وقال ابن عباس: يقبض الله عليهما فما ترى طرفاهما بيده، وفي لفظ عنه: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن، إلا كخردلة في يد أحدكم)، وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال: يا محمد، إن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ:({وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}) الآية [الزمر:67].
ففي هذه الآية والأحاديث الصحيحة ـ المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول ـ ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمة الله تعالى، أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشىء الصغير في يـد أحدنا، حتى يدحوها كما تدحى الكرة.
قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجَشُون الإمام نظير مالك ـ في كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن خالفها ومن أول كلامه قال ـ: فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه، بأن قال: لابد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه، بصمت الرب عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[ القيامة:22، 23]، فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد ـ والله ـ أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامـة، من النظر إلى وجهـه ونضرته إياهم: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}[القمر:55]، وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون.
إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة، رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا. وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟)قالوا: لا. قال:(فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) قالوا: لا. قال: (فإنكم ترون ربكم كذلك).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط، قط، وينزوي بعضها إلى بعض )، وقال لثابت بن قيس: (قد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة)، وقال ـ فيما بلغنا عنه:(إن الله يضحك من أزْلِكُم وقنوطكم وسرعة إجابتكم)، وقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: (نعم) قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا. في أشباه لهذا مما لم نحصه.
وقال تعالى:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى:11]، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}[الطور:48]، وقال: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39]، وقال: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}[ص:75]، وقال: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67].
فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم إن ذلك الذي ألقى في روعهم، وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه علم ماسواه، لا هذا، ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف انتهى. وإذا كان كذلك، فإذا قدر أن المخلوقات كالكرة، وهذا قبضه لها ورميه بها، وإنما بين لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا.
ثم الذي في القرآن والحديث يبين أنه إن شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما يفعل ذلك في يوم القيامة، وإن شاء لم يفعل ذلك، فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة، وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى، وإن شاء لم يفعل ذلك، وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها.
ومن المعلوم أن الواحد منا ـ ولله المثل الأعلى ـ إذا كان عنده خردلة، إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته، فهو في الحالتين مباين لها، وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات ـ كإحاطة الكرة بما فيها ـ أو قيل: إنه فوقها وليس محيطًا بها، كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة إلى جوفها، وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها، أو غير ذلك.
فعلى التقديرين، يكون العرش فوق المخلوقات، والخالق ـ سبحانه وتعالى ـ فوقه، والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت، وتمام هذا ببيان:
المقام الثالث:
وهو أن نقول: لا يخلو إما أن يكون العرش كريا كالأفلاك، ويكون محيطًا بها، وإما أن يكون فوقها وليس هو كريا، فإن كان الأول، فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل، وأن الجهة العليا هي جهة المحيط، وهي المحدب، وأن الجهة السفلى هو المركز، وليس للأفلاك إلاجهتان: العلو والسفل فقط.
وأما الجهات الست فهي الحيوان، فإن له ست جوانب، يؤم جهة فتكون أمامه، ويخلف أخرى فتكون خلفه، وجهة تحاذى يمينه، وجهة تحاذي شماله، وجهة تحاذي رأسه، وجهة تحاذي رجليه، وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لازمة، بل هي بحسب النسبة والإضافة، فيكون يمين هذا ما يكون شمال هذا، ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا.
لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله للأنام، وأرساها بالجبال، هو الذي عليه الناس والبهائم والشجر والنبات، والجبال والأنهار الجارية.
فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها، وليس هناك شىء من الآدميين وما يتبعهم، ولو قدر أن هناك أحدًا لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت الجنوبى، ولا بالعكس.
وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلاً كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي يسمى عرض البلد، فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا تحته، فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال: إنه تحت أولئك، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان، وهو تحت إضافي؛ كما لو كانت نملة تمشي تحت سقف فالسقف فوقها، وإن كانت رجلاها تحاذيه.
وكذلك من علق منكوسا فإنه تحت السماء، وإن كانت رجلاه تلي السماء، وكذلك يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض، أو الفلك أن الجانب الآخر تحته، وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان، ممن يقول: إن الأفلاك مستديرة.
واستدارة الأفلاك ـ كما أنه قول أهـل الهيئة والحساب ـ فهو الذي عليه علماء المسلمين، كما ذكره أبو الحسن بن المنادي، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم أنه متفق عليه بين علماء المسلمين، وقد قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}[ الأنبياء:33]، قال ابن عباس: فلكة مثل فلكة المغزل.
والفلك في اللغة: هو المستدير، ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا استدار، وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالي على المركز من كل جانب، ومن توهم أن من يكون في الفلك من ناحية يكون تحته من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر، فهو متوهم عندهم.
وإذا كان الأمر كذلك، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها، وسقفها ـ وهو فوقها ـ مطلقا، فلا يتوجه إليه، وإلى ما فوقه الإنسان إلا من العلو، لا من جهاته الباقية أصلا.
ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة العلو، كان جاهلاً باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا.
وأما قول القائل: إذا كان كريًا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله حين دعائه وعبادته؟ فيقصد العلو دون التحت، فلا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي، ومع هذا نجد في قلوبنا قصدًا يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولايسرة، فأخبرونا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، وقد فطرنا عليها.
فيقال له: هذا السؤال إنما ورد لتوهم المتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض، وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم، وهذا غلط عظيم، فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة، فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقًا، وهذا قلب للحقائق، إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقًا.
وأهـل الهيئة يقولـون: لو أن الأرض مخروقـة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شىء ثقيل ـ كالحجر ونحوه ـ لكان ينتهي إلى المركز، حتى لو ألقى من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعًا في المركز،ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه، بل كلاهما فوق المركز، وكلاهما تحت الفلك، كالمشرق والمغرب، فإنه لو قدر أن رجلاً بالمشرق في السماء أو الأرض ورجلاً بالمغرب في السماء أو الأرض، لم يكن أحدهما تحت الآخر، وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما يلي السماء أو مما يلي الأرض، وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين:
أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى السماء، أو إلى ما فوق، كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك، ولا يقول عاقل: إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية، ولا إنه يذهب يمينًا أو شمالاً، أو أمامًا أو خلفًا، إلى حيث أمكن من الأرض ثم يصعد؛ لأنه أي مكان ذهب إليه كان بمنزلة مكانه أو هو دونه، وكان الفلك فوقه، فيكون ذهابه إلى الجهات الخمس تطويلاً وتعبًا من غير فائدة.
ولو أن رجلا أراد أن يخاطب الشمس والقمر فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا، مع أن الشمس والقمر قد تشرق وقد تغرب، فتنحرف عن سمت الرأس، فكيف بمن هو فوق كل شىء دائمًا لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى؟
وكما أن الحركة كحركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق ـ وهو الخط المستقيم ـ فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب العباد كيف يعدل عن الصراط المستقيم القريب، إلى طريق منحرف طويل، والله تعالى فطر عباده على الصحة والاستقامة، إلا من اجتالته الشياطين فأخرجته عن فطرته التي فطر عليها.
الوجه الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده إلى المركز وأن قصده أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره، من غير قصد العلو، كان منتهى قصده أجزاء الهواء، فلا بد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها.
ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو، كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان، ثم أذهب إلى مكة، بل بمنزلة من يقول: أصعد إلى الأفلاك، فأنزل في الأرض، ثم أصعد إلى الفلك من الناحية الأخرى، فهذا وإن كان ممكنًا في المقدور، لكنه مستحيل من جهة امتناع إرادة القاصد له، وهو مخالف للفطرة، فإن القاصد يطلب مقصوده بأقرب طريق، لا سيما إذا كان مقصوده معبوده الذي يعبده ويتوكل عليه، وإذا توجه إليه على غير الصراط المستقيم كان سيره منكوسًا معكوسًا.
وأيضًا، فإن هذا يجمع في سيره وقصده بين النفي والإثبات، بين أن يتقرب إلى المقصود ويتباعد عنه، ويريده وينفر عنه، فإنه إذا توجه إليه من الوجه الذي هو عنه أبعد وأقصى وعدل عن الوجه الأقرب الأدنى، كان جامعًا بين قصدين متناقضين، فلا يكون قصده له تامًا، إذ القصد التام ينفي نقيضه وضده، وهذا معلوم بالفطرة.
فإن الشخص إذا كـان يحب النبي صلى الله عليه وسلم محـبة تامة ويقصده أو يحب غـيره ممـن يحب ـ سواء كانت محبته محمودة أو مذمومة ـ متى كانت المحبة تامة، وطلب المحبوب طلبه من أقرب طريق يصل إليه، بخلاف ما إذا كانت المحبة مترددة مثل: أن يحب ما تكره محبته في الدين، فتبقى شهوته تدعوه إلى قصده، وعقله ينهاه عن ذلك، فتراه يقصده من طريق بعيد، كما تقول العامة: رجل إلى قدام، ورجل إلى خلف.
وكذلك إذا كان في دينه نقص، وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد أو غير ذلك من القصودات التي تحب في الدين وتكرهها النفس، فإنه يبقى قاصدًا لذلك من طريق بعيد متباطئًا في السير، وهذا كله معلوم بالفطرة.
وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه، بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ونحو ذلك، فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها، و ينال به مقصوده إذا كان القصد تامًا.
ولو كان رجل في مكان عال، وآخر يناديه؛ لتوجه إليه وناداه، ولو حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنًا،لكن ليس في الفطرة أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة،ولا يفعل نحو ذلك إلا عند ضعف القصد ونحوه.
وحديث الإدلاء الذي روى من حديث أبي هريرة وأبى ذر ـ رضي الله عنهما ـ قد رواه الترمذي وغيره، من حديث الحسن البصري عن أبي هريرة وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولكن يقويه حديث أبى ذر المرفوع، فإن كان ثابتًا فمعناه موافق لهذا، فإن قوله: (لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله ) إنما هو تقدير مفروض، أي لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئًا؛ لأنه عال بالذات وإذا أهبط شىء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخري، لكن بتقدير فرض الإدلاء، يكون ما ذكر من الجزاء.
فهكذا ما ذكره السائل : إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة. كان هو ـ سبحانه ـ يسمع كلامه، وكان متوجهًا إليه بقلبه، لكن هذا مما تمنع منه الفطرة ؛ لأن قصد الشىء القصد التام ينافى قصد ضده، فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة السفلى فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافى قصده من أسفل، وكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية ـ لأنها عالية ـ فترد الهابط بعلوها، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل، فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها ـ وهو المركز ـ لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه، يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز، فإن قدر أن الدافع أقوى كان صاعدًا به إلى الفلك من تلك الناحية، وصعد به إلى الله، وإنما يسمى هبوطًا باعتبار مافي أذهان المخاطبين أن ما يحاذى أرجلهم يكون هابطا، ويسمى هبوطًا مع تسمية إهباطه إدلاء، وهو إنما يكون إدلاء حقيقيًا إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مدا للحبل، والدلو، لا إدلاء له، لكن الجزاء والشرط مقدران لا محققان.
فإنه قال: لو أدلى لهبط؛ أي لو فرض أن هناك إدلاء لفرض أن هناك هبوطًا، وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض وهذا التقدير منتف، ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب، وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر عليه، فلا يتصور أن يدلي ولا يتصور أن يهبط على الله شىء لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل، ولكن لا يكون في حقه إدلاء، فلا يكون في حقه هبوطًا عليه.
كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب، أو من مشرق الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض، فإن الله قادر على ذلك كله، ولا فرق بالنسبة إليه على هذا التقدير من أن يخرق من جانب اليمين منا إلي جانب اليسار، أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا، أو من جهة رؤوسنا إلى جهة أرجلنا إذا مر الحبل بالأرض، فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه الآخر، مع خرق المركز، وبتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض، فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شىء من ذلك بالنسبة إليه إدلاء ولا هبوطًا.
وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق لنا، وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط، فإذا قدر أن أحدنا أدلى بحبل كان هابطًا على ما هناك، لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا، والمقصود به بيان إحاطة الخالق سبحانه وتعالى، كما بين أنه يقبض السموات ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات.
ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث : {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3]. وهذا كله على تقدير صحته، فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله، وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل، وهو أنه حال بذاته في كل مكان، وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك.
والتحقيق : أن الحديث لا يدل على شىء من ذلك إن كان ثابتًا، فإن قوله: (لو أدلى بحبل لهبط) يدل على أنه ليس في المدلى ولا في الحبل، ولا في الدلو ولا في غير ذلك، وإنها تقتضي أنه من تلك الناحية، وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد، من جنس تأويلات الجهمية، بل بتقدير ثبوته يكون دالاً على الإحاطة.
والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة، وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلم، ومالا نعلمه أمسكنا عنه، وما كان مقدمة دليله مشكوكَا فيها عند بعض الناس، كان حقه أن يشك فيه، حتى يتبين له الحق، وإلا فليسكت عما لم يعلم.
وإذا تبين هذا، فكذلك قاصده يقصده إلى تلك الناحية، ولو فرض أنا فعلناه لكنا قاصدين له على هذا التقدير، لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع في حقنا ؛ لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الإمكان.
ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع ـ لما تكلمنا على تنازع الناس في النية المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا ـ أن الإرادة الجازمة توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد، ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن إرادته جازمة، بل يكون هما، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه، فإن تركها لله كتبت له حسنة.
ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف ـ عليه السلام ـ وهم امرأة العزيز، كما قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات وهم إصرار. فيوسف ـ عليه السلام ـ هم هما تركه لله فأثيب عليه، وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها، وإن لم يحصل لها المطلوب.
والذين قالوا: يعاقب بالإرادة، احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : (إنه أراد قتل صاحبه)، وفي رواية : (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) . فهذا أراد إرادة جازمة، وفعل ما يقدر عليه، وإن لم يدرك مطلوبه، فهو بمنزلة امرأة العزيز، فمتى كان القصد جازمًا، لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه من حصول المقصود، فإذا كان قادرًا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق معكوس من بعيد.
فلهذا امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم، ودعائهم لله ـ تعالى ـ وتمام قصدهم له ألا يتوجهوا إليه إلا توجهًا مستقيمًا، فيتوجهوا إلى العلو دون سائر الجهات؛ لأنه الصراط المستقيم، القريب . وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما فيه، فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد، والسائل المضطر يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى، كما يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه، فهذا هذا، والله أعلم.
وأما من جهة الشريعة فإن الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديل الفطرة وتغييرها، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمْعَاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟).
وقال الله تعالى :{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، فجاءت الشريعة في العبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم، فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعًا وخالفوا العقل والنقل، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)، وفي رواية : (إنه أذن أن يبصق في ثوبه) .
وفي حديث أبي رزين المشهور، الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم :لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا سيخلوا به ربه . فقال له أبو رزين : كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد، ونحن جميع؟ فقال: (سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله! هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليًا به، فالله أكبر) .
ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه ـ إذا قدر أن يخاطبه ـ لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، فهو مستقبل له بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له، وإن كان ذلك ممكنًا، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته، كما يفعل من ليس مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب، فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره، ليسمع هو الخطاب، فأما مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه، فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة، فإنه يستقبل ربه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل، كما إذا قدر أنه يخطاب القمر.
وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم)، واتفق العلماء على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه، وروى أحمد عن محمد بن سيرين : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى :{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1، 2] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده، فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلاً للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع وهو الذل والسكوت ـ لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله بل يناسب حاله الإطراق، وغض بصره أمامه.
وليس نهى المصلي عن رفع بصره في الصلاة ردًا على أهل الإثبات الذين يقولون: إنه على العرش، كما يظنه بعض جهال الجهمية، فإن الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر، فالجميع سواء، ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى جهة ويؤمر برده إلى أخرى، لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء.
وأيضًا، فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملاً لجميع أحوال العبد، وقد قال تعالى :{نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة:144]، فليس العبد ينهى عن رفع بصره مطلقًا، وإنما نهى في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} [القمر:7]، وقال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى :45].
وأيضًا، فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله، لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهي الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الأحكام، فكيف وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش أو أنه ليس فوق السماء، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا محايث له ولا مباين له، أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات؟! بل جميع ما يقوله الجهمية من النفي ـ ويزعمون أنه الحق ـ ليس معهم به حرف من كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة مملوءة بما يدل على نقيض قولهم، وهم يقولون:
إن ظاهر ذلك كفر، فنؤول، أو نفوض، فعلى قولهم ليس في الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة في هذا الباب إلا ما ظاهره الكفر، وليس فيها من الإيمان في هذا الباب شىء، والسلب الذي يزعمون أنه الحق ـ الذي يجب على المؤمن أو خواص المؤمنين اعتقاده عندهم ـ لم ينطق به رسول، ولا نبي، ولا أحد من ورثة الأنبياء والمرسلين، والذي نطقت به الأنبياء وورثتهم ليس عندهم هو الحق، بل هو مخالف للحق في الظاهر، بل وحذاقهم يعلمون أنه مخالف للحق في الظاهر والباطن.
لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الأنبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس إلا بخلاف الحق الباطن، فلبسوا وكذبوا لمصلحة العامة، فيقال لهم: فهلا نطقوا بالباطن لخواصهم الأذكياء الفضلاء إن كان ما يزعمونه حقًا؟
وقد علم أن خواص الرسل هم على الإثبات ـ أيضًا ـ وأنه لم ينطق بالنفي أحد منهم إلا أن يكذب على أحدهم، كما يقال عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر كانا يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما، وهذا مختلق باتفاق أهل العلم، وكذلك ما نقل عن علي وأهل بيته: أن عندهم علمًا باطنًا يخالف الظاهر الذي عند جمهور الأمة، وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه لم يكن عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم سر ليس عند الناس، ولا كتاب مكتوب إلا ما كان في الصحيفة، وفيها : الديات، وفِكَاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر .
ثم إنه من المعلوم أن من جعله الله هاديًا مبلغًا بلسان عربي مبين، إذا كان لا يتكلم قط إلا بما يخالف الحق الباطن الحقيقي، فهو إلى الضلال والتدليس أقرب منه إلى الهدى والبيان، وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا.والمقصود أن ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره كله حق يصدق بعضه بعضًا، وهو موافق لفطرة الخلائق، وما جعل فيهم من العقول الصريحة، والقصود الصحيحة، لا يخالف العقل الصريح، ولا القصد الصحيح، ولا الفطرة المستقيمة، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإنما يظن تعارضها: من صدق بباطل من النقول، أو فهم منه ما لم يدل عليه، أو اعتقد شيئًا ظنه من العقليات وهو من الجهليات، أو من الكشوفات وهو من الكسوفات ـ إن كان ذلك معارضا لمنقول صحيح ـ وإلا عارض بالعقل الصريح، أو الكشف الصحيح، ما يظنه منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون كذبًا عليه، أو ما يظنه لفظا دالا على شىء ولا يكون دالا عليه، كما ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم : (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ؛ حيث ظنوا أن هذا وأمثاله يحتاج إلى التأويل، وهذا غلط منهم ـ لو كان هذا اللفظ ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فإن هذا اللفظ صريح في أن الحجر ليس هو من صفات الله، إذ قال: (هو يمين الله في الأرض)، فتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده علىالإطلاق، فلا يكون اليد الحقيقية، وقوله: (فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحًا لله ولا مقبلا ليمينه؛ لأن المشبه ليس هو المشبه به، وقد أتى بقوله: (فكأنما)، وهي صريحة في التشبيه، وإذا كان اللفظ صريحًا في أنه جعل بمنزلة اليمين، لا أنه نفس اليمين كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلاً للكذب المبين.
فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كرى الشكل، سواء كان هو الفلك التاسع أو غير الفلك التاسع، قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات، وهو العالي عليها من جميع الجوانب، وأنه لا يجوز أن يكون شىء مما في السماء والأرض فوقه، وأن القاصد إلى ما فوق العرش ـ بهذا التقدير ـ إنما يقصد إلى العلو، لا يجوز في الفطرة ولا في الشرعة ـ مع تمام قصده ـ أن يقصد جهة أخرى من جهاته الست، بل هو أيضًا يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه، كما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً من المثل بالقمر ـ ولله المثل الأعلى ـ وبين أن مثل هذا إذا جاز في القمر ـ وهو آية من آيات الله تعالى ـ فالخالق أعلى وأعظم.
وأما إذا قدر أن العرش ليس كرى الشكل، بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض، وأنه فوق الأفلاك الكرية، كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه وليس كري الشكل، فعلى كل تقدير لا نتوجه إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ذلك من الجهات.
فقد ظهر أنه ـ على كل تقدير ـ لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله إلا إلى العلو، مع كونه على عرشه مبايناً لخلقه، وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات ـ كما يحيط بها إذا كانت في قبضته ـ أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها ويحيط بها، فهو على التقديرين يكون فوقها مباينًا لها، فقد تبين أنه على هذا التقدير في الخالق وعلى هذا التقدير في العرش، لا يلزم شىء من المحذور والتناقض، وهذا يزيل كل شبهة، وإنما تنشأ الشبهة في اعتقادين فاسدين.
أحدهما: أن يظن أن العرش إذا كان كريًا والله فوقه، وجب أن يكون الله كريًا، ثم يعتقد أنه إذا كان كريا فيصح التوجـه إلى ما هو كري ـ كالفلك التاسع ـ من جميع الجهات، وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال، فإن الله مع كونه فوق العرش، ومع القول بـأن العرش كري ـ سواء كان هو التاسع أو غيره ـ لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في أقدارها، ولا في صفاتها ـ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا ـ بل قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وإنها عنده أصغر من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة أو الفلفلة . بل الدرهم والدينار، أو الكرة التي يلعب بها الصبيان ونحو ذلك، في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل يتصور عاقل إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به أن يكون الإنسان كالفلك؟ والله ـ ولله المثل الأعلى ـ أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67].
وكذلك اعتقادهم الثاني: وهو أن ما كان فلكًا فإنه يصح التوجه إليه من الجهات الست خطأ باتفاق أهل العقل، الذين يعلمون الهيئة، وأهل العقل الذين يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الإمكان.
لقد تبين أن كل واحد من المقدمتين خطأ في العقل والشرع، وأنه لا يجوز أن تتوجه القلوب إليه إلا إلى العلو، لا إلى غيره من الجهات على كل تقدير يفرض من التقديرات سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره، سواء كان محيطًا بالفلك كري الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريًا، سواء كان الخالق ـ سبحانه ـ محيطًا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته، أو كان فوقها من جهة العلو منا التي تلي رؤوسنا، دون الجهة الأخرى.
فعلى أي تقدير فرض، كان كل من مقدمتي السؤال باطلة، وكان الله ـ تعالى ـ إذا دعوناه، إنما ندعوه بقصد العلو دون غيره، كما فطرنا على ذلك.
وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة، والله أعلم.