قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 05:57 PM   رقم المشاركة : 1
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي فتاوى ابن تيمية _ الجزء السابع

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده‏.‏
قَالَ شَيخ ُ الإسْلام أَحْمَدُ بنُ تَيمية ـ طَيَّب اللَّهُ ثَرَاه‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه، نستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
اعلم أن ‏[‏الإيمان‏]‏ و‏[‏الإسلام‏]‏ يجتمع فيهما الدين كله، وقد كثر كلام الناس في ‏[‏حقيقة الإيمان والإسلام‏]‏، ونزاعهم،واضطرابهم‏.‏وقد صنفت في ذلك مجلدات، والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف‏.‏
/ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما يستفاد من كلام اللّه ـ تعالى ـ فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام اللّه ورسوله، فإن هذا هو المقصود‏.‏ فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك ــ في ضمن بيان ما يستفاد من كلام اللّه ورسوله ــ ما يبين أن رد موارد النزاع إلى اللّه وإلى الرسول خير وأحسن تأويلا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة‏.‏
فنقول‏:‏ قد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل ـ عليه السلام ـ بين مسمى ‏[‏الإسلام‏]‏ ومسمى ‏[‏الإيمان‏]‏ ومسمى ‏[‏الإحسان‏]‏‏.‏ فقال‏:‏‏(‏الإسلام‏:‏ أن تشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا‏)‏‏.‏
وقال‏:‏‏(‏الإيمان‏:‏ أن تؤمن باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره‏)‏‏.‏
والفرق مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة الذي اتفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه‏:‏ أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان أعرابي فسأله‏.‏ وفي حديث عمر‏:‏ أنه جاءه في صورة أعرابي‏.‏
وكذلك فسر ‏[‏الإسلام‏]‏ في حديث ابن عمر المشهور، قال‏:‏ ‏(‏بني الإسلام على خمس‏:‏شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،وحج البيت، وصوم رمضان‏)‏‏.‏
وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه/ليس المبني غير المبني عليه، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات أعلاها‏:‏الإحسان، وأوسطها‏:‏ الإيمان، ويليه‏:‏الإسلام، فكل محسن مؤمن،وكل مؤمن مسلم،وليس كل مؤمن محسناً،ولا كل مسلم مؤمنا، كما سيأتي بيانه ــ إن شاء اللّه ــ في سائر الأحاديث،كالحديث الذي رواه حماد بن زيد،عن أيوب،عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام،عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏‏(‏أسلم تسلم‏)‏‏.‏قال‏:‏وما الإسلام‏؟‏ قال‏:‏‏(‏أن تسلم قلبك للّه،وأن يسلم المسلمـون مـن لسانك ويـدك‏)‏‏.‏قال‏:‏فأي الإسلام أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏الإيمان‏)‏‏.‏ قال‏:‏ وما الإيمان ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تؤمن باللّه وملائكته، وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فأي الإيمان أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏الهجرة‏)‏‏.‏قال‏:‏وما الهجرة‏؟‏قال‏:‏‏(‏أن تهجر السوء‏)‏‏.‏قال‏:‏فأي الهجرة أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الجهاد‏)‏‏.‏قال‏:‏وما الجهاد‏؟‏ قال‏:‏‏(‏أن تجاهد،أو تقاتل الكفار إذا لقيتهم،ولا تَغْلُل،ولا تَجْبُن‏)‏‏.‏ ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما ــ قالها ثلاثا ــ حجة مبرورة، أو عمرة‏)‏ رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزي‏.‏
ولهذا يذكر هذه ‏(‏المراتب الأربعة‏)‏ فيقول‏:‏ ‏(‏المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيئات، والمجاهد من جاهد نفسه للّه‏)‏‏.‏ وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو،وفَضَالة بن عبيد وغيرهما بإسناد جيد، وهو في السنن، وبعضه في الصحيحين‏.‏/ وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال‏:‏‏(‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم‏)‏‏.‏ومعلوم أن من كان مأموناً على الدماء والأموال؛ كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده،ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه‏.‏وكذلك في حديث عبيد بن عمير، عن عمرو بن عَبَسة‏.‏
وفي حديث عبد اللّه بن عبيد بن عمير ـ أيضاً ـ عن أبيه،عن جده؛ أنه قيل لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما الإسلام‏؟‏ قال‏:‏‏(‏إطعام الطعام، وطِيبُ الكلام‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ فما الإيمان‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏السَّمَاحة والصبر‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ فمن أفضل المسلمين إسلاماً‏؟‏ قال‏:‏‏(‏من سَلِم المسلمون من لسانه ويده‏)‏‏.‏قيل‏:‏ فمن أفضل المؤمنين إيمانًا‏؟‏ قال‏:‏‏(‏أحسنهم خُلُقاً‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ فما أفضل الهجرة‏؟‏ قال‏:‏‏(‏من هَجَر ما حَرَّم اللّه عليه‏)‏‏.‏ قال‏:‏أي الصلاة أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏طول القُنُوت‏)‏‏.‏ قال‏:‏أي الصدقة أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏جُهْد مُقل‏)‏‏.‏ قال‏:‏ أي الجهاد أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تجاهد بمالك ونفسك،فيُعَقْرُ جَوَادُك، ويُراق دَمُك‏)‏‏.‏ قال أي الساعات أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏جَوْف الليل الغَابِر‏)‏‏.‏
ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لابد أن يكون مؤمناً، وكذلك المجاهد؛ ولهذا قال‏:‏‏(‏الإيمان‏:‏ السماحة والصبر‏)‏، وقال في الإسلام‏:‏ ‏(‏إطعام الطعام، وطيب الكلام‏)‏‏.‏والأول مستلزم للثاني؛ فإن من كان خلقه السماحة، فعل هذا بخلاف الأول؛ فإن الإنسان قد يفعل ذلك تَخَلُّقاً،ولا يكون في خلقه سماحة وصبر‏.‏ وكذلك قال‏:‏‏(‏أفضل المسلمين/ من سلم المسلمون من لسانه ويده‏)‏‏.‏وقال‏:‏‏(‏أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً‏)‏ ،ومعلوم أن هذا يتضمن الأول؛ فمن كان حسن الخلق فعل ذلك‏.‏
قيل للحسن البصري‏:‏ما حُسْن الخلق‏؟‏ قال‏:‏ بَذْل النَّدَى، وكَفُّ الأذى،وطلاقة الوجه‏.‏ فكف الأذى جزء من حسن الخلق‏.‏
وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان كقوله‏:‏‏(‏الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعْبَة، أعلاها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إمَاطَة الأذى عن الطريق‏)‏‏.‏ وقوله لوَفْد عبد القَيْس‏:‏‏(‏آمركم باللّه وحده،أتدرون ما الإيمان باللّه وحده‏؟‏شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له،وإقام الصلاة،وإيتاء الزكاة،وأن تؤدوا خُمُسَ ما غَنِمْتُم‏)‏‏.‏
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا باللّه بدون إيمان القلب؛ لما قد أخبر في غير موضع، أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وفي المسند عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الإسلام عَلاَنِيَة، والإيمان في القلب‏)‏‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏إن في الجسد مُضْغَة، إذا صَلُحَت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد،ألا وهي القلب‏)‏‏.‏ فمن صلح قلبه صلح جسده قطعاً، بخلاف العكس‏.‏
وقال سفيان بن عُيَيْنَة‏:‏ كان العلماء فيما مَضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات‏:‏ من أصلح سَرِيرَته،أصلح اللّه علانيته، ومن أصلح ما بينه/ وبين اللّه، أصلح اللّه ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته، كَفَاه اللّه أمر دنياه‏.‏ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ‏[‏الإخلاص‏]‏‏.‏
فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان، صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان؛ يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل‏:‏‏(‏هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم‏)‏‏.‏فجعل الدين هو الإسلام،والإيمان،والإحسان‏.‏فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث‏:‏ مسلم ثم مؤمن ثم محسن،كما قال تعالى‏:‏‏{‏ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏32‏]‏، والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه‏.‏وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب،لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن،فإنه معرض للوعيد،كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه‏.‏
وأما ‏[‏الإحسان‏]‏ فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان‏.‏ و‏[‏الإيمان‏]‏أعم من جهة نفسه،وأخص من جهة أصحابه من الإسلام‏.‏فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام،والمحسنون أخص من المؤمنين،والمؤمنون أخص من المسلمين‏.‏ وهذا كما يقال‏:‏ في ‏[‏الرسالة والنبوة‏]‏، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها،وأخص من جهة أهلها؛فكل رسول نبي،وليس كل نبي رسولاً، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة؛ فإنها لا تتناول الرسالة‏.‏
/والنبي صلى الله عليه وسلم فسر ‏[‏الإسلام والإيمان‏]‏ بما أجاب به، كما يجاب عن المحدود بالحد،إذا قيل‏:‏ما كذا‏؟‏ قيل‏:‏ كذا، وكذا‏.‏ كما في الحديث الصحيح، لما قيل‏:‏ ما الغِيبَة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ذِكْرُك أخاك بما يَكْرَه‏)‏‏.‏ وفي الحديث الآخر‏:‏‏(‏الكِبْر بَطَر الحق،وغَمْط الناس‏)‏‏.‏ وبَطَر الحق‏:‏ جحده ودفعه‏.‏ وغَمْط الناس‏:‏ احتقارهم وازدراؤهم‏.‏
وسنذكر إن شاء اللّه تعالى سبب تنوع أجوبته، وإنها كلها حق‏.‏
ولكن المقصود أن قوله‏:‏‏(‏بُنِي الإسلام على خمس‏)‏، كقوله‏:‏‏(‏الإسلام هو الخمس‏)‏ كما ذكر في حديث جبرائيل؛ فإن الأمر مركب من أجزاء، تكون الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها؛ فالإسلام مبني على هذه الأركان وسنبين ــ إن شاء اللّه ــ اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات‏؟‏
وقد فسر‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وَفْد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر فيه الحج، وهو متفق عليه، فقال‏:‏‏(‏آمركم بالإيمان باللّه وحده، هل تدرون ما الإيمان باللّه وحده‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ اللّه ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ــ أو خمساً من المغنم‏)‏‏.‏
وقد روى في بعض طرقه‏:‏‏(‏الإيمان باللّه، وشهادة أن لا إله إلا اللّه‏)‏‏.‏
/لكن الأول أشهر‏.‏وفي رواية أبي سعيد‏:‏‏(‏آمركم بأربع،وأنهاكم عن أربع‏:‏ اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً‏)‏، وقد فسر ـ في حديث شعب الإيمان ـ الإيمان بهذا وبغيره، فقال‏:‏‏(‏الإيمان بِضْعٌ وستون ـ أو بضع وسبعون ـ شعبة،أفضلها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبَة من الإيمان‏)‏‏.‏
وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال‏:‏‏(‏الحياء شعبة من الإيمان‏)‏ من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصَين،وقال أيضاً‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏،وقال‏:‏‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏)‏، وقال‏:‏‏(‏واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ من يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الذي لا يأمن جاره بوائقه‏)‏، وقال‏:‏‏(‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏)‏‏.‏ وقال‏:‏‏(‏ما بعث اللّه من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه، ويَسْتَنُّون بسُنَّتِه‏.‏ ثم إنه يخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّة خَرْدَل‏)‏،وهذا من أفراد مسلم‏.‏
وكذلك في أفراد مسلم قوله‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا،أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم‏؟‏/أفشوا السلام بينكم‏)‏، وقـال في الحديث المتفق عليه ـ من رواية أبي هريرة، ورواه البخاري من حديث ابن عباس ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يَنْتَهِبُ النُّهْبَة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن‏)‏‏.‏
فيقال‏:‏اسم ‏[‏الإيمان‏]‏ تارة يذكر مفرداً غير مقرون باسم الإسلام،ولا باسم العمل الصالح،ولا غيرها، وتارة يذكر مقروناً، إما بالإسلام،كقوله في حديث جبرائيل‏:‏ ‏(‏ما الإسلام وما الإيمان‏؟‏‏)‏،وكقوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏35‏]‏،وقوله عز وجل‏:‏‏{‏ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏14‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏35، 36‏]‏‏.‏
وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ‏}‏‏[‏البينة‏:‏7‏]‏، وإما مقروناً بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى‏:‏‏{‏ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏56‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏11‏]‏‏.‏ وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم؛ فإنهم خيارهم، قال تعالى‏:‏‏{‏ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏162‏]‏‏.‏
/ويذكر ـ أيضًا ـ لفظ المؤمنين مقروناً بالذين هادوا والنصارى والصابئين،ثم يقول‏:‏ ‏{‏مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏62‏]‏، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عَمَّهُم؛ كما عَمَّهُم في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏}‏ وسنبسط هذا إن شاء اللّه تعالى‏.‏
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان‏.‏ وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى‏.‏ فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة‏:‏ الشهادتان، والصلاة، والزكاة،والصيام، والحج‏.‏ وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر‏.‏ وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏الإسلام علانية، والإيمان في القلب‏)‏‏.‏
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة،كقوله في حديث الشعب‏:‏‏(‏الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها‏:‏ قول لا إله إلا اللّه، وأدناها‏:‏ إماطة الأذى عن الطريق‏)‏‏.‏ وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان‏.‏
ثم إن نفي ‏[‏الإيمان‏]‏ عند عدمها،دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ـ ولم ينف إيمانه ـ دل على أنها مستحبة؛ فإن اللّه ورسوله/ لا ينفي اسم مسمى أمر ـ أمر اللّه به، ورسوله ـ إلا إذا ترك بعض واجباته،كقوله‏:‏‏(‏لا صلاة إلا بأم القرآن‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له‏)‏ ونحو ذلك‏.‏
فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه‏.‏ وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر‏.‏ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل‏.‏
فمن قال‏:‏ إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق‏.‏ وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب،فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئاً، لم يجز أن يقال‏:‏ ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً‏.‏ فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته‏:‏‏(‏ارجع فَصَلِّ،فإنك لم تُصَلِّ‏)‏، وقال لمن صلى خلف الصف ـ وقد أمره بالإعادة ـ‏:‏‏(‏لا صلاة لفَذٍّ خلف الصف‏)‏ كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏}‏‏[‏الحجرات‏:‏15‏]‏،يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب‏.‏
/والجهاد ـ وإن كان فرضاً على الكفاية ـ فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء،فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله إذا تعين؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏من مات ولم يَغْزولم يُحَدِّث نفسه بغزو، مات على شُعْبَة نفاق‏)‏ رواه مسلم‏.‏ فأخبر أنه من لم يَهِمّ به، كان على شعبة نفاق‏.‏وأيضاً، فالجهاد جنس، تحته أنواع متعددة، ولابد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه‏.‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا‏}‏‏[‏الأنفال‏:‏2-4‏]‏‏.‏هذا كله واجب؛ فإن التوكل على اللّه واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص للّه واجب، وحب اللّه ورسوله واجب‏.‏ وقد أمر اللّه بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكل على غير اللّه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ‏}‏‏[‏هود‏:‏123‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏13‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏160‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏84‏]‏‏.‏
وأما قوله‏:‏‏{‏ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ‏}‏ فيقال‏:‏ من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمناً، لزم ذلك بغير قصد منه ولا تَعمُّد له‏.‏/ وإذا لم يوجد،دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏22‏]‏، فأخبر أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين للّه ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته،كما ينفي أحد الضدين الآخر‏.‏ فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء اللّه، فإذا كان الرجل يوالي أعداء اللّه بقلبه، كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب‏.‏
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏80، 81‏]‏، فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف ‏[‏لو‏]‏،التي تقتضي مع الشرط انتقاء المشروط، فقال‏:‏‏{‏وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء‏}‏، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان باللّه والنبي وما أنزل إليه‏.‏
ومثله قوله تعالى‏:‏‏{‏لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏51‏]‏،فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون/ مؤمناً، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم،فالقرآن يصدق بعضه بعضًا، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ‏}‏الآية ‏[‏الزمر‏:‏23‏]‏، وكذلك قوله‏:‏‏{‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏62‏]‏‏:‏دليل على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز،وأنه يجب ألا يذهب حتى يستأذن،فمن ذهب ولم يستأذن كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان؛فلهذا نفى عنه الإيمان،فإن حرف‏[‏إنما‏]‏ تدل على إثبات المذكور ونفي غيره‏.‏
ومن الأصوليين من يقول‏:‏ إن ‏[‏إن‏]‏ للإثبات، و ‏[‏ما‏]‏ للنفي، فإذا جمع بينهما دلت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربية، ومن يتكلم في ذلك بعلم، فإن ‏[‏ما‏]‏ هذه هي الكافة التي تدخل على ‏[‏إن‏]‏ وأخواتها فتكفها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصت بالجمل الإسمية، فلما كفت بطل عملها واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعلية والإسمية،فتغير معناها وعملها جميعاً بانضمام‏[‏ما‏]‏ إليها،وكذلك كأنما وغيرها‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏47‏:‏ 51‏]‏
فإن قيل‏:‏ إذا كان المؤمن حقاً هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات، فقد قال‏:‏ ‏{‏ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏4‏]‏، ولم يذكر إلا خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 15‏]‏، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏62‏]‏‏.‏
قيل‏:‏ عن هذا جوابان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يكون ما ذكر مستلزمًا لما ترك؛ فإنه ذكر وَجَلَ قلوبهم إذا ذكر اللّه، وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه، وإقام الصلاة على الوجه المأمور به باطناً وظاهراً، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي؛ فإن وَجَل القلب عند ذكر اللّه يقتضي خشيته والخوف منه، وقد فسروا ‏[‏وجلت‏]‏ بـ ‏[‏فرقت‏]‏‏.‏ وفي قراءة ابن مسعود‏:‏‏[‏إذ ذكر الله فرقت قلوبهم‏]‏‏.‏ وهذا صحيح؛ فإن الوَجَل في اللغة‏:‏هو الخوف، يقال‏:‏حُمْرَة الخَجَل، وصُفْرَة الوَجَل، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏60‏]‏، قالت عائشة‏:‏ يا رسول اللّه، هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب‏؟‏ قال‏:‏‏(‏لا يا ابنة الصديق ‏!‏ هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه‏)‏‏.‏
وقال السُّدِّي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏2‏]‏‏:‏هو /الرجل يريد أن يظلم أو يَهِمَّ بمعصية فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى‏:‏‏{‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏40، 41‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏‏.‏ قال مجاهد وغيره من المفسرين‏:‏ هو الرجل يَهِمُّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي اللّه، فيتركها خوفاً من اللّه‏.‏
وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور‏.‏ قال سهل بن عبد اللّه‏:‏ ليس بين العبد وبين اللّه حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من اللّه‏.‏ ويدل على ذلك قوله تعالى‏:‏‏{‏ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏154‏]‏، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون اللّه‏.‏
قال مجاهد وإبراهيم‏:‏ هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام اللّه، فيدع الذنب‏.‏ رواه ابن أبي الدنيا، عن ابن الجَعْدِ، عن شعبة،عن منصور،عنهما، في قوله تعالى‏:‏‏{‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏}‏‏.‏وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏5‏]‏‏.‏ وهم ‏[‏المؤمنون‏]‏، وهم ‏[‏المتقون‏]‏ المذكورون في قوله تعالى‏:‏‏{‏ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏1، 2‏]‏، كما قال في آية البر‏:‏‏{‏ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏177‏]‏‏.‏ وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏123‏]‏‏.‏ وإذا لم يضل فهو متبع مهتد،/ وإذا لم يَشْقَ فهو مرحوم‏.‏ وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،غير المغضوب عليهم،ولا الضالين‏.‏ فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوباً عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالين، فتبين أن أهل رهبة اللّه يكونون متقين للّه، مستحقين لجنته بلا عذاب‏.‏ وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب‏.‏
ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏28‏]‏، والمعنى‏:‏ أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر اللّه أن كل من خشى اللّه فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏9‏]‏،والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً؛ كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً؛ فأهل الخوف للّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللّه‏.‏ وقد روى عن أبي حيان التيمي أنه قال‏:‏ العلماء ثلاثة‏:‏ فعالم باللّه ليس عالماً بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس عالماً باللّه، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه‏.‏ فالعالم باللّه هو الذي يخافه، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه‏.‏ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه،وأعلمكم بحدوده‏)‏‏.‏
وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى‏:‏/ ‏{‏ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏13، 14‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏، فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب؛ ولهذا يقال للفاجر‏:‏ لا يخاف اللّه‏.‏ ويدل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏17‏]‏‏.‏
قال أبو العالية‏:‏ سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي‏:‏ كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب‏.‏ وكذلك قال سائر المفسرين‏.‏ قال مجاهد‏:‏ كل عاص فهو جاهل حين معصيته‏.‏ وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم‏:‏ إنما سموا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ليس معنى الآية‏:‏ أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين‏:‏أحدهما‏:‏ أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه‏.‏ والثاني‏:‏ أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة‏.‏ فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال‏:‏ هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية‏.‏
والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم/ مطيع للّه، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من اللّه؛ إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص‏.‏ ومنه قول ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ‏:‏ كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دل على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوباً له ولا مكروهاً، فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلبا‏.‏ وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب‏.‏
وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ــ ويروى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏العلم علمان‏:‏ فعلم في القلب، وعلم على اللسان‏.‏ فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة اللّه على عباده‏]‏‏.‏
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى،عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة، طعمها طَيِّب وريحها طيب‏.‏ ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها‏.‏ ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر‏.‏ ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحَنْظَلَة، طعمها مر، ولا ريح لها‏)‏‏.‏ وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه، وقد يصدق أنه/ كلام اللّه، وأن الرسول حق، ولا يكون مؤمنا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم،وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما‏.‏ لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة‏.‏ فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه‏:‏ إنه جاهل،كما تقدم‏.‏
وكذلك لفظ ‏[‏العقل‏]‏ ـ وإن كان هو في الأصل‏:‏ مصدر عَقَل يَعْقِل عَقْلاً، وكثير من النظار جعله من جنس العلوم ـ فلابد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه؛ ولهذا قال أصحاب النار‏:‏ ‏{‏ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏10‏]‏، وقال عن المنافقين‏:‏ ‏{‏ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏14‏]‏، ومن فعل ما يعلم أنه يضره؛ فمثل هذا ما له عقل، فكما أن الخوف من اللّه يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته،وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من اللّه ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا‏.‏ ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏9‏:‏ 12‏]‏
فأخبرَ أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏13‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏8‏]‏؛ ولهذا قالوا في قوله‏:‏/ ‏{‏ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ‏}‏‏:‏ سيتعظ بالقرآن من يخشى اللّه، وفي قوله‏:‏‏{‏ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ‏}‏‏:‏ إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة‏.‏ وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر بما تذكره، فإن تذكر محبوباً طلبه، وإن تذكر مرهوباً هرب منه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏6‏]‏، وقال سبحانه‏:‏‏{‏ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏11‏]‏، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله‏:‏‏{‏ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏}‏، فأَثْبَت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف،فالإنذار مثل التعليم والتخويف، فمن عَلَّمْتَه فتعلَّم فقد تم تعليمه، وآخر يقول‏:‏علَّمته فلم يتعلم‏.‏ وكذلك من خوَّفته فخاف،فهذا هو الذي تم تخويفه‏.‏ وأما من خُوِّف فما خاف، فلم يتم تخويفه‏.‏ وكذلك من هديته فاهتدى، ثم هداه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏2‏]‏، ومن هديته فلم يهتد ـ كما قال‏:‏ ‏{‏ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏17‏]‏ ـ فَلم يتم هداه، كما تقول‏:‏ قطعته فانقطع،وقطعته فما انقطع‏.‏
فالمؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاماً، والفعل إذا صادف محلاً قابلاً تم، وإلا لم يتم‏.‏ والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه؛ ولهذا يسمى هذا العلم‏:‏ الداعي، ويقال‏:‏ الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة،و الفساد /يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعاً، كالممرور الذي يجد العسل مراً، فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 109، 110‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏‏{‏ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏5‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏155‏]‏،وقال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏88‏]‏‏.‏ و‏[‏الغلف‏]‏ جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف مثل الأقلف، كأنهم جعلوا المانع خلقة، أي خلقت القلوب وعليها أغطية، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ‏}‏ و ‏{‏ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ‏}‏،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏16‏]‏‏.‏
وكذلك قالوا‏:‏ ‏{‏ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏91‏]‏،قال‏:‏ ‏{‏ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏23‏]‏ أي‏:‏ لأفهمهم ما سمعوه، ثم قال‏:‏ولو أفهمهم مع هذه الحال التي هم عليها، ‏{‏ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏23‏]‏، فقد فسدت فطرتهم فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحة القوة العلمية، وصحة القوة العملية، وقال‏:‏‏{‏ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏44‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏179‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏171‏]‏، وقال عن المنافقين‏:‏ ‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏18‏]‏‏.‏
ومن الناس من يقول‏:‏ لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق،جعلوا صماً بكماً عمياً؛ أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصُّمِّ العُْمي البُكْم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت وصمت وبكمت، كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏46‏]‏، والقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت كما تسمع البهائم، والمعنى‏:‏ لا يفقهه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهًا تاماً، فإن الفقه التام يستلزم تأثيره في القلب محبة المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصور التام حاصلاً فجاز نفيه؛لأن ما لم يتم ينفى، كقوله للذي أساء في صلاته‏:‏‏(‏صَلِّ فإنك لم تُصَلّ‏)‏، فنفى الإيمان حيث نفى من هذا الباب‏.‏
وقد جمع اللّه بين وصفهم بوجل القلب إذا ذكر، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته‏.‏ قال الضحاك‏:‏ زادتهم يقينا‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ خشية‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ تصديقاً‏.‏ وهكذا قد ذكر اللّه هذين الأصلين في مواضع، قال تعالى‏:‏‏{‏ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 16‏]‏
والخشوع يتضمن معنيين‏:‏ أحدهما‏:‏ التواضع والذل‏.‏ والثاني‏:‏ السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته للّه وطمأنينته أيضاً؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا، وهذا؛ التواضع والسكون‏.‏ وعن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏2‏]‏ قال‏:‏ مخبتون أذلاء‏.‏ وعن الحسن وقتادة‏:‏ خائفون‏.‏ وعن مقاتل‏:‏ متواضعون‏.‏ وعن علِيّ‏:‏ الخشوع في القلب، وأن تلِين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالا‏.‏وقال مجاهد‏:‏ غَضُّ البصر وخَفْض الْجنَاح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره، أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا‏.‏
وعن عمرو بن دينار‏:‏ ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حسن الهيئة في الصلاة‏.‏وعن ابن سِيرِين وغيره‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يمينًا وشمالاً حتى نزلت هذه‏:‏ ‏{‏ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ‏}‏ الآية ‏[‏المؤمنون‏:‏1، 2‏]‏، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض‏.‏ وعن عطاء‏:‏ هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة‏.‏ وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال‏:‏ ‏(‏لو خشع/ قلب هذا لخشعت جوارحه‏)‏‏.‏ ولفظ الخشوع ـ إن شاء اللّه ـ يبسط في موضع آخر‏.‏
وخشوع الجسد تَبَعُ لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه، كما روي‏:‏ ‏(‏تَعَوَّذُوا باللّه من خشوع النفاق‏)‏،وهو أن يرى الجسد خاشعاً والقلب خالياً لاهياً، فهو ــ سبحانه ــ استبطأ المؤمنين بقوله‏:‏ ‏{‏ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏16‏]‏،فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً‏.‏
وكذلك قال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏23‏]‏، والذين يخشون ربهم، هم الذين إذا ذكر اللّه تعالى وجلت قلوبهم‏.‏
فإن قيل‏:‏ فخشوع القلب لذكر اللّه وما نزل من الحق واجب‏.‏ قيل‏:‏ نعم، لكن الناس فيه على قسمين‏:‏مقتصد وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار‏:‏ هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللّهم، إني أعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ودعاء لا يُسْمَع‏)‏‏.‏
/ وقد ذم اللّه قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏74‏]‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ قَسَتْ في اللغة‏:‏ غَلُظَتْ ويَبِسَتْ وعَسِيَتْ‏.‏ فقسوة القلب، ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه‏.‏ والقاسي والعاسي‏:‏ الشديد الصلابة، وقال ابن قتيبة‏:‏ قَسَتْ وعَسَتْ وعَتَتْ، أي يَبِسَتْ‏.‏
وقوة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، وليناً من غير ضعف‏.‏ وفي الأثر‏:‏ القلوب آنية اللّه في أرضه، فأحبها إلى اللّه أصلبها وأرقها وأصفاها‏.‏ وهذا كاليد فإنها قوية لينة، بخلاف ما يقسو من العقب،فإنه يابس لا لين فيه، وإن كان فيه قوة، وهو _ سبحانه _ ذكر وجل القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علماً وعملاً‏.‏
ثم لابد من التوكل على اللّه فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر عليه، وأصل ذلك الصلاة و الزكاة فمن قام بهذه الخمس كما أمر، لزم أن يأتي بسائر الواجبات‏.‏
بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أمر، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما روي عن ابن مسعود، وابن عباس‏:‏ أن في الصلاة منتهى ومزدجراً عن معاصي اللّه،فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر،لم يزدد بصلاته من اللّه إلا بعداً‏.‏وقوله‏:‏ لم يزدد إلابُعْداً، إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من اللّه أكثر مما قربه فعل الواجب الأقل،وهذا/ كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يَرْقُبُ الشمس حتى إذا كانت بين قَرْنَي شيطان، قام فنقر أربعاً لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً‏)‏، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏142‏]‏‏.‏
وفي السنن عن عَمَّار، عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏ إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها‏)‏،حتى قال‏:‏‏(‏إلا عشرها‏)‏،وعن ابن عباس قال‏:‏ ليس لك من صلاتك إلا ما عَقَلْت منها‏.‏ وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتي من التطوعات بما يجبر نقص فرضه‏.‏ ومعلوم أن من حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى اللّه الخشية التي أمره بها، فإنه يأتي بالواجبات، ولا يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر _ مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، وغير ذلك _ فلابد أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور، وإن بقي أصل التصديق في قلبه‏.‏ وهذا من الإيمان الذي ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن‏)‏‏.‏فإن المتقين كما وصفهم اللّه بقوله‏:‏‏{‏ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏201‏]‏،فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان/ تذكروا، فيبصرون‏.‏ قال سعيد بن جُبَيْر‏:‏ هو الرجل يغضب الغَضْبَة، فيذكر اللّه، فيَكْظِم الغَيْظ‏.‏ وقال لَيْثُ عن مجاهد‏:‏ هو الرجل يَهِمُّ بالذنب، فيذكر اللّه، فيدعه‏.‏ والشهوة والغضب مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع،ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏202‏]‏ أي‏:‏ وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي، ثم لا يقصرون‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لا الإنس تقصر عن السيئات‏.‏ ولا الشياطين تمسك عنهم، فإذا لم يبصر بقي قلبه في غي، والشيطان يمده في غيه‏.‏ وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب‏.‏ فذلك النور والإبصار‏.‏ وتلك الخشية والخوف، يخرج من قلبه‏.‏ وهذا‏:‏ كما أن الإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئًا، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رَيْن الذنوب لا يبصر الحق‏.‏ وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر‏.‏
وهكذا جاء في الآثار‏:‏ قال أحمد بن حنبل في كتاب ‏[‏الإيمان‏]‏‏:‏ حدثنا يحيي، عن أشعث، عن الحسن، عن النبي صلىالله عليه وسلم قال‏:‏‏(‏ ينزع منه الإيمان، فإن تاب أعيد إليه‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ حدثنا يحيي، عن عوف،قال‏:‏ قال الحسن‏:‏يجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان‏.‏ وقال أحمد‏:‏حدثنا معاوية عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، قال‏:‏ وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث‏:‏ ‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن‏)‏‏:‏ فإنهم يقولون‏:‏ فإن لم يكن مؤمنا فما هو‏؟‏ قال‏:‏ فأنكر ذلك‏.‏ وكره مسألتي عنه‏.‏
وقال أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إبراهيم بن/ مهاجر، عن مجاهد،عن ابن عباس؛ أنه قال لغلمانه‏:‏ من أراد منكم الباءة زوجناه،لا يزني منكم زان إلا نزع اللّه منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه‏.‏







آخر مواضيعه 0 القناعة , القناعه , مفهوم القناعة , الطريق الى القناعة
0 عمل المرأة والاختلاط
0 الاسراء والمعراج
0 الفوائد العشرة لغض البصر
0 من اجل صيف مميز

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 05:59 PM   رقم المشاركة : 2
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وقال أبو داود السِّجِسْتَاني‏:‏حدثنا عبد الوهاب بن نجدة،حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد اللّه بن ربيعة الحضرمي؛ أنه أخبره عن أبي هريرة‏:‏أنه كان يقول‏:‏ إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرة ويقلعه أخرى،وكذلك رواه بإسناده عن عمر، وروى عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً‏.‏ وفي حديث عن أبي هريرة مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظُّلَّة، فإذَا انقطع رجع إليه الإيمان‏)‏‏.‏ وهذا _ إن شاء اللّه _ يبسط في موضع آخر‏.
فَصْـل‏:‏
وقد جاءت أحاديث تَنَازع الناس في صحتها، مثل قوله‏:‏‏(‏لا صلاة إلا بوُضُوء،ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه‏)‏،فأما الأول‏:‏فهو كقوله‏:‏‏(‏لا صلاة إلا بطهور‏)‏ وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ فإن الطهور واجب في الصلاة، فإنما نفى الصلاة لانتفاء واجب فيها، وأما ذكر اسم اللّه _ تعالى _ على الوضوء، ففي وجوبه نزاع معروف، وأكثر العلماء لا يوجبونه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخَرْقِي وأبو محمد وغيرهما‏.‏ والثاني‏:‏ يجب وهو قول طائفة من أهل العلم‏.‏ وهو الرواية الأخرى عن أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى وأصحابه‏.‏ وكذلك قوله‏:‏‏(‏ لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد‏)‏ رواه الدارقطني، فمن الناس من يضعفه مرفوعاً ويقـول‏:‏هو من كلام علي _ رضي اللّه عنه _ ومنهم من يثبته كعبد الحق‏.‏
وكذلك قوله‏:‏‏(‏لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل‏)‏ قد رواه أهل السنن‏.‏ وقيل‏:‏ إن رفعه لم يصح، وإنما يصح موقوفاً على ابن عمر أو حفصة، فليس لأحد أن يثبت لفظا عن الرسول،مع أنه أريد به نفي الكمال/ المستحب،فإن صحت هذه الألفاظ دلت قطعاً على وجوب هذه الأمور، فإن لم تصح فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة، وليس لأحد أن يحمل كلام اللّه ورسوله على وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام اللّه ورسوله ما يدل على مراد اللّه ورسوله،وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول اللّه ـ تعالى ـ ورسوله صلىالله عليه وسلم ليس قول اللّه ورسوله تابعاً لأقولهم‏.‏
فإذا كان فى وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى، لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام اللّه ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء‏.‏ ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم، وقد نشأ على قول لا يعرف غيره فيظنه إجماعاً،كمن يظن أنه إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته إجماعاً، وليس الأمر كذلك، بل للعلماء قولان معروفان في إجزاء هذه الصلاة، وفي مذهب أحمد فيها قولان؛ فطائفة من قدماء أصحابه _ حكاه عنهم القاضي أبو يعلى في شرح المذهب، ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره _ يقولون‏:‏ من صلى المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ له ذلك،فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة، فإن أمكنه أن يؤديها في جماعة بعد ذلك فعليه ذلك، وإلا باء بإثمه،كما يبوء تارك الجمعة بإثمه، والتوبة معروضة‏.‏ وهذا قول غير واحد من أهل العلم، وأكثر الآثار المروية عن السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا‏.‏
وقد احتجوا بما ثبت عنه صلىالله عليه وسلم، أنه قال‏:‏‏(‏من سمع النداء/ ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له‏)‏،وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه في المعذور الذي تباح له الصلاة وحده، كما ثبت عنه أنه قال‏:‏‏(‏صلاة الرجل قاعداً على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد‏)‏، والمراد به المعذور، كما في الحديث‏:‏ أنه خرج وقد أصابهم وَعْكُ، وهم يصلون قعوداً، فقال ذلك‏.‏
ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعاً من غير عذر، ولا يعرف أن أحداً من السلف فعل ذلك، وجوازه وجه في مذهب الشافعي، وأحمد، ولا يعرف لصاحبه سلف صدق، مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى؛ فلو كان يجـوز لكل مسلم أن يصلي التطوع على جنبه، وهو صحيح لا مرض به، كما يجوز أن يصلي التطوع قاعداً وعلى الراحلة، لكان هذا مما قد بينه الرسول صلىالله عليه وسلم لأمته، وكان الصحابه تعلم ذلك، ثم مع قوة الداعي إلى الخير لابد أن يفعل ذلك بعضهم، فلما لم يفعله أحد منهم، دل على أنه لم يكن مشروعاً عندهم، وهذا مبسوط في موضعه‏.‏
والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يُقَدِّر قَدْرَ كلام اللّه ورسوله، بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد، فإن كثيراً من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله؛ يسلك مسلك من يجعل التأويل كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ، وقصده به دفع ذلك المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ، بل جميع ما قاله اللّه ورسوله/ يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول، فكذلك النص الآخر الذي تأوله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه، وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما، وأما من يجعلهما بمعنى واحد، كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين، فالتأويل عندهم هو التفسير‏.‏ وأما التأويل في كلام اللّه ورسوله، فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح المفسرين، وغير معناه في اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين؛ كما بسط في موضعه‏.‏
والمقصود هنا أن كل ما نفاه اللّه ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة، كاسم الإيمان، والإسلام،والدين، والصلاة، والصيام، والطهارة،والحج، وغير ذلك، فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏65‏]‏،فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن اللّه إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به، وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها، فهو معرض للوعيد‏.‏
ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما شَجَرَ بين/ الناس،في أمر دينهم ودنياهم، في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء، ألا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم، ويسلموا تسليماً، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏60، 61‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ‏}‏ وقد أنزل اللّه الكتاب والحكمة وهي السنة،قَال تعالى‏:‏‏{‏وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏231‏]‏، و قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا‏}‏‏[‏النساء‏:‏113‏]‏‏.‏ والدعاء إلى ما أنزل اللّه يستلزم الدعاء إلى الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله اللّه، وهذا مثل طاعة اللّه والرسول، فإنهما متلازمان، فمن يطع الرسول فقد أطاع اللّه، ومن أطاع اللّه فقد أطاع الرسول‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏115‏]‏ فإنهما متلازمان؛ فكل من شَاقَّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ، فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ‏.‏
وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة؛من جهة أن مخالفتهم/مستلزمة لمخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين، فإنها مما بين اللّه فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البين‏.‏ وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به، فهنا قد لا يقطع _ أيضًا _ بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر، بل قد يكون ظن الإجماع خطأ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر‏.‏
و الإجماع هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة ‏؟‏ فإن من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا، ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا، والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع، ويعلم يقيناً أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلاً، فهذا يجب القطع بأنه حق، وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى، كما قد بسط هذا في موضع آخر‏.‏
ومن جهة أنه إذا وصف الواجب بصفات متلازمة، دل على أن كل صفة من تلك الصفات متى ظهرت وجب اتباعها، وهذا مثل ‏[‏الصراط المستقيم‏]‏ الذي أمرنا اللّه بسؤال هدايته، فإنه قد وصف بأنه الإسلام، ووصف بأنه اتباع القرآن، ووصف بأنه طاعة اللّه ورسوله، ووصف بأنه طريق العبودية، ومعلوم أن كل اسم من هذه الأسماء يجب اتباع مسماه، ومسماها كلها واحد وإن تنوعت صفاته؛ فأي صفة ظهرت وجب اتباع مدلولها، فإنه مدلول الأخرى‏.‏ وكذلك أسماء اللّه _ تعالى _ وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، هي مثل أسماء دينه‏.‏
/وكذلك قوله تعالى‏:‏‏{‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏103‏]‏، قيل‏:‏ حبل اللّه هو دين الإسلام‏.‏وقيل‏:‏ القرآن‏.‏ و قيل‏:‏ عهده‏.‏ وقيل‏:‏ طاعته وأمره‏.‏ وقيل‏:‏ جماعة المسلمين، وكل هذا حق‏.‏
وكذلك إذا قلنا‏:‏ الكتاب، والسنة،والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنه الرسول صلىالله عليه وسلم فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون، فإنه لا يكون إلا حقاً موافقاً لما في الكتاب والسنة، لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول، وأما الرسول فينزل عليه وحي القرآن، ووحي آخر هو الحكمة، كما قال صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ألا إني أوتِيتُ الكتابَ وِمْثَله معه‏)‏‏.‏
وقال حسان بن عطية‏:‏ كان جبريل ينزل على النبي صلىالله عليه وسلم بالسنة فيعلِّمه إياها كما يعلمه القرآن‏.‏ فليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون مفسراً في القرآن، بخلاف ما يقوله أهل الإجماع، فإنه لابد أن يدل عليه الكتاب والسنة، فإن الرسول هو الواسطة بينهم وبين اللّه في أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، والمقصود ذكر الإيمان‏.‏
ومن هذا الباب قول النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏‏(‏لا يُبْغِض الأنصارَ رجل يؤمن باللّه واليوم الآخر‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏‏(‏آية الإيمان حُبُّ الأنصار، وآية النفاق بُغْضُ الأنصار‏)‏‏.‏ فإن من علم ما قامت به الأنصار من نصر اللّه ورسوله من أول/ الأمر‏.‏ وكان محباً للّه ولرسوله، أحبهم قطعاً، فيكون حبه لهم علامة الإيمان الذي في قلبه، ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه اللّه عليه‏.‏
وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه اللّه ورسوله من المنكر الذي حرمه اللّه ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه اللّه عليه، فإن لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلا، لم يكن معه إيمان أصلاً _ كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى _ وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، لم يكن معه ما أوجبه اللّه عليه من الإيمان، فحيث نفى اللّه الإيمان عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق‏.‏
وكذلك قوله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من غَشَّنا فليس مِنَّا، ومن حمل علينا السلاح فليس مِنَّا‏)‏، كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب اللّه عليه، أو فعل ما حرمه اللّه ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد، السالمين من الوعيد‏.‏وكذلك قوله تعالى‏:‏‏{‏وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏47‏:‏ 51‏]‏‏.‏
فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام اللّه ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات،ومن نفى اللّه ورسوله عنه الإيمان، فلابد أن يكون قد ترك واجباً أو فعل محرماً،فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد،بل يكون من أهل الوعيد‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏‏{‏حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏7‏]‏
قال محمد بن نصر المروزي‏:‏ لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، فرق بينها، فجعلها ثلاثة أنواع‏:‏ نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كَرَّهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارج عنه،لم يفرق بينها فيقول‏:‏ حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات؛ بل أجمل ذلك فقال‏:‏ ‏(‏حّبَّبّ إلّيًكٍمٍ الإيمّانّ ‏)‏‏.‏ فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ لأنه قد حبب إلى المؤمنين الصلاة والزكاة، وسائر الطاعات حب تديّن؛ لأن اللّه أخبر أنه حبب ذلك إليهم، وزينه في قلوبهم؛ لقوله‏:‏‏{‏حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ‏}‏ ويكرهون جميع المعاصي؛ الكفر منها والفسوق،وسائر المعاصي،كراهة تدين؛ لأن اللّه أخبر أنه كره ذلك إليهم‏.‏ ومن ذلك قول رسول اللّه صلىالله عليه وسلم‏:‏/ ‏(‏من سَرَّتْه حَسَنتُه،وساءته سيئته،فهو مؤمن‏)‏؛لأن اللّه حبب إلى المؤمنين الحسنات،وكره إليهم السيئات‏.‏
قلت‏:‏ وتكريهه جميع المعاصي إليهم، يستلزم حب جميع الطاعات؛ لأن ترك الطاعات معصية؛ ولأنه لا يترك المعاصي كلها إن لم يتلبس بضدها، فيكون محباً لضدها وهو الطاعة، إذ القلب لابد له من إرادة، فإذا كان يكره الشر كله، فلابد أن يريد الخير‏.‏ والمباح بالنية الحسنة يكون خيراً، وبالنية السيئة يكون شراً، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة؛ ولهذا قال النبي صلىالله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏‏(‏أحب الأسماء إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء حارث وهمَّام، وأقبحها‏:‏ حَرْبٌ وَمُرَّة‏)‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏أصدق الأسماء حارث وهمام‏)‏؛ لأن كل إنسان همام حارث، والحارث الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم _ وهو مبدأ الإرادة _ وهو حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة، فإذا فعل شيئًا من المباحات؛ فلابد له من غاية ينتهي إليها قصده، وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه، وإما أن يقصد لغيره، فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة اللّه وحده لا شريك له، وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئًا سواه، وهو أحب إليه من كل ما سواه، فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه اللّه، فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة، كما في الصحيحين عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏نَفَقَة الرجل على أهله يحتسبها صدقة‏)‏‏.‏وفي الصحيحين عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص ـ لما /مرض بمكة وعاده ـ‏:‏ ‏(‏إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللُّقْمَة ترفعها إلى في امرأتك‏)‏‏.‏ وقال معاذ بن جبل لأبي موسى‏:‏ إني أحتسب نَوْمَتِي كما أحتسب قَوْمَتِي‏.‏ وفي الأثر‏:‏ نوم العالِم تسبيحٌ‏.‏
وإن كان أصل مقصوده عبادة غير اللّه، لم تكن الطيبات مباحة له؛ فإن اللّه أباحها للمؤمنين من عباده، بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل الشهوات، يحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها، فلم يذكروه ولم يعبدوه بها، ويقال لهم‏:‏ ‏{‏أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏20‏]‏،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏}‏ ‏[‏التكاثر‏:‏8‏]‏ أي‏:‏ عن شكره، والكافر لم يشكر على النعيم الذي أنعم اللّه عليه به فيعاقبه على ذلك، واللّه إنما أباحها للمؤمنين، وأمرهم معها بالشكر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏172‏]‏‏.‏وفي صحيح مسلم عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏ إن اللّه ليرضى عن العبد يأكل الأكْلَةَ فيحمده عليها، ويشرب الشَّرْبَةَ فيحمده عليها‏)‏‏.‏ وفي سنن ابن ماجه وغيره‏:‏‏(‏ الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر‏)‏‏.‏
وكذلك قال للرسل‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا‏}‏‏[‏المؤمنون‏:‏51‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏1‏]‏، وقال الخليل‏:‏ ‏{‏وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏}‏ قال الله تعالى‏:‏‏{‏وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏126‏]‏‏.‏ فالخليل إنما دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة، واللّه إنما أباح بهيمة الأنعام لمن حرم ما حرمه اللّه من الصيد وهو محرم، والمؤمنون أمرهم أن يأكلوا من الطيبات ويشكروه ولهذا ميز _ سبحانه وتعالى _ بين خطاب الناس مطلقاً وخطاب المؤمنين فقال‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏168‏:‏ 170‏]‏، فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما في الأرض بشرطين‏:‏ أن يكون طيباً، وأن يكون حلالاً، ثم قال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏172، 173‏]‏‏.‏
فأذن للمؤمنين في الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل، وأخبر أنه لم يحرم عليهم إلا ما ذكره، فما سواه لم يكن محرمًا على المؤمنين، و مع هذا فلم يكن أحله بخطابه، بل كان عفواً، كما في الحديث عن سلمان موقوفًا ومرفوعاً‏:‏ ‏(‏الحلال ما أحله اللّه في كتابه، والحرام ما حرمه اللّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه‏)‏‏.‏
/وفي حديث أبي ثعلبة عن النبي صلىالله عليه وسلم ‏(‏إن اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ‏)‏‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏145‏]‏‏.‏نفى التحريم عن غير المذكور،فيكون الباقي مسكوتًا عن تحريمه عفواً، والتحليل إنما يكون بخطاب؛ولهذا قال في سورة المائدة ـ التي أنزلت بعد هذا ـ‏:‏‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏4،5‏]‏، ففي ذلك اليوم أحل لهم الطيبات،وقبل هذا لم يكن محرمًا عليهم إلا ما استثناه‏.‏
وقد حرم النبي صلىالله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مِخْلَب من الطير، ولم يكن هذا نسخاً للكتاب؛ لأن الكتاب لم يحل ذلك، ولكن سكت عن تحريمه، فكان تحريمه ابتداء شرع‏.‏ ولهذا قال النبي صلىالله عليه وسلم في الحديث المروي من طرق من حديث أبي رافع، وأبي ثعلبة، وأبي هريرة، وغيرهم‏:‏‏(‏لا أَلْفيَنَّ أحدكم متكئا على أريكته؛ يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول‏:‏ بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه‏)‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر، ألا وإني/ حرمت كل ذي ناب من السباع‏)‏‏.‏ فبين أنه أنزل عليه وحي آخر وهو الحكمة غير الكتاب، وأن اللّه حرم عليه في هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخًا للكتاب؛ فإن الكتاب لم يحل هذه قط، إنما أحل الطيبات، وهذه ليست من الطيبات، وقال‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏172‏]‏‏.‏فلم تدخل هذه الآية في العموم؛ لكنه لم يكن حرمها؛ فكانت معفوا عن تحريمها، لا مأذونا في أكلها‏.‏
وأما الكفار، فلم يأذن اللّه لهم في أكل شيء، ولا أحل لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏168‏]‏‏.‏ فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالاً، وهو المأذون فيه من جهة اللّه ورسوله، و اللّه لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به؛ فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا؛ ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكاً شرعياً؛ لأن الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلىالله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم تصرفاً في الأموال، إلا بشرط الإيمان، فكانت أموالهم على الإباحة، فإذا قهر طائفة منهم طائفة قهراً يستحلونه في دينهم، وأخذوها منهم، صار هؤلاء فيها كما كان أولئك‏.‏
والمسلمون إذا استولوا عليها، فغنموها،ملكوها شرعاً؛ لأن اللّه أباح لهم الغنائم، ولم يبحها لغيرهم‏.‏ ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم، ويجوز أن يشتري من بعضهم ما /سباه من غيره؛ لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات، ولهذا سمى اللّه ما عاد من أموالهم إلى المسلمين‏[‏ فيئًا‏]‏؛ لأن اللّه أفاءه إلى مستحقه؛ أي‏:‏ رده إلى المؤمنين به الذين يعبدونه، ويستعينون برزقه على عبادته؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه؛ وإنما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته‏.‏
ولفظ الفيء قد يتناول الغنيمة، كقول النبي صلىالله عليه وسلم في غنائم حنين‏:‏ ‏(‏ليس لي مما أفاء اللّه عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم‏)‏، لكنه لما قال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏6‏]‏، صار لفظ ‏[‏الفيء‏]‏ إذا أطلق في عرف الفقهاء، فهو‏:‏ ما أخذ من مال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف نوع من التحريك‏.‏
وأما إذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصداً للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه، فإنه يثاب على ذلك كما قال النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏‏(‏وفي بُضْع أحدكم صدقة‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر‏؟‏ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر‏)‏‏.‏ وهذا كقوله في حديث ابن عمر عن النبي صلىالله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته‏)‏‏.‏ رواه أحمد، وابن خزيمة في صحيحه وغيرهما‏.‏
فأخبر أن اللّه يحب إتيان رخصه، كما يكره فعل معصيته‏.‏ وبعض الفقهاء يرويه‏:‏ ‏(‏كما يحب أن تؤتى عزائمه‏)‏‏.‏ وليس هذا لفظ الحديث؛ وذلك لأن الرخص إنما أباحها اللّه لحاجة العباد إليها، والمؤمنون يستعينون بها على عبادته؛/ فهو يحب الأخذ بها، لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله؛ كما قال في حديث القصر‏:‏‏(‏صدقة تصدق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته‏)‏‏.‏ ولأنه بها تتم عبادته وطاعته، وما لا يحتاج إليه الإنسان من قول وعمل، بل يفعله عبثًا، فهذا عليه لا له، كما في الحديث‏:‏ ‏(‏كل كلام ابن ادم عليه لا له، إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر أو ذكر اللّّه‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيراً أو لِيَصْمُت‏)‏‏.‏ فأمر المؤمن بأحد أمرين‏:‏ إما قول الخير أو الصُّمَات؛ ولهذا كان قول الخير خيراً من السكوت عنه، والسكوت عن الشر خيراً من قوله؛ ولهذا قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏‏[‏ق‏:‏18‏]‏‏.‏
وقد اختلف أهل التفسير‏:‏ هل يكتب جميع أقواله‏؟‏ فقال مجاهد وغيره‏:‏ يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر‏.‏ والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع؛ فإنه قال‏:‏‏{‏مّا يّلًفٌظٍ مٌن قّوًل‏}‏ نكرة في الشرط مؤكدة بحرف‏[‏من‏]‏؛ فهذا يعم كل قوله‏.‏ وأيضاً، فكونه يؤجر على قول معين أو يؤزر، يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهى عنه، فلابد في إثبات معرفة الكاتب به إلى نقل‏.‏ وأيضاً فهو مأمور، إما بقول الخير، وإما بالصُّمات‏.‏ فإذا عدل عما أمر به من الصُّمَات إلى فضول القول الذي ليس بخير، كان هذا عليه، فإنه يكون مكروهاً، والمكروه ينقصه؛ ولهذا قال /النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏‏(‏من حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُه ما لا يَعنِيه‏)‏‏.‏ فإذا خاض فيما لا يعنيه، نقص من حسن إسلامه، فكان هذا عليه، إذ ليس من شرط ما هو عليه، أن يكونه مستحقاً لعذاب جهنم وغضب اللّه، بل نقص قدره ودرجته عليه‏.‏
ولهذا قال تعالى‏:‏‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏286‏]‏‏.‏ فما يعمل أحد إلا عليه أو له، فإن كان مما أمر به، كان له‏.‏ وإلا كان عليه ولو أنه ينقص قدره‏.‏ والنفس طبعها الحركة لا تسكن قط، لكن قد عفا اللّه عما حدث به المؤمنون أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يعملوا به، فإذا عملوا به دخل في الأمر والنهي‏.‏ فإذا كان اللّه قد كره إلى المؤمنين جميع المعاصي، وهو قد حبب إليهم الإيمان الذي يقتضي جميع الطاعات، إذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس، فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك، والطاعة من ثمراته ونتائجه، لكنها تنازع، هل يستلزم الطاعة‏؟‏ فإنه وإن كان يدعو إلى الطاعة، فله معارض من النفس والشيطان، فإذا كان قد كره إلى المؤمنين المعارض، كان المقتضى للطاعة سالماً عن هذا المعارض‏.‏
وأيضًا،فإذا كرهوا جميع السيئات لم يبق إلا حسنات أو مباحات، والمباحات لم تبح إلا لأهل الإيمان الذين يستعينون بها على الطاعات، وإلا فاللّه لم يبح قط لأحد شيئًا أن يستعين به على كفر، ولا فسوق، ولا عصيان؛ ولهذا لعن النبي صلىالله عليه وسلم عاصر الخمر ومعتصرها، كما لعن شاربها‏.‏ والعاصر/ يعصر عنبًا يصير عصيراً يمكن أن ينتفع به في المباح، لكن لما علم أن قصد العاصر أن يجعلها خمراً، لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية اللّه، بل لعنه النبي صلىالله عليه وسلم على ذلك؛ لأن اللّه لم يبح إعانة العاصي على معصيته، ولا أباح له ما يستعين به في المعصية‏.‏ فلا تكون مباحات لهم إلا إذا استعانوا بها على الطاعات‏.‏ فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا الحسنات؛ ولهذا كان من ترك المعاصي كلها، فلابد أن يشتغل بطاعة اللّه‏.‏ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏كُلُّ الناس يَغْدُوا، فبائع نَفْسَه فمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا‏)‏ فالمؤمن لابد أن يحب الحسنات، ولابد أن يبغض السيئات، ولابد أن يسره فعل الحسنة، ويسوؤه فعل السيئة، و متى قدر أن في بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان،
والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها، أو يأتي بحسنات تمحوها، أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه ولكن لابد أن يكون كارهاً لها؛ فإن اللّه أخبر أنه حَبَّبَ إلى المؤمنين الإيمان، وكَرَّهَ إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فمن لم يكره الثلاثة لم يكن منهم‏.‏ ولكن محمد ابن نصر يقول‏:‏ الفاسق يكرهها تديناً، فيقال‏:‏ إن أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها، وهو يحب دينه، وهذه من جملته، فهو يكرهها‏.‏ وإن كان يحب دينه مجملاً، وليس في قلبه كراهة لها، كان قد عدم من الإيمان بقدر ذلك، كما في الحديث الصحيح‏:‏‏(‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏)‏‏.‏
/ وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضاً _ صحيح مسلم _‏:‏‏(‏فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حَبَّة من خَرْدَل‏)‏‏.‏
فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه اللّه، لم يكن فيه من الإيمان الذي يستحق به الثواب‏.‏ وقوله‏:‏‏[‏من الإيمان‏]‏ أي‏:‏ من هذا الإيمان، و هو الإيمان المطلق، أي‏:‏ ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة خردل‏.‏ والمعنى‏:‏ هذا آخر حدود الإيمان، ما بقى بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء، بل لفظ الحديث إنما يدل على المعنى الأول‏.‏
/ فَصْـل
ومن هذا الباب لفظ ‏[‏الكفر‏]‏ و ‏[‏النفاق‏]‏، فالكفر إذا ذكر مفرداً في وعيد الآخرة، دخل فيه المنافقون، كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏5‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏136‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏15، 16‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏8، 9‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏71، 72‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏68‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏124‏:‏ 127‏]‏، وقوله‏:‏/‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏6 ‏]‏، وأمثال هذه النصوص كثير في القرآن‏.‏
فهذه كلها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار ليس معهم من الإيمان شيء، كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر اللّه بذلك في كتابه‏.‏
ثم قد يقرن الكفر بالنفاق في مواضع، ففي أول البقرة ذكر أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏140‏]‏، وقال‏:‏‏{‏ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا‏}‏إلى قوله‏:‏‏{‏فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏13‏:‏ 15‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ‏}‏ في سورتين ‏[‏التوبة‏:‏73، التحريم‏:‏9‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ الآية ‏[‏الحشر‏:‏11‏]‏‏.‏
وكذلك لفظ‏[‏المشركين‏]‏ قد يقرن بأهل الكتاب فقط، وقد يقرن بالملل الخمس؛ كما في قوله تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏17‏]‏
والأول كقوله‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏6‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{‏وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏20‏]‏‏.‏ وليس أحد بعد مبعث محمد صلىالله عليه وسلم إلا من الذين أوتوا الكتاب أو الأميين، وكل أمة لم تكن من الذين أوتوا الكتاب فهم من الأميين؛ كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم، فهؤلاء كلهم أميون، والرسول مبعوث إليهم كما بعث إلى الأميين من العرب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ‏}‏ ـ وهو إنما يخاطب الموجودين في زمانه بعد النسخ والتبديل ـ يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى، فهو من الذين أوتوا الكتاب، لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به قبل النسخ والتبديل، ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم، فإن أولادهم إذا كانوا بعد النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب، فكذلك غيرهم إذا كانوا كلهم كفاراً، وقد جعلهم الذين أوتوا الكتاب بقوله‏:‏ ‏{‏وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏20‏]‏،وهو لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته، لا من مات؛ فدل ذلك على أن قوله‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏5‏]‏ يتناول هؤلاء كلهم، كما هو مذهب الجمهور من السلف والخلف،وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته، لم يختلف كلامه إلا في نصارى بني تغلب، وآخر الروايتين عنه‏:‏ أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم، كما هو قول جمهور الصحابة‏.‏
/وقوله في الرواية الأخرى‏:‏ لا تباح ـ متابعة لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ـ لم يكن لأجل النسب، بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب إلا فيما يشتهونه من شرب الخمر ونحوه، ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب،كما نقل عن عطاء، وقال به الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وفَرَّعُوا على ذلك فروعاً، كمن كان أحد أبويه كتابياً والآخر ليس بكتابي ونحو ذلك، حتى لا يوجد في طائفة من كتب أصحاب أحمد إلا هذا القول، وهو خطأ على مذهبه، مخالف لنصوصه، لم يعلق الحكم بالنسب في مثل هذا البتة كما قد بسط في موضعه‏.‏
ولفظ‏[‏المشركين‏]‏ يذكر مفرداً في مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏221‏]‏، وهل يتناول أهل الكتاب‏؟‏ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف‏.‏ والذين قالوا‏:‏ بأنها تعم، منهم من قال‏:‏ هي محكمة، كابن عمر والجمهور الذين يبيحون نكاح الكتابيات؛ كما ذكره اللّه في آية المائدة، وهي متأخرة عن هذه‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ بل هو مخصوص لم يرد باللفظ العام، وقد أنزل اللّه ـ تعالى ـ بعد صلح الحُدَيْبِيَةِ قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏10‏]‏، وهذا قد يقال‏:‏ إنما نهى عن التمسك بالعِصْمَة من كان متزوجاً كافرة، ولم يكونوا حينئذ متزوجين إلا بمشركة وثنية، فلم يدخل في ذلك الكتابيات‏.‏
/ فصـل‏:‏
وكذلك لفظ‏[‏الصالح‏]‏ و ‏[‏الشهيد‏]‏ و ‏[‏الصديق‏]‏، يذكر مفرداً؛ فيتناول النبيين، قال تعالى في حق الخليل‏:‏‏{‏وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏27‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 122‏]‏،وقال الخليل‏:‏‏{‏رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏83‏]‏،وقال يوسف‏:‏ ‏{‏تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏ يوسف‏:‏101 ‏]‏، وقـال سليمـان‏:‏ ‏{‏ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ‏}‏‏[‏النمل‏:‏19‏]‏،وقال النبي صلىالله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق على صحته لما كانوا يقولون في آخر صلاتهم‏:‏السلام على اللّه قبل عباده، السلام على فلان ـ فقال لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم‏:‏‏(‏ إن اللّه هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة، فليقل‏:‏ التحيات للّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد صالح للّه في السماء والأرض‏)‏ الحديث‏.‏ وقد يذكر ‏[‏الصالح‏]‏ مع غيره، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏69‏]‏‏.‏ قال الزجاج وغيره‏:‏ الصالح‏:‏ القائم بحقوق اللّه وحقوق عباده‏.‏ ولفظ ‏[‏الصالح‏]‏ خلاف الفاسد؛/فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره، فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت سريرته وعلانيته، وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه، وهذا يتناول النبيين ومن دونهم‏.‏ ولفظ ‏[‏الصديق‏]‏ قد جعل هنا معطوفًا على النبيين، وقد وصف به النبيين في مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏41‏]‏، ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏56‏]‏‏.‏
وكذلك ‏[‏الشهيد‏]‏، قد جعل هنا قرين الصديق والصالح، وقد قال‏:‏‏{‏وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏69‏]‏‏.‏ولما قيدت الشهادة على الناس وصفت به الأمة كلها في قوله‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏‏[‏البقرة‏:‏143‏]‏، فهذه شهادة مقيدة بالشهادة على الناس، كالشهادة المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء‏}‏ ‏[‏النور‏:‏13‏]‏،وقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏282‏]‏‏.‏ وليست هذه الشهادة المطلقة في الآيتين، بل ذلك كقوله‏:‏‏{‏وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.
فَصـــل
وكذلك لفظ ‏[‏المعصية‏]‏ و ‏[‏الفسوق‏]‏ و ‏[‏الكفر‏]‏،فإذا أطلقت المعصية للّه ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق،كقوله‏:‏‏{‏وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏23‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏59‏]‏، فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم عصوا هودًا معصية تكذيب لجنس الرسل، فكانت المعصية لجنس الرسل كمعصية من قال‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏9‏]‏، ومعصية من كذب وتولى، قال تعالى‏:‏‏{‏لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏15، 16‏]‏، أي‏:‏ كذب بالخبر، وتولي عن طاعة الأمر، وإنما على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا، ويطيعوهم فيما أمروا‏.‏ وكذلك قال في فرعون‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبَ وَعَصَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏21‏]‏، وقال عن جنس الكافر‏:‏ ‏{‏فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏31، 32‏]‏‏.‏ فالتكذيب للخبر، والتولي عن الأمر‏.‏ وإنما الإيمان تصديق الرسل فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، ومنه قوله‏:‏ ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏15، 16‏]‏‏.‏
ولفظ ‏[‏التولي‏]‏ ـ بمعنى التولي عن الطاعة ـ مذكور في مواضع من القرآن،/كقوله‏:‏ ‏{‏سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏16‏]‏، وذمه ـ في غير موضع من القـرآن ـ من تولى، دليل على وجوب طاعة اللّه ورسوله وأن الأمر المطلق يقتضى وجوب الطاعة، وذم المتولى عن الطاعة؛ كما علق الذم بمطلق المعصية في مثل قوله‏:‏ ‏{‏فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏}‏‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن ‏[‏التأبيد‏]‏ لم يذكر في القرآن إلا في وعيد الكفار؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏93‏]‏‏.‏وقال فيمن يجور في المواريث‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏14 ‏]‏‏.‏ فهنا قيد المعصية بتعدي حدوده، فلم يذكرها مطلقة، وقال‏:‏ ‏{‏وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‏}‏ ‏[‏ طه‏:‏121 ‏]‏، فهي معصية خاصة، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏152‏]‏، فأخبر عن معصية واقعة معينة، وهي معصية الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمرهم بلزوم ثغرهم، وإن رأوا المسلمين قد انتصروا، فعصى من عصى منهم هذا الأمر، وجعل أميرهم يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين، وأقبل من أقبل منهم على المغانم‏.‏ وكذلك قوله‏:‏‏{‏وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ‏}‏ ‏[‏ الحجرات‏:‏7 ‏]‏ ، جعل ذلك ثلاث مراتب‏.‏ وقد قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ‏}‏ ‏[‏ الممتحنة‏:‏12 ‏]‏، فقيد المعصية؛ ولهذا فسرت بالنياحة، قاله ابن عباس، وروي ذلك مرفوعًا‏.‏ وكذلك قال زيد بن أسلم‏:‏ لا يدعن ويلًا، ولا يخدشن/ وجهًا،ولا ينشرن شعرًا، ولا يشققن ثوبًا، وقد قال بعضهم‏:‏ هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته كما قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ ولفظ الآية عام أنهن لا يعصينه في معروف‏.‏ ومعصيته لا تكون إلا في معروف؛ فإنه لا يأمر بمنكر، لكن هذا كما قيل‏:‏ فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر إنما تلزم في المعروف، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏إنما الطاعة في المعروف‏)‏، ونظير هذا قوله‏:‏‏{‏اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏24‏]‏،وهو لا يدعو إلا إلى ذلك‏.‏ والتقييد هنا لا مفهوم له؛ فإنه لا يقع دعاء لغير ذلك، ولا أمر بغير معروف، وهذا كقوله تعالى‏:‏‏{‏وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏33‏]‏، فإنهن إذا لم يردن تحصنًا، امتنع الإكراه‏.‏ ولكن في هذا بيان الوصف المناسب للحكم، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏117‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏61‏]‏‏.‏
فالتقييد في جميع هذا للبيان والإيضاح، لا لإخراج في وصف آخر؛ ولهذا يقول من يقول من النحاة‏:‏ الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص، وفي النكرات للتخصيص، يعني في المعارف التي لا تحتاج إلى تخصيص، كقوله‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏1، 2‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏2، 3‏]‏‏.‏ والصفات في النكرات إذا تميزت تكون للتوضيح أيضًا، ومع هذا فقد عطف المعصية على الكفر والفسوق في قوله‏:‏‏{‏وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏7‏]‏، ومعلوم أن الفاسق عاص أيض
/ فصــل‏:‏
ومن هذا الباب ‏[‏ ظلم النفس‏]‏ فإنه إذا أطلق تناول جميع الذنوب، فإنها ظلم العبد نفسه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَتَتْبِيبٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏100، 101‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏54‏]‏،وقال في قتل النفس‏:‏‏{‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏16‏]‏، وقالت بلقيس‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏44‏]‏،وقال آدم ـ عليه السلام ـ‏:‏‏{‏ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏‏.‏ ثم قد يقرن ببعض الذنوب، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏135‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏110‏]‏‏.‏
.‏







آخر مواضيعه 0 المواقع الاباحية وتاثيرها على الفرد والمجتمع
0 القناعة , القناعه , مفهوم القناعة , الطريق الى القناعة
0 قصة للعبرة _ توبة الفضيل بن عياض
0 صلاة الخوف , احكام صلاة الخوف . صلاه الخوف
0 الجمعة , يوم الجمعة , 60 مسألة في يوم الجمعة

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 06:00 PM   رقم المشاركة : 3
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما لفظ ‏[‏الظلم‏]‏ المطلق، فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب، قال تعالى‏:‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏22‏:‏ 24‏]‏‏.‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ونظراؤهم‏.‏ وهذا ثابت عن عمر، وروي ذلك عنه مرفوعًا‏.‏ وكذلك قال ابن عباس‏:‏ وأشباههم‏.‏ وكذلك قال قتادة والكلبي‏:‏ كل من عمل بمثل عملهم؛ فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا‏.‏ وعن الضحاك ومقاتل‏:‏ قرناؤهم من الشياطين؛ كل كافر معه شيطانه في سلسلة، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏7 ‏]‏‏.‏ قال عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ‏:‏ الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وذلك حين يكون الناس أزواجًا ثلاثة‏.‏ وقال الحسن وقتادة‏:‏ ألحق كل امرئ بشيعته؛ اليهودي مع اليهود، والنصراني مع النصارى‏.‏ وقال الربيع بن خثيم‏:‏ يحشر المرء مع صاحب عمله، وهذا كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له‏:‏ الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، قال‏:‏ ‏(‏المرء مع من أحب‏)‏، وقال‏:‏‏(‏ الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف‏)‏‏.‏ وقال‏:‏‏(‏المرء على دين خليله،فلينظر أحدكم من يخالل‏)‏‏.‏
وزوج الشيء نظيره، وسمى الصنف زوجًا؛ لتشابه أفراده، كقوله‏:‏ ‏{‏أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏49‏]‏‏.‏ قال غير واحد من المفسرين‏:‏ صنفين ونوعين مختلفين‏:‏ السماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والكفر والإيمان، والسعادة والشقاوة،والحق والباطل، والذكر والأنثى، والنور والظلمة،والحلو والمر، وأشباه ذلك، /‏{‏لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ فتعلمون أن خالق الأزواج واحد‏.‏ وليس المراد أنه يحشر معهم زوجاتهم مطلقًا؛ فإن المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرًا، بل كافرًا، كامرأة فرعون‏.‏ وكذلك الرجل الصالح، قد تكون امرأته فاجرة، بل كافرة، كامرأة نوح ولوط، لكن إذا كانت المرأة على دين زوجها، دخلت في عموم الأزواج؛ ولهذا قال الحسن البصري‏:‏ وأزواجهم المشركات‏.‏
فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار، كما دل عليه سياق الآية‏.‏ وقد تقدم كلام المفسرين‏:‏ أنه يدخل فيها الزناة مع الزناة، وأهل الخمر مع أهل الخمر‏.‏ وكذلك الأثر المروي‏:‏ إذا كان يوم القيامة قيل‏:‏أين الظلمة وأعوانهم‏؟‏ـ أو قال‏:‏ وأشباههم ـ فيجمعون في توابيت من نار، ثم يقذف بهم في النار‏.‏ وقد قال غير واحد من السلف‏:‏ أعوان الظلمة من أعانهم، ولو أنهم لاق لهم دواة،أو برى لهم قلمًا، ومنهم من كان يقول‏:‏ بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم‏.‏ وأعوانهم‏:‏ هم من أزواجهم المذكورين في الآية؛ فإن المعين على البر والتقوى من أهل ذلك، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏85‏]‏،والشافع الذي يعين غيره، فيصير معه شفعا بعد أن كان وترًا؛ولهذا فسرت الشفاعة الحسنة بإعانة المؤمنين على الجهاد، والشفاعة السيئة بإعانة الكفار على قتال المؤمنين ـ كما ذكر ذلك ابن جرير، وأبو سليمان ـ وفسرت الشفاعة الحسنة بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعًا،/أو يخلصه من بلاء ـ كما قال الحسن ومجاهد، وقتادة وابن زيد‏.‏ فالشفاعة الحسنة إعانة على خير يحبه اللّه ورسوله، من نفع من يستحق النفع، ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه‏.‏ والشفاعة السيئة إعانته على ما يكرهه اللّه ورسوله، كالشفاعة التي فيها ظلم الإنسان، أو منع الإحسان الذي يستحقه‏.‏ وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين، والسيئة بالدعاء عليهم، وفسرت الشفاعة الحسنة بالإصلاح بين اثنين، وكل هذا صحيح، فالشافع زوج المشفوع له، إذ المشفوع عنده من الخلق إما أن يعينه على بر وتقوى، وإما أن يعينه على إثم وعدوان‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة،قال لأصحابه‏:‏‏(‏اشفعوا تؤجروا،ويقضي اللّه على لسان نبيه ماشاء‏)‏‏.‏
وتمام الكلام يبين أن الآية ـ وإن تناولت الظالم الذي ظلم بكفره ـ فهي أيضًا متناولة مادون ذلك، وإن قيل فيها‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏22‏]‏،فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش‏)‏‏.‏ وثبت عنه في الصحيح أنه قال‏:‏‏(‏ما من صاحب كنز إلا جعل له كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع، يأخذ بلهزمته‏:‏أنا مالك، أنا كنزك‏)‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏‏(‏ إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع،يفر منه وهو يتبعه،حتى يطوقه في عنقه‏)‏، وقرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية‏:‏ ‏{‏سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏180‏]‏،وفي حديث آخر‏:‏‏(‏مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، يتبع صاحبه حيثما ذهب، وهو يفر منه‏:‏ هذا مالك الذي كنت تبخل به، /فإِذَا رأى أنه لابد له منه، أدخل يده في فيه، فيقضمها كما يقضم الفحل‏)‏‏.‏ وفي رواية‏:‏‏(‏ فلا يزال يتبعه، فيلقمه يده فيقضمها، ثم يلقمه سائر جسده‏)‏‏.‏ وقد قال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏34، 35‏]‏‏.‏ وقد ثبت في الصحيح وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمى عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح،فيكوى بها جبينه وجنباه،حتى يحكم اللّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار‏)‏‏.‏ وفي حديث أبي ذر‏:‏ ‏(‏ بشر الكانزين برضف يحمى عليها في نار جهنم، فتوضع على حلمة ثدي أحدهم ، حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه، حتى يخرج من حلمة ثدييه، يتزلزل وتكوى الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم‏)‏‏.‏ وهذا كما في القرآن، ويدل على أنه بعد دخول النار، فيكون هذا لمن دخل النار ممن فعل به ذلك أولًا في الموقف‏.‏ فهذا الظالم لما منع الزكاة يحشر مع أشباهه، وماله الذي صار عبدًا له من دون اللّه، فيعذب به، وإن لم يكن هذا من أهل الشرك الأكبر الذين يخلدون في النار؛ ولهذا قال في آخر الحديث‏:‏ ‏(‏ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار‏)‏‏.‏ فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يدخل الجنة‏.‏
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب/النمل‏)‏‏.‏قال ابن عباس وأصحابه‏:‏ كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق‏.‏ وكذلك قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره، كما سنذكره ـ إن شاء اللّه ـ وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏31‏]‏‏.‏ وفي حديث عدي بن حاتم ـ وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما ـ وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نصراني فسمعه يقرأ الآية، قال‏:‏ فقلت له‏:‏ إنا لسنا نعبدهم‏.‏ قال‏:‏‏(‏ أليس يحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه، ويحلون ما حرم اللّه فتحلونه‏؟‏‏!‏‏)‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏‏(‏فتلك عبادتهم‏)‏‏.‏ وكذلك قال أبو البختري‏:‏ أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون اللّه ما أطاعوهم، ولكن أمروهم، فجعلوا حلال اللّه حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم،فكانت تلك الربوبية‏.‏
وقال الربيع بن أنس‏:‏ قلت لأبي العالية‏:‏ كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل ‏؟‏ قال‏:‏ كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب اللّه ما أمروا به ونهوا عنه،فقالوا‏:‏ لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا،وما نهونا عنه انتهينا لقولهم‏.‏ فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون اللّه،فهذه عبادة للرجال،وتلك عبادة للأموال،وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم،وقد ذكر اللّه أن ذلك شرك بقوله‏:‏‏{‏لاَّ إلّهّ إلاَّ هٍوّ سٍبًحّانّهٍ عّمَّا يٍشًرٌكٍونّ ‏}‏، فهذا من الظلم الذي/ يدخل في قوله‏:‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏22، 23‏]‏‏.‏ فإن هؤلاء والذين أمروهم بهذا هم جميعًا معذبون، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏98‏]‏‏.‏ وإنما يخرج من هذا من عُبد مع كراهته لأن يعبد ويطاع في معصية اللّه، فهم الذين سبقت لهم الحسنى، كالمسيح والعزير وغيرهما، فأولئك ‏{‏مُبْعَدُون‏}‏‏.‏
وأما من رضي بأن يعبد ويطاع في معصية اللّه، فهو مستحق للوعيد، ولو لم يأمر بذلك، فكيف إذا أمر‏؟‏‏!‏ وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير اللّه، وهذا من أزواجهم؛ فإن أزواجهم قد يكونون رؤساء لهم، وقد يكونون أتباعًا، وهم أزواج وأشباه لتشابههم في الدين، وسياق الآية يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال‏:‏‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ‏}‏‏.‏قال ابن عباس‏:‏ دلوهم‏.‏ وقال الضحاك مثله‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏قدموهم‏.‏ والمعنى‏:‏ قودوهم كما يقود الهادي لمن يهديه؛ ولهذا تسمى الأعناق الهوادي؛ لأنها تقود سائر البدن، وتسمى أوائل الوحش الهوادي‏.‏‏{‏وَقِفوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 24، 25‏]‏ أي‏:‏كما كنتم تتناصرون في الدنيا على الباطل ‏{‏بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ‏}‏‏[‏الصافات‏:‏ 26‏:‏ 36‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏38، 39‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏47، 48‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏31‏:‏ 33‏]‏‏.‏
وقوله في سياق الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏35‏]‏،/ولا ريب أنها تتناول الشركين‏:‏ الأصغر والأكبر، وتتناول ـ أيضًا ـ من استكبر عما أمره اللّه به من طاعته، فإن ذلك من تحقيق قول‏:‏لا إله إلا اللّه؛ فإن الإله هو المستحق للعبادة، فكل ما يعبد به اللّه فهو من تمام تأله العباد له،فمن استكبر عن بعض عبادته سامعًا مطيعًا في ذلك لغيره، لم يحقق قول‏:‏ لا إله إلا اللّه،في هذا المقام‏.‏ وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ـ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم اللّه وتحريم ما أحل اللّه ـ يكونون على وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يعلموا أنهم بدلوا دين اللّه فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم اللّه، وتحريم ما أحل اللّه،اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله اللّه ورسوله شركًا ـ وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم ـ فكان من اتبع غيره في خلاف الدين ـ مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله اللّه ورسوله ـ مشركًا مثل هؤلاء‏.‏
والثاني‏:‏ أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية اللّه، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏إنما الطاعة في المعروف‏)‏،وقال‏:‏‏(‏على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية‏)‏،/وقال‏:‏ ‏(‏لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏)‏، وقال‏:‏‏(‏من أمركم بمعصية اللّه فلا تطيعوه‏)‏‏.‏
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام،إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول،لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى اللّه ما استطاع ـ فهذا لا يؤاخذه اللّه بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه‏.‏ ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول ـ فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه اللّه، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه‏.‏
ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق، لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره‏.‏ وقد أنزل اللّه في هؤلاء آيات من كتابه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏199‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 159‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏83‏]‏‏.‏
وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل/ ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد ـ فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، كما في القبلة‏.‏ وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه،من غير علم أن معه الحق ـ فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا، لم يكن عمله صالحًا‏.‏ وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثما، كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار‏.‏ وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه عن عبادة اللّه وطاعته، صار عبدًا له‏.‏ وكذلك هؤلاء، فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك‏.‏ وفي الحديث‏:‏‏(‏إن يسير الرياء شرك‏)‏‏.‏ وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب‏.‏
والمقصود هنا أن الظلم المطلق يتناول الكفر، ولا يختص بالكفر، بل يتناول ما دونه أيضًا، وكل بحسبه، كلفظ ‏[‏الذنب‏]‏ و‏[‏الخطيئة‏]‏ و‏[‏المعصية‏]‏، فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان، كما في الصحيحين عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه،أي الذنب أعظم‏؟‏ قال‏:‏‏(‏ أن تجعل للّه ندا وهو خلقك‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ثم أي‏؟‏ قال‏:‏‏(‏ثم أن تزاني بحليلة جارك‏)‏، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏68‏:‏ 71‏]‏‏.‏
فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة، ولكل عمل قسط منه؛ فلو أشرك ولم يقتل ولم يزن، كان عذابه دون ذلك‏.‏ ولو زنى وقتل ولم يشرك، كان له من هذا العذاب نصيب، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏93‏]‏‏.‏ ولم يذكر‏:‏ ‏[‏أبدا‏]‏‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن لفظ ‏[‏التأبيد‏]‏ لم يجئ إلا مع الكفر، وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏27‏:‏ 29‏]‏‏.‏ فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذي لم يؤم