قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 05:38 PM   رقم المشاركة : 1
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي فتاوى ابن تيمية _ الجزء السادس

بسم الله الرحمن الرحيم


‏[‏تقرب العبد إلى الله‏]‏ - في مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ‏}‏الاسراء‏:‏ 57‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏88‏]‏‏.‏ وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه‏:‏ ‏(‏من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا‏)‏ الحديث‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه‏)‏ الحديث‏.‏ وكذلك ‏[‏القربان‏]‏ كقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 183‏]‏‏.‏ ونحو ذلك - لا ريب أنه بعلوم وأعمال يفعلها العبد وفي ذلك حركة منه وانتقال من حال إلى حال‏.‏ ثم لا يخلو مع ذلك‏:‏ إما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك‏:‏ وإذا تحركت‏:‏ فإما أن تكون حركتها إلى ذات الله أو إلى شيء آخر وإذا كانت إلى ذات الله بقي النظر في قرب الله إليه ودنوه وإتيانه ومجيئه؛ إما جزاء على قرب العبد وإما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا‏.‏ فالأول‏:‏ قول ـ المتفلسفة ـ الذين يقولون‏:‏ إن الروح لا داخل البدن ولا خارجه وإنها لا توصف بالحركة ولا بالسكون وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب إلى الملة‏.‏ فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه إزالة النقائص والعيوب عن نفسه وتكميلها بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة المعنى ويقولون‏:‏ الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة؛ فأما حركة الروح فممتنعة عندهم‏.‏ وكذلك يقولون‏:‏ في قرب الملائكة‏.‏ والذي أثبتوه من تزكية النفس عن العيوب وتكميلها بالمحاسن حق في نفسه؛ لكن نفيهم ما زاد على ذلك خطأ؛ لكنهم يعترفون بحركة جسمه إلى المواضع التي تظهر فيها آثار الرب كالمساجد والسموات والعارفين‏.‏ وعند هؤلاء معراج النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه كعين القضاة وابن الخطيب في ‏[‏المطالب العالية‏]‏، الثاني‏:‏ قول المتكلمة الذين يقولون‏:‏ إن الله ليس فوق العرش‏.‏ وإن نسبة العرش والكرسي إليه سواء وإنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن يثبتون حركة العبد والملائكة فيقولون‏:‏ قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن المشرفة عند الله وهي السموات وحملة العرش والجنة وبذلك يفسرون معراج النبي صلى الله عليه وسلم ويتفق هؤلاء والذين قبلهم في حركة بدن العبد إلى الأماكن المشرفة كثبوت ـ العبادات ـ وإنما النزاع في حركة نفسه‏.‏ ويسلم الأولون ـ حركة النفس ـ بمعنى تحولها من حال إلى حال؛ لا بمعنى الانتقال من موضع إلى موضع واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح أيضا عند الآخرين إلى كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات والمساجد وأولياء الله ومواضع أسماء الله وآياته فهو حركة إلى، الثالث‏:‏ قول‏:‏ ـ أهل السنة والجماعة ـ الذين يثبتون أن الله على العرش وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء صار يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من خلقه وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعا‏.‏ وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب‏.‏ ثم ـ قرب الرب من عبده ـ هل هو من لوازم هذا القرب كما أن المتقرب إلى الشيء الساكن كالبيت المحجوج والجدار والجبل كلما قربت منه قرب منك ‏؟‏ أو هو قرب آخر يفعله الرب كما أنك إذا قربت إلى الشيء المتحرك إليك تحرك أيضا إليك فمنك فعل ومنه فعل آخر‏.‏ هذا فيه قولان ـ لأهل السنة ـ مبنيان على ما تقدم من قاعدة الصفات الفعلية كمسألة النزول وغيرها وقد تقدم الكلام في ذلك‏.‏ وعلى هذا فما روي من قرب الرب إلى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما في ‏[‏الزهد لأحمد‏]‏ أن موسى قال‏:‏ يا رب أين أجدك ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقترب إليها كل يوم شبرا ولولا ذلك لاحترقت‏)‏‏.‏ هذا القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال‏.‏ ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح إلى مكان عال وأما أهل السنة فعندهم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات ربه وفي جواز دنو ذات الله القولان وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع‏.‏ وعلى مذهب ـ النفاة ـ من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله إلا تجليه وظهوره لعبده‏.‏ إذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة الباطنة أو الظاهرة بمنزلة الذي كان أعمى أو أعمش فزال عماه فرأى الشمس والقمر فيقول‏:‏ جاءني الشمس والقمر وهذا قول ـ النفاة ـ من المتفلسفة والمعتزلة والأشعرية؛ لكن الأشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة ومنهم من يوافقهم في المعنى الذي قصدوه‏.‏ وأما على مذهب ـ أهل السنة والجماعة ـ من السلف وأهل الحديث وأهل المعرفة ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية والعامة وأهل الكلام أيضا؛ فإن نزوله وإتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد وقرب منه ودنو إليه وهو قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد فإن هذا علم وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل منه فهو كشف وعمل‏.‏ ولا ينكر الأشعرية ونحوهم من أهل الكلام أن يكون من العبد حركة فإن ذلك ممكن وإنما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم‏.‏ وقد شبه بعضهم مجيء الله بقوله‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏99‏]‏ أي الموقن به من الموت وما بعده‏.‏ قلت‏:‏ هذا مثل قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى‏}‏ ‏[‏النازعـات‏:‏34‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏33‏]‏ وقوله‏:‏‏{‏فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏18‏]‏ وجعل في ذلك هو ظهوره وتجليه‏.‏ قلت‏:‏ وليس هو مجرد ظهوره وتجليه وإن كان متضمنا لذلك؛ بل هو متضمن لحركة العبد إليه ثم إن كان ساكنا كان مجيئه من لوازم مجيء العبد إليه وإن كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه أيضا وإن كان العبد ذاهبا إليه وهكذا مجيء اليقين ومجيء الساعة‏.‏ وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست متصلة بالعبد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏)‏ فهي حجب تحجب العباد عن الإدراك كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر‏.‏ فإذا زالت تجلت الشمس والقمر‏.‏ وأما حجبها لله عن أن يرى ويدرك فهذا لا يقوله مسلم؛ فإن الله لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء‏.‏ وهو يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة السوداء ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى مخلوقاته كما قال‏:‏ ‏(‏لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏)‏ فالبصر يدرك الخلق كلهم وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار‏.‏ والجهمية لا تثبت له حجبا أصلا؛ لأنه عندهم ليس فوق العرش ويروون الأثر المكذوب عن علي ‏(‏أنه سمع قصابا يحلف لا والذي احتجب بسبع سموات فعلاه بالدرة فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أكفر عن يميني ‏؟‏ قال لا؛ ولكنك حلفت بغير الله‏)‏‏.‏ فهذا لا يعرف له إسناد ولو ثبت كان علي قد فهم من المتكلم أنه عنى أنه محتجب عن إدراكه لخلقه فهذا باطل قطعا؛ بخلاف احتجابه عن إدراك خلقه له‏.‏ ويدل على ذلك الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة‏:‏ إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه‏.‏ فيقولون‏:‏ ما هو ‏؟‏ ألم يبيض وجوهنا‏.‏ ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ‏؟‏ قال‏:‏ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة‏)‏‏.‏ وعند من أثبت الرؤية من المتجهمة أن حجاب كل أحد معه وكشفه خلق الإدراك فيه لا أنه حجاب منفصل‏.‏ وأما إتيانه ونزوله ومجيئه بحركة منه وانتقال‏:‏ فهذا فيه القولان لأهل السنة من أصحابنا وغيرهم والله أعلم‏.‏ والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما‏.‏

وقال الشيخ رحمه الله تعالى‏:‏
الذين يجعلون الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة‏.‏ ويوجد ـ هذا التفسير ـ في كلام طائفة كأبي حامد الغزالي وأمثاله‏:‏ ولا يثبت هؤلاء قربا حقيقيا - وهو القرب المعلوم المعقول - ومن جعل قرب عباده المقربين ليس إليه؛ وإنما هو إلى ثوابه وإحسانه فهو معطل مبطل‏.‏ وذلك أن ثوابه وإحسانه يصل إليهم ويصلون إليه‏.‏ ويباشرهم ويباشرونه بدخوله فيهم ودخولهم فيه بالأكل واللباس‏.‏ فإذا كانوا يكونون في نفس جنته ونعيمه وثوابه كيف يجعل أعظم الغايات قربهم من إحسانه ولا سيما والمقربون هم فوق أصحاب اليمين الأبرار‏.‏ الذين كتابهم في عليين ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين 19ـ 28‏]‏‏.‏
قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا‏.‏ فقد أخبر أن الأبرار في نفس النعيم وأنهم يسقون من الشراب الذي وصفه الله تعالى ويجلسون على الأرائك ينظرون فكيف يقال‏:‏ إن المقربين - الذين هم أعلى من هؤلاء بحيث يشربون صرفها ويمزج لهؤلاء مزجا - إنما تقريبهم هو مجرد النعيم الذي أولئك فيه ‏؟‏ هذا مما يعلم فساده بأدنى تأمل‏.‏ المسألة الثانية في ـ قربه ـ الذي هو من لوازم ذاته‏:‏ مثل العلم والقدرة فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه لم يزل بهم عالما ولم يزل عليهم قادرا هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف إلا من ينكر علمه القديم من القدرية والرافضة ونحوهم أو ينكر قدرته على الشيء قبل كونه من الرافضة والمعتزلة وغيرهم‏.‏ ـ وأما قربه بنفسه من مخلوقاته ـ قربا لازما في وقت دون وقت؛ ولا يختص به شيء‏:‏ فهذا فيه للناس قولان‏.‏ فمن يقول هو بذاته في كل مكان يقول بهذا ومن لا يقول بهذا لهم أيضا فيه قولان‏.‏ أحدهما إثبات هذا القرب وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية وغيرهم يقولون‏:‏ هو فوق العرش ويثبتون هذا القرب‏.‏ وقوم يثبتون هذا القرب؛ دون كونه على العرش‏.‏ وإذا كان قرب عباده منه نفسه وقربه منهم ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف وأتباعهم من أهل الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام لم يجب أن يتأول كل نص فيه ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه بل يبقى هذا من الأمور الجائزة وينظر في النص الوارد فإن دل على هذا حمل عليه وإن دل على هذا حمل عليه وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء‏.‏ وإن كان في موضع قد دل عندهم على أنه هو يأتي ففي موضع آخر دل على أنه يأتي بعذابه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِد‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 26‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ الآية2‏]‏ فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة وظاهرا فيها‏.‏ ثم يقول النافي‏:‏ وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا‏.‏ وقد يقول بعض المثبتة‏:‏ دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات‏.‏ كقوله تعالى‏:‏‏{‏فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ من الآية56‏]‏‏.‏
وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه‏.‏ وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية وهذا موجود في أمر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات‏.‏ وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين، أحدهما صفة الوجه فإنه لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية‏:‏ من الكلابية والأشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية‏:‏ من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها‏.‏ مثال ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 115‏]‏‏.‏ أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها ـ أولئك ـ كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة وجعل ـ النافية ـ تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع‏.‏ ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود وكنت قد قلت‏:‏ أمهلت كل من خالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئا مما ذكرته كانت له الحجة وفعلت وفعلت وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب ـ الأسماء والصفات ـ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّه‏}‏ فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد قبلة الله فقال أحد كبرائهم - في المجلس الثاني - قد أحضرت نقلا عن السلف بالتأويل فوقع في قلبي ما أعد فقلت‏:‏ لعلك قد ذكرت ما روي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّه‏}‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ المراد بها قبلة الله فقال‏:‏ قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من السلف‏.‏ ولم يكن هذا السؤال يرد علي؛ فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامي كان مقيدا كما في الأجوبة فلم أر إحقاقهم في هذا المقام بل قلت هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلا ولا تندرج في عموم قول من يقول‏:‏ لا تؤول آيات الصفات‏.‏ قال‏:‏ أليس فيها ذكر الوجه فلما قلت‏:‏ المراد بها قبلة الله‏.‏ قال‏:‏ أليست هذه من آيات الصفات ‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ ليست من موارد النزاع فإني إنما أسلم أن المراد بالوجه - هنا - القبلة فإن ‏[‏الوجه‏]‏ هو الجهة في لغة العرب يقال‏:‏ قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا ‏[‏الوجه‏]‏ أي‏:‏ إلى هذه الجهة وهذا كثير مشهور فالوجه هو الجهة‏.‏ وهو الوجه‏:‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 148‏]‏ أي متوليها فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ‏}‏ كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين‏:‏ أنا نوليه‏:‏ نستقبله‏.‏ قلت‏:‏ والسياق يدل عليه لأنه قال‏:‏ ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ‏}‏ وأين من الظروف وتولوا أي تستقبلوا‏.‏ فالمعنى‏:‏ أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ‏}‏ وهي الجهات كلها كما في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 142‏]‏‏.‏ فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف؛ كأنه قال جهة الله وقبلة الله‏.‏ ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أي قبلة الله ولكن يقول‏:‏ هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه‏)‏ وكما في قوله‏:‏ ‏(‏لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلا عليه فإذا انصرف صرف وجهه عنه‏)‏؛ ويقول‏:‏ إن الآية دلت على المعنيين‏.‏ فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه‏.‏ والغرض أنه إذا قيل‏:‏ ـ فثم قبلة الله ـ لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه؛ الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات؛ ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر ويبقى دلالة قولهم‏:‏ ‏{‏فَثَمَّ وَجْهُ اللّه‏}‏ ‏[‏البقرة 115‏]‏على فثم قبلة الله هل هو من باب تسمية القبلة وجها باعتبار أن الوجه والجهة واحد ‏؟‏ أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله ‏؟‏ فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها‏.‏ والمثال الثاني‏:‏ لفظة ‏[‏الأمر‏]‏ فإن الله تعالى لما أخبر بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس 82‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر‏}‏ ‏[‏الأعراف 54‏]‏ واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق بل هو كلامه وصفة من صفاته بهذه الآية وغيرها صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد فيجعله صفة طردا للدلالة ويجعل دلالته على غير الصفة نقضا لها وليس الأمر كذلك؛ فبينت في بعض رسائلي‏:‏ أن الأمر وغيره من الصفات يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى؛ ـ فالرحمة ـ صفة لله ويسمى ما خلق رحمة والقدرة من صفات الله تعالى ويسمى ـ المقدور ـ قدرة ويسمى تعلقها ـ بالمقدور ـ قدرة والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقا والعلم من صفات الله ويسمى المعلوم أو المتعلق علما؛ فتارة يراد الصفة وتارة يراد متعلقها وتارة يراد نفس التعلق‏.‏ و ـ الأمر ـ مصدر فالمأمور به يسمى أمرا ومن هذا الباب سمي عيسى - صلى الله عليه وسلم - كلمة؛ لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة وهذا هو الجواب عن سؤال الجهمية لما قالوا‏:‏ عيسى كلمة الله فهو مخلوق والقرآن إذا كان كلام الله لم يكن إلا مخلوقا؛ فإن عيسى ليس هو نفس كلمة الله وإنما سمي بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف سنة المخلوقين فخرقت فيه العادة وقيل له‏:‏ كن فكان‏.‏ والقرآن نفس كلام الله‏.‏ فمن تدبر ما ورد في ـ باب أسماء الله تعالى وصفاته ـ وإن دلالة ذلك في بعض المواضع على ذات الله‏.‏ أو بعض صفات ذاته لا يوجب أن يكون ذلك هو مدلول اللفظ حيث ورد حتى يكون ذلك طردا للمثبت ونقضا للنافي؛ بل ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه من القرآن والدلالات فهذا أصل عظيم مهم نافع في باب فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما مطلقا ونافع في معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب وطرد الدليل ونقضه فهو نافع في كل علم خبري أو إنشائي وفي كل استدلال أو معارضة‏:‏ من الكتاب والسنة وفي سائر أدلة الخلق‏.‏ فإذا كان العبد لا يمتنع أن يتقرب من ربه وأن يقرب منه ربه بأحد المعنيين المتقدمين أو بكليهما؛ لم يمتنع حمل النص على ذلك إذا كان دالا عليه فإن لم يكن دالا عليه لم يجز حمله وإن احتمل هذا المعنى وهذا المعنى وقف‏.‏ فجواز إرادة المعنى في الجملة غير كونه هو المراد بكل نص‏.‏ وأما قربه اللازم من عباده‏:‏ بعلمه وقدرته وتدبيره فقد تقدم‏.‏ وتقدم ذكر الخلاف في قربه بنفسه قربا لازما وعرف المتفق عليه والمختلف فيه‏:‏ من قربه العارض واللازم؛ فقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ ‏[‏ق 16‏]‏ من الناس طوائف عندهم لا يحتاج إلى تأويل ومنهم من يحوجها إلى التأويل‏.‏ ثم أقول هذه الآية لا تخلو إما أن يراد بها قربه سبحانه؛ أو قرب ملائكته؛ كما قد اختلف الناس في ذلك فإن أريد بها قرب الملائكة فقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق 17‏]‏؛ فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه‏.‏ ودليل ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى‏}‏ ففسر ذلك بالقرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان وبأي معنى فسر؛ فإن علمه وقدرته عام التعلق وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا الوقت وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف 80‏]‏ ومنه قوله في أول السورة‏:‏ ‏{‏قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ‏}‏ ‏[‏ق 4‏]‏‏.‏ وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه‏.‏ وإنما الكلام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ‏}‏ حيث عبر بها عن ملائكته ورسله أو عبر بها عن نفسه أو عن ملائكته ولكن قرب كل بحسبه‏.‏ فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقرب الله تعالى منه مطلق؛ كالوجه الثاني إذا أريد به الله تعالى أي‏:‏ نحن أقرب إليه من حبل الوريد؛ فيرجع هذا إلى القرب الذاتي اللازم‏.‏ وفيه القولان‏.‏ أحدهما‏:‏ إثبات ذلك وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية‏.‏ والثاني‏:‏ أن القرب هنا بعلمه؛ لأنه قد قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏؛ فذكر لفظ العلم هنا دل على القرب بالعلم‏.‏ ومثل هذه الآية حديث أبي موسى‏:‏ ‏(‏إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏؛ فالآية لا تحتاج إلى تأويل القرب في حق الله تعالى إلا على هذا القول وحينئذ فالسياق دل عليه ومما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب؛ فلا يكون من موارد النزاع‏.‏ وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي‏.‏ وتحقيق الجواب هو أن يقال‏:‏ إما أن يكون قربه بنفسه القرب اللازم ممكنا أو لا يكون‏.‏ فإن كان ممكنا لم تحتج الآية إلى تأويل وإن لم يكن ممكنا حملت الآية على ما دل عليه سياقها وهو قربه بعلمه‏.‏ وعلى هذا القول فإما أن يكون هذا هو ظاهر الخطاب الذي دل عليه السياق أو لا يكون‏.‏ فإن كان هو ظاهر الخطاب فلا كلام؛ إذ لا تأويل حينئذ‏.‏ وإن لم يكن ظاهر الخطاب؛ فإنما حمل على ذلك لأن الله تعالى قد بين في غير موضع من كتابه أنه على العرش وأنه فوق فكان ما ذكره في كتابه في غير موضع أنه فوق العرش مع ما قرنه بهذه الآية من العلم دليلا على أنه أراد قرب العلم؛ إذ مقتضى تلك الآيات ينافي ظاهر هذه الآية على هذا التقدير والصريح يقضي على الظاهر ويبين معناه‏.‏ ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن؛ ليس تفسيرا له بالرأي‏.‏ والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم‏.‏ وللإمام أحمد - رحمه الله تعالى - رسالة في هذا النوع وهو ذكر الآيات التي يقال‏:‏ بينها معارضة وبيان الجمع بينها وإن كان فيه مخالفة لما يظهر من إحدى الآيتين أو حمل إحداهما على المجاز‏.‏ وكلامه في هذا أكثر من كلام غيره من الأئمة المشهورين؛ فإن كلام غيره أكثر ما يوجد في المسائل العملية وأما المسائل العلمية فقليل‏.‏ وكلام الإمام أحمد كثير في المسائل العلمية والعملية لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك ومن قال‏:‏ إن مذهبه نفي ذلك فقد افترى عليه والله أعلم‏.‏ والكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان‏}‏ ‏[‏البقرة 186‏]‏ مثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏ فمن حمله على قرب نفسه قربا لازما أو عارضا فلا كلام ومن قال‏:‏ المراد كونه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم وما يتبع ذلك‏.‏ قال‏:‏ دل عليه السياق فلا يكون خلاف الظاهر‏.‏ أو يقول‏:‏ دل عليه ما في القرآن والسنة من النصوص التي تدل على أنه فوق العرش فيكون تفسير القرآن وتأويله بالكتاب والسنة وهذا لا محذور فيه‏.‏ واعلم أن من الناس من سلك هذا المسلك في نفس ـ المعية ـ ويقول‏:‏ إنه محمول على ما دل عليه السياق‏.‏ وإن كان خلاف ظاهر الإطلاق أو محمول على خلاف الظاهر لدلالة الآيات أن الله فوق العرش ويجعل بعض القرآن يفسر بعضا لكن نحن بينا أنه ليس في ظاهر المعية ما يوجب ذلك؛ لأنا وجدنا جميع استعمالات ـ مع ـ في الكتاب والسنة لا توجب اتصالا واختلاطا فلم يكن بنا حاجة إلى أن نجعل ظاهره الملاصقة ثم نصرفه‏.‏ فأما لفظ ‏[‏القرب‏]‏ فهو مثل لفظ ‏[‏الدنو‏]‏ وضد القرب البعد فاللفظ ظاهر في اللغة‏.‏ فإما أن يحمل عليه وإما أن يحمل على ما يقال إنه الظاهر الذي دل عليه السياق أو على خلاف الظاهر لدلالة بقية النصوص‏.‏ وقد روى الطبراني وغيره‏:‏ أن ‏(‏ناسا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ‏؟‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان‏}‏‏)‏‏.‏ وصلى الله على محمد‏.‏

وقال رحمه الله‏:‏
فصل‏:‏
قد كتبت قبل هذا في الجزء الثاني من المرتب‏:‏ الكلام في قرب العبد من ربه، وذهابه إليه، وقرب الرب من عبده، وتجلي الرب له وظهوره وما يعترف به المتفلسفة من ذلك؛ ثم المتكلمة ثم أهل السنة وأن ما يثبته هؤلاء من الحق يثبته أهل السنة‏.‏ ثم يثبت أهل السنة ـ أشياء ـ لا يعرفها أهل البدعة؛ لجهلهم وضلالهم؛ إذ كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله‏.‏ ثم المعاني الذي يثبتها هؤلاء من الحق ويتأولون النصوص عليها حسنة صحيحة جيدة؛ لكن الضلال جاء من جهة نفيهم ما زاد عليها وذلك مثل إثبات المتفلسفة لواجب الوجود، وأن الروح غير البدن، وأنها باقية بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة‏:‏ نعيما وعذابا روحانيين‏.‏ وكذلك ما يثبتونه من قوى البدن والنفس الصالحة وغير الصالحة‏:‏ كل ذلك حق؛ لكن زعمهم أن لا معنى للنصوص إلا ذلك وأن لا حق وراء ذلك وأن ‏[‏الجنة‏]‏ و ‏[‏النار‏]‏ عبارة عن ذلك؛ وإنما الوصف المذكور في الكتب الإلهية أمثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحاني وأن ‏[‏الملائكة‏]‏ و ‏[‏الجن‏]‏ هي أعراض وهي قوى النفس الصالحة والفاسدة وأن ‏[‏الروح‏]‏ لا تتحرك؛ وإنما ينكشف له حقائق الكون فيكون ذلك قربها إلى الله وأن معراج النبي هو من هذا الباب هذا النفي والتكذيب كفر‏.‏ وكذلك ما يثبته المتكلمة‏:‏ من أن العبد يتقرب ببدنه وروحه إلى ‏[‏الأماكن المفضلة‏]‏ التي يظهر فيها نور الرب كالسموات والمساجد وكذلك الملائكة فهذا صحيح؛ لكن دعواهم أنهم لا يتقربون إلى ذات الله وأن الله ليس على العرش؛ هذا باطل‏.‏ وإنما الصواب إثبات ذلك وإثبات ما جاءت به النصوص أيضا من قرب العبد إلى ربه وتجلي الرب لعباده بكشف الحجب المتصلة بهم والمنفصلة عنهم وأن القرب والتجلي فيه علم العبد الذي هو ظهور الحق له وعمل العبد الذي هو دنوه إلى ربه‏.‏ وقد تكلمت في دنو الرب وقربه وما فيه من النزاع بين أهل السنة‏.‏ ثم بعض المتسننة والجهال‏:‏ إذا رأوا ما يثبته أولئك من الحق‏:‏ قد يفرون من التصديق به؛ وإن كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون أهل السنة في ثبوته؛ بل الجميع صحيح‏.‏ وربما كان الإقرار بما اتفق على إثباته أهم من الإقرار بما حصل فيه نزاع؛ إذ ذلك أظهر وأبين وهو أصل للمتنازع فيه؛ فيحصل بعض الفتنة في نوع تكذيب ونفي حال أو اعتقاد كحال المبتدعة فيبقى الفريقان في بدعة وتكذيب ببعض موجب النصوص وسبب ذلك أن قلوب المثبتة تبقى متعلقة بإثبات ما نفته المبتدعة‏.‏ وفيهم نفرة عن قول المبتدعة؛ بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له فيعرضون عن ما يثبتونه من الحق أو ينفرون منه أو يكذبون به كما قد يصير بعض جهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها؛ بل بعض المسلمين يصير في الإعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى بعض ذلك حتى يحكى عن قوم من الجهال أنهم ربما شتموا المسيح إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا في الحرب‏.‏ وعن بعض الجهال أنه قال‏:‏ سبوا عليا كما سبوا عتيقكم كفر بكفر؛ وإيمان بإيمان‏.‏ ومثال ذلك في ـ باب الصفات ـ أن العبد إذا عرف ربه وأحبه؛ بل لو عرف غير الله وأحبه وتألهه؛ يبقى ذلك المعروف المحبوب المعظم في القلب واللسان وقد تقوى به شدة الوجد والمحبة والتعظيم حتى يستغرق به ويفنى به عن نفسه‏.‏ كما قيل إن رجلا كان يحب آخر؛ فوقع المحبوب في اليم‏.‏ فألقى الآخر نفسه خلفه فقال‏:‏ أنا وقعت فما الذي أوقعك‏؟‏ فقال‏:‏ غبت بك عني فظننت أنك أني‏.‏ وهذا كما قيل‏:‏
مثالك في عيني وذكراك في فمي ** ومثواك في قلبي، فأين تغيب‏؟‏
وقال آخر‏:‏
ساكن في القلب يعمره ** لست أنساه فأذكره
ومولى قد رضيت به ** ونصيبي منه أوفره
ولقوة الاتصال‏:‏ زعم بعض الناس أن العالم والعارف يتحد بالمعلوم المعروف وآخرون يرون أن المحب قد يتحد بالمحبوب‏.‏ وهذا إما غلط؛ وإما توسع في العبارة فإنه نوع اتحاد‏:‏ هو اتحاد في عين المتعلقات من نوع اتحاد في المطلوب والمحبوب والمأمور به والمرضي والمسخوط؛ واتحاد في نوع الصفات من الإرادة والمحبة والأمر والنهي والرضا والسخط بمنزلة اتحاد الشخصين المتحابين‏.‏ وهذا له تفصيل نذكره في غير هذا الموضع‏.‏ وإنما المقصود هنا‏:‏ أن المعروف المحبوب في قلب العارف المحب‏:‏ له أحكام وأخبار صادقة؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَه‏}‏ ‏[‏الزخرف 84‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الروم 20‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا‏}‏ ‏[‏الجن 3‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الأعلى 1‏]‏‏.‏ وقوله في الاستفتاح‏:‏ ‏(‏سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك؛ ولا إله غيرك‏)‏‏.‏ ويحصل لقلوب العارفين به استواء وتجل لا يزول عنها يقر به كل أحد؛ لكن أهل السنة يقرون بكثير مما لا يعرفه أهل البدعة؛ كما يقرون باستوائه على العرش‏.‏ ومثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عبدي مرضت فلم تعدني فيقول‏:‏ أي رب كيف أعودك وأنت رب العالمين‏؟‏ فيقول‏:‏ أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده‏)‏‏.‏ فقد أخبر أنه عند عبده؛ وجعل مرضه مرضه والإنسان قد تكون عنده محبة وتعظيم لأمير أو عالم أو مكان‏:‏ بحيث يغلب على قلبه ويكثر من ذكره وموافقته في أقواله وأعماله فيقال‏:‏ إن أحدهما الآخر كما يقال‏:‏ أبو يوسف أبو حنيفة‏.‏ ويشبه هذا من بعض الوجوه‏:‏ ظهور الأجسام المستنيرة وغيرها في الأجسام الشفافة كالمرآة المصقولة والماء الصافي ونحو ذلك‏.‏ بحيث ينظر الإنسان في الماء الصافي السماء والشمس والقمر والكواكب‏.‏ كما قال بعضهم‏:‏
إذا وقع السماء على صفاء كدر أنى يحركه النسيم ‏؟‏ ترى فيه السماء بلا امتراء كذاك البدر يبدو والنجوم وكذاك قلوب أرباب التجلي يرى في صفوها الله العظيم وكذلك نرى في المرآة صورة ما يقابلها من الشمس والقمر والوجوه وغير ذلك‏.‏ ثم قد يحاذي تلك المرآة مرآة أخرى فترى فيها الصورة التي رئيت في الأولى ويتسلل الأمر فيه‏.‏ وهذه المرائي المنعكسة تشبه من وجه بعيد ظهور اسم المحبوب المعظم في الورق بالخط والكتابة سواء كان بمداد أو بتنقير أو بغير ذلك فإنه هنا لم يظهر إلا حروف اسمه في جسم لا حس له ولا حركة وفي الأجسام الصقلية ظهرت صورته؛ لكن من غير شعور بالمظهر ولا حركة فالأول مظهر اسمه وهذا مظهر ذاته‏.‏ وأما في قلوب العباد وأرواحهم‏:‏ فيظهر المعروف المحبوب المعظم وأسماؤه في القلب الذي يعلمه ويحبه‏.‏ وذلك نوع أكمل وأرفع من غيره بل ليس له نظير‏.‏ وإلى ذلك أشار بقوله‏:‏ ‏{‏كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏المجادلة 22‏]‏ وهو الذي قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه‏}‏ ‏[‏المائدة 5‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا‏}‏ ‏[‏البقرة 137‏]‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء‏}‏ ‏[‏الشورى 11‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِل‏}‏ ‏[‏البقرة 261‏]‏‏.‏







آخر مواضيعه 0 ليلة القدر,فضائل واحكام
0 الدين , هذا هو الدين
0 الحلال و الحرام
0 الزهد والورع والعبادة
0 البث المباشر من المسجد الحرام بمكة المكرمة

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 05:38 PM   رقم المشاركة : 2
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فصل‏:‏
فهذا القدر لا يخالف فيه عاقل فإنه أمر محسوس مدرك وهو أقل مراتب الإقرار بالله؛ بل الإقرار بوجود أي شيء كان وأقل مراتب عبادته ومحبته والتقرب إليه ثم مع ذلك هل يتحرك القلب‏.‏ والروح العارفة المحبة أم لا حركة لها إلا مجرد التحول من صفة إلى صفة ‏؟‏‏.‏ الأول مذهب عامة المسلمين‏.‏ وجمهور الخلق‏.‏ والثاني قول المتفلسفة ومن اتبعهم؛ إذ عندهم أن الروح لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتحرك ولا تسكن‏.‏ وأما الجمهور فيقرون بتحركها نحو المحبوب المطلوب كائنا ما كان‏.‏ ويقر جمهور المتكلمين بأنها تتحرك إلى المواضع المشرفة التي تظهر فيها آثار المحبوب وأنواره كتحرك قلوب العارفين وأبدانهم إلى السموات وإلى المساجد ونحو ذلك‏.‏ وكذلك تحرك ذلك إلى ذات المحبوب من المخلوقين كالأنبياء والملائكة وغيرهم وكل من الفريقين يقر بتجلي الرب وظهوره لقلوب العارفين وهو عندهم حصول الإيمان والعلم والمعرفة في قلوبهم بدلا من الكفر والجهل؛ وهو حصول المثل والحد والاسم في السماء والأرض‏.‏ وأما حركة روح العبد أو بدنه إلى ذات الرب فلا يقر به من كذب بأن الله فوق العرش من هؤلاء المعطلة الجهمية الذين كان السلف يكفرونهم ويرون بدعتهم أشد البدع ومنهم من يراهم خارجين عن الثنتين والسبعين فرقة‏:‏ مثل من قال إنه في كل مكان أو إنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن عموم المسلمين وسلف الأمة وأهل السنة من جميع الطوائف تقر بذلك؛ فيكون العبد متقربا بحركة روحه وبدنه إلى ربه مع إثباتهم أيضا التقرب منهما إلى الأماكن المشرفة وإثباتهم أيضا تحول روحه وبدنه من حال إلى حال‏.‏ فالأول مثل معراج النبي صلى الله عليه وسلم وعروج روح العبد إلى ربه وقربه من ربه في السجود وغير ذلك‏.‏ والثاني‏:‏ مثل الحج إلى بيته وقصده في المساجد‏.‏ والثالث‏:‏ مثل ذكره له ودعائه ومحبته وعبادته وهو في بيته؛ لكن في هذين يقرون أيضا بقرب الروح أيضا إلى الله نفسه فيجمعون بين الأنواع كلها‏.‏ وأما تجليه لعيون عباده فأقر به المتكلمون الصفاتية؛ كالأشعرية والكلابية‏.‏ ومن نفى منهم علو الرب على العرش قال‏:‏ هو بخلق الإدراك في عيونهم ورفع الحجب المانعة‏.‏ وأما أهل السنة‏:‏ فيقرون بذلك وبأنه يرفع حجبا منفصلة عن العبد حتى يرى ربه كما جاء في الأحاديث الصحيحة‏.‏

سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله عمن يقول‏:‏ إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم أو يشعر به والعقل دل على تنزيه الباري عز وجل عنه؛ فالأسلم للمؤمن أن يقول‏:‏ هذا ـ متشابه ـ لا يعلم تأويله إلا الله‏.‏ فقال له قائل‏:‏ هذا لا بد له من ضابط وهو الفرق في الصفات بين المتشابه وغيره؛ لأن دعوى التأويل في كل الصفات باطل وربما أفضى إلى الكفر ويلزم منه أن لا يعلم لصفة من صفاته معنى فلا بد حينئذ من الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول فقال‏:‏ كل ما دل دليل العقل على أنه تجسيم كان ذلك متشابها‏.‏ فهل هذا صحيح أم لا ‏؟‏ ابسطوا القول في ذلك‏.‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله رب العالمين‏.‏ هذه ـ مسألة ـ كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر ـ الجعد بن درهم ـ وصاحبه ـ الجهم بن صفوان ـ ومن اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات‏.‏ فظهرت مقالة الجهمية النفاة - نفاة الصفات - قالوا‏:‏ لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك؛ لأن الصفات التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك أعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض لا يقوم إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم؛ لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض الحادثة وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث‏.‏ قالوا‏:‏ وبهذا استدللنا على حدوث الأجسام؛ فإن بطل هذا بطل الاستدلال على حدوث الأجسام فيبطل الدليل على حدوث العالم فيبطل الدليل على إثبات الصفات‏.‏ قالوا‏:‏ وإذا كانت الأعراض التي هي الصفات لا تقوم إلا بجسم والجسم مركب من أجزائه والمركب مفتقر إلى غيره ولا يكون غنيا عن غيره واجب الوجود بنفسه والله تعالى غني عن غيره واجب الوجود بنفسه‏.‏ قالوا‏:‏ ولأن الجسم محدود متناه؛ فلو كان له صفات لكان محدودا متناهيا؛ وذلك لا بد أن يكون له مخصص خصصه بقدر دون قدر وما افتقر إلى مخصص لم يكن غنيا قديما واجب الوجود بنفسه‏.‏ قالوا‏:‏ ولأنه لو قامت به الصفات لكان جسما ولو كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام فيجوز عليه ما يجوز عليها ويمتنع عليه ما يمتنع عليها وذلك ممتنع على الله تعالى‏.‏ وزاد الجهم في ذلك هو والغلاة - من القرامطة والفلاسفة - نحو ذلك فقالوا‏:‏ وليس له اسم كالشيء والحي والعليم ونحو ذلك؛ لأنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفا بمعنى الاسم كالحياة والعلم؛ فإن صدق المشتق مستلزم لصدق المشتق منه؛ وذلك يقتضي قيام الصفات به وذلك محال؛ ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره‏.‏ والله منزه عن مشابهة الغير‏.‏ وزاد آخرون بالغلو فقالوا‏:‏ لا يسمى بإثبات ولا نفي ولا يقال‏:‏ موجود ولا لا موجود ولا حي ولا لا حي؛ لأن في الإثبات تشبيها له بالموجودات وفي النفي تشبها له بالمعدومات وكل ذلك تشبيه‏.‏ فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها وقابلوها بما تستحق من الإنكار الشرعي وكانت خفية إلى أن ظهرت وقويت شوكة الجهمية في أواخر المائة الأولى وأوائل الثانية في دولة أولاد الرشيد فامتحنوا الناس المحنة المشهورة التي دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن ولوازم ذلك‏:‏ مثل إنكار الرؤية والصفات بناء على أن القرآن هو من جملة الأعراض؛ فلو قام بذات الله لقامت به الأعراض فيلزم التشبيه والتجسيم‏.‏ وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه؛ فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة وعلى المشبهة الممثلة وكان إمام المعتزلة ـ أبو الهذيل العلاف ـ ونحوه من نفاة الصفات قالوا‏:‏ يقتضي أن يكون جسما والله تعالى منزه عن ذلك‏.‏ قال هؤلاء‏:‏ بل هو جسم والجسم هو القائم بنفسه أو الموجود أو غير ذلك من المقالات وطعنوا في أدلة نفاة الجسم بكلام طويل لا يتسع له الجواب هنا‏.‏ ثم من هؤلاء من قال‏:‏ هو جسم كالأجسام ومنهم من وصفه بخصائص المخلوقات وحكي عن كل واحدة من الطائفتين مقالات شنيعة‏.‏ وجاء ـ أبو محمد بن كلاب ـ فقال هو وأتباعه‏:‏ هو الموصوف بالصفات ولكن ليست الصفات أعراضا؛ إذ هي قديمة باقية لا تعرض ولا تزول ولكن لا يوصف بالأفعال القائمة به كالحركات؛ لأنها تعرض وتزول‏.‏ فقال ابن كرام وأتباعه‏:‏ لكنه موصوف بالصفات وإن قيل إنها أعراض وموصوف بالأفعال القائمة بنفسه وإن كانت حادثة‏.‏ ولما قيل لهم‏:‏ هذا يقتضي أن يكون جسما قالوا‏:‏ نعم هو جسم كالأجسام وليس ذلك ممتنعا دائما وإنما الممتنع أن يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع ومنهم من قال‏:‏ أطلق لفظ الجسم لا معناه‏.‏ وبين هؤلاء المتكلمين النظار بحوث طويلة مستوفاة في غير هذا الموضع‏.‏
وأما ‏[‏السلف والأئمة‏]‏ فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفي أو إثبات بل اعتصموا بالكتاب والسنة ورأوا ذلك هو الموافق لصريح العقل فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته حقا يجب الإيمان به وإن لم تعرف حقيقة معناه وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم فإن كان مراده حقا موافقا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة‏:‏ من نفي أو إثبات قلنا به؛ وإن كان باطلا مخالفا لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا القول به ورأوا أن الطريقة التي جاء بها القرآن هي الطريقة الموافقة لصريح المعقول وصحيح المنقول وهي طريقة الأنبياء والمرسلين‏.‏
وأن الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بنفي مجمل وإثبات مفصل؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات 180ـ182‏]‏ فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل‏.‏
فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تجلى للجبل فجعله دكا؛ وأمثال ذلك‏.‏ ويقول في النفي ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء‏}‏؛ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم 65‏]‏ ‏{‏فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَال‏}‏ ‏[‏النحل 74‏]‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏]‏ فيثبت الصفات وينفي مماثلة المخلوقات‏.‏
ولما كانت طريقة السلف، أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل‏.‏ ومخالفو الرسل يصفونه بالأمور السلبية، ليس كذا، ليس كذا ‏.‏ فإذا قيل لهم‏:‏ فأثبتوه، قالوا‏:‏ هو وجود مطلق، أو ذات بلا صفات‏.‏
وقد علم بصريح المعقول أن المطلق بشرط الإطلاق، لا يوجد إلا في الأذهان، لا في الأعيان، وأن المطلق لا بشرط لا يوجد في الخارج مطلقًا، لا يوجد إلا معينًا، ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة للمخلوقات، بل إما أن يعطلوه أو يجعلوه وجود المخلوقات أو جزءها أو وصفها، والألفاظ المجملة يكفون عن معناها‏.‏
فإذا قال قوم‏:‏ إن الله في جهة أو حيز، وقال قوم‏:‏ إن الله ليس في جهة ولا حيز، استفهموا كل واحد من القائلين عن مراده، فإن لفظ الجهة والحيز فيه إجمال واشتراك‏.‏ فيقولون‏:‏ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والله ـ تعالى ـ منزه بائن عن مخلوقاته، فإنه ـ سبحانه ـ خلق المخلوقات بائنة عنه، متميزة عنه، خارجة عن ذاته، ليس في مخلوقاته شىء من ذاته، ولا في ذاته شىء من مخلوقاته، ولو لم يكن مباينًا لكان إما مداخلاً لها حالاً فيها، أو محلا لها، والله ـ تعالى ـ منزه عن ذلك‏.‏
وإما ألا يكون مباينًا لها، ولا مداخلا لها فيكون معدومًا، والله ـ تعالى ـ منزه عن ذلك‏.‏
والجهمية ـ نفاة الصفات ـ تارة يقولـون بمـا يستلـزم الحلـول والاتحـاد، أو يصـرحون بذلك، وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئًا، ومثبتتهم يعبدون كل شىء ويقال ـ أيضًا‏:‏ فإذا كان ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، فالخالق بائن عن المخلوق‏.‏
فإذا قال القائل‏:‏ هو في جهة أو ليس في جهة، قيل له‏:‏ الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمرًا موجودًا، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن المخلوق، لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمرًا معدومًا بأن يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مباينًا العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة وليس هو شيئًا موجودًا، كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار ‏.‏ لكن لا فرق بين قول القائل‏:‏ هو في معدوم، وقوله‏:‏ ليس في شىء غيره، فإن المعدوم ليس شيئًا باتفاق العقلاء‏.‏
ولا ريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودًا، وتارة معنى معدومًا، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال ظهر حقيقة الأمر، فإذا قال القائل‏:‏ لو كان في جهة لكانت قديمة معه‏.‏ قيل له‏:‏ هذا إذا أريد بالجهة أمر موجود سواه، فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار‏.‏
وإذا قال‏:‏ لو رؤى لكان في جهة وذلك محال، قيل له‏:‏ إن أردت بذلك، لكان في جهة موجودة فذلك محال، فإن الموجود يمكن رؤيته وإن لم يكن في موجود غيره، كالعالم فإنـه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر، وإن قال‏:‏ أردت أنـه لابد أن يكون فيما يسمى جهة ولو معدومًا، فإنه إذا كان مباينًا للعالم سمى ما وراء العالم جهة‏.‏ قيل له‏:‏ فلم قلت‏:‏ إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعًا‏؟‏ فإذا قال‏:‏ لأن ما باين العالم ورؤى لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا، عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة، فيقال له‏:‏ المتحيز يراد به ما حازه غيره، ويراد به ما بان عن غيره ـ فكان متحيزًا عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول لم يكن ـ سبحانه ـ متحيزًا؛ لأنه بائن عن المخلوقات لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني فهو ـ سبحانه ـ بائن عن المخلوقات منفصل عنها، ليس هو حالاً فيها ولا متحدًا بها‏.‏
فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل، وإلا فكل من نفى شيئًا من الأسماء والصفات سمى من أثبت ذلك مجسمًا قائلاً بالتحيز والجهة‏.‏ فالمعتزلة ونحوهم يسمون الصفاتية ـ الذين يقولون‏:‏ إن الله ـ تعالى ـ حـي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، يسمونهم ـ مُجَسِّمة مشبهة حشوية، والصفاتية هم السلف والأئمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات، كالكُلاَّبية والكَرَّامية، والأشعرية، والسالمية، وغيرهم من طوائف الأمة، قالت نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء‏:‏ إذا أثبتم له حياة وقدرة وكلامًا فهذه أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وإذا قلتم‏:‏ يرى، فالرؤية لا تكون إلا لمعاين في جهة، وهذا يستلزم التجسيم‏.‏
فإذا قالت الأشعرية ومن اتبعهم‏:‏ نحن نثبت هذه الصفات ولا نسميها أعراضًا؛ لأن العَرَض ما يعرض لمحله وهذه الصفات باقية لا تزول، قالت لهم النفاة‏:‏ هذا نزاع لفظي، فإن العرض عندكم ينقسم إلى لازم لمحله لا يفارقـه ـ ما دام المحل موجودًا ـ وإلى مـا يجوز أن يفارق محله، فالأول كالتحيز للجسم، بل وكالحيوانية والناطقية للإنسان فإنه ما دام إنسانًا لا تفارقه هذه الصفة‏.‏
وأما قولكم‏:‏ إن العرض لا يبقى زمانين، فهذا شىء انفردتم به من بين سائر العقلاء، وكابرتم به الحس، لتنجوا بالمغاليط عن هذه الإلزامات المفحمة، ثم إنكم تقولون بتجدد أمثاله، فهذا هو معنى بقاء العرض، وهذا كما قلتم‏:‏ إنه يرى بلا مواجهة ولا مدابرة، ولا يتوجه إليه الرائي بجهة من جهاته، فهذا ـ أيضًا ـ مما انفردتم به عن العقلاء وكابرتم به الحس والعقـل، قالت لهم النفاة‏:‏ فأثبتم مـا يستلزم التجسيم والتشبيه والحشو أو نفيتم التلازم فخالفتم صريح العقل والضرورة‏.‏
ولهذا صار حُذَّاقُكم إلى أنكم في الحقيقة موافقون لنا على نفي رؤية الله ـ تعالى ـ ولكن أظهرتم إثباتها لكونه المشهور عند الحشوية المشهورين بالسنة والجماعـة، ليقال‏:‏ إنكم منهم، أو أثبتم ذلك تناقضًا منكم، فأنتم دائرون بين المناقضة والمداهنة‏.‏
فإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت أسماء الله الحسنى ـ كما تفعل المعتزلة وهم أئمة الكلام ـ سماه نفاة أسماء الله الحسنى مشبهًا حشويًا مجسمًا، كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم، وقالوا‏:‏ إذا قلتم إنه موجود عليم حي قدير، فهذا هو القول بالتشبيه والتجسيم والحشو، فإن ذلك مشابهة لغيره من المخلوقات، ولأنه لا يعقل موجود حي عليم قدير إلا جسمًا، ولأن هذه الأسماء تستلزم الصفات، والصفات تستلزم التجسيم‏.‏
فإن كان الرجل ممن ينفي الأسماء والصفات ـ كما تفعله غلاة الجهمية والقرامطة والفلاسفة ـ فلابد له أن يثبت أنه موجود‏.‏
وحينئذ، فتقول له النفاة‏:‏ أنت مُجَسِّم مُشَبِّه حَشَوِيٌّ؛ لأنه إذا كان موجودًا فقد شاركـه غيره في معنى الوجود وهو التشبيه؛ لأنه لا يعقل موجود إلا جسم أو قائم بجسم، فحينئذ يحتاج أن يقول‏:‏ لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، أو لا موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي، فيلزم نفي النقيضين جميعًا وما هو في معنى النقيضين، وذلك من أعظم الأمور الباطلة في بديهة العقل، مع أنه يلزم على قياس قولهم تشبيهه بالممتنعات؛ لأن ما ليس بموجود ولا معدوم لا تكون له حقيقة أصلاً ـ لا موجودة ولا معدومة ـ بل هو أمر مقدر في الأذهان لا يتحقق في الأعيان، هذا مع ما التزمه من الكفر الصريح‏.‏
ولو قدر أنه نفي الوجود الواجب القديم بالكلية، لكان مع الكفر الذي هو أصل كل كفر قد كابر القضايا الضرورية، فإنا نشهد الموجودات ونعلم أن كل موجود إما قديم، وإما مُحْدَث، وإما واجب موجود بنفسه، وإما ممكن بنفسه موجود بغيره، وكل محدث وممكن بنفسه موجود بغيره، فلابد له من قديم واجب بنفسه، فالوجود بالضرورة يستلزم إثبات موجود قديم‏.‏ ومن الوجود ما هو ممكن محدث، كما نشهده في المحدثات من الحيوان والنبات‏.‏
فإذا علم بضرورة العقول أن الوجود فيه ما هو موجود قديم واجب بنفسه، وفيه ما هو مُحدَث موجود ممكن بنفسه، فهذان الموجودان اتفقا في مسمى الوجود، وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده، فمن لم يثبت مـا بين الموجودين من الاتفاق وما بينهما من الافتراق، وإلا لزمه أن تكون الموجودات كلهـا قديمة واجـبة بأنفسهـا، أو محدثة‏:‏ ممكنة مفترقة إلى غيرها، وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار، فتعين إثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه، ونحن نعلم أن ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات، أعظم ممـا تمتاز بـه سائر الموجودات بعضها عن بعض، فـإذا كان ‏[‏الملك‏]‏ و‏[‏البعوض‏]‏ قد اشتركا في مسمى الوجود والحي، مع تفاوت ما بينهما، فالخالق ـ سبحانه ـ أولى بمباينته للمخلوقات، وإن حصلت الموافقة في بعض الأسماء والصفات‏.
فصــل
إذا ظهرت هذه المقدمة، تبين لنا أن قول القائل‏:‏ كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابهًا، جواب لا ينقطع به النزاع، ولا يحصل به الانتفاع ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم، والزائغ والقويم‏.‏
وذلك أنه ما من ناف ينفي شيئًا من الأسماء والصفات، إلا وهو يزعم أنه قد قام عنده دليل العقل على أن يدل على التجسيم، فيكون متشابهًا، فيلزم ـ حينئذ ـ أن تكون جميع الأسماء والصفات متشابهات، وحينئذ فيلزم التعطيل المحض وألا يفهم من أسماء الله ـ تعالى ـ وصفاته معنى، ولا يميز بين معنى الحي والعليم، والقدير والرحيم، والجبار والسلام، ولا بين معنى الخلق والاستواء، وبين الإماتة والإحياء، ولا بين المجىء والإتيان، وبين العفو والغفران‏.‏
بيان ذلك‏:‏ أن من نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطـة والباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة يقولون‏:‏ إذا قلتم‏:‏ إن القرآن غير مخلوق، وإن لله ـ تعالى ـ علمًا وقدرة وإرادة، فقد قلتم بالتجسيم، فإنه قد قام دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم؛ لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها، لا تقوم إلا بغيرها، سواء سميت صفاتًا أو أعراضًا أو غير ذلك‏.‏
قالوا‏:‏ ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم، فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول‏.‏ فإن قال المثبت‏:‏ بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم، كما أمكن عندنا وعندكم إثبات عالم قادر ليس بجسم، قالت المثبتة‏:‏ الرضا، والغضب والوجه، واليد، والاستواء والمجىء وغير ذلك فأثبتوا هذه الصفات ـ أيضًا ـ وقالوا‏:‏ إنها تقوم بغير جسم‏.‏
فإن قالوا‏:‏ لا يعقل رضا، وغضب، إلا ما يقوم بقلب هو جسم، ولا نعقل وجهًا ويدًا إلا ما هو بعض من جسم‏.‏ قيل لهم‏:‏ ولا تعقل علمًا إلا ما هو قائم بجسم، ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم، ولا نعقل سمعًا وبصرًا وكلامًا إلا ما هو قائم بجسم‏.‏ فلمَ فرقتم بين المتماثلين‏؟‏ وقلتم‏:‏ إن هذه يمكن قيامها بغير جسم، وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم، وهما في المعقول سواء‏.‏
فإن قالوا‏:‏ الغضب هو‏:‏ غليان دم القلب لطلب الانتقام، والوجه هو‏:‏ ذو الأنف والشفتين واللسان والخد، أو نحو ذلك‏.‏
قيل لهم‏:‏ إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد، فوزانه أن يقال لكم‏:‏ ولا يعقل بصر إلا ما كان بشَحْمَة ولا سمع إلا ما كان بصِمَاخ ‏[‏المراد بالصماخ‏:‏ الأُذن‏.‏ انظر‏:‏ القاموس، مادة ـ صمخ‏]‏، ولا كلامًا إلا ما كان بشفتين ولسان، ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة، وأنتم تثبتون للرب السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد، فإن كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع، وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله ـ تعالى ـ من غير مماثلة بصفات المخلوقات، فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود، ولا فرق بين صفة وصفة، فإن ما نفيتموه من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه فإما أن تعطلوا الجميع وهو ممتنع، وإما أن تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع، وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يمثاله فيه غيره‏.‏ وحينئذ، فلا فرق بين صفة وصفة، فالفرق بينهما بإثبات أحـدهما ونفي الآخر ـ فرارًا من التشبيه والتجسيم ـ قـول باطـل، يتضمن الفرق بين المتماثلين، والتناقض في المقالتين‏.‏
فإن قال‏:‏ دليل العقل دل على أحدهما دون الآخر كما يقال‏:‏ إنه دل على الحياة والعلم والإرادة، دون الرضا والغضب، ونحو ذلك، فالجواب من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه، فهَبْ أنه لم يعلم بالعقل ثبوت أحدها، فإنه لا يعلم نفيه بالعقل أيضًا ولا بالسمع، فلا يجوز نفيه، بل الواجب إثباته إن قام دليل على إثباته وإلا توقف فيه‏.‏
الثاني‏:‏ أن يقال‏:‏ إنه يمكن إقامة دليل العقل على حبه وبغضه، وحكمته ورحمته، وغير ذلك من صفاته، كما يقام على مشيئته، كما قد بين في غير هذا الموضع‏.‏
الثالث‏:‏ أن يقال‏:‏ السمع دل على ذلك، والعقل لا ينفيه فيجب العمل بالدليل السالم عن المعارض‏.‏ فإن عاد فقال‏:‏ بل العقل ينفى ذلك؛ لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم، والعقل ينفي التجسيم‏.‏ قيل له‏:‏ القول في هذه الصفات التي تنفيهـا كالقـول في الصفات التي أثبتها؛ فإن كان هذا مستلزمًا للتجسيم فكذلك الآخر، وإن لم يكن مستلزمًا للتجسيم كذلك الآخر، فدعوى المُدَّعِي الفرق بينهما بأن أحدهما يستلزم التشبيه، أو التجسيم دون الآخر، تفريق بين المتماثلين، وجمع بين النقيضين، فإن ما نفاه في أحدهما أثبته في الآخر، وما أثبته في أحدهما نفاه في الآخر، فهو يجمع بين النقيضين‏.‏
ولهذا قال المحققون‏:‏ كل من نفى شيئًا من الأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة، فإنه متناقض لا محالة؛ فإن دليل نفيه فيما نفاه هو بعينه يقال فيما أثبته، فإن كان دليل العقل صحيحًا بالنفي، وجب نفي الجميع، وإن لم يكن لم يجب نفي شىء من ذلك، فإثبات شىء ونفي نظيره تناقض باطل‏.‏
فإن قال المعتزلي‏:‏ إن الصفات تدل على التجسيم؛ لأن الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم، فلهذا تأولت نصوص الصفات دون الأسماء، قيل له‏:‏ يلزمك ذلك في الأسماء، فإن ما به استدللت على أن من له حياة وعلم وقدرة لا يكون إلا جسمًا، يستدل به خصمك على أن العليم القدير الحي لا يكون إلا جسمًا، فيقال لك‏:‏ إثبات حي عليم قدير لا يخلو‏:‏ إما أن يستلزم التجسيم أو لا يستلزم، فإن استلزم لزمك إثبات الجسم، فلا يكون لرؤيته محدودًا على التقديرين، وإن لم يستلزم أمكن أن يقال‏:‏ إن إثبات العلم والقدرة والإرادة لا يستلزم التجسيم، فإن كان هذا لا يستلزم فهذا لا يستلزم، وإن كان هذا يستلزم فهذا يستلزم، فلا فرق بينهما، وإن فرق فهو تناقض جلي‏.‏
فإن قال الجهمي، والقرمطي، والفلسفي الموافق لهما‏:‏ أنا أنفي الأسماء والصفات معًا، قيل له‏:‏ لا يمكنك أن تنفي جميع الأسماء؛ إذ لابد من إشارة القلب وتعبير اللسان عما تثبته، فإن قلت‏:‏ ثابت موجود محقق، معلوم قديم واجب‏.‏ أي شىء قلت كنت قد سميته، وهب أنك لا تنطق بلسانك، إما أن تثبت بقلبك موجودًا واجبًا قديما، وإما ألا تثبته، فإن لم تثبته كان الوجود خاليا عن موجد واجب قديم، وحينئذ فتكون الموجودات كلها محدثة ممكنة، وبالاضطرار يعلم أن المحدث الممكن لا يوجد إلا بقديم واجب، فصار نفيك له مستلزماً لإثباته، ثم هذا هو الكفر والتعطيل الصريح الذي لا يقول به عاقل‏.‏
وإن قلت‏:‏ أنا لا أخطر ببالي النظر في ذلك ولا أنطق فيه بلساني، قيل لك‏:‏ إعراض قلبك عن العلم، ولسانك عن النطق، لا يقتضي قلب الحقائق ولا عدم الموجودات؛ فإن ما كان حقًا موجوداً ثابتًا في نفسه فهو كذلك، علمته أو جهلته، وذكرته أو نسيته، وذلك لا يقتضي إلا الجهل بالله ـ تعالى ـ والغفلة عن ذكر الله، والإعراض عنه و الكفر به، وذلك لا يقتضي أنه في نفسه ليس حقًا موجودًا له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى‏.‏
ولا ريب أن هذا هو غاية القرامطة الباطنية، والمعطلة الدهرية‏:‏ أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه، ليس لهم دليل على نفيه ونفي أسمائه وصفاته، فإن هذا جزم بالنفي وهم لا يجزمون، ولا دليل لهم على النفي، وقد أْعرضوا عن أسمائه وآياته وصاروا جهالاً به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته‏.‏
ثم إذا فعلوا ذلك ـ بزعمهم ـ لئلا يقعوا في التشبيه والتجسيم، قيل لهم‏:‏ ما فررتم إليه شر مما فررتم عنه، فإن الإقرار بالصانع ـ على أي وجه كان ـ خير من نفيه‏.‏ وأيضًا، فإن هذا العالم المشهود، كالسماء والأرض، إن كان قديمًا واجبًا بنفسه فقد جعلتم الجسم المشهود قديمًا واجبًا بنفسه، وهذا شر مما فررتم منه، وإن لم يكن قديمًا واجبًا بنفسه لزم أن يكون له صانع قديم واجب بنفسه، وحينئذ تتضح معرفته وذكره بأن إثبات الرب بالقلب واللسان حق لا ريب فيه سمعًا وعقلا، فإن كان ذلك مستلزمًا لما سميتموه تشبيهًا وتجسيمًا فلازم الحق حق، وإن لم يكن مستلزمًا له، أمكنكم إثباته بدون هذا الكلام ‏.‏ فظهر تناقض النفاة كيف صرفت عليهم الدلالات، وظهر تناقض من يثبت بعض الصفات دون بعض‏.‏
فإن قالت النفاة‏:‏ إنما نفينا الصفات؛ لأن دليلنا على حدوث العالم وإثبات الصانع دل على نفيها، فإن الصانع أثبتناه بحدوث العالم، وحدوث العالم إنما أثبتناه بحدوث الأجسام، والأجسام إنما أثبتنا حدوثهـا بحدوث الصفات التي هي الأعراض، أو قالوا‏:‏ إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التي هي الحركات، وإن القابل لها لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو أن ما قبل المجيء والإتيان والنزول كان موصوفًا بالحركة، وما اتصف بالحركة لم يخل منها، أو من السكون الذي هو ضدها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فإذا ثبت حدوث الأجسام قلنا‏:‏ إن المحدث لابد له من محدث فأثبتنا الصانع بهذا، فلو وصفناه بالصفات أو بالأفعال القائمة به لجاز أن تقوم الأفعال والصفات بالقديم، وحينئذ فلا يكون دليلاً على حدوث الأجسام، فيبطل دليل إثبات الصفات ‏.‏
فيقال لهم‏:‏ الجواب من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم بطلان جميع الأدلة، وإثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها، وإن أمكن ضبط جملها‏.‏
الثاني‏:‏ أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب ـ عز وجل ـ والإيمان به موقوفة عليه، للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين‏.‏
الثالث‏:‏ أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا أحدًا بسلوك هذا السبيل، فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجبًا، وإن كانت مستحبة كـان مستحبًا، ولو كان واجبًا أو مستحبًا لشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان مشروعًا لنقلته الصحابة‏.‏
فصــل
في جمل مقالات الطوائف، وموادهم أما باب الصفات والتوحيد، فالنفي فيه في الجملة قول الفلاسفة والمعتزلة، وغيرهم من الجهمية، وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق، وكذلك بين البغداديين والبصريين اختلاف في السمع والبصر، هل هو علم أو إدراك غير العلم‏؟‏ وفي الإرادة ‏.‏
وهذا المذهب الذي يسميه السلف‏:‏ قول جهم؛ لأنه أول من أظهره في الإسلام، وقد بينت إسناده فيه في غير هذا الموضع؛ أنه متلقي من الصابئة الفلاسفة، والمشركين البراهمة، واليهود السحرة‏.‏
والإثبات في الجملة مذهب الصفاتية من الكُلاَّبِيَّة والأشعرية، والكَرّامِيَّة وأهل الحديث، وجمهور الصوفية والحنبلية، وأكثر المالكية والشافعية، إلا الشاذ منهم، وكثير من الحنفية أو أكثرهم، وهو قول السلفية، لكن الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول الغالية من الرافضة، ومن جهال أهل الحديث، وبعض المنحرفين‏.‏ وبين نَفْي الجهمية، وإثبات المشبهة مراتب‏.‏
فالأشعرية وافق بعضهم في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما في الصفات القرآنية فلهم قولان‏:‏
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها، وفيهم تَجَهُّمٌ من جهة أخرى، فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم، وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري في الإبانة وبعد ابن الباقلاني ابن فُورَك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن‏.‏
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة، فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين‏.‏
والقشيري تلميذ ابن فورك؛ فلهذا تغلظ مذهب الأشعري من حينئذ، ووقع بينه وبين الحنبلية تنافر بعد أن كانوا متوالفين أو متسالمين‏.‏
وأما الحنبلية، فأبو عبد الله بن حامد قوي في الإثبات، جاد فيه ينزع لمسائل الصفات الخبرية، وسلك طريقه صاحبه القاضي أبو يعلى، لكنه ألين منه وأبعد عن الزيادة في الإثبات‏.‏
وأما أبو عبد الله بن بطة ‏[‏هو عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، صاحب كتاب ـ الإبانة الكبرى ـ أثنى عليه علماء عصره مثل عبد الواحد بن علي العكبري، ولد سنة 403هـ، وتوفى سنة 783هـ‏]‏، فطريقته طريقة المحدثين المحضة، كأبي بكر الآجُريِّ في ‏[‏الشريعة‏]‏ واللالكائي في السنن، والخَلال مثله قريب منه، وإلى طريقته يميل الشيخ أبو محمد، ومتأخرو المحدثين‏.‏
وأما التميميون، كأبي الحسن وابن أبي الفضل، وابن رزق الله، فهم أبعد عن الإثبات، وأقرب إلى موافقة غيرهم، وألين لهم؛ ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية، كالباقلاني والبيهقي، فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها البيهقي، مع أن القوم ماشون على السنة‏.‏
وأما ابن عقيل، فإذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر، وكرامات الأولياء، بحيث يكون الأشعري أحسن قولاً منه، وأقرب إلى السنة‏.‏
فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز وغيره في مناظرته، ما يقتضي أنه عنده من متكلمي أهل الحديث، لم يجعله مباينًا لهم، وكانوا قديمًا متقاربين، إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شىء من الكـلام، لما في ذلك من البدعة، مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة، بل هو مقصر عنها تقصيرًا معروفًا‏.‏
والأشعرية ـ فيما يثبتونه من السنة ـ فرع على الحنبلية، كما أن متكلمة الحنبلية ـ فيما يحتجون به من القياس العقلي ـ فرع عليهم، وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القُشَيْرِي‏.‏
ولا ريب أن الأشعرية الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل، وكثير من الحنبلية زادوا في الإثبات‏.‏
وصنف القاضي أبو يعلي كتابه في ‏[‏إبطال التأويل‏]‏ رد فيه على ابن فُورَك شيخ القشيري، وكان الخليفة وغيره مائلين إليه، فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة، وأكثر الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل‏.‏
فابن عقيل إنما وقع في كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان المعتزليين؛ ولهذا له في كتابه ‏[‏إثبات التنزيه‏]‏ وفي غيره كلام يضاهي كلام المرَيْسِيّ ونحـوه، لكن له في الإثبات كلام كثير حسن، وعليه استقر أمره في كتاب ‏[‏الإرشاد‏]‏ مع أنه قد يزيد في الإثبات، لكن مع هذا فمذهبه في الصفات قريب من مذهب قدماء الأشعرية، والكُلابيَّة في أنه يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر، ويتأول غيره؛ ولهذا يقول بعض الحنبلية، أنا أثبت متوسطًا بين تعطيل ابن عقيل وتشبيه ابن حامد‏.‏
والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة، بسبب كلام ابن سينا في ‏[‏الشفا‏]‏ وغيره، و‏[‏رسائل إخوان الصفا‏]‏ وكلام أبي حيان التوحيدي ‏[‏هو على بن محمد بن العباس البغدادي، الصوفي الضال، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية، وهوصاحب كتاب ـالبصائر والذخائر ـ ورماه أهل زمانه بالكذب والزندقة‏.‏ قال ابن حجر‏:‏ بقى إلى حدود الأربعمائة ببلاد فارس‏]‏‏.‏
وأما المادة المعتزلية في كلامه فقليلة أو معدومة، كما أن المادة الفلسفية في كلام ابن عقيل قليلة أو معدومة‏.‏
وكلامه في ‏[‏الإحياء‏]‏ غالبه جيد، لكن فيه مواد فاسدة، مادة فلسفية، ومادة كلامية، ومادة من ترهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة‏.‏
وبينه وبين ابن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات في الصفات، فإنه قد يكفر في أحد الصفات بالمقالة التي ينصرها في المصنف الآخر، وإذا صنف على طريقة طائفة غلب عليه مذهبها‏.‏
وأما ابن الخطيب، فكثير الاضطراب جدًا، لا يستقر على حال وإنما هو بحث وجدل، بمنزلة الذي يطلب ولم يهتد إلى مطلوبه، بخلاف أبي حامد فإنه كثيرًا ما يستقر‏.‏
والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القَدَر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم‏.‏
والمعتزلة وعيدية في باب الأسماء والأحكام، قدرية في باب القَدَر، جهمية محضة ـ واتبعهم على ذلك متأخرو الشيعة، وزادوا عليهم الإمامة والتفضيل، وخالفوهم في الوعيد ـ وهم أيضًا يرون الخروج على الأئمة‏.‏
وأما الأشعرية، فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث، وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث ‏.‏
والكُلابِيَّة ـ وكذلك الكرامية ـ فيهم قرب إلى أهل السنة والحديث، وإن كان في مقالة كل من الأقوال ما يخالف أهل السنة والحديث‏.‏
وأما السالمية، فهم والحنبلية كالشىء الواحد إلا في مواضع مخصوصة، تجري مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم، وفيهم تصوف، ومن بَدَّع من أصحابنا هؤلاء يُبدِّع ـ أيضًا ـ التسمي في الأصول بالحنبلية وغير ذلك، ولا يرى أن يتسمى أحد في الأصول إلا بالكتاب والسنة، وهذه طريقة جيدة لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد، فإن مسائل الدِّقِّ ‏[‏أي‏:‏ الدقيقة‏.‏ انظر‏:‏ لسان العرب، مادة ـ دقق‏]‏ في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة؛ إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد ينكر الشىء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص‏.‏
وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع، أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك مسائل أصول، وهذه مسائل فروع، فإن هذه تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب، لاسيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة‏.‏
وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية، فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها، فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة‏.‏‏.‏‏.‏‏[‏سقط في الأصل نصف سطر‏]‏، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع‏.‏
فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شىء قدير، وبكل شىء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك، من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر‏.‏
وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية، بل هذا هو الغالب، فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل، وهو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره‏.‏
وأما الأعمال الواجبة، فلابد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة؛ ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق، وهم الفقهاء، وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية، للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة‏.‏
وقولنا‏:‏ إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء‏:‏
منها‏:‏ أنها تنقسم إلى قطعي وظني‏.‏
ومنها‏:‏ أن المصيب وإن كان واحدًا، فالمخطئ قد يكون معفوًا عنه وقد يكون مذنبًا، وقد يكون فاسقًا، وقد يكون كالمخطئ في الأحكام العملية سواء، لكن تلك لكثرة فروعها، والحاجة إلى تفريعها، اطمأنت القلوب بوقوع التنازع فيها، والاختلاف، بخلاف هذه؛ لأن الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل إلا لدرء ما هو أشد منه‏.‏
فلما دعت الحاجة إلى تفريع الأعمال وكثرة فروعها، وذلك مستلزم لوقوع النزاع اطمأنت القلوب فيها إلى النزاع، بخلاف الأمور الخبرية، فإن الاتفاق قد وقع فيها على الجمل، فإذا فصلت بلا نزاع فحسن؛ وإن وقع التنازع في تفصيلها فهو مفسدة من غير حاجة داعية إلى ذلك‏.‏
ولهذا ذم أهل الأهواء والخصومات، وذم أهل الجدل في ذلك والخصومة فيه؛ لأنه شر وفساد من غير حاجة داعية إليه، لكن هذا القدر لا يمنع تفصيلها ومعرفة دِقِّها وجِلِّها‏.‏
والكلام في ذلك إذا كان بعلم ولا مفسدة فيه، ولا يوجب ـ أيضًا ـ تكفير كل من أخطأ فيها، إلا أن تقوم فيه شروط التكفير، هذا لعَمْرِي في الاختلاف الذي هو تناقض حقيقي‏.‏
فأما سائر وجوه الاختلاف، كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتباري واللفظي، فأمره قريب، وهو كثير أو غالب على الخلاف في المسائل الخبرية‏.‏
وأما الصوفية والعباد بل وغالب العامة، فالاعتبار عندهم بنفس الأعمال الصالحة وتركها، فإذا وجدت دخل الرجل بذلك فيهم، وإن أخطأ في بعض المسائل الخبرية وإلا لم يدخل ولو أصاب فيها، بل هم معرضون عن اعتبارها، والأصول عندهم هي‏.‏‏.‏‏.‏‏[‏سقط في الأصل نصف سطر‏]‏، ويسمون هذه الأصول‏.‏‏.‏‏.‏‏[‏سقط في الأصل نصف سطر‏]‏‏.‏
ومما يتصل بذلك، أن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد، وقد تجب في حال دون حال، وعلى قوم دون قوم، وقد تكون مستحبة غير واجبة، وقد تستحب لطائفة أو في حال، كالأعمال سواء‏.‏
وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها، كما قال علي ـ رضي الله عنه‏:‏ حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله‏.‏ وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه‏:‏ ما من رجل يُحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم‏.‏
وكذلك قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ لمن سأله عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ‏}‏ الآية ‏[‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏، فقال‏:‏ ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها لكَفَرْتَ‏؟‏ وكُفْرُك تكذيبك بها‏.‏ وقال لمن سأله عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏ هو يوم أخبر الله به، الله أعلم به، ومثل هذا كثير عن السلف‏.‏
فإذا كان العلم بهذه المسائل قد يكون نافعًا، وقد يكون ضارًا لبعض الناس، تبين لك أن القول قد ينكر في حال دون حال، و مع شخص دون شخص، وإن العالِم قد يقول القولين الصوابين، كل قول مع قوم؛ لأن ذلك هو الذي ينفعهم، مع أن القولين صحيحان لا منافاة بينهما، لكن قد يكون قولهما جميعًا فيه ضرر على الطائفتين، فلا يجمعهما إلا لمن لا يضره الجمع‏.‏
وإذا كانت قد تكون قطعية، وقد تكون اجتهادية، سوغ اجتهاديتها ما سوغ في المسائل العملية، وكثير من تفسير القرآن، أو أكثره من هذا الباب؛ فإن الاختلاف في كثير من التفسير هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية، لكن قد تقع الأهواء في المسائل الكبار، كما قد تقع في مسائل العمل‏.‏
وقد ينكر أحد القائلين على القائل الآخر قوله إنكارًا يجعله كافرًا، أو مبتدعًا فاسقًا، يستحق الهجر وإن لم يستحق ذلك، وهو أيضًا اجتهاد‏.‏
وقد يكون ذلك التغليظ صحيحًا في بعض الأشخاص، أو بعض الأحوال، لظهور السنة التي يكفر من خالفها، ولما في القول الآخر من المفسدة الذي يبدع قائله؛ فهذه أمور ينبغي أن يعرفها العاقل، فإن القول الصدق إذا قيل، فإن صفته الثبوتية اللازمة أن يكون مطابقًا للمخبر‏.‏
أما كونه عند المستمع معلومًا، أو مظنونًا، أو مجهولاً، أو قطعيًا، أو ظنيًا، أو يجب قبوله، أو يحرم، أو يكفر جاحده، أو لا يكفر، فهذه أحكام عملية تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال‏.‏
فإذا رأيت إمامًا قد غلظ على قائل مقالته، أو كَفَّره فيها، فلا يعتبر هذا حكمًا عامًا في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه، والتكفير له، فإن من جحد شيئًا من الشرائع الظاهرة، وكان حديث العهد بالإسلام، أو ناشئًا ببلد جهل، لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية‏.‏
وكذلك العكس، إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم، فتدبره فإنه نافع‏.‏
وهو أن ينظر في شيئين في المقالة، هل هي حق أم باطل‏؟‏ أم تقبل التقسيم فتكون حقًا باعتبار، باطلاً باعتبار‏؟‏ وهو كثير وغالب ‏.‏
ثم النظر الثاني في حكمه إثباتًا، أو نفيًا، أو تفصيلاً، واختلاف أحوال الناس فيه، فمن سلك هذا المسلك أصاب الحق قولاً وعملاً، وعرف إبطال القول وإحقاقه وحمده، فهذا هذا، والله يهدينا ويرشدنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه‏.‏
فصــل
قد عرف أن الأشياء لها وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، وهو‏:‏ العيني، والعلمي، واللفظي، والرسمي‏.‏
ثم قال‏:‏ من قال‏:‏ إن الوجود العيني والعلمي لا يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، والأمم، بخلاف اللفظي والرسمي فإن اللغات تختلف باختلاف الأمم كالعربية والفارسية، والرومية والتركية‏.‏
وهذا قد يذكره بعضهم في كلام الله ــ تعالى ـ إنه هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف الأمم، دون الحروف التي تختلف كما هو قول الكُلابيَّة والأشعرية، ويضمون إلى ذلك، إلى أن كتبه إنما اختلفت لاختلاف لفظها فقط؛ فكلامه بالعبرية هو التوراة، وبالعربية هو القرآن، كما يقولون‏:‏ إن المعنى القديم، يكون أمرًا ونهيًا وخبرًا، فهذه صفات عارضة له؛ لا أنواع له‏.‏
ويذكر بعضهم هذا القول مطلقًا في أصول الفقه في مسائل اللغات، ويذكره بعضهم في مسألة الاسم والمسمى، وأسماء الله الحسنى، كأبي حامد‏.‏
قلت‏:‏ وهذا القول فيه نظر، وبعضه باطل، وذلك أن ألفاظ اللغات منها‏:‏ متفق عليه، كالتنور، وكما يوجد من الأسماء المتحدة في اللغات‏.‏
ومنها‏:‏ متنوع كأكثر اللغات‏.‏ واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد؛ كاختلاف الاسمين للمسمى الواحد‏.‏
وكذلك معاني اللغات، فإن المعنى الواحد الذي تعلمه الأمم، وتعبر عنه كل أمة بلسانها، قد يكون ذلك المعنى واحدًا بالنوع في الأمم، بحيث لا يختلف كما يختلف اللفظ الواحد بالعربية‏.‏
وقد يكون تصور ذلك المعنى متنوعًا في الأمم مثل‏:‏ أن يعلمه أحدهم بنعت، ويعبر عنه باعتبار ذلك النعت، وتعلمه الأمة الأخرى بنعت آخر، وتعبر عنه باعتبار ذلك النعت، كما هو الواقع في أسماء الله وأسماء رسوله، وكتابه، وكثير من الأسماء المعبر بها عن الأشياء المتفق على علمها في الجملة‏:‏ ‏(‏فتكرى، وخداي، ونست شك‏)‏، ونحو ذلك، وإن كانت أسماء لله ـ تعالى ـ فليس معناها مطابقًا من كل وجه لمعنى اسم الله، وكذلك ‏(‏بيغنير وبهشم‏)‏ و نحو ذلك‏.‏
ولهذا إذا تأملت الألفاظ التي يترجم بها القرآن ـ من الألفاظ الفارسية والتركية وغيرها ـ تجد بين المعاني نوع فرق، وإن كانت متفقة في الأصل، كما أن اللغتين متفقة في الصوت، وإن اختلفت في تأليفه، وقد تجد التفاوت بينها أكثر من التفاوت بين الألفاظ المتكافئة ـ الواقعة بين المترادفة والمتباينة ـ كالصارم والمُهَنَّد، وكالرَّيب والشَّك، والمَوَر والحركة، والصراط والطريق‏.‏
وتختلف اللغتان ـ أيضًا ـ في قدر ذلك المعنى، وعمومه وخصوصه، كما تختلف في حقيقته ونوعه، و تختلف ـ أيضًا ـ في كيفيته وصفته وغير ذلك‏.‏
بل الناطقان بالاسم الواحد باللغة الواحدة، يتصور أحدهما منه ما لم يتصور الآخر حقيقته وكميته وكيفيته وغير ذلك؛ فإذا كان المعنى المدلول عليه بالاسم الواحد لا يتحد من كل وجه في قلب الناطقين، بل ولا في قلب الناطق الواحد في الوقتين، فكيف يقال‏:‏ إنه يجب اتحاده في اللغات المتعددة‏؟‏
يوضح ذلك‏:‏ أن ما تعلمه الملائكة منه ليس على حد ما يعلمه البشر، وما يعلمه الله فيه ليس على حد ما تعلمه الملائكة؛ لكن الاختلاف اختلاف تَنَوُّع لا تَضَادّ‏.‏
وأما قول من قال‏:‏ إن معاني الكتب المنزلة سواء، ففساده معلوم بالاضطرار، فإنا لو عَبَّرْنا عن معاني القرآن بالعبرية، وعن معاني التوراة بالعربية، لكان أحد المعنيين ليس هو الآخر، بل يعلم بالاضطرار تنوع معاني الكتـب واختلافها اختـلاف تنـوع أعظـم من اختلاف حروفها، لما بين العربية والعبرية من التفاوت، وكذلك معاني البقرة ليست هي معاني آل عمران‏.‏
وأبعد من ذلك جعل الأمر هو الخبر، ولا ينكر أن هذه المختلفات قد تشترك في حقيقة ما، كما أن اللغات تشترك في حقيقة ما، فإن جاز أن يقال‏:‏ إنها واحدة مع تنوعها، فكذلك اللغات سواء، بل اختلاف المعاني أشد‏.‏
أما دعوى كون أحدهما صفة حقيقية، والأخرى وضعية، فليس كذلك، وهذا موضع ينتفع به في الأسماء واللغات، وفي أصول الدين، والفقه، وفي معرفة ترجمة اللغات‏.‏
وأيضًا، لم يجر العرف بأن اللغة الواحدة، واللفظ الواحد يكون النطق به من جميع الناطقين على حد واحد، ليس فيه تفاوت أصلاً، فإن حصل المقصود بالجميع فكذلك المعنى الواحد، فإن اللغات وإن اختلفت فقد يحصل أصل المقصود بالترجمة، فكذلك المعاني، فإن الترجمة تكون في اللفظ والمعنى؛ ولهذا سمى المسلمون ابن عباس تُرْجُمَان القرآن، وهو يترجم اللفظ‏.‏
فصــل
مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء من أهل السنة، هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة، والمتكلمين، أن المقصود هو العلم، وطريقه هو الدليل، والأنبياء جاؤوا المفصل والنفى المجمل، كإثبات الصفات لله مفصلة، نفى الكفؤ عنه ‏.‏
والفلاسفة يجيؤون بالنفي المفصل، ليس بكذا ولا كذا‏.‏ فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجودًا مجملاً، واضطربوا في أول مقامات ثبوته، وهو أن وجوده هو عين ذاته، أو صفة ذاتية لها، أو عرضية، ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية‏.‏
ومعلوم أن النفي لا وجود له، ولا يعلم النفي والعدم إلا بعد العلم بالثبوت والوجود، حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم، إلا إذا جعل شيئًا؛ لأن العلم ـ فيما زعموا ـ لابد أن يتعلق بشىء، والتحقيق أن العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود، فإذا علمنا أنه لا إله إلا الله، تصورنا إلها موجودا، وعلمنا عدم ما تصورناه إلا عن الله‏.‏
وكذلك سائر ما ننفيه، لابد أن نتصوره أولا ثم ننفيه، ولا نتصوره إلا بعد تصور شىء موجود، ثم نتصور ما شابهه، أو ما يتركب من أجزائه، كتصور بحر زئبق وجبل ياقوت، وآلهة متعددة، ونحو ذلك ثم ننفيه؛ وإلا فتصور معدوم مبتدع، لا يناسب الموجودات بوجه لا يمكن العقل إبداعه، سواء كان من العلوم النظرية أو العلمية، كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله‏.‏







آخر مواضيعه 0 الباكين من خشية الله
0 أسيد بن حضير
0 الخوف من الله
0 المسلسلات والبرامج في رمضان
0 نتائج رمضان

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 05:39 PM   رقم المشاركة : 3
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فإنه في الحقيقة تصور معدوم ليوجد، كما أن غيره تصور معدوم ممكن أو ممتنع يوجد، أو لا يوجد، فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يبتدعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية، كما لا تبدع قدرته شيئًا من غير مادة وجودية، وإنما الإبداع من خصائص الربوبية، وكيف يعلم‏؟‏ وكيف يفعل‏؟‏ باب آخر‏.‏
فتبين بهذا، أن العلم بالموجود وصفاته، هو الأصل، وأن العلم بالعدم المطلق والمقيد تبع له، وفرع عليه‏.‏ وأيضًا، فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به، إلا لتمام العلم بالموجود، وتمام الموجود في نفسه، إذ تصور لا شىء لا يستفيد به العالم صفة كمال، لكن علمه بانتفاء النقائص مثلاً عن الموجود علم بكماله‏.‏
وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته، التي هي من الكمال، وكذلك تصور ما يراد فعله مُفْضٍ إلى وجود الفعل، وتصور ما يراد تركه مفض إلى الترك، الذي هو عدم الشر، الذي يكمل الموجود بعدمه‏.‏
وذلك أن هذا الذي ذكرته في العلم والقول، يقال مثله في الإرادة والعمل، فإن الإرادة متوجهة إلى الموجود بنفسه، الذي هو الفعل، ومتوجهة إلى العدم الذي هو الترك على طريق التبع؛ لدفع الفساد عن المقصود الموجود‏.
سئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
قال السائل‏:‏ المسؤول من علماء الإسلام، والسادة الأعلام ـ أحسن الله ثوابهم، وأكرم نزلهم ومآبهم ـ أن يرفعوا حجاب الإجمال، ويكشفوا قناع الإشكال عن مقدمة، جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها، ومستندون في آرائهم إليها، حاشا مكابرا منهم معاندا، وكافرا بربوبية الله جاحدا‏.‏
وهي أن يقال‏:‏ هذه صفة كمال، فيجب لله إثباتها، وهذه صفة نقص، فيتعين انتفاؤها، لكنهم في تحقيق مناطها في إفراد الصفات متنازعون، وفي تعيين الصفات لأجل القسمين مختلفون‏.‏
فأهل السنة يقولون‏:‏ إثبات السمع والبصر، والحياة والقدرة، والعلم والكلام وغيرها من الصفات الخبرية كالوجه واليدين، والعينين، والغضب والرضا، والصفات الفعلية ـ كالضحك والنزول والاستواء ـ صفات كمال، وأضدادها صفات نقصان‏.‏
والفلاسفة تقول‏:‏ اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره، فيكون ناقصاً بذاته، وإن أوجب له نقصاً لم يجز اتصافه بها‏.‏
والمعتزلة يقولون‏:‏ لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقرًا إليها وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرا إلى غيره؛ ولأنها أعراض لا تقوم إلا بجسم، والجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص‏.‏
ويقولون أيضًا‏:‏ لو قدر على العباد أعمالهم وعاقبهم عليها، كان ظالمًا، وذلك نقص‏.‏ وخصومهم يقولون‏:‏ لو كان في ملكه ما لا يريده لكان ناقصًا‏.‏
والكُلابِيَّة ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله، ويقولون‏:‏ لو قامت به لكان مَحَلا للحوادث‏.‏ والحادث إن أوجب له كمالاً فقد عدمه قبله، وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به‏.‏
وطائفة منهم ينفون صفاته الخبرية؛ لاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار‏.‏ وهكذا نفيهم ـ أيضًا ـ لمحبته؛ لأنها مناسبة بين المحب والمحبوب، ومناسبة الرب للخلق نقص، وكذا رحمته؛ لأن الرحمة رقة تكون في الراحم، وهي ضعف وخَوَر في الطبيعة، وتألم على المرحوم، وهو نقص، وكذا غضبه؛ لأن الغضب غليان دم القلب طلبًا للانتقام، وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه‏.‏ لأن الضحك خفة روح تكون لتجدد ما يسر، واندفاع ما يضر‏.‏ والتعجب استعظام للمتعجب منه‏.‏
ومنكرو النبوات يقولون‏:‏ ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم رسولاً كما أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولاً‏.‏
والمشركون يقولون‏:‏ عظمة الرب وجلاله يقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب، فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط، غض من جنابه الرفيع‏.‏
هذا وإن القائلين بهذه المقدمة، لا يقولون بمقتضاها، و لا يطردونها، فلو قيل لهم‏:‏ أيما أكمل‏؟‏ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات، من الشم والذوق واللمس، أم ذات لا توصف بها كلها‏؟‏ لقالوا‏:‏ الأولى أكمل، ولم يصفوا بها كلها الخالق‏.‏
وبالجملة، فالكمال والنقص من الأمور النسبية، والمعاني الإضافية، فقد تكون الصفة كمالاً لذات ونقصًا لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح، كمال للمخلوق، نقص للخالق، وكذا التعاظم والتكبر والثناء على النفس، كمال للخالق، نقص للمخلوق، وإذا كان الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال، إنما يكون كمالاً بالنسبة إلى الشاهد، ولا يلزم أن يكون كمالاً للغائب كما بين؛ لا سيما مع تباين الذاتين‏.‏
وإن قلتم‏:‏ نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها، هل هي كمال أو نقص‏؟‏ فلذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما؛ لأنها قد تكون كمالاً لذات، نقصًا لأخرى، على ما ذكر‏.‏ وهذا من العجب أن مقدمة وقع عليها الإجماع، هي منشأ الاختلاف والنزاع‏!‏‏!‏ فرضى الله عمن بين لنا بيانًا يشفى العليل، ويجمع بين معرفة الحكم وإيضاح الدليل، إنه ـ تعالى ـ سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل‏.‏
فأجاب ـ رضي الله عنه‏:‏
الحمد لله، الجواب عن السؤال مبني على مقدمتين‏:‏
إحداهما‏:‏ أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب ـ تعالى ـ يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك‏.‏
ودلالة القرآن على الأمور نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به‏.‏
والثاني‏:‏ دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب‏.‏ فهذه دلالة شرعية عقلية؛ فهي ‏[‏شرعية‏]‏ لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ و ‏[‏عقلية‏]‏ لأنها تعلم صحتها بالعقل‏.‏ ولا يقال‏:‏ إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر‏.‏
وإذا أخبر الله بالشىء، ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولاً عليه بخبره، ومدلولاً عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى ‏[‏ الدلالة الشرعية‏]‏‏.‏
وثبوت ‏[‏معنى الكمال‏]‏ قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى‏.‏
وقد ثبت لفظ ‏[‏الكامل‏]‏ فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير‏:‏‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1، 2‏]‏‏:‏ أن ‏[‏الصمد‏]‏ هو المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سُؤْدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ـ سبحانه وتعالى‏.‏
وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شىء‏.‏ وهكذا سائر صفات الكمال، ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شىء‏.‏
وقد بينا في غير هذا الموضع‏:‏ أن الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها‏.‏
وأما لفظ ‏[‏الكامل‏]‏ فقد نقل الأشعري عن الجبائي أنه كان يمنع أن يسمى الله كاملاً، ويقول‏:‏ الكامل الذي له أبعاض مجتمعة‏.‏
وهذا النزاع إن كان في المعنى فهو باطل، وإن كان في اللفظ فهو نزاع لفظي‏.‏
والمقصود هنا أن ثبوت الكمال له، ونفي النقائص عنه، مما يعلم بالعقل‏.‏
وزعمت طائفة من أهل الكلام ـ كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم ـ أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية‏.‏
ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون‏:‏ إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا‏:‏ والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام‏:‏ أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي ـ الذي هو القرآن ـ أولى وأحْرَى‏.‏
والذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه ـ مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين ـ هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته، كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير؛ وقالوا‏:‏ إنه لا يوصف بالحياة، والعلم، والقدرة، والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف إلا جسم‏.‏
فقيل لهم‏:‏ فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير، ولا يوصف شىء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات، فإن جاز أن يقال‏:‏ بل يسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم، جاز أن يقال‏:‏ فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال‏:‏ هذه الصفات ليست أعراضًا، وإن قيل‏:‏ لفظ الجسم ‏[‏مجمل‏]‏ أو مشترك وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره، جاز أن يقال‏:‏ الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره‏.‏
وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع، أو بالعقل مع الشرع، كالرضا والغضب، والحب، والفرح، ونحو ذلك‏:‏ هذه الصفات لا تعقل إلا لجسم‏.‏ قيل لهم‏:‏ هذه بمنزلة الإرادة والسمع، والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في الآخر مثله‏.‏
وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم، إذا قالوا‏:‏ ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسمًا أو مركبًا‏.‏ قيل لهم‏:‏ هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك‏.‏
فإن قالوا‏:‏ هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم‏:‏ إن كان هذا ممتنعا بطل الفرق، وإن كان ممكنًا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة‏.‏ والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل، وأن نقيض ذلك مُنْتَفٍ عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل والشرع، دون تلك، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون‏.‏
وجمهور أهل الفلسفة والكلام يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل، والفلاسفة تسميه التمام، وبيان ذلك من وجوه‏:‏
منها‏:‏ أن يقال‏:‏ قد ثبت أن الله قديم بنفسه، واجب الوجود بنفسه، قيوم بنفسه، خالق بنفسه، إلى غير ذلك من خصائصه‏.‏ والطريقة المعروفة في وجوب الوجود تقال في جميع هذه المعاني‏.‏
فإذا قيل‏:‏ الوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، فهو مثل أن يقال‏:‏ الموجود إما قديم وإما حادث، والحادث لابد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين‏.‏ والموجود إما غني وإما فقير، والفقير لابد له من الغنى، فلزم وجود الغنى على التقديرين‏.‏ والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم، وغير القيوم لابد له من القيوم، فلزم ثبوت القيوم على التقديرين، والموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين ونظائر ذلك متعددة‏.‏
ثم يقال‏:‏ هذا الواجب القديم الخالق، إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص فيه الممكن الوجود ممكنًا له، وإما ألا يكون‏.‏ والثاني ممتنع؛ لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير للممكن، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن كلاهما موجود‏.‏ والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه‏.‏
فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنًا للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى؛ لأن ما كان ممكنًا لما هو في وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لاسيما وذلك أفضل من كل وجه فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه، بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به، فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى‏.‏
ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذي جعل غيره كاملا هو أحق بالكمال منه، فالذي جعل غيره قادرًا أولى بالقدرة، والذي علم غيره أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة، والفلاسفة توافق على هذا، ويقولون‏:‏ كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة، والعلة أولى به‏.‏
وإذا ثبت إمكان ذلك له، فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود، فإنه واجب له لا يتوقف على غيره، فإنه لو توقف على غيره لم يكن موجودًا له إلا بذلك الغير، وذلك الغير إن كان مخلوقًا له لزم الدور القبلي الممتنع، فإن ما في ذلك الغير من الأمور الوجودية فهي منه، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلاً للآخر، وهذا هو الدور القبلي فإن الشىء يمتنع أن يكون فاعلاً لنفسه، فلأن يمتنع أن يكون فاعلاً لفاعله بطريق الأولى والأحرى‏.‏
وكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلاً لما به يصير الآخر فاعلاً، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطيًا للآخر كماله، فإن معطي الكمال أحق بالكمال، فيلزم أن يكون كل منهما أكمل من الآخر، وهذا ممتنع لذاته، فإن كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من هذا، وفضل أحدهما يمنع مساواة الآخر له، فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق الأولى‏.‏
وأيضا، فلو كان كماله موقوفًا على ذلك الغير، للزم أن يكون كماله موقوفًا على فعله لذلك الغير، وعلى معاونة ذلك الغير في كماله، ومعاونة ذلك الغير في كماله موقوف عليه؛ إذ فعل ذلك الغير، وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر إلى غيره، فيلزم ألا يكون كماله موقوفًا على غيره‏.‏
فإذا قيل‏:‏ كماله موقوفًا على مخلوقه، لزم ألا يتوقف على مخلوقه، وما كان ثبوته مستلزمًا لعدمه كان باطلاً من نفسه‏.‏ وأيضًا، فذلك الغير كل كمال له فمنه وهو أحق بالكمال منه، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفًا إلا على ما هو من نفسه، وذلك متوقف عليه لا على غيره‏.‏
وإن قيل‏:‏ ذلك الغير ليس مخلوقًا بل واجبًا آخر قديمًا بنفسه‏.‏ فيقال‏:‏ إن كان أحد هذين هو المعطي دون العكس، فهو الرب، والآخر عبده‏.‏
وإن قيل‏:‏ بل كل منهما يعطي للآخر الكمال، لزم الدور في التأثير وهو باطل، وهو من الدور القبلي، لا من الدور المعي الاقتراني فلا يكون هذا كاملا حتى يجعله الآخر كاملاً، والآخر لا يجعله كاملاً حتى يكون في نفسه كاملاً، لأن جاعل الكامل كاملاً أحق بالكمال ولا يكون الآخر كاملاً حتى يجعله كاملاً، فلا يكون واحدًا منهما كاملاً بالضرورة، فإنه لو قيل‏:‏ لا يكون كاملاً حتى يجعل نفسه كاملاً، ولا يجعل نفسه كاملاً حتى يكون كاملاً لكان ممتنعا، فكيف إذا قيل‏:‏ حتى يجعل ما يجعله كاملاً كاملاً‏؟‏‏!‏
وإن قيل‏:‏ كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء‏.‏ فإن تقدير مؤثرات لا تتناهي‏:‏ ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شىء منها، ولا وجود جميعها، ولا وجود اجتماعها، والمبدع للموجودات لابد أن يكون موجودًا بالضرورة‏.‏
فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جرا، للزم ألا يكون لشىء من هذه الأمور كمال، ولو قدر أن الأول كامل لزم الجمع بين النقيضين، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره، كان الكمال له واجبًا بنفسه، و امتنع تخلف شىء من الكمال الممكن عنه، بل ما جاز له من الكمال وجب له، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث، والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم، بل هذا ثابت في مفعولاته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكان ممتنعًا بنفسه أو ممتنعًا لغيره، فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره، والممكن أن حصل مقتضيه التام‏:‏ وجب بغيره، وإلا كان ممتنعًا لغيره، والممكن بنفسه‏:‏ إما واجب لغيره، وإما ممتنع لغيره‏.‏
وقد بين الله ـ سبحانه ـ أنه أحق بالكمال من غيره، وأن غيره لا يساويه في الكمال، في مثل قوله تعالى‏:‏‏{‏أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏17‏]‏ وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن من عَدَل هذا بهذا فقد ظلم‏.‏
وقال تعالى‏:‏‏{‏ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏75‏]‏، فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص، وأن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد من دونه‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏76‏]‏، وهذا مثل آخر‏.‏ فالأول مثل العاجز عن الكلام، وعن الفعل الذي لا يقدر على شىء‏.‏ والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فهو عادل في أمره مستقيم في فعله‏.‏
فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم، فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد، فلا يستوى هذا والعاجز عن الكلام والفعل‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 28‏]‏‏.‏
يقول تعالى‏:‏ إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي، وأنا أحق بالكمال والغنى منكم‏؟‏
وهذا يبين أنه ـ تعالى ـ أحق بكل كمال من كل أحد، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 58ـ62‏]‏ حيث كانوا يقولون‏:‏ الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصًا وعيبًا‏.‏
والرب ـ تعالى ـ أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم، فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب، فالخالق أولى بتنزيهه عنه‏.‏
وقال تعالى‏:‏‏{‏قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏9‏]‏، وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏19ـ 22‏]‏ فبين أن البصير أكمل، والنور أكمل، والظل أكمل، وحينئذ فالمتصف به أولى ‏{‏وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 60‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏، فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي، والرب أحق بالكمال‏.‏
وقال تعالى‏:‏‏{‏قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏35‏]‏ فبين ـ سبحانه ـ بما هو مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهتدي إلا أن يهديه غيره، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل، دون الذي لا يهتدي إلا بغيره‏.‏
وإذا كان لابد من وجود الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل، وقال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏89‏]‏ فدل على أن الذي يرجع إليه القول، ويملك الضر والنفع، أكمل منه‏.‏
وقال إبراهيم لأبيه‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏42‏]‏، فدل على أن السميع البصير الغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك‏.‏
ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم والفعل، وعدم الحياة، ونحو ذلك مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات، وإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب‏.‏
وأما رب الخلق ـ الذي هو أكمل من كل موجود ـ فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوى المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات‏.‏
فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف، فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة، التي عابها الله ـ تعالى ـ وعاب عابديها‏.‏







آخر مواضيعه 0 عندما بكى أبو بكر
0 كيف اعبد الله تعالى , لماذا اعبد الله
0 مصطلحات رمضانية
0 يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي , ابن تيمية
0 الى كل مسلم بعد رمضان

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 05:40 PM   رقم المشاركة : 4
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا، وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر، أو يغني عنهم شيئًا‏.‏
والله ـ سبحانه ـ لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما‏:‏ إثبات صفات الكمال، ردًا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردًا على المشركين‏.‏
والشرك في العالم أكثر من التعطيل، ولا يلزم من إثبات ‏[‏التوحيد‏]‏ المنافي للإشراك إبطال قول أهل التعطيل، ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر‏.‏
والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة، كالرد على فرعون وأمثاله، ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر؛ لأن القرآن شفاء لما في الصدور‏.‏ ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل، وأيضًا فإن الله ـ سبحانه ـ أخبر أن له الحمد، وأنه حميد مجيد، وأن له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، ونحو ذلك من أنواع المحامد‏.‏
والحمد نوعان‏:‏ حمد على إحسانه إلى عباده، وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال، وهي أمور وجودية فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها، ولا خير ولا كمال‏.‏
ومعلوم أن كل ما يحمد، فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود بالحمد والكمال من كل كامل وهو المطلوب‏.‏
فصــل
وأما المقدمة الثانية فنقول‏:‏ لابد من اعتبار أمرين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يكون الكمال ممكن الوجود‏.‏
والثانى‏:‏ أن يكون سليمًا عن النقص، فإن النقص ممتنع على الله، لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصًا، فهذا يقال له‏:‏ إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا نقصًا وقدر أن انتفاءه يمتنع، لم يكن نقصه من الكمال الممكن، ولم يكن هذا عند من سماه نقصًا من النقص الممكن انتفاؤه‏.‏
فإذا قيل‏:‏ خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له، قيل‏:‏ وجود المخلوقات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها، أو واحد منها في الأزل ممتنع‏.‏ ووجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد ممتنع، سواء قدر ذلك الآن ماضيًا أو مستقبلاً، فضلا عن أن يكون أزليًا، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده في آن واحد، فضلا عن أن يكون أزليًا، فليس هذا ممكن الوجود فضلا عن أن يكون كمالاً، لكن فعل الحوادث شيئًا بعد شىء أكمل من التعطيل عن فعلها، بحيث لا يحدث شيئًا بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر على الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل‏.‏
فإذا قيل‏:‏ لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصًا بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئًا بعد شىء، وكذلك إذا قيل‏:‏ جعل الشىء الواحد متحركا ساكنًا موجودًا معدومًا صفة كمال، قيل‏:‏ هذا ممتنع لذاته‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال‏.‏ قيل‏:‏ هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعًا يقتضى ألاَّ يكون واجبًا بنفسه، بل واجبًا بغيره، فإذا قيل‏:‏ هو واجب موجود بنفسه، وهو لم يوجد إلا بغيره، كان هذا جمعًا بين النقيضين‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه، إذا كان اتصافه بها صفة كمال، فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص‏.‏ قيل‏:‏ الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزليًا‏.‏
وأيضًا، فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال، بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها‏.‏
وأيضًا، فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئًا بعد شىء‏.‏
فقول القائل‏:‏ فيما حقه أن يوجد شيئًا بعد شىء فينبغي أن يكون في الأزل، جمع بين النقيضين‏.‏ وأمثال هذا كثير؛ فلهذا قلنا‏:‏ الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له، فضلا ع