ولم يكن الناس إذ ذاك أحدثوا شيئًا من نفي الصفات، إلى أن ظهر الجعد بن درهم وهو أولهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليما ـ تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ـ ثم نزل فذبحه، وهذا كان بالعراق.
/ثم ظهر جهم من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأى جهم؛ ولهذا كان علماء السنة بالمشرق أكثر كلامًا في رد مذهبهم من أهل الحجاز والشام والعراق، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم ،وقد تكلم في ذمهم مالك وابن الماجشون وغيرهما، وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم، وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد وغيره من علماء السنة، فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد كان بخراسان مدة واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثمانية عشرة ومائتين، وفيها مات، وردوا أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين ومائتين، وفيها كانت محنته مع المعتصم، ومناظرته لهم، فلما رد عليهم ما احتجوا به، وذكر أن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة، فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة وخافوا فأطلقوه، وكان ابن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات من جميع الطوائف. وعلماء السنة: كابن المبارك وأحمد وإسحاق والبخاري يسمون هؤلاء جميعهم جهمية، وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا هم المعتزلة، وليس كذلك، بل المعتزلة نوع منهم.
والمقصود هنا أن جهما اشتهر عنه بدعتان: إحداهما: نفي الصفات. والثانية: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل/ الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة، وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما، وأما الأشعري فوافقه على أصل قوله، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية.
وجهم لا يثبت شيئًا من الصفات، لا الإرادة ولا غيرها، فإذا قال: إن الله يحب الطاعات ويبغض المعاصي، فمعناه الثواب والعقاب، والأشعري يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج إلى الكلام فيها هل هي المحبة أم لا؟ فقال: المعاصي يحبها الله ويرضاها كما يريدها، وذكر أبو المعالي أنه أول من قال ذلك، وأهل السنة قبله على أن الله لا يحب المعاصي.
وشاع هذا القول في كثير من الصوفية فوافقوا جهما في مسائل الأفعال والقدر، وخالفوه في الصفات كأبي إسماعيل الأنصاري صاحب ذم الكلام، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية في نفي الصفات، وله كتاب في تكفير الجهمية، ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة، وربما كان يلعنهم، وقال بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية ؟ فقال: ألعن من يقول ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضبًا، وهو مع هذا في مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال أبلغ من الأشعرية، لا يثبت سببًا ولا حكمة، بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا يبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة، والحكم عنده هو المشيئة؛ لأن العارف عنده من يصل إلى مقام الفناء، والحسنة والسيئة يفترقان في حظ العبد/ لكونه ينعم بهذه ويعذب بهذه، والالتفات إلى هذا من حظوظ النفس، ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق.
والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا من جهة المخلوق كان أعقل منهم، فإنهم يدعون أن العارف لا يفرق، وغلطوا في حق العبد وحق الرب، أما العبد فيلزمهم أن يستوى عنده جميع الحوادث، وهذا محال قطعًا، فعزلوا الفرق الرحماني، وفرقوا بالطبعي الهوائي الشيطاني، ومن هنا وقع خلق منهم في المعاصي، وآخرون في الفسوق، وآخرون في الكفر حتى جوزوا عبادة الأصنام، ثم كثير منهم ينتقل إلى الوحدة ويصرحون بعبادة كل موجود.
والمقصود الكلام على من نفى الحكم والأسباب والعدل في القدر موافقة لجهم ـ وهي بدعته الثانية بخلاف الإرجاء، فإنه منسوب إلى طوائف غيره ـ فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه؛ ولهذا تجد من اتبعهم غير معظم للأمر والنهي، والوعد والوعيد، بل ينحل عنه أو عن بعضه، ويتكلف لما يعتقده، فإنهم إذا وافقوا جهما والأشعري في أن الحسن والقبيح كونه مأمورًا أو محظورًا، وذلك فرق يعود إلى حظ العبد، وهم يدعون الفناء عن الحظوظ، فتارة يقولون في امتثال الأمر والنهي: إنه من مقام التلبيس، وتارة يقولون: يفعل هذا لأجل أهل المارستان، أي العامة، كما يقوله الشيخ المغربي، إلى أنواع أخر.
/ومن سلك مسلكهم إذا عظم الأمر والنهي غايته أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهودًا، والفرق على لسانك موجودًا، كما يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي؛ مثل دعوى أن الله يعطيه على المعصية أعظم مما يعطيه على الطاعة، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات أو أفضل، ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي.
وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكبر الأولياء من يكون فاجرًا، بل كافرًا، ويقولون: هذه موهبة وعطية، ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء، وتكون من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:101-103].
/وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضَبّ لدخلتموه) الحديث.
والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله القرآن عدل كثير ممن أضله الشيطان من المنتسبين إليهم إلى أن نبذ كتاب الله وراء ظهره، واتبع ماتتلوه الشياطين، فلا يعظم من أمر القرآن بموالاته، ويعادى من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من رآه يأتي ببعض الخوارق التي تأتي بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين لهم، وهي تحصل بما تتلوه الشياطين.
ثم منهم من يعرف أن هذا من الشياطين، ولكن يعظمه لهواه ويفضله على طريقة القرآن، وهؤلاء كفار، كالذين قال الله تعالى فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء:51، 52]، وهؤلاء ضاهوا الذين قال الله تعالى فيهم:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} إلى قوله: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 101، 102]
ومنهم من لا يعرف أنه من الشياطين، وقد يقع في هذا طوائف من أهل الكلام والعلم، وأهل العبادة والتصوف، حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام لما رأوه فيها من الأحوال العجيبة التي تعينهم عليها الشياطين، لما يحصل بها بعض أغراضهم من الظلم والفواحش ،فلم يبالوا بشركهم بالله وبكفرهم به وبكتابه إذا/ نالوا ذلك، ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس وتعظيمهم له لرئاسة أو مال ينالونه، وإن كانوا قد علموا الكفر والشرك ودعوا إليه، بل حصل عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ،واعتقاد أنه خاطب الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن للمصلحة، كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية، ودخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء، وهذا مما ضاهوا به فارس والروم.
فإن فارس كانت تعظم الأنوار، وتسجد للشمس وللنار، والروم كانوا قبل النصرانية مشركين، يعبدون الكواكب والأصنام، فهؤلاء شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى، فإن هؤلاء ضاهوا أهل الكتاب فيما بدل أو نسخ، وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له. وقال رحمه الله تعالى: فالنفوس مفطورة على علم ضروري موجود فيها بالخالق الذي خلق السماوات ، وأنه خلق السماوات والأرض ليس شيئ منها خلق الناس ، كما قال موسى لفرعون لما قال له :{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 23، 24] وقال {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طـه:49، 50].
سئل رحمه الله تعالى:
عمن يعتقد أن الخير من الله والشر من الشيطان ؟ وأن الشر هو بيد العبد، إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فإذا أنكر عليه في هذه يقول: قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: آية 28]، {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: آية 7]، وإن عقيدة هذا، أن الخير من الله وأن الشر بيده، فإذا أراد أن يفعل الشر فعله؛ فإنه قال: إن لي مشيئة فإذا أردت أن أفعل الشر فعلته، فهل له مشيئة فعالة أم لا ؟ .
فأجاب: الحمد لله - أصل هذا الكلام له مقدمتان :
إحداهما: أن يعلم العبد أن الله يأمر بالإيمان والعمل الصالح، ويحب الحسنات ويرضاها، ويكرم أهلها، ويثيبهم ويواليهم، ويرضى عنهم، ويحبهم ويحبونه، وهم جند الله المنصورون، وحزب الله الغالبون، وهم أولياؤه المتقون، وحزبه المفلحون، وعباده الصالحون أهل الجنة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وهم أهل الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وأن الله نهى عن السيئات من الكفر والفسوق والعصيان، وهو يبغض ذلك ويمقت أهله، ويلعنهم ويغضب عليهم، ويعاقبهم ويعاديهم، وهم أعداء الله ورسوله، وهم أولياء الشيطان، وهم أهل النار وهم الأشقياء. لكنهم يتقاربون في هذا ما بين كافر وفاسق، وعاص ليس بكافر ولا فاسق.
والمقدمة الثانية: أن يعلم العبد أن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه. لا رب غيره؛ ولا خالق سواه، وأنه ما شاء كان؛ وما لم يشأ لم يكن؛ لا حول ولا قوة إلا به؛ ولا ملجأ منه إلا إليه؛ وأنه على كل شيء قدير. فجميع ما في السماوات والأرض: من الأعيان وصفاتها؛ وحركاتها؛ فهي مخلوقة له؛ مقدورة له؛ مصرفة بمشيئته، لا يخرج شيء منها عن قدرته وملكه؛ ولا يشركه في شيء من ذلك غيره؛ بل هو سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد؛ وهو على كل شيء قدير، فالعبد فقير إلى الله في كل شيء، يحتاج إليه في كل شيء لا يستغني عن الله طرفة عين؛ فمن يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له. فإذا ثبتت هاتان المقدمتان.
فنقول: إذا ألهم العبد أن يسأل الله الهداية ويستعينه على طاعته، أعانه وهداه، وكان ذلك سبب سعادته في الدنيا والآخرة، وإذا خذل العبد فلم يعبد الله؛ ولم يستعن به، ولم يتوكل عليه، وكل إلى حوله وقوته. فيوليه الشيطان، وصد عن السبيل، وشقي في الدنيا والآخرة وكل ما يكون في الوجود هو بقضاء الله وقدره؛ لا يخرج أحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المحفوظ، وليس لأحد على الله حجة؛ بل {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:149] كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. وعلى العبد أن يؤمن بالقدر، وليس له أن يحتج به على الله؛ فالإيمان به هدى؛ والاحتجاج به على الله ضلال وغي، بل الإيمان بالقدر يوجب أن يكون العبد صبارا شكورا؛ صبورا على البلاء، شكورا على الرخاء، إذا أصابته نعمة علم أنها من عند الله فشكره، سواء كانت النعمة حسنة فعلها، أو كانت خيرا حصل بسبب سعيها، فإن الله هو الذي يسر عمل الحسنات، وهو الذي تفضل بالثواب عليها، فله الحمد في ذلك كله. وإذا أصابته مصيبة صبر عليها، وإن كانت تلك المصيبة قد جرت على يد غيره، فالله هو الذي سلط ذلك الشخص، وهو الذي خلق أفعاله، وكانت مكتوبة على العبد؛ كما قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22]، {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: آية 23] وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: آية11]. قالوا: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وعليه إذا أذنب أن يستغفر ويتوب، ولا يحتج على الله بالقدر، ولا يقول: أي ذنب لي وقد قدر علي هذا الذنب؛ بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك كله بقضاء الله وقدره ومشيئته، إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وخلقه؛ لكن العبد هو الذي أكل الحرام، وفعل الفاحشة، وهو الذي ظلم نفسه؛ كما أنه هو الذي صلى وصام وحج وجاهد، فهو الموصوف بهذه الأفعال؛ وهو المتحرك بهذه الحركات، وهو الكاسب بهذه المحدثات، له ما كسب وعليه ما اكتسب، والله خالق ذلك وغيره من الأشياء لما له في ذلك من الحكمة البالغة بقدرته التامة ومشيئته النافذة. قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: آية55]. فعلى العبد أن يصبر على المصائب، وأن يستغفر من المعائب. والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر؛ ولا يحب الفساد، وهو سبحانه خالق كل شيء؛ وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ ومشيئة العبد للخير والشر موجودة، فإن العبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وهذا. وهو العامل لهذا وهذا، والله خالق ذلك كله وربه ومليكه؛ لا خالق غيره؛ ولا رب سواه؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقد أثبت الله المشيئتين مشيئة الرب؛ ومشيئة العبد؛ وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب في قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [الإنسان:29، 30] وقال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. ِلمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:27: 29]، وقد قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء:78]، {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: آية79]. وبعض الناس يظن أن المراد هنا بالحسنات والسيئات الطاعات والمعاصي، فيتنازعون هذا يقول: قل كل من عند الله، وهذا يقول الحسنة من الله، والسيئة من نفسك، وكلاهما أخطأ في فهم الآية؛ فإن المراد هنا بالحسنات والسيئات، النعم والمصائب. كما في قوله: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: آية 168]. أي امتحناهم واختبرناهم بالسراء والضراء. ومعنى الآية في المنافقين: كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل النصر والرزق والعافية. قالوا: هذا من الله، وإذا أصابتهم سيئة - مثل ضرب ومرض وخوف من العدو - قالوا: هذا من عندك يا محمد أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا لأجله الناس، وابتلينا لأجله بهذه المصائب، فقال الله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: آية 78].
أنت إنما أمرتهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر، وما أصابك من نعمة: نصر وعافية ورزق فمن الله، نعمة أنعم الله بها عليك، وما أصابك من سيئة: فقر وذل وخوف ومرض وغير ذلك، فمن نفسك وذنوبك وخطاياك. كما قال في الآية الأخرى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: آية30] وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] وقال تعالى:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: آية 48]. فالإنسان إذا أصابته المصائب بذنوبه وخطاياه كان هو الظالم لنفسه، فإذا تاب واستغفر جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، والذنوب مثل أكل السم. فهو إذا أكل السم مرض أو مات فهو الذي يمرض ويتألم ويتعذب ويموت، والله خالق ذلك كله، وإنما مرض بسبب أكله، وهو الذي ظلم نفسه بأكل السم. فإن شرب الترياق النافع عافاه الله، فالذنوب كأكل السم، والترياق النافع كالتوبة النافعة، والعبد فقير إلى الله تعالى في كل حال، فهو بفضله ورحمته يلهمه التوبة، فإذا تاب تاب عليه، فإذا سأله العبد ودعاه استجاب دعاءه. كما قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186]. ومن قال: لا مشيئة له في الخير ولا في الشر فقد كذب. ومن قال: إنه يشاء شيئا من الخير أو الشر بدون مشيئة الله فقد كذب؛ بل له مشيئة لكل ما يفعله باختياره من خير وشر، وكل ذلك إنما يكون بمشيئة الله وقدرته فلا بد من الإيمان بهذا وهذا، ليحصل الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومن احتج بالقدر على المعاصي فحجته داحضة، ومن اعتذر به فعذره غير مقبول، بل هؤلاء الضالون. كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. فإن هؤلاء إذا ظلمهم ظالم، بل لو فعل الإنسان ما يكرهونه، وإن كان حقا لم يعذروه بالقدر، بل يقابلوه بالحق والباطل، فإن كان القدر حجة لهم فهو حجة لهؤلاء، وإن لم يكن حجة لهؤلاء لم يكن حجة لهم؛ وإنما يحتج أحدهم بالقدر عند هواه ومعصية مولاه، لا عند ما يؤذيه الناس ويظلمونه. وأما المؤمن فهو بالعكس في ذلك إذا آذاه الناس نظر إلى القدر، فصبر واحتسب، وإذا أساء هو تاب واستغفر. كما قال تعالى:{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55], فالمؤمن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعايب، والمنافق بالعكس لا يستغفر من ذنبه بل يحتج بالقدر، ولا يصبر على ما أصابه، فلهذا يكون شقيا في الدنيا والآخرة؛ والمؤمن سعيدا في الدنيا والآخرة. والله سبحانه أعلم .
سئل أبو العباس ابن تيمية
عن الخير والشر؛ والقدر الكوني؛ والأمر والنهي الشرعي .
فأجاب: الحمد لله. اعلم أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا رب غيره ولا خالق سواه؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ وهو على كل شيء قدير؛ وبكل شيء عليم؛ والعبد مأمور بطاعة الله؛ وطاعة رسوله؛ منهي عن معصية الله؛ ومعصية رسوله؛ فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه؛ وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته، وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب؛ وكان لله عليه الحجة البالغة؛ ولا حجة لأحد على الله؛ وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته؛ لكنه يحب الطاعة ويأمر بها؛ ويثيب أهلها عليها ويكرمهم؛ ويبغض المعصية وينهى عنها؛ ويعاقب أهلها عليها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم فإن الله أنعم بها عليه؛ وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه. كما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: من الآية30] وقال تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: آية 79]: أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم بها عليك؛ وما أصابك من جدب وذل وشر فبذنوبك وخطاياك؛ وكل الأشياء كائنة بمشيئته وقدرته وخلقه فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره؛ وأن يؤمن بشرع الله وأمره. فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين؛ ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها للمجوسيين، ومن آمن بهذا وهذا، وإذا أحسن حمد الله؛ وإذا أساء استغفر الله؛ وعلم أن ذلك كله بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين. فإن آدم - عليه السلام - لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصر واستكبر واحتج بالقدر؛ فلعنه وأقصاه، فمن تاب كان آدميا، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا، فالسعداء يتبعون أباهم آدم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس. فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين. والشهداء والصالحين. والله أعلم .
وقال الشيخ رحمه الله
حديث علي رضي الله عنه المخرج في الصحيح لما طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة - وهما نائمان - فقال: (ألا تصليان فقال علي يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها؛ فولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب بيده على فخذه وهو يقول: {وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54]، هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر، فإن قوله:(إنما أنفسنا بيد الله) إلى آخره. إستناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر، وهي في نفسها كلمة حق، لكن لا تصلح لمعارضة الأمر بل معارضة الأمر فيها من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: {وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: آية54] وهؤلاء أحد أقسام القدرية وقد وصفهم الله في غير هذا الموضع بالمجادلة الباطلة .
سؤال عن القدر:
أورده أحد علماء الذميين فقال:
أيا علماء الدين، ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ** ولم يرضه مني، فما وجه حيلتي ؟
دعاني، وسد الباب عني، فهل إلى ** دخولي سبيل ؟ بينوا لي قضيتي
قضى بضلالي، ثم قال: ارض بالقضا ** فما أنا راض بالذي فيه شقوتي
فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ** فربي لا يرضى بشؤم بليتي
فهل لي رضا، ما ليس يرضاه سيدي ** فقد حرت دلوني على كشف حيرتي
إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ** فهل أنا عاص في اتباع المشيئة ؟
وهل لي اختيار أن أخالف حكمه ؟ ** فبالله فاشفوا بالبراهين علتي
فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد ابن تيمية مرتجلا الحمد لله رب العالمين: سؤالك يا هذا، سؤال معاند ** مخاصم رب العرش، باري البرية
فهذا سؤال، خاصم الملأ العلا ** قديما به إبليس، أصل البلية
ومن يك خصما للمهيمن يرجعن ** على أم رأس هاويا في الحفيرة
ويدعى خصوم الله يوم معادهم ** إلى النار طرا، معشر القدرية
سواء نفوه، أو سعوا ليخاصموا ** به الله، أو ماروا به للشريعة
وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ** هو الخوض في فعل الإله بعلة
فإنهمو لم يفهموا حكمة له ** فصاروا على نوع من الجاهلية
فإن جميع الكون أوجب فعله ** مشيئة رب الخلق باري الخليقة
وذات إله الخلق واجبة بما ** لها من صفات واجبات قديمة
مشيئته مع علمه، ثم قدرة ** لوازم ذات الله قاضي القضية
وإبداعه ما شاء من مبدعاته ** بها حكمة فيه وأنواع رحمة
ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة ** من المنكري آياته المستقيمة
بل الحق أن الحكم لله وحده له ** الخلق والأمر الذي في الشريعة
هو الملك المحمود في كل حالة ** له الملك من غير انتقاص بشركة
فما شاء مولانا الإله، فإنه ** يكون وما لا لا يكون بحيلة
وقدرته لا نقص فيها، وحكمه ** يعم. فلا تخصيص في ذي القضية
أريد بذا أن الحوادث كلها ** بقدرته كانت، ومحض المشيئة
ومالكنا في كل ما قد أراده ** له الحمد حمدا يعتلي كل مدحة
فإن له في الخلق رحمته سرت ** ومن حكم فوق العقول الحكيمة
أمورا يحار العقل فيها إذا رأى ** من الحكم العليا وكل عجيبة
فنؤمن أن الله عز بقدرة ** وخلق وإبرام لحكم المشيئة
فنثبت هذا كله لإلهنا ** ونثبت ما في ذاك من كل حكمة
وهذا مقام طالما عجز الأولى ** نفوه وكروا راجعين بحيرة
وتحقيق ما فيه بتبيين غوره ** وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة
هو المطلب الأقصى لوراد بحره ** وذا عسر في نظم هذي القصيدة
لحاجته إلى بيان محقق ** لأوصاف مولانا الإله الكريمة
وأسمائه الحسنى، وأحكام دينه ** وأفعاله في كل هذي الخليقة
وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا ** وإلهامه للخلق أفضل نعمة
وقد قيل في هذا وخط كتابه ** بيان شفاء للنفوس السقيمة
فقولك: لم قد شاء ؟ مثل سؤال من ** يقول: فلم قد كان في الأزلية؛
وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ** وتحريمه قد جاء في كل شرعة.
وفي الكون تخصيص كثير يدل من ** له نوع عقل: أنه بإرادة
وإصداره عن واحد بعد واحد ** أو القول بالتجويز رمية حيرة
ولا ريب في تعليق كل مسبب ** بما قبله من علة موجبية
بل الشأن في الأسباب، أسباب ما ترى ** وإصدارها عن الحكم محض المشيئة
وقولك: لم شاء الإله ؟ هو الذي ** أزل عقول الخلق في قعر حفرة
فإن المجوس القائلين بخالق ** لنفع، ورب مبدع للمضرة
سؤالهم عن علة السر، أوقعت ** أوائلهم في شبهة الثنوية
وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى ** يقولون بالفعل القديم لعلة
بغوا علة للكون بعد انعدامه ** فلم يجدوا ذاكم، فضلوا بضلة
وإن مبادي الشر في كل أمة ** ذوي ملة ميمونة نبوية
بخوضهمو في ذاكم، صار شركهم ** وجاء دروس البينات بفترة
ويكفيك نقضا أن ما قد سألته ** من العذر مردود لدى كل فطرة
فأنت تعيب الطاعنين جميعهم ** عليك، وترميهم بكل مذمة
وتنحل من والاك صفو مودة ** وتبغض من ناواك من كل فرقة
ذوحالهم في كل قول وفعلة ** كحالك يا هذا بأرجح حجة
وهبك كففت اللوم عن كل كافر ** وكل غوي خارج عن محبة
فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ** على الناس في نفس، ومال، وحرمة
ولا تغضبن يوما على سافك دما ** ولا سارق مالا لصاحب فاقة
ولا شاتم عرضا مصونا، وإن علا ** ولا ناكح فرجا على وجه غية
ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ** ولا مفسد في الأرض في كل وجهة
ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ** ولا قاذف للمحصنات بزنية
ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ** ولا حاكم للعالمين برشوة
وكف لسان اللوم عن كل مفسد ** ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة
وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ** على ربهم، من كل جاء بفرية
وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم ** بروم فساد النوع، ثم الرياسة
وجادل عن الملعون، فرعون، إذ طغى ** فأغرق في اليم انتقاما بغضبة
وكل كفور مشرك بإلهه ** وآخر طاغ كافر بنبوة
كعاد، ونمروذ، وقوم لصالح ** وقوم لنوح، ثم أصحاب الأيكة
وخاصم لموسى، ثم سائر من أتى ** من الأنبياء محييا للشريعة
على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا ** ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة
وإلا فكل الخلق في كل لفظة ** ولحظة عين، أو تحرك شعرة
وبطشة كف، أو تخطي قديمة ** وكل حراك، بل وكل سكينة
همو تحت أقدار الإله وحكمه ** كما أنت فيما قد أتيت بحجة
وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ** فعال ردى، طردا لهذي المقيسة
فهل يمكن رفع الملام جميعه ** عن الناس طرا عند كل قبيحة ؟
وترك عقوبات الذين قد اعتدوا ** وترك الورى الإنصاف بين الرعية
فلا تضمنن نفس ومال بمثله ** ولا يعقبن عاد بمثل الجريمة
وهل في عقول الناس، أو في طباعهم ** قبول لقول النذل: ما وجه حيلتي ؟
ويكفيك نقضا: ما بجسم ابن آدم ** صبي، ومجنون، وكل بهيمة :
من الألم المقضي في غير حيلة ** وفيما يشاء الله أكمل حكمة
إذا كان في هذا له حكمة، فما ** يظن بخلق الفعل، ثم العقوبة ؟
وكيف، ومن هذا عذاب مولد ** عن الفعل، فعل العبد عند الطبيعة ؟
كآكل سم، أوجب الموت أكله ** وكل بتقدير لرب البرية
فكفرك يا هذا؛ كسم أكلته ** وتعذيب نار. مثل جرعة غصة
ألست ترى في هذه الدار من جنى ** يعاقب. إما بالقضا. أو بشرعة ؟
ولا عذر للجاني بتقدير خالق ** كذلك في الأخرى بلا مثنوية
وتقدير رب الخلق للذنب موجب ** لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة
وما كان من جنس المتاب لرفعه ** عواقب أفعال العباد الخبيثة
كخير به تمحى الذنوب. ودعوة ** تجاب من الجاني. ورب شفاعة
وقول حليف الشر: إني مقدر ** علي. كقول الذئب: هذي طبيعتي
وتقديره للفعل يجلب نقمة ** كتقديره الأشياء طرا بعلة
فهل ينفعن عذر الملوم. بأنه ** كذا طبعه. أم هل يقال لعثرة ؟
أم الذم والتعذيب أوكد للذي طبيعته ** فعل الشرور الشنيعة ؟
فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ** ينجيك من نار الإله العظيمة
فدونك رب الخلق، فاقصده ضارعا ** مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة
وذلل قياد النفس للحق، واسمعن ** ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة
وما بان من حق فلا تتركنه ** ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة
ودع دين ذا العادات، لا تتبعنه ** وعج عن سبيل الأمة الغضبية
ومن ضل عن حق فلا تقفونه ** وزن ما عليه الناس بالمعدلية
هنالك تبدو طالعات من الهدى ** تبشر من قد جاء بالحنيفية
بملة إبراهيم. ذاك إمامنا ** ودين رسول الله خير البرية
فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ** به جاءت الرسل الكرام السجية
وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ** حوى كل خير في عموم الرسالة
وأخبر عن رب العباد بأن من ** غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة
فهذي دلالات العباد لحائر ** وأما هداه فهو فعل الربوبية
وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من ** غدا عنه، بل يجري بلا وجه حجة
وحجة محتج بتقدير ربه ** تزيد عذابا، كاحتجاج مريضة
وأما رضانا بالقضاء فإنما ** أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة
كسقم، وفقر، ثم ذل، وغربة ** وما كان من مؤذ، بدون جريمة
فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ** فلا ترتضى، مسخوطة لمشيئة
وقد قال قوم من أولي العلم: لا رضا ** بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة
وقال فريق: نرتضي بقضائه ** ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة
وقال فريق نرتضي بإضافة ** إليه. وما فينا فنلقي بسخطة
كما أنها للرب خلق، وأنها ** لمخلوقه، ليست كفعل الغريزة
فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ** ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة
ومعصية العبد المكلف تركه ** لما أمر المولى، وإن بمشيئة
فإن إله الخلق حق مقاله ** بأن العباد في جحيم وجنة
كما أنهم في هذه الدار هكذا ** بل البهم في الآلام أيضا ونعمة
وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت ** من الفروق بعلم ثم أيد ورحمة
يسوق أولي التعذيب بالسبب الذي ** يقدره نحو العذاب بعزة
ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم ** بأعمال صدق، في رجاء وخشية
وأمر إله الخلق بين ما به ** يسوق أولي التنعيم نحو السعادة
فمن كان من أهل السعادة أثرت ** أوامره فيه بتيسير صنعة
ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل ** بأمر ولا نهي بتقدير شقوة
ولا مخرج للعبد عما به قضي ** ولكنه مختار حسن وسوأة
فليس بمجبور عديم الإرادة ** ولكنه شاء بخلق الإرادة
ومن أعجب الأشياء: خلق مشيئة ** بها صار مختار الهدى بالضلالة
فقولك: هل اختار تركا لحكمة ؟ ** كقولك: هل اختار ترك المشيئة ؟
وأختار أن لا اختار فعل ضلالة ** ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة
وذا ممكن، لكنه متوقف ** على ما يشاء الله من ذي المشيئة
فدونك فافهم ما به قد أجبت من ** معان إذا انحلت بفهم غريزة
أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ** ولله رب الخلق أكمل مدحة
وصلى إله الخلق جل جلاله ** على المصطفى المختار خير البرية