا اتسعت العقول وتصوراتها، اتسعت عباراتها‏.‏ وإذا ضاقت العقول والعبارات والتصورات، بقي صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان، كما يصيب أهل المنطق اليوناني‏:‏ تجدهم من أضيق الناس علمًا وبيانًا وأعجزهم تصورًا وتعبيرًا؛ ولهذا من كان ذكيا، إذا تصرف في العلوم، وسلك مسلك أهل المنطق، طول وضيق وتكلف وتعسف، وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي، وقد يوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم‏.‏
وكذلك تكلفاتهم في حدودهم، مثل حدهم للإنسان وللشمس بأنها كوكب يطلع نهارًا، وهل من يجد الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من أجهل الناس، وهل عند الناس شيء أظهر من الشمس، ومن لم يعرف الشمس فإما أن يجهل اللفظ فيترجم له، وليس هذا من الحد الذي ذكروه، وإما ألا يكون رآها لعماه فهذا لا يري النهار ولا الكواكب بطريق الأولى، / مع أنه لابد أن يسمع من الناس ما يعرف ذلك بدون طريقهم‏.‏ وهم معترفون بأن الشكل الأول من الحمليات يغني عن جميع صور القياس، وتصويره فطري لا يحتاج إلى تعلمه منهم، مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى تصوره على الوجه الذي يزعمونه‏.
فصـــل
وأما قولهم‏:‏ الاستدلال لابد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان، فهذا قول باطل طردًا وعكسا، وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس، فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه بما سوى ذلك، كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى استدلال، بل قد يعلمه بالضرورة ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين، ومنهم من يحتاج إلى ثلاث، ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر، فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم، فإن كان يعرف أن كل مسكر محرم، ولكن لا يعرف هل هذا المسكر المعين يسكر أم لا، لم يحتج إلا إلى مقدمة واحدة، وهو أن يعلم أن هذا مسكر، فإذا قيل له‏:‏ هذا حرام، فقال‏:‏ ما الدليل عليه‏؟‏ فقال المستدل‏:‏ الدليل على ذلك أنه مسكر، تم المطلوب‏.‏
وكذلك لو تنازع اثنان في بعض أنواع الأشربة‏:‏ هل هو مسكر أم لا‏؟‏ / كما يسأل الناس كثيرًا عن بعض الأشربة ولا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر أو لا تسكر، ولكن قد علم أن كل مسكر حرام، فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو بغير ذلك من الأدلة أنه مسكر علم تحريمه، وكذلك سائر ما يقع الشك في اندراجه تحت قضية كلية من الأنواع والأعيان، مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس في النرد والشطرنج‏:‏ هل هما من الميسر أم لا‏؟‏ وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه، هل هو من الخمر أم لا‏؟‏ وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق، هل هو داخل في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏2‏]‏ أم لا‏؟‏ وتنازعهم في قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏237‏]‏ هل هو الزوج أو الولي المستقل‏؟‏ وأمثال ذلك‏.‏
وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين، لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع فيه محرم، ولم يعلم أن هذا المعين مسكر، فهو لا يعلم أنه محرم، حتى يعلم أنه مسكر، ويعلم أن كل مسكر حرام‏.‏ وقد يعلم أن هذا مسكر، ويعلم أن كل مسكر خمر، لكن لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك، أو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏ أو يعلم أن هذا خمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر، لكن لم يعلم أن محمدًا رسول الله، أو لم يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين، بل ظن أنه أباحها لبعض الناس، فظن أنه منهم، كمن ظن أنه أباح شربها للتداوي أو غير ذلك‏.‏ فهذا لا يكفيه في العلم / بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريمًا عامًا، إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر، وأنه رسول الله حقًا، فما حرمه حرمه الله، وأنه حرمه تحريمًا عامًا لم يبحه للتداوي أو للتلذذ‏.‏
ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل، أنهم قالوا في حد القياس الذي يشمل البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والسوفسطائي‏:‏ إنه قول مؤلف من أقوال، أو عبارة عما ألف من أقوال، إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، قالوا‏:‏ واحترزنا بقولنا‏:‏ من أقوال، عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها صدق عكسها وعكس نقيضها، وكذب نقيضها وليست قياسًا‏.‏ قالوا‏:‏ ولم نقل‏:‏ مؤلف من مقدمات؛ لأنا لا يمكننا تعريف المقدمة ـ من حيث هي مقدمة ـ إلا بكونها جزء القياس‏.‏ فلو أخذناها في حد القياس كان دورًا، والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها مقدمة، وإن كانت مستفادة بالقياس سموها نتيجة، وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية، وتسمى ـ أيضًا ـ قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة، وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة، بل أعم منه، فإن المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة إسمية والقضية تكون جملة إسمية وفعلية، كما لو قيل‏:‏ قد كذب زيد، ومن كذب استحق التعزير ‏.‏
والمقصود هنا أنهم أرادوا بالقول ـ في قولهم‏:‏ القياس قول مؤلف من أقوال ـ القضية التي هي جملة تامة خبرية، لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو / الحد، فإن القياس مشتمل على ثلاثة حدود‏:‏ أصغر وأوسط وأكبر، كما إذا قيل‏:‏ النبيذ المتنازع فيه مسكر، وكل مسكر حرام، فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد، وهي الحدود في القياس‏.‏ فليس مرادهم بالقول هذا، بل مرادهم‏:‏ أن كل قضية قول، كما فسروا مرادهم بذلك‏.‏
ولهذا قالوا‏:‏ القياس قول مؤلف من أقوال، إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر‏.‏ واللازم إنما هي النتيجة، وهي قضية وخبر وجملة تامة وليست مفردًا‏.‏ ولذلك قالوا‏:‏ القياس قول مؤلف؛ فسموا مجموع القضيتين قولا، وإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفًا من أقوال ـ وهي القضايا ـ لم يجب أن يراد بذلك قولان فقط؛ لأن لفظ الجميع إما أن يكون متناولا للاثنين فصاعدا كقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏11‏]‏، وإما أن يراد به الثلاثة فصاعدًا، وهو الأصل عند الجمهور‏.‏ ولكن قد يراد به جنس العدد، فيتناول الاثنين فصاعدا ، ولا يكون الجمع مختصًا باثنين‏.‏
فإذا قالوا‏:‏ هو مؤلف من أقوال، إن أرادوا جنس العدد كان هذا المعنى من اثنين فصاعدًا، فيجوز أن يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات وأربع مقدمات، فلا يختص بالاثنين، وإن أرادوا الجمع الحقيقي، لم يكن مؤلفًا إلا من ثلاث فصاعدًا، وهم قطعًا ما أرادوا هذا، لم يبق إلا الأول‏.‏
فإذا قيل‏:‏ هم يلتزمون ذلك‏.‏ ويقولون‏:‏ نحن نقول‏:‏ أقل ما يكون القياس / من مقدمتين، وقد يكون من مقدمات‏.‏
فيقال‏:‏ ولا هذا خلاف ما في كتبكم، فإنكم لا تلتزمون إلا مقدمتين فقط‏.‏ وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب، سواء كان اقترانيًا أو استثنائيًا، لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما، وعللوا ذلك بأن المطلوب المتحد لا يزيد على جزأين مبتدأ وخبر‏.‏
فإن كان القياس اقترانيًا، فكل واحد من جزأي المطلوب لابد وأن يناسب مقدمة منه‏.‏ أي يكون فيها إما مبتدأ وإما خبرًا، ولا يكون هو نفس المقدمة ‏.‏
قالوا‏:‏ وليس للمطلوب أكثر من جزأين‏.‏ فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين‏.‏ وإن كان القياس استثنائيًا فلابد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة لكل المطلوب أو نقيضه، فلابد من مقدمة استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة‏.‏
قالوا‏:‏ لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي القياس، إما غير متعلق بالقياس أو متعلق به، والمتعلق بالقياس إما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان المقدمتين أو إحداهما، ويسمون هذا القياس المركب‏.‏
قالوا‏:‏ وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد، إلا أن القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحدًا، والباقي / لبيان مقدمات القياس، قالوا‏:‏ ربما حذفوا بعض مقدمات القياس إما تعويلًا على فهم الذهن لها أو لترويج المغلطة؛ حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها‏.‏
قالوا‏:‏ ثم إن كانت الأقيسة لبيان المقدمات، قد صرح فيها بنتائجها، فيسمى القياس مفصولًا وإلا فموصول، ومثلوا الموصول بقول القائل‏:‏ كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، وكل جسم جوهر، فكل إنسان جوهر‏.‏ والمفصول بقولهم‏:‏ كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان جسم‏.‏ ثم يقول‏:‏ كل حيوان جسم، وكل جسم جوهر، فكل إنسان حيوان، فيلزم منهما أن كل إنسان جوهر‏.‏
فيقال لهم‏:‏ أما المطلوب الذي لا يزيد على جزأين فذاك في المنطوق به‏.‏ والمطلوب في العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان، وهو ثبوت النسبة الحكمية أو انتفاؤها‏.‏ وإن شئت قلت‏:‏ اتصاف الموصوف بالصفة نفيًا أو إثباتًا، وإن شئت قلت‏:‏ نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيًا وإثباتًا، وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود بالقضية‏.‏ فإذا كانت النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام، أو الإنسان حساس أو ليس بحساس ونحو ذلك، فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه، وكذلك ثبوت الحس للإنسان أو انتفاؤه‏.‏ والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك / المطلوب حصل بها المقصود‏.‏ وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب، وكذلك قولنا الإنسان حيوان‏.‏
فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام، ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه، هل يسمى في لغة الشارع خمرًا ‏؟‏ فقيل‏:‏ النبيد حرام؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ كل مسكر خمر‏)‏ كانت القضية وهي قولنا‏:‏ قد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن كل مسكر خمر‏)‏‏:‏ يفيد تحريم النبيذ؛ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية أخرى‏.‏ والاستدلال بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع، وهي أن ما صححه أهل العلم بالحديث، فقد وجب التصديق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وأن ما حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حرام ونحو ذلك‏.‏ فلو لزم أن نذكر كل ما يتوقف عليه العلم، وإن كان معلومًا، كانت المقدمات أكثر من اثنتين، بل قد تكون أكثر من عشر‏.‏
وعلى ما قالوه، فينبغي لكل من استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول‏:‏ النبي حرم ذلك، وما حرمه فهو حرام، فهذا حرام، وكذلك يقول‏:‏ النبي أوجبه، وما أوجبه النبي فقد وجب، فإذا احتج على تحريم الأمهات والبنات ونحو ذلك، يحتاج أن يقول‏:‏ إن الله حرم هذا في القرآن وما حرمه الله فهو حرام‏.‏ وإذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة والحج بمثل قول الله‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏، يقول‏:‏ إن الله أوجب الحج في / كتابه، وما أوجبه الله فهو واجب‏.‏ وأمثال ذلك مما يعتبره العقلاء لُكْنة وعِيّا وإيضاحًا للواضح، وزيادة قول لا حاجة إليها‏.‏
وهذا التطويل الذي لا يفيد في قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم؛ كقولهم في حد الشمس‏:‏ إنها كوكب تطلع نهارًا‏.‏ وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا تضييع الزمان، وإتعاب الأذهان، وكثرة الهذيان‏.‏ ثم إن الذين يتبعونهم في حدودهم وبراهينهم لا يزالون مختلفين في تحديد الأمور المعروفة بدون تحديدهم، ويتنازعون في البرهان على أمور مستغنية عن براهينهم‏.‏
وقولهم‏:‏ ليس للمطلوب أكثر من جزأين، فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين، فيقال‏:‏ إن أردتم ليس له إلا اسمان مفردان، فليس الأمر كذلك، بل قد يكون التعبير عنه بأسماء متعددة، مثل من شك في النبيذ؛ هل هو حرام بالنص أم ليس حرامًا لا بنص ولا قياس‏؟‏ فإذا قال المجيب‏:‏ النبيذ حرام بالنص، كان المطلوب ثلاثة أجزاء، وكذلك لو سأل‏:‏ هل الإجماع دليل قطعي‏؟‏ فقال‏:‏ الإجماع دليل قطعي، كان المطلوب ثلاثة أجزاء، وإذا قال‏:‏ هل الإنسان جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق أم لا‏؟‏ فالمطلوب هنا ستة أجزاء‏.‏
وفي الجملـة، فالموضـوع والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر، وهو جملة خبرية، قد تكون جملة مركبــة من لفظين، وقد تكون من ألفاظ متعــددة إذا كــان / مضمونها مقيدًا بقيود كثيرة، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 100‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 218‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏، وأمثال ذلك من القيود التي يسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال وظرف المكان وظرف الزمان ونحو ذلك‏.‏
وإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين، بل من ألفاظ متعددة ومعان متعددة، وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان، سواء عبر عنهما بلفظين أو ألفاظ متعددة، قيل‏:‏ وليس الأمر كذلك، بل قد يكون المطلوب معنى واحدًا، وقد يكون معنيين، وقد يكون معان متعددة، فإن المطلوب بحسب طلب الطالب، وهو الناظر المستدل والسائل المتعلم المناظر، وكل منهما قد يطلب معنى واحدًا، وقد يطلب معنيين، وقد يطلب معاني، والعبارة عن مطلوبه، قد تكون بلفظ واحد، وقد تكون بلفظين وقد تكون بأكثر‏.‏ فإذا قال‏:‏ النبيذ حرام، فقيل له‏:‏ نعم، كان هذا اللفظ وحده كافيًا في جوابه، كما لو قيل له‏:‏ هو حرام‏.‏
فإن قالوا‏:‏ القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا، كما ذكرتموه من التمثيل بالإنسان، فإن هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس مطالب، والتقدير‏:‏ هل هو جسم أم لا‏؟‏ وهل هو حساس أم لا‏؟‏ وهل / هو نام أم لا‏؟‏ وهل هو متحرك أم لا‏؟‏ وهل هو ناطق أم لا‏؟‏وكذلك فيما تقدم‏:‏ هل النبيذ حرام أم لا‏؟‏ وإذا كان حرامًا فهل تحريمه بالنص أو بالقياس ‏؟‏ فيقال‏:‏ إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد، فالمفرد قد يكون في معنى قضية، فإذا قال‏:‏ النبيذ المسكر حرام فقال المجيب‏:‏ نعم، فلفظ ‏[‏نعم‏]‏ في تقدير قوله‏:‏ هو حرام؛ وإن قال‏:‏ ما الدليل عليه‏؟‏ فقال‏:‏ تحريم كل مسكر أو أن كل مسكر حرام، وقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏ ونحو ذلك من العبارات التي جعل الدليل فيها اسمًا مفردًا، وهو جزء واحد، لم يجعله قضية مؤلفة من اسمين مبتدأ وخبر، فإن قوله‏:‏ تحريم كل مسكر اسم مضاف‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏أن كل مسكر حرام‏)‏ بالفتح مفرد أيضًا، فإن أن وما في خبرها في تقدير المصدر المفرد، وإن المكسورة وما في خبرها جملة تامة‏.‏
وكذلك إذا قلت‏:‏ الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو الدليل عليه النص، أو إجماع الصحابة، أو الدليل عليه الآية الفلانية، أو الحديث الفلاني، أو الدليل عليه قيام المقتضي للتحريم السالم عن المعارض المقاوم، أو الدليل عليه أنه مشارك لخمر العنب فيما يستلزم التحريم، وأمثال ذلك فيما يعبر فيه عن الدليل باسم مفرد لا بالقضية التي هي جملة تامة‏.‏
ثم هذا الدليل الذي عبر عنه باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه بألفاظ متعددة‏.‏
/والمقصود أن قولكم‏:‏ إن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزأين فقط، إن أردتم لفظين فقط، وأن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد؛ لأن ذلك اللفظ الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل‏.‏
قيل لكم‏:‏ وكذلك يمكن أن يقال في اللفظين‏:‏ هما دليلان لا دليل واحد، فإن كل مقدمة تحتاج إلى دليل، وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له، فإنه إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة أو بأربعة وأكثر، فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص، وأن الزائد إن كان في المطلوب جعل مطالب متعددة، وإن كان في الدليل تذكر مقدمات، جعل ذلك في تقدير أقيسة متعددة تحكم محض، ليس هو أولى من أن يقال‏:‏ بل الأصل في المطلوب أن يكون واحدًا ودليله جزءًا واحدًا، فإذا زاد المطلوب على ذلك جعل مطلوبين، أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته، وهذا إذا قيل، فهو أحسن من قولهم؛ لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردًا، والقياس هو الدليل‏.‏
ولفظ ‏[‏القياس‏]‏ يقتضي التقدير، كما يقال‏:‏ قست هذا بهذا، والتقدير يحصل بواحد؛ وإذا قدر باثنين وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرًا واحدًا، فتكون تلك التقديرات أقيسة لا قياسًا واحدًا، فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى أقيسة متعددة، وما نقص عن الاثنين نصف / قياس لا قياس تام، اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول، كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة للماهية والوجود بمثل هذا التحكم‏.‏
وحينئذ، فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه حدًا وبرهانًا إلى حقيقة موجودة ولا أمر معقول، بل إلى اصطلاح مجرد، كتنازع الناس في ‏[‏العلة‏]‏، هل هي اسم لما يستلزم المعلول بحيث لا يتخلف عنها بحال فلا يقبل النقيض والتخصيص، أو هو اسم لما يكون مقتضيًا للمعلول، وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط أو وجود مانع، وكاصطلاح بعض أهل النظر والجدل في تسمية أحدهم ‏[‏الدليل‏]‏ لما هو مستلزم للمدلول مطلقًا، حتى يدخل في ذلك عدم المعارض، والآخر يسمى الدليل لما كان من شأنه أن يستلزم المدلول، وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع‏.‏ وتنازع أهل الجدل، هل على المستدل أن يتعرض في ذكر الدليل لتبيين المعارض جملة أو تفصيلا حيث يمكن التفصيل، أو لا يتعرض لا جملة ولا تفصيلا، أو يتعرض لتبيينه جملة لا تفصيلا‏.‏
وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التي يصطلح عليها الناس للتعبير عما في أنفسهم ليست حقائق ثابتة في أنفسها لأمور معقولة تتفق فيها الأمم كما يدعية هؤلاء في منطقهم، بل هؤلاء الذين يجعلون العلة والدليل يراد به هذا أو هذا أقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا من مقدمتين، فإن هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب، وأولئك / لحظوا صفات ثابتة في العلة والدليل، وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء، فكان ما اعتبره أولئك أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء، الذين لم يرجعوا إلا إلى مجرد التحكم‏.‏
ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه أمر اصطلاحي، وضعه رجل من اليونان، لا يحتاج إليه العقلاء، ولا طلب العقلاء للعلم موقوفًا عليه كما ليس موقوفًا على التعبير بلغاتهم، مثل‏:‏ فيلاسوفيا، وسوفسطيقا، وأنولوطيقا وآثولوجيا، وقاطيغورياس، ونحو ذلك من لغاتهم التي يعبرون بها عن معانيهم فلا يقول أحد‏:‏ إن سائر العقلاء محتاجون إلى هذه اللغة‏.‏ لا سيما من كرمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف‏.‏
وهذا مما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة لـ ‏[‏متى‏]‏ الفيلسوف؛ لما أخذ ‏[‏متى‏]‏ يمدح المنطق، ويزعم احتياج العقلاء إليه، ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه، وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية؛ لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني، فإنه لابد فيها من التعلم، ولهذا كان تعلم العربية ـ التي يتوقف فهم القرآن والحديث عليها ـ فرضًا على الكفاية بخلاف المنطق‏.‏
/ ومن قال من المتأخرين‏:‏ إن تعلم المنطق فرض على الكفاية، أو أنه من شروط الاجتهاد، فإنه يدل على جهله بالشرع، وجهله بفائدة المنطق‏.‏ وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ويكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف المنطق اليوناني، فكيف يقال‏:‏ إنه لا يوثق بالعلم إن لم يوزن به، أو يقال‏:‏ إن فطر بني آدم في الغالب لم تستقم إلا به‏؟‏‏!‏
فإن قالوا‏:‏ نحن لا نقول‏:‏ إن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطقيين، بل إلى المعاني التي توزن بها العلوم‏.‏
قيل‏:‏ لا ريب أن المجهول لا يعرف إلا بالمعلومات، والناس يحتاجون إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه، وهذا من الموازين التي أنزلها الله، حيث قال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 17‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا، ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان، فعلم أن الأمم غير محتاجة إلى المعاني المنطقية التي عبروا عنها بلسانهم، وهو كلامهم في المعقولات الثانية، فإن ‏[‏ موضوع المنطق‏]‏ هو المعقولات من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم يعلم فإنه ينظر في أحوال المعقولات الثانية، وهي النسب الثانية للماهيات من حيث هي مطلقة عرض لها، إن كانت موصلة إلى تحصيل ما ليس بحاصل، أو معينة في ذلك لا على وجه جزئي، بل على قانون كلي ويدعون أن صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل، كما / أن صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته، فيميز ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي‏.‏ وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض‏.‏ وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم من الشرعي، ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل، ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعاني؛ كنسبة العروض إلى الشعر، وموازين الأموال إلى الأموال، وموازين الأوقات إلى الأوقات، وكنسبة الذراع إلى المذروعات‏.‏
وهذا هو الذي قال جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء أنه باطل؛ فإن منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل، لا في صورة الدليل ولا في مادته، ولا يحتاج أن توزن به المعاني، بل ولا يصح وزن المعاني به، بل هذه الدعوى من أكذب الدعاوي‏.‏
والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق، وزعموا أن التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها، والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها، فذكروا لمنطقهم أربع دعاوي‏:‏ دعوتان سالبتان، ودعوتان موجبتان‏.‏
ادعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وأن التصديقات لا تنال بغير ما ذكروه فيه من الطريق، وهاتان الدعوتان من أظهر الدعاوى كذبا ، وادعوا أن ما ذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التي لم تكن متصورة، وهذا ـ أيضا ـ باطل‏.‏ وقد تقدم التنبية على هذه الدعاوي الثلاثة، وسيأتي/ الكلام على دعواهم الرابعة التي هي أمثل من غيرها، وهي دعواهم أن برهانهم يفيد العلم التصديقي‏.‏
وإن قالوا‏:‏ إن العلم التصديقي أو التصوري ـ أيضًا ـ لا ينال بدونه، فهم ادعوا أن طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة إلا من الطريقتين اللتين ذكروهما من الحد، وما ذكروه من القياس‏.‏‏.‏ وادعوا أن ما ذكروه من الطريقتين توصلان إلى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم، بمعنى أن ما يوصل لابد أن يكون على الطريق الذي ذكروه لا على غيره، فما ذكروه آلة قانونية بها توزن الطرق العلمية، ويميز بها بين الطريق الصحيحة والفاسدة، فمراعاة هذا القانون تعصم الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور أو تصديق‏.‏
هذا ملخص ما قالوه‏.‏
وكل هذه الدعاوى كذب في النفي والإثبات، فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها باطل، ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ادعوا فيه، وإن كان في طرقهم ما هو حق، كما أن في طرق غيرهم ما هو باطل، فما من أحد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولابد أن يتضمن ما هو حق‏.‏ فمع اليهود والنصاري من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع هؤلاء من الحق، بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر مما مع / هؤلاء بالنسبة إلى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعملية للأخلاق والمنازل والمدائن‏.‏
ولهذا كان اليونان مشركين كفارًا يعبدون الكواكب والأصنام، شرًا من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير، ولولا أن الله منَّ عليهم بدخول دين المسيح إليهم، فحصل لهم من الهدي والتوحيد ما استفادوه من دين المسيح، ما داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل، لكانوا من جنس أمثالهم من المشركين، ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية وشرك بعضه حق وبعضه باطل، وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم‏.‏
وكلامنا هنا في ‏[‏بيان ضلال هؤلاء المتفلسفة‏]‏ الذين يبنون ضلالهم بضلال غيرهم، فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات، كقولهم‏:‏ إن أرسطو وزير ذي القرنين المذكور في القرآن؛ لأنهم سمعوا أنه كان وزير الإسكندر، وذو القرنين يقال له‏:‏ الإسكندر‏.‏ وهذا من جهلهم، فإن الإسكندر الذي وزر له أرسطو هو ابن فيلبس المقدوني، الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى، وهو إنما ذهب إلى أرض القدس، لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركا يعبد الأصنام، وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام وذو القرنين كان موحدًا مؤمنا بالله‏.‏ وكان متقدما على هذا، ومن يسميه الإسكندر يقول‏:‏ هو الإسكندر بن دارا‏.‏
/ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين ، كالقرامطة والباطنية، الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض، وكجهال المتصوفة وأهل الكلام، وإنما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان إما كفارًا وإما منافقين، كما نفق من نفق منهم على المنافقين الملاحدة، ثم نفق على المشركين الترك، وكذلك إنما ينفقون دائما على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين‏.‏
وكلامنا الآن فيما احتجوا به على أنه لابد في الدليل من مقدمتين لا أكثر ولا أقل، وقد علم ضعفه‏.‏
ثم إنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات وقد تكفي فيه مقدمة واحدة، قالوا‏:‏ إنه ربما أدرج في القياس قول زائد، أي مقدمة ثالثة زائدة على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين، ويسمونه المركب‏.‏ قالوا‏:‏ ومضمونه أقيسة متعددة، سيقت لبيان أكثر من مطلوب واحد إلا أن المطلوب منها بالذات ليس إلا واحدًا‏.‏ قالوا‏:‏ وربما حذفت إحدى المقدمات إما للعلم بها أو لغرض فاسد، وقسموا المركب إلى مفصول وموصول‏.‏
فيقال‏:‏ هذا اعتراف منكم بأن من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات، وما يكفي فيه مقدمة واحدة‏.‏ ثم قلتم‏:‏ إن ذلك الذي يحتاج إلى مقدمات هو في معنى / أقيسة متعددة فيقال لكم‏:‏ إذا ادعيتم أن الذي لابد منه إنما هو قياس واحد مشتمل على مقدمتين، وأن ما زاد على ذلك هو في معنى أقيسة، كل قياس لبيان مقدمة من المقدمات، فقولوا‏:‏ إن الذي لابد منه هو مقدمة واحدة، وإن ما زاد على تلك المقدمة، من المقدمات؛ فإنما هو لبيان تلك المقدمة‏.‏ وهذا أقرب إلى المعقول‏.‏ فإنه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف، وهو ثبوت الحكم للمحكوم عليه، وهو ثبوت الخبر للمبتدأ، أو المحمول للموضوع إلا بوسط بينهما هو الدليل، فالذي لابد منه هو مقدمة واحدة، وما زاد على ذلك فقد يحتاج إليه وقد لا يحتاج إليه‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 المسلسلات والبرامج في رمضان
0 وسائل للمداومة على العمل الصالح بعد رمضان
0 أبو سفيان بن حرب
0 فقر الدم , اسبابه , اعراضه
0 مصطلحات رمضانية


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 11:28 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وأما دعوى الحاجة إلى القياس ـ الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك في بعض المطالب ـ فهو كدعوى الاحتياج في بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس؛ للاحتياج إلى ذلك في بعض المطالب، وليس تقدير عدد بأولى من عدد‏.‏
وما يذكرونه من حذف إحدى المقدمتين لوضوحها أو لتغليط يوجد مثله في حذف الثالثة والرابعة، ومن احتج على مسألة بمقدمة، لا تكفي وحدها لبيان المطلوب، أو مقدمتين أو ثلاثة لا تكفي، طولب بالتمام الذي تحصل به كفاية‏.‏ وإذا ذكرت المقدمات منع منها ما يقبل المنع، وعورض منها ما يقبل المعارضة حتى يتم الاستدلال، فمن طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص قال‏:‏ هذا حرام، فقيل له‏:‏ لم ‏؟‏ قال‏:‏ لأنه نبيذ مسكر، فهذه / المقدمة كافية إن كان المستمع يعلم أن كل مسكرحرام، إذا سلم له تلك المقدمة، وإن منعه إياها وقال‏:‏ لا نسلم أن هذا مسكر، احتاج إلى بيانها بخبر من يوثق بخبره أو بالتجربة في نظيرها، وهذا قياس تمثيل، وهو مفيد لليقين، فإن الشراب الكثير إذا جرب بعضه وعلم أنه مسكر، علم أن الباقي منه مسكر؛ لأن حكم بعضه مثل بعضه‏.‏ وكذلك سائر القضايا التجريبية، كالعلم بأن الخبز يشبع والماء يروي وأمثال ذلك إنما مبناها على قياس التمثيل‏:‏ بل وكذلك سائر الحسيات التي علم أنها كلية، إنما هو بواسطة قياس التمثيل‏.‏
وإن كان ممن ينازعه في أن النبيذ المسكر حرام، احتاج إلى مقدمتين ـ إلى إثبات أن هذا مسكر، وإلى أن كل مسكر حرام ـ فيثبت الثانية بأدلة متعددة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏ و ‏(‏كل شراب أسكر فهو حرام‏)‏‏.‏ وبأنه سئل عن شراب يصنع من العسل يقال البتع، وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر، وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏‏.‏ وهذه الأحاديث في الصحيح، وهي وأضعافها معروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه حرم كل شراب أسكر‏.‏
فإن قال‏:‏ أنا أعلم أنه خمر، لكن لا أسلم أن الخمر حرام، أو لا أسلم أنه حرام مطلقًا، أثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا‏.‏
وما يبين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفي في حصول المطلوب، أن / الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه، كما تقدم بيانه، ولما كان الحد الأول مستلزمًا للأوسط، والأوسط للثالث، ثبت أن الأول مستلزم للثالث، فإن ملزوم الملزوم ملزوم، ولازم اللازم لازم، فإن الحكم لازم من لوازم الدليل، لكن لم يعرف لزومه إياه إلا بوسط بينهما، فالوسط ما يقرن بقولك‏:‏ لأنه‏.‏ وهذا مما ذكره المنطقيون، وابن سينا وغيره؛ ذكروا الصفات اللازمة للموصوف، وأن منها ما يكون بين اللزوم‏.‏ وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين الذاتي واللازم للماهية بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتي، فقالوا له‏:‏ كثير من الصفات اللازمة لا تفتقر إلى وسط، وهي البينة اللزوم، والوسط عند هؤلاء هو الدليل‏.‏
وأما ما ظنه بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطًا في نفس الأمر بين اللازم القريب واللازم البعيد، فهذا خطأ‏.‏ ومع هذا يستبين حصول المراد على التقديرين، فنقول‏:‏ إذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا يحتاج إلى دليل يتوسط بينهما، فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في العلم بثبوته له، وإن كان بينهما وسط، فذلك الوسط إن كان لزومه للملزوم الأول ولزوم الثاني له بينًا، لم يفتقر إلى وسط ثان‏.‏ وإن كان أحد الملزومين غير بين بنفسه، احتاج إلى وسط، وإن لم يكن واحد منهما بينا، احتاج إلى وسطين، وهذا الوسط هو حد يكفي فيه مقدمة واحدة، فإذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر، فقيل له‏:‏ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ /‏(‏كل مسكر خمر‏)‏ أو ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏ فهذا الأوسط ـ وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم ـ لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر له إلى وسط، ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر إلى وسط، فإن كل أحد يعلم أنه إذا حرم كل مسكر ، حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه، وكل مؤمن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم شيئًا حرم‏.‏ ولو قال‏:‏ الدليل على تحريمه أنه مسكر، فالمخاطب إن كان يعرف أن ذلك مسكر، والمسكر محرم، سلم له التحريم، ولكنه غافل عن كونه مسكرًا، أو جاهل بكونه مسكرًا، وكذلك إذا قال‏:‏ لأنه خمر، فإن أقر أنه خمر ثبت التحريم، وإذا أقر بعد إنكاره، فقد يكون جاهلًا فعلم، أو غافلًا فذكر، فليس كل من علم شيئًا كان ذاكرًا له‏.‏
ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين، هل هو كاف في العلم بالنتيجة، أم لابد من التفطن لأمر ثالث‏؟‏ وهذا الثاني هو قول ابن سينا وغيره‏.‏ قالوا‏:‏ لأن الإنسان قد يكون عالما بأن البغلة لا تلد، ثم يغفل عن ذلك، ويرى بغلة منتفخة البطن‏.‏ فيقول‏:‏ أهذه حامل أم لا ‏؟‏ فيقال له‏:‏ أما تعلم أنها بغلة‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى‏.‏ ويقال له‏:‏ أما تعلم أن البغلة لا تلد‏.‏ فيقول‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فحينئذ يتفطن لكونها لا تلد‏.‏ ونازعه الرازي وغيره وقالوا‏:‏ هذا ضعيف؛ لأن اندراج إحدى المقدمتين تحت الأخرى إن كان مغايرًا للمقدمتين، كان ذلك مقدمة أخرى لابد فيها من الإنتاج، ويكون الكلام في كيفية التئامها مع الأوليين كالكلام في / كيفية التئام الأوليين‏.‏ ويفضي ذلك إلى اعتبار ما لا نهاية له من المقدمات‏.‏ وإن لم يكن ذلك معلومًا مغايرًا للمقدمتين، استحال أن يكون شرطًا في الإنتاج؛ لأن الشرط مغاير للمشروط‏.‏ وهنا لا مغايرة فلا يكون شرطًا‏.‏ وأما حديث البغلة فذلك إنما يمكن إذا كان الحاضر في الذهن إحدى المقدمتين فقط، إما الصغرى وإما الكبرى، أما عند اجتماعهما في الذهن، فلا نسلم أنه يمكن الشك أصلا في النتيجة‏.‏
قلت‏:‏ وحقيقة الأمر أن هذا النزاع، لزمهم في ظنهم الحاجة إلى مقدمتين، لا في الإنتاج؛ لأن الشرط مغاير للمشروط، وليس الأمر كذلك، بل المحتاج إليه ما به يعلم المطلوب سواء كان مقدمة أو اثنين أو ثلاثًا، والمغفول عنه ليس بمعلوم حال الغفلة؛ فإذا تذكر صار معلومًا بالفعل‏.‏ وهنا الدليل هو العلم بأن البغلة لا تلد، وهذه المقدمة كان ذاهلا عنها، فلم يكن عالمًا بها العلم الذي تحصل به الدلالة، فإن المغفول عنه لا يدل حينما يكون مغفولًا عنه، بل إنما يدل حال كونه مذكورًا؛ إذ هو بذلك يكون معلومًا علمًا حاضرًا‏.‏
والرب - تعالى - منزه عن الغفلة والنسيان؛ لأن ذلك يناقض حقيقة العلم، كما أنه منزه عن السنة والنوم؛ لأن ذلك يناقض كمال الحياة والقيومية، فإن النوم أخو الموت؛ ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون، ويلهمون التسبيح كما يلهم أحدنا النفس‏.‏
/والمقصود هنا أن وجه الدليل العلم بلزوم المدلول له، سواء سمى استحضارًا أو تفطنًا أو غير ذلك، فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له، علم أنه دال عليه، وهذا اللزوم إن كان بينًا له، وإلا فقد يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو اثنتين أو ثلاث أو أكثر‏.‏ والأوساط تتنوع بتنوع الناس، فليس ما كان وسطًا مستلزمًا للحكم في حق هذا، هو الذي يجب أن يكون وسطًا في حق الآخر، بل قد يحصل له وسط آخر، فالوسط هو الدليل وهو الواسطة في العلم بين اللازم والملزوم، وهما المحكوم والمحكوم عليه، فإن الحكم لازم للمحكوم عليه ما دام حكمًا له، والأواسط ـ التي هي الأدلة ـ مما يتنوع ويتعدد بحسب ما يفتحه الله للناس من الهداية، كما إذا كان الوسط خبرًا صادقًا، فقد يكون الخبر لهذا غير الخبر لهذا‏.‏ وإذا رؤى الهلال، وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس فأشاعوا ذلك في البلد، فكل قوم يحصل لهم العلم بخبر من غير المخبرين الذين أخبروا غيرهم‏.‏ والقرآن والسنة الذي بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط غير وسائط غيرهم، لاسيما في القرن الثاني والثالث، فهؤلاء لهم مقرئون ومعلمون، ولهؤلاء مقرئون ومعلمون، و هؤلاء كلهم وسائط، وهم الأوساط بينهم وبين معرفة ما قاله الرسول وفعله، وهم الذين دلوهم على ذلك بأخبارهم وتعليمهم‏.‏
وكذلك المعلومات التي تنال بالعقل أو الحس، إذا نبه عليها منبه أو أرشد إليها مرشد، وأما من جعل الوسط في اللوازم هو الوسط في نفس ثبوتها / للموصوف، فهذا باطل من وجوه كما قد بسط في موضعه، وبتقدير صحته، فالوسط الذهني أعم من الخارجي، كما أن الدليل أعم من العلة، فكل علة يمكن الاستدلال بها على المعلول، وليس كل دليل يكون علة في نفس الأمر وكذلك ما كان متوسطًا في نفس الأمر، أمكن جعله متوسطًا في الذهن فيكون دليلا ولا ينعكس؛ لأن الدليل هو ما كان مستلزمًا للمدلول، فالعلة المستلزمة للمعلول يمكن الاستدلال بها، والوسط الذي يلزم الملزوم ويلزمه اللازم البعيد، هو مستلزم لذلك اللازم فيمكن الاستدلال به، فتبين أنه على كل تقدير يمكن الاستدلال على المطلوب بمقدمة واحدة إذا لم يحتج إلى غيرها، وقد لا يمكن إلا بمقدمات فيحتاج إلى معرفتهن؛ فإن تخصيص الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقص تحكم محض؛ ولهذا لا تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفي العلوم من يلتزم في استدلاله البيان بمقدمتين، لا أكثر ولا أقل، ويجتهد في رد الزيادة إلى اثنتين‏.‏ وفي تكميل النقص بجعله مقدمتين، إلا أهل منطق اليونان، ومن سلك سبيلهم، دون من كان باقيًا على فطرته السليمة أو سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل‏.‏
وكذلك أهل النحو والطب والهندسة، لا يدخل في هذا الباب إلا من اتبع في ذلك هؤلاء المنطقيين، كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل، وما استفادوا بما تلقوه عنهم علمًا إلا عما يستغنى عن باطل كلامهم أو ما / يضر ولا ينفع، لما فيه من الجهل أو التطويل الكثير‏.‏
ولهذا لما كان الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين وتارة على مقدمات، كانت طريقة نظار المسلمين أن يذكروا من الأدلة على المقدمات ما يحتاجون إليه، ولا يلتزمون في كل استدلال أن يذكروا مقدمتين، كما يفعله من يسلك سبيل المنطقيين، بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم، وسلوكهم في نظرهم لأنفسهم، ومناظرتهم لغيرهم تعليما وإرشادًا ومجادلة على ما ذكرت، وكذلك سائر أصناف العقلاء من أهل الملل وغيرهم إلا من سلك طريق هؤلاء‏.‏
وما زال نظار المسلمين يعيبون طريق أهل المنطق، ويبينون ما فيها من العِيّ واللُّكنَة وقصور العقل وعجز النطق، ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلي واللساني أقرب منها إلى تقويم ذلك‏.‏ ولا يرضون أن يسلوكها في نظرهم ومناظرتهم، لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه‏.‏
وإنما كثر استعمالها من زمن أبي حامد‏.‏ فإنه أدخل مقدمة من المنطق اليوناني في أول كتابه المستصفى وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا المنطق، وصنف فيه معيار العلم ومحك النظر، وصنف كتابًا سماه القسطاس المستقيم ذكر فيه خمس موازين‏:‏ الثلاث الحمليات، والشرطي المتصل والشرطي المنفصل، وغير عباراتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين / وذكر أنه خاطب بذلك بعض أهل التعليم، وصنف كتابا في تهافتهم، وبين كفرهم بسبب مسألة قدم العالم، وإنكار العلم بالجزئيات وإنكار المعاد، وبين في آخر كتبه أن طريقهم فاسدة، لا توصل إلى يقين، وذمها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين‏.‏ وكان أولا يذكر في كتبه كثيرًا من كلامهم، إما بعبارتهم وإما بعبارة أخرى، ثم في آخر أمره بالغ في ذمهم، وبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها، وفسادها أعظم من طريق المتكلمين، ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم‏.‏ والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول، ما حصل له مقصوده، ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة، ولم يغن عنه المنطق شيئًا‏.‏
ولكن بسبب ما وقع منه في أثناء عمره وغير ذلك، صار كثير من النظار يدخلون المنطق اليوناني في علومهم، حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن أنه لا طريق إلا هذا، وأن ما ادعوه من الحد والبرهان هو أمر صحيح مسلم عند العقلاء ولا يعلم أنه مازال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ذلك ويطعنون فيه ‏.‏وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة، وجمهور المسلمين يعيبونه عيبًا مجملا؛ لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على مافي أهله مما يناقض العلم والإيمان ويفضي بهم الحال إلى أنواع من الجهل والكفر والضلال‏.‏
والمقصود هنا أن ما يدعونه من توقف كل مطلوب على مقدمتين، لا أكثر، / ليس كذلك، وهم يسمون القياس الذي حذفت إحدى مقدمتيه قياس الضمير، ويقولون‏:‏ إنها قد تحذف إما للعلم بها، وإما غلطا أو تغليطًا، فيقال‏:‏ إذا كانت معلومة، كانت كغيرها من المقدمات المعلومة، وحينئذ فليس إضمار مقدمة بأولى من إضمار ثنتين وثلاث وأربع، فإن جاز أن يدعي في الدليل الذي لا يحتاج إلا إلى مقدمة، أن الأخرى تضمر محذوفة، جاز أن يدعي فيما يحتاج إلى ثنتين أن الثالثة محذوفة، وكذلك فيما يحتاج إلى ثلاث وليس لذلك حد، ومن تدبر هذا وجد الأمر كذلك؛ ولهذا لا يوجد في كلام البلغاء أهل البيان الذين يقيمون البراهين والحجج اليقينية بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم، ما يوجد في كلام أهل المنطق، بل من سلك طريقهم كان من المضيقين في طريق العلم عقولا وألسنة، ومعانيهم من جنس ألفاظهم، تجد فيها من الرِّكَّة والعِيّ ما لا يرضاه عاقل‏.‏
وكان يعقوب بن إسحاق الكندي، فيلسوف الإسلام في وقته ـ أعنى الفيلسوف الذي في الإسلام، وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين، كما قالوا‏:‏ لبعض أعيان القضاة الذين كانوا في زماننا‏:‏ ابن سينا من فلاسفة الإسلام‏؟‏ فقال‏:‏ ليس للإسلام فلاسفة- كان يعقوب يقول في أثناء كلامه‏:‏ العدم فقد وجود كذا، وأنواع هذه الإضافات، ومن وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن سينا وغيره، فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم، وإلا فلو مشى على طريقة سلفه وأعرض عما تعلمه من المسلمين، / لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم وألسنتهم، وهم أكثر ما ينفقون على من لم يفهم ما يقولونه، ويعظمهم بالجهل والوهم، أو يفهم بعض ما يقولونه أو أكثره أو كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما يعرف بالعقول السليمة، وما قاله سائر العقلاء مناقضًا لما قالوه‏.‏ وهو إنما وصل إلى منتهى أمرهم بعد كلفة ومشقة، واقترن بها حسن ظن، فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله، ثم إن تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرًا من الفضلاء الذين أحسنوا بهم الظن ابتداء، ثم انكشف لهم من ضلالهم ما أوجب رجوعهم عنهم وتبرأهم منهم، بل وردهم عليهم وإلا بقى من الضلال، وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس؛ ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة‏.‏
وإنما المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه، ولم يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه، واتفق أن فيه أمورًا ظاهرة مثل الشكل الأول، ولا يعرفون أن ما فيه من الحق لا يحتاج إليهم فيه، بل طولوا فيه الطريق، وسلكوا الوعر والضيق، ولم يهتدوا فيه إلى ما يفيد التحقيق، وليس المقصود في هذا المقام بيان ما أخطؤوا في إثباته، بل ما أخطؤوا في نفيه حيث زعموا أن العلم النظري لا يحصل إلا ببرهانهم وهو من القياس‏.‏
وجعلوا أصناف الحجج ثلاثة‏:‏ القياس، والاستقراء، والتمثيل، وزعموا أن التمثيل لا يفيد اليقين، وإنما يفيد القياس الذي تكون مادته / من القضايا التي ذكروها‏.‏ وقد بينا في غير هذا الموضع أن قياس التمثيل وقياس الشمول متلازمان، وأن ما حصل بأحدهما عن علم أو ظن، حصل بالآخر مثله إذا كانت المادة واحدة، والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية، بل إذا كانت المادة يقينية، سواء كانت صورتها في صورة قياس التمثيل أو صورة قياس الشمول، فهي واحدة، وسواء كانت صورة القياس اقترانيًا أو استثنائيًا - بعبارتهم أو بأي عبارة شئت، لاسيما في العبارات التي هي خير من عباراتهم وأبين في العقل، وأوجز في اللفظ والمعنى واحد‏.‏
وجد هذا في أظهر الأمثلة إذا قلت‏:‏ هذا إنسان، وكل إنسان مخلوق، أو حيوان، أو حساس، أو متحرك بالإرادة، أو ناطق، أو ما شئت من لوازم الإنسان، فإن شئت صورت الدليل على هذه الصورة، وإن شئت قلت‏:‏ هو إنسان فهو مخلوق أو حساس أو حيوان أو متحرك كغيره من الناس، لاشتراكهما في الإنسانية المستلزمة لهذه الصفات، وإن شئت قلت‏:‏ هذا إنسان، والإنسانية مستلزمة لهذه الأحكام، فهي لازمة له، وإن شئت قلت‏:‏ إن كان إنسانًا فهو متصف بهذه الصفات اللازمة للإنسان، وإن شئت قلت‏:‏ إما أن يتصف بهذه الصفات وإما ألا يتصف، والثاني باطل، فتعين الأول؛ لأن هذه لازمة للإنسان لا يصور وجوده بدونها‏.‏
وأما الاستقراء، فإنما يكون يقينيا؛ إذا كان استقراء تاما‏.‏ وحينئذ فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد، وهذا / ليس استدلالا بجزئي على كلي ولا بخاص على عام، بل استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، فإن وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلي العام، يوجب أن يكون لازمًا لذلك الكلي العام‏.‏ فقولهم‏:‏ إن هذا استدلال بخاص جزئي على عام كلي ليس بحق، وكيف ذلك، والدليل لابد أن يكون ملزوما للمدلول‏؟‏ فإنه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه، ولم يكن المدلول لازمًا له، لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل، نعلم ثبوت المدلول معه، إذا علمنا أنه تارة يكون معه، وتارة لا يكون معه، فإنا إذا علمنا ذلك، ثم قلنا‏:‏ إنه معه دائمًا كنا قد جمعنا بين النقيضين‏.‏
وهذا اللزوم الذي نذكره هاهنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم، وكلما كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر، كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر، كالمخلوقات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى، فإنه ما منها مخلوق إلا وهو ملزوم لخالقه لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه، بل ولا بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته، وكل مخلوق دال على ذلك كله‏.‏
وإذا كان المدلول لازمًا للدليل، فمعلوم أن اللازم إما أن يكون مساويًا للملزوم، وإما أن يكون أعم منه، فالدليل لا يكون إلا أعم منه، وإذا قالوا في القياس‏:‏ يستدل بالكلي على الجزئي، فليس الجزئي هو الحكم المدلول عليه، وإنما الجزئي هو الموصوف المخبر عنه بمحل الحكم، فهذا قد يكون أخص من الدليل وقد يكون مساويا له، بخلاف الحكم الذي هو صيغة هذا، وحكمه الذي أخبر به عنه، فإنه لا يكون إلا أعم من الدليل أو مساويا له، فإن ذلك هو المدلول اللازم للدليل، والدليل هو لازم للمخبر عنه الموصوف‏.‏
/فإذا قيل‏:‏ النبيذ حرام لأنه خمر، فكونه خمرًا هو الدليل، وهو لازم للنبيذ، والتحريم لازم للخمر، والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت‏:‏ كل النبيذ المتنازع فيه مسكر أو خمر، وكل خمر حرام، فأنت لم تستدل بالمسكر أو الخمر الذي هو كلي على نفس محل النزاع الذي هو أخص من الخمر والنبيذ، فليس هو استدلالا بذلك الكلي على الجزئي، بل استدللت به على تحريم هذا النبيذ، فلما كان تحريم هذا النبيذ مندرجًا في تحريم كل مسكر قال‏:‏ من قال أنه استدلال بالكلي على الجزئي‏؟‏
والتحقيق أن ما ثبت للكلي فقد ثبت لكل واحد من جزئياته، والتحريم هو أعم من الخمر، وهو ثابت لها، فهو ثابت لكل فرد من جزئياتها، فهو استدلال بكلى على ثبوت كلي آخر لجزئيات ذلك الكلي‏.‏ وذلك الدليل هو كالجزئي بالنسبة إلى ذلك الكلي، وهو كلي بالنسبة إلى تلك الجزئيات، وهذا مما ما لا ينازعون فيه، فإن الدليل هو الحد الأوسط وهو أعم من الأصغر أو مساو له، والأكبر أعم منه أو مساو له، والأكبر هو الحكم والصفة والخبر، وهو محمول النتيجة، والأصغر هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ، وهو موضوع النتيجة‏.‏
وأما قولهم في التمثيل‏:‏ أنه استدلال بجزئي على جزئي، فإن أطلق ذلك وقيل‏:‏ إنه استدلال بمجرد الجزئي على الجزئي، فهذا غلط، فإن ‏[‏قياس التمثيل‏]‏ إنما يدل بحد أوسط ـ وهو اشتراكهما في علة الحكم، أو دليل الحكم مع العلة ـ فإنه قياس علة أو قياس دلالة‏.‏
/ وأما ‏[‏ قياس الشبه‏]‏، فإذا قيل به لم يخرج عن أحدهما، فإن الجامع المشترك بين الأصل والفرع إما أن يكون هو العلة أو ما يستلزم العلة، وما استلزمها لم يكن الاشتراك فيه مقتضيًا للاشتراك في الحكم، بل كان المشترك قد تكون معه العلة، وقد لا تكون، فلا نعلم صحة القياس، بل لا يكون صحيحًا إلا إذا اشتركا فيها‏.‏ ونحن لا نعلم الاشتراك فيها‏.‏ إلا إذا علمنا اشتراكهما فيها أو في ملزومها‏.‏ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، فإذا قدرنا أنهما لم يشتركا في الملزوم ولا فيها، كان القياس باطلا قطعًا؛ لأنه حينئذ تكون العلة مختصة بالأصل‏.‏ وإن لم يعلم ذلك لم تعلم صحة القياس، وقد يعلم صحة القياس بانتفاء الفارق بين الأصل والفرع، وإن لم تعلم عين العلة ولا دليلها، فإنه يلزم من انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم وإذا كان قياس التمثيل إنما يكون تاما بانتفاء الفارق‏.‏ أو بإبداء جامع، وهو كلي يجمعهما يستلزم الحكم، وكل منهما يمكن تصويره بصورة قياس الشمول‏.‏ وهو يتضمن لزوم الحكم للكلى ولزوم الكلي لجزئياته، وهذا حقيقة قياس الشمول، ليس ذلك استدلالًا بمجرد ثبوته لجزئي على ثبوته لجزئي آخر‏.‏
فأما إذا قيل‏:‏ بم يعلم أن المشترك مستلزم للحكم‏؟‏ قيل‏:‏ بما تعلم به القضية الكبرى في القياس، فبيان الحد الأوسط هو المشترك الجامع، ولزوم الحد الأكبر له هو لزوم الحكم للجامع المشترك، كما تقدم التنبيه على هذا‏.‏ وقد يستدل بجزئي على جزئي، إذا كانا متلازمين، أو كان أحدهما ملزوم / الآخر من غير عكس، فإن كان اللزوم عن الذات، كانت الدلالة على الذات، وإن كان في صفة أو حكم، كانت الدلالة على الصفة أو الحكم، فقد تبين ما في حصرهم من الخلل‏.‏
وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة، فكلها تعود إلى ما ذكر في استلزام الدليل للمدلول، وما ذكروه في ‏[‏الاقتراني‏]‏ يمكن تصويره بصورة ‏[‏الاستثنائي‏]‏، وكذلك ‏[‏الاستثنائي‏]‏ يمكن تصويره بصورة ‏[‏الاقتراني‏]‏، فيعود الأمر إلى معنى واحد، وهو مادة الدليل، والمادة لا تعلم من صورة القياس الذي ذكروه، بل من عرف المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا علم الدلالة ، سواء صورت بصورة قياس أو لم تصور، وسواء عبر عنها بعباراتهم أو بغيرها، بل العبارات التي صقلتها عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير‏.‏
و‏[‏الاقتراني‏]‏ كله يعود إلى لزوم هذا لهذا، وهذا لهذا كما ذكر، وهذا بعينه هو ‏[‏الاستثنائي‏]‏ المؤلف من المتصل والمنفصل، فإن الشرطي المتصل استدلال باللزوم، بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم الذي هو التالي، وهو الجزاء، أو بانتفاء اللازم وهو التالي الذي هو الجزاء على انتفاء الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط‏.‏
وأما‏[‏الشرطي المنفصل‏]‏ـ وهو الذي يسميه الأصوليون ‏[‏السبر/ والتقسيم‏]‏، وقد يسميه أيضا الجدليون ‏[‏التقسيم والترديد‏]‏ـ فمضمونه الاستدلال بثبوت أحد النقيضين على انتفاء الآخر، وبانتفائه على ثبوته‏.‏ وأقسامه أربعة، ولهذا كان في مانعة الجمع والخلو الاستثناءات الأربعة وهو أنه إن ثبت هذا انتفى نقيضه وكذا الآخر، وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذا الآخر، ومانعة الجمع الاستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر، والأمران متنافيان، ومانعة الخلو فيها تناقض ولزوم، والنقيضان لا يرتفعان، فمنعت الخلو منهما، ولكن جزاءها وجود شيء وعدم آخر، ليس هو وجود الشيء وعدمه، ووجود شيء وعدم آخر قد يكون أحدهما لازمًا للآخر، وإن كانا لا يرتفعان؛ لأن ارتفاعهما يقتضي ارتفاع وجود شيء وعدمه معا‏.‏
وبالجملة، ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه، وله مناف مضاد لوجوده، فيستدل عليه بثبوت ملزومه، وعلى انتفائه بانتفاء لازمه، ويستدل على انتفائه بوجود منافيه، ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده؛ إذا انحصر الأمر فيهما فلم يمكن عدمهما جميعًا، كما لم يمكن وجودهما جميعًا، وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشيء وملزومها ولازمها، وإذا تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من العبارات وصورته في أنواع صور الأدلة، لا يختص شيء من ذلك بالصورة التي ذكروها في القياس، فضلا عما سموه البرهان، فإن البرهان شرطوا له مادة معينة، وهي القضايا التي ذكروها، وأخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات، وما سموه مشهورات، وحكم الفطرة بهما ـ لاسيما بما سموه وهميات ـ أعظم من حكمها بكثير من اليقينيات التي جعلوها مواد البرهان‏.‏
/وقد بسطت القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم، وأن ما أخرجوه يخرج به ما ينال به أشرف العلوم من العلوم النظرية والعلوم العملية، ولا يبقى بأيديهم إلا أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان‏.‏ ولولا أن هذا الموضع لا يتسع لحكاية ألفاظهم في هذا وما أوردته عليهم لذكرته، فقد ذكرت ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والإلهية، فإنها هي المطلوبة‏.‏
والكلام في ‏[‏المنطق‏]‏ إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية، تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره، فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة، هل هي كما قالوا، أو ليس الأمر كذلك‏؟‏ ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد أقوالهم، ما يتبين به ضلالهم، وعجز عن دفع ذلك، يقول‏:‏ هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من ألف سنة وقبلها الفضلاء، فيقال له عن هذا أجوبة‏:‏
أحدها‏:‏ أنه ليس الأمر كذلك، فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم، فأما القدماء، فالنزاع بينهم كثير معروف، وفي كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره، فأما أيام الإسلام، فإن كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما أفسدوه من أصولهم المنطقية والإلهية، بل والطبيعية والرياضية كثير، قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة،/ وأما شهادة سائر طوائف أهل الإيمان والعلماء بضلالهم، وكفرهم، فهذا البيان عام لا يدفعه إلا معاند، والمؤمنون شهداء اللّه في الأرض ،فإذا كان أعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف، وسائر أهل العلم والإيمان معلنين بتخطئتهم وتضليلهم إما جملة وإما تفصيلا، امتنع أن يكون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم بالقبول‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أن هذا ليس بحجة، فإن الفلسفة التي كانت قبل أرسطو وتلقاها من قبله بالقبول طعن أرسطو في كثير منها وبين خطأهم، وابن سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من أقاويلهم وبينوا خطأهم‏.‏ ورد الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض، وأبو البركات وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله؛ لأنهم يقولون‏:‏ إنما قصدنا الحق، ليس قصدنا التعصب لقائل معين ولا لقول معين‏.‏
والثالث‏:‏ أن دين عباد الأصنام أقدم من فلسفتهم، وقد دخل فيه من الطوائف أعظم ممن دخل في فلسفتهم، وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو، ودين النصارى المبدل قريب من زمن أرسطو، فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، فإنه كان في زمن الإسكندر بن فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم الذي يستعمله اليهود والنصارى‏.‏
/الرابع‏:‏ أن يقال‏:‏ فهب أن الأمر كذلك، فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها تقليد لقائل، وإنما تعلم بمجرد العقل، فلا يجوز أن تصحح بالنقل، بل ولا يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد، فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها، لم يجز رده، فإن أهلها لم يدعوا أنها مأخوذة عن شيء يجب تصديقه، بل عن عقل محض، فيجب التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح‏.
فصــل
وقد احتجوا بما ذكروه من أن الاستقراء دون القياس الذي هو قياس الشمول، وأن قياس التمثيل دون الاستقراء، فقالوا‏:‏ إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن، وأن المحكوم عليه قد يكون جزئيًا، بخلاف الاستقراء، فإنه قد يفيد اليقين والمحكوم عليه لا يكون إلا كليًا، قالوا‏:‏ وذلك أن الاستقراء هو الحكم على كلي بما تحقق في جزئياته‏.‏ فإن كان في جميع الجزئيات، كان الاستقراء تاما كالحكم على المتحرك بالجسمية؛ لكونها محكومًا بها على جميع جزئيات المتحرك من الجماد والحيوان والنبات، والناقص كالحكم على الحيوان بأنه إذا أكل تحرك فكه الأسفل عند المضغ لوجود ذلك في أكثر جزئياته، ولعله فيما لم يستقرأ على خلافه / كالتمسا