قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 05:46 PM   رقم المشاركة : 11
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فَصْــل
قال الرازي‏:‏ الحجة الثالثة‏:‏ قصة الخليل ـ عليه الصلاة والسلام ـ‏:‏ ‏{‏لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏76‏]‏ والأفول عبارة عن التغير‏.‏ وهذا يدل على أن المتغير لا يكون إلها أصلا‏.‏ والجواب من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير، ولم يذكر على ذلك حجة، بل لم يذكر إلا مجرد الدعوى‏.‏
الثاني‏:‏ أن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير، بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين، والنقل المتواتر للغة والتفسير، فإن الأفول هو المغيب‏.‏ يقال‏:‏ أفلت الشمس تأفُل وتأفِل أفولاً إذا غابت، ولم يقل أحد قط‏:‏ إنه هو التغير، ولا أن الشمس إذا تغير لونها يقال‏:‏ إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال‏:‏ إنها أفلت، ولا أن الريح إذا هبت يقال‏:‏ إنها أفلت، ولا أن الماء إذا جرى يقال‏:‏ إنه أفل، ولا أن الشجر إذا تحرك يقال‏:‏ إنه أفل، ولا أن الآدميين إذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال‏:‏ إنهم أفلوا، بل ولا قال أحد قط‏:‏ إن من مرض أو اصفر وجهه أو احمر يقال‏:‏ إنه أفل‏.‏
فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله ـ عز وجل ـ وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعًا، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن‏.‏
الثالث‏:‏ أن قصة الخليل ـ عليه السلام ـ حجة عليكم، فإنه لما رأى كوكبًا وتحرك إلى الغروب فقد تحرك، ولم يجعله آفلاً، ولما رأى القمر بازغًا رآه متحركًا، ولم يجعله آفلاً، فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة، ولم يجعلها آفلة، ولما تحركت إلى أن غابت والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلاً‏.‏
الرابع‏:‏ قوله‏:‏ إن الأفول عبارة عن التغير، إن أراد بالتغير الاستحالة، فالشمس، والقمر، والكواكب لم تستحل بالمغيب، وإن أراد به التحرك، فهو لا يزال متحركًا، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَفَلَ‏}‏ دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى‏.‏ فإن ‏{‏لما‏}‏ ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل، والمعنى‏:‏ أنه حين أفل ‏{‏قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏76‏]‏، فإنما قال ذلك حين أفوله‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَفَلَ‏}‏ دل على حدوث الأفول وتجدده، والحركة لازمة له، فليس الأفول هو الحركة، ولفظ التغير والتحرك مجمل‏.‏ إن أريد به التحرك أو حلول الحوادث، فليس هو معنى التغير في اللغة، وليس الأفول هو التحرك ولا التحرك هو التغير، بل الأفول أخص من التحرك، والتغير أخص من التحرك‏.‏
وبين التغير والأفول عموم وخصوص، فقد يكون الشىء متغيرًا غير آفل، وقد يكون آفلاً غير متغير، وقد يكون متحركًا غير متغير، ومتحركًا غير آفل‏.‏
وإن كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين، فإن لفظ الحركة قد يراد بها الحركة المكانية، وهذه لا تستلزم التغير‏.‏ وقد يراد به أعم من ذلك، فالحركة في الكيف والكم، مثل حركة النبات بالنمو، وحركة نفس الإنسان بالمحبة، والرضا، والغضب، والذكر‏.‏
فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير، وقد يراد بالتغير في بعض المواضع الاستحالة‏.‏
ففي الجملة الاحتجاج بلفظ التغير إن كان سمعياً فالأفول ليس هو التغير، وإن كان عقليا، فإن أريد بالتغير ـ الذي يمتنع على الرب ـ محل النزاع، لم يحتج به‏.‏ وإن أريد به مواقع الإجماع فلا منازعة فيه‏.‏
وأفسد من هذا قول من يقول‏:‏ الأفول هو الإمكان، كما قاله ابن سينا‏:‏ إن الهوى في حضيرة الإمكان أفول بوجه ما، فإنه يلزم على هذا أن يكون كل ما سوى الله آفلاً، ولا يزال آفلاً، فإن كل ما سواه ممكن، ولا يزال ممكنا، ويكون الأفول وصفًا لازمًا لكل ما سوى الله، كما أن كونه ممكنًا وفقيرًا ‏[‏في المطبوعة ـ ممكن و فقير ـ والصواب ما أثبتناه‏]‏ إلى الله وصف لازم له‏.‏
وحينئذ، فتكون الشمس، والقمر،والكواكب، لم تزل ولا تزال آفلة وجميع ما في السموات والأرض، لا يزال آفلاً‏.‏ فكيف يصح قوله مع ذلك‏:‏‏{‏فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏76‏]‏‏.‏
وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله ـ تعالى ـ وكلام خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم عن مواضعه، هو آفل قبل أن يبزغ، ومن حين بزغ، وإلى أن غاب‏.‏
وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى في العالم آفل، والقرآن بين أنه لما رآها بازغة قال‏:‏ ‏{‏هّذّا رّبٌَي‏}‏ فلما أفلت بعد ذلك‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏}‏، والله أعلم‏.‏
وقال ـ رحمه الله تعالى‏:‏
فَصْــل
فيه قاعدة شريفة
وهي‏:‏ ‏[‏أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق، لا تدل على قول المبطل‏]‏‏.‏
وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل‏.‏
يبقى الكلام في أعيان الأدلة، و بيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على الحق هو تفصيل هذا الإجمال‏.‏
والمقصود هنا شىء آخر، وهو‏:‏ أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه، وهذا عجيب ‏!‏ قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك‏!‏‏!‏
والمقصود هنا بيان أن‏:‏ الأدلة العقلية التي يعتمدون عليها في الأصول والعلوم الكلية والإلهية هي كذلك‏.‏ فأما الأدلة السمعية، فقد ذكرت من هذا أمورا متعددة مما يحتج به الجهمية، والرافضة وغيرهم، مثل احتجاج الجهمية نفاة الصفات بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏1، 2‏]‏، وقد ثبت في غير موضع أنها تدل على نقيض مطلوبهم وتدل على الإثبات‏.‏
وهذا مبسوط في غير موضع في الرد على الجهمية يتضمن الكلام على تأسيس أصولهم، التي جمعها أبو عبد الله الرازي في مصنفه الذي سماه ‏[‏تأسيس التقديس‏]‏، فإنه جمع فيه عامة حججهم، ولم أر لهم مثله‏.‏
وكذلك احتجاجهم على نفي الرؤية بقوله‏:‏‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏103‏]‏، فإنها تدل على إثبات الرؤية ونفي الإحاطة وكذلك الاحتجاج بقوله‏:‏‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏‏.‏ونحو ذلك‏.‏
وكذلك احتجاج الشيعة بقوله‏:‏‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏55‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏(‏أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى‏؟‏‏)‏ ونحو ذلك هي دليل على نقيض مذهبهم، كما بسط هذا في كتاب ‏[‏منهاج أهل السنة النبوية‏]‏ في الرد على الرافضة‏.‏ ونظائر هذا متعددة‏.‏
والمقصود هنا الأدلة العقلية، فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على إثبات الصفات‏.‏
وأما الرافضة، فعمدتهم السمعيات، لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدًا، راج كثير منها على أهل السنة، وروى خلق كثير منها أحاديث، حتى عسر تمييز الصدق من الكذب على أكثر الناس، إلا على أئمة الحديث العارفين بعلله متنا وسندًا‏.‏
كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية، اشتبهت على أكثر الناس وراجت عليهم، إلا على قليل ممن لهم خبرة بذلك‏.‏
والكلام على أحاديث الرافضة وبيان الفرقان بين الحديث الصدق والكذب مذكور في غير هذا الموضع، كالرد على الرافضة‏.‏
والمقصود هنا الكلام على الأدلة العقلية، التي يحتج بها المبطل من الجهمية نفاة الصفات، ومن الممثلة الذين يمثلونه بخلقه، وعلى الأدلة التي يحتج بها القدرية النافية، والقدرية المجبرة الجهمية، فإن هذين الأصلين وهما‏:‏ الصفات والقدر ـ ويسميان التوحيد والعدل ـ هما أعظم وأجل ما تكلم فيه في الأصول، والحاجة إليهما أعم، ومعرفة الحق فيهما أنفع من غيرهما، بل وكذلك بسائر ما يحتج به في أصول الدين من الحجج العقلية والسمعية‏.‏
وأصل ذلك الكلام في أفعال الرب ـ تعالى ـ وأقواله في ‏[‏مسألة حدوث العالم‏]‏ وفي ‏[‏مسألة القرآن، وكلام الله‏]‏‏.‏
فنقول‏:‏ إذا تدبر الخبير ما احتج به من يقول‏:‏ إن القرآن قديم ـ كالأشعري وأتباعه، ومن وافقهم، كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وأبي المعالي وأبي الوليد الباجي، وأبي منصور الماتريدي، وغيرهم من الحنبلية، والشافعية، والمالكية، والحنفية ـ لم توجد عند التحقيق تدل إلا على مذهب السلف والأئمة الذي يدل عليه الكتاب والسنة‏.‏
وكذلك إذا تدبر ما يحتج به من يقول‏:‏ إن القرآن مخلوق، إنما يدل على قول السلف والأئمة‏.‏
أما الأول‏:‏ فلأن عمدة القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية حجتان، عليهما اعتماد الأشعري وأصحابه ومن وافقهم‏.‏ كالقاضي أبي يعلى، وأبى الحسن بن الزاغونى وأمثالهما، وهذه هي عمدة أئمة النظار كابن كُلاَّب، والأشعري، والقلانسي، وأمثالهم، في نفس الأمر من العقليات‏.‏ وهي عمدة من لا يعتمد في الأصول في مثل هذه المسألة وأمثالها إلا على العقليات كأبي المعالي ومتبعيه‏.‏
الحجة الأولى‏:‏ أنه لو لم يكن الكلام قديمًا للزم أن يتصف في الأزل بضد من أضداده، إما السكوت وإما الخرس، ولو كان أحد هذين قديمًا لامتنع زواله، وامتنع أن يكون متكلمًا فيما لا يزال، ولما ثبت أنه متكلم فيما لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلمًا، وأيضًا فالخرس آفة ينزه الله عنها‏.‏
والحجة الثانية‏:‏ أنه لو كان مخلوقًا لكان قد خلقه إما في نفسه، أو في غيره، أو قائمًا بنفسه، والأول ممتنع؛ لأنه يلزم أن يكون محلاً للحوادث، والثاني باطل؛ لأنه يلزم أن يكون كلامًا للمحل الذي خلق فيه، والثالث باطل؛ لأن الكلام صفة، والصفة لا تقوم بنفسها‏.‏ فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم‏.‏
فيقال‏:‏ أما الحجة الأولى، فهي تدل على مذهب السلف، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء، فيدل على أن نوع الكلام قديم، لا على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن الكلام شىء واحد هو قديم‏.‏
وكذلك احتجاج الفلاسفة القائلين بقدم العالم على قدم الفاعلية، إنما يدل على مذهب السلف أيضًا، فهؤلاء الذين احتجوا على قدم مفعوله المعين ـ وهو الفلك ـ والذين احتجوا على قدم كلامه المعين، كل ما احتجوا به من دليل صحيح فإنه لا يدل على مطلوبهم، بل إنما يدل على مذهب السلف المتبعين للرسول، فتبين أن الأدلة العقلية الصحيحة من جميع الطوائف إنما تدل على تصديق الرسول، وتحقيق ما أخبر به، لا على خلاف قوله، وهي من آيات الله الدالة على تصديق الأنبياء التي قال الله فيها‏:‏ ‏{‏سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 53‏]‏، وهي من الميزان الذي أنزله الله ـ تعالى‏.‏
وكذلك أدلة المعتزلة والكرَّامية وغيرهما، كما سنذكره إن شاء الله؛ إذ المقصود هنا الكلام على ما تعتمد عليه أئمة النظار من الأشعرية ونحوهم، والفلاسفة ونحوهم، وهاتان الطائفتان كل طائفة تقابل الأخرى بالمشرق والمغرب، وكثير من الناس مع هؤلاء تارة ومع الأخرى تارة، كالغزالي، والرازي، والآمدي ونحوهم‏.‏
والمقصود هنا بيان دلالة الأدلة العقلية على مذهب السلف، الذي جاء به الكتاب والسنة، فنقول‏:‏
أما الحجة الأولى‏:‏ وهي قولهم‏:‏ لو لم يكن متكلمًا في الأزل لكان متصفًا بضده إما السكوت، وإما الخرس؛ لأنه حي، والحي إذا لم يكن متكلمًا كان ساكتًا أو أخرس، كما أنه إذا لم يكن سميعًا كان أصم، وإذا لم يكن بصيرًا كان أعمى، ولأن ذاته قابلة للكلام والقابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده، هكذا يحتجون له‏.‏
وقد نوزعوا في ذلك، وخالفهم العقلاء، حتى أصحابهم المتأخرون؛ مثل الرازي، والآمدي، فإن أولئك ادعوا أن الجسم لما كان قابلاً للأعراض لم يخل من كل نوع من أنواع الأعراض من بعضها، وقالوا‏:‏ إن الهواء له طعم ولون وريح فخالفهم الجمهور‏.‏
لكن تقرير الحجة بأن يقال‏:‏ لأن الرب ـ تعالى ـ إذا كان قابلاً للاتصاف بشىء لم يخل منه، أو من ضده‏.‏
أو يقال‏:‏ بأنه إذا كان قابلاً للاتصاف بصفة كمال، لزم وجودها له؛ لأن ما كان الرب قابلاً له لم يتوقف وجوده له على غيره، فإن غيره لا يجعله لا متصفًا ولا فاعلاً، بل ذاته وحدها هي الموجبة لما كان قابلاً له، وإذا كانت ذاته هي الموجبة لما هو قابل له وذاته واجبة الوجود كان المقبول واجب الوجود له، وهو إذا قدر أنه قابل للضدين لم يخل من أحدهما؛ لأنه لو خلا من أحدهما لكان وجود أحدهما له متوقفًا على سبب غير ذاته، فإن التقدير أنه قابل له ووجود المقبول له ممكن، وقد عرف أنه لا يتوقف على غيره، وإن لم يكن موجدًا له ولم تكن ذاته موجبة له، وإلا امتنع وجوده، فإن غيره لا يجعله موجودًا له، وإذا لم يوجد ـ لا بنفسه ولا بغيره ـ كان ممتنعًا، والتقدير أنه ممكن، فما كان ممكنًا له كان واجباً له‏.‏
فإذا قررت الحجة على هذا الوجه لم يحتج أن يقال‏:‏ كل قابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده، فإن هذه الدعوى الكلية باطلة، بل يدعى ذلك في حق الله خاصة، لما ذكر من الدليل والفرق بينه وبين غيره،فإن غيره إذا كان قابلاً للشىء كان وجود القبول فيه من غيره وهو الله ـ تعالى ـ وإحداث الله لذلك القبول لا يجب أن يكون مقارنًا للقابل،بل يجوز أن يتوقف على شروط يحدثها الله وعلى موانع يزيلها، فوجود القبول هنا ليس منه بل من غيره،فلم تكن ذاته كافية فيه،وأما الرب ـ تعالى ـ فلا يفتقر شىء من صفاته وأفعاله على غيره، بل هو الأحد الصمد المستغنى عن كل ما سواه، وكل ما سواه مفتقر إليه مصنوع له، فيمتنع أن يكون الرب مفتقرًا إليه، فإن ذلك هو الدور القبلي الممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء‏.‏
فهذا تقرير هذه الحجة الدالة على قدم الكلام، وأنه لم يزل متكلمًا، وهي تدل أيضًا على قدم جميع صفاته، وأن ذاته القديمة مستلزمة لصفات الكمال الممكنة، فكل صفة كمال لا نقص فيه فإن الرب يتصف بها، واتصافه بها من لوازم ذاته، ولم يزل موصوفًا بصفات الكمال، وذاته هي المستلزمة لصفات كماله، لا يجوز أن يحتاج في ثبوت صفات الكمال له إلى غيره، والكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأكمل ممن تكلم بغير مشيئته وقدرته إن كان ذلك معقولاً‏.‏
ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال‏:‏ إما أن يكون قادرًا على الكلام أو غير قادر فإن لم يكن قادرًا فهو الأخرس، وإن كان قادرًا ولم يتكلم فهو الساكت‏.‏
وأما الكُلاَّبية، فالكلام عندهم ليس بمقدور، فلا يمكنهم أن يحتجوا بهذه، فيقال‏:‏ هذه قد دلت على قدم الكلام، لكن مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته‏؟‏ أم مدلولها أنه لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته‏؟‏ والأول قول الكُلاَّبية، والثاني قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة‏.‏ فيقال‏:‏ مدلولها الثاني، لا الأول، لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشىء فرع عن تصوره‏.‏
فيقال للمحتج بها‏:‏ لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلامًا يقوم بذات المتكلم، بدون مشيئته وقدرته، فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئًا لا يعقل‏.‏
وأيضًا، فقولك‏:‏ لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت، إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات، فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلمًا، فإما أن يكون قادرًا على الكلام ولم يتكلم، وهو الساكت‏.‏ وإما ألا يكون قادرًا عليه وهو الأخرس‏.‏
وأما ما يدعوه من الكلام النفساني، فذلك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتًا أو أخرس، فلا يدل بتقدير ثبوته على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتًا أو أخرس‏.‏
وأيضًا، فالكلام القديم النفساني الذي أثبتموه،لم تثبتوا ما هو‏؟‏ بل ولا تصورتموه، وإثبات الشىء فرع تصوره، فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته‏؟‏ ولهذا كان أبو سعيد بن كُلاب ـ رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة ـ لا يذكر في بيانها شىء يعقل، بل يقول‏:‏ هو معنى يناقض السكوت والخرس‏.‏
والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام، فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام، ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس‏.‏
فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه، بل هم في الكلام يشبهون النصارى في الكلمة وما قالوه في ‏[‏الأقانيم‏]‏ و‏[‏التثليث‏]‏ و‏[‏الاتحاد‏]‏ فإنهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه، والرسل ـ عليهم السلام ـ إذا أخبروا بشىء ولم نتصوره وجب تصديقهم‏.‏
وأما ما يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره القائل به وإلا كان قد تكلم بلا علم، فالنصارى تتكلم بلا علم، فكان كلامهم متناقضًا ولم يحصل لهم قول معقول، كذلك من تكلم في كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضًا ولم يحصل له قول يعقل؛ ولهذا كان مما يشنع به علي هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام ـ كلام الله، وكلام جميع الخلق ـ بقول شاعر نصراني يقال له‏:‏ الأخْطَل‏:‏
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ** جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
وقد قال طائفة‏:‏ إن هذا ليس من شعره، وبتقدير أن يكون من شعره، فالحقائق العقلية، أو مسمى لفظ الكلام الذي يتكلم به جميع بني آدم، لا يرجع فيه إلى قول ألف شاعر فاضل، دع أن يكون شاعرًا نصرانيًا اسمه الأخطل، والنصارى قد عرف أنهم يتكلمون في كلمة الله بما هو باطل، والخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام، وقد أنشد فيهم المنشد‏:‏
قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه ** فإذا استدل يقول قال الأخطل
ولما احتج الكُلاَّبيّة بهذه الحجة، عارضتهم المعتزلة فقالوا‏:‏ الكلام عندنا كالفعل عندنا وعندكم، وهو في الأزل عندنا جميعًا لم يكن فاعلاً ثم صار فاعلاً، ولا نقول نحن وأنتم‏:‏ كان في الأزل عاجزًا أو ساكتًا، فكما أنه لم يكن فاعلاً ولا يوصف بضد الفعل وهو العجز أو السكوت، فكذلك لم يكن متكلمًا ولا يوصف بضد الكلام وهو السكوت أو الخرس‏.‏
فإذا قال هؤلاء للمعتزلة والجهمية‏:‏ الفعل لا يقوم به عندنا وعندكم، والكلام يقوم به، فكان كالصفات، منعتهم المعتزلة ذلك، وقالوا‏:‏ الكلام عندنا كالفعل لا يقوم به لا هذا، ولا هذا، فإذا قالوا‏:‏ لو لم يقم به الكلام لقام بغيره وكان الكلام صفة لذلك الغير، انتقلوا إلى الحجة الثانية، ولم يمكن تقرير الأولى إلا بالثانية، فكان الاستدلال بالأولى وجعلها حجة ثانية باطلاً؛ ولهذا أعرض عنه كثير من متأخريهم، وإنما اعتمدوا على الثانية كأبي المعالي وأتباعه‏.‏
وهذا السؤال لا يلزم السلف، فإنهم إذا قالوا‏:‏ الكلام كالفعل، وهو في الأزل لم يكن فاعلاً، لا عندنا ولا عندكم، منعهم السلف وجمهور المسلمين هذا، وقالوا‏:‏ بل لم يزل خالقًا فاعلاً، كما عليه السلف وجمهور طوائف المسلمين‏.‏ وهو الذي ذكره أصحاب ابن خُزَيْمَةَ مما كتبوه له وكانوا كُلاَّبية، فإما أن يكون هذا قول ابن كلاب، أو قول طائفة من أصحابه، وبهذا تستقيم لهم هذه الحجة، وإلا فمن سلم أنه صار فاعلاً بعد أن لم يكن، كانت هذه الحجة منتقضة على أصله، وقال منازعوه‏:‏ الكلام في مقاله كالكلام في فعاله‏.‏
والقول بأن الخلق غير المخلوق، وأنه فعل يقوم بالرب، هو قول أكثر المسلمين، هو قول الحنفية وأكثر الحنبلية، وإليه رجع القاضي أبو يعلى أخيرًا، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو الذي ذكره أبو بكر الكلاباذي عن الصوفية، وذكره في كتاب ‏[‏التعرف لمذهب التصوف‏]‏، وهو الذي ذكره البخاري في كتاب ‏[‏أفعال العباد‏]‏ إجماعًا من العلماء، وهو الذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن أهل السنة‏.‏
لكن الفعل‏:‏ هل هو شىء واحد قديم كالإرادة ‏؟‏ أو هو حادث بذاته‏؟‏ أو هو نوع لم يزل متصفًا به‏؟‏
فيه ثلاثة أقوال للمسلمين، وكلهم متفقون على أن كل ما سوى الله مُحْدَث مخلوق، كما تواتر ذلك عن الأنبياء ودلت عليه الدلائل العقلية، والقول بأن مع الله شيئًا قديمًا تقدمه من مفعولاته ـ كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ـ باطل عقلاً وشرعًا، كما قد بسط في مواضع‏.‏
فإن قيل‏:‏ إذا قلتم‏:‏ لم يزل متكلمًا بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له، وإذا لم يزل متكلمًا وجب ألاَّ يزال كذلك، فيكون متكلمًا بكلام لا نهاية له،وذلك يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث،فإن كل كلمة مسبوقة بأخرى فهي حادثة، ووجود ما لا يتناهى محال‏.‏ قيل له‏:‏ هذا الاستلزام حق، وبذلك يقولون‏:‏ إن كلمات الله لا نهاية لها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 109‏]‏‏.‏
وأما قولهم‏:‏ وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال، فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام، وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل باطل عقلاً وشرعًا، وهو أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات، وقد تبين فساده في مواضع‏.‏
ولكن سنبين ـ إن شاء الله ـ أن هذا الدليل إذا ميز بين حقه وباطله، فإنه يدل على حدوث ما سوى الله ـ وعلى مذهب السلف ـ وكان غلطة منهم، وقولهم‏:‏ كل ما لا يخلو من الحوادث ـ أي من الممكنات المفتقرة ـ فهو حادث، فأخذوا هذا قضية كلية، وقاسوا فيها الخالق على المخلوق قياسًا فاسدًا، كما أن أولئك قالوا‏:‏ القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده، أخذوها قضية كلية‏.‏
والغلط في القياس يقع من تشبيه الشىء بخلافه، وأخذ القضية الكلية باعتبار القدر المشترك من غير تمييز بين نوعيها، فهذا هو القياس الفاسد، كقياس الذين قالوا‏:‏ إنما البيع مثل الربا، وقياس إبليس‏.‏ ونحو ذلك من الأقيسة الفاسدة، التي قال فيها بعض السلف‏:‏ أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، يعني‏:‏ قياس من يعارض النص ومن قاس قياسًا فاسدًا، وكل قياس عارض النص فإنه لا يكون إلا فاسدًا، وأما القياس الصحيح فهو من الميزان الذي أنزله الله، ولا يكون مخالفًا للنص قط، بل موافقًا له‏.‏
ومن هنا يظهر ـ أيضًا ـ أن ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية، فإنما يدل على مذهب السلف أيضًا، فإن عمدتهم في قدم العالم على أن الرب لم يزل فاعلاً، وأنه يمتنع أن يصير فاعلاً بعد أن لم يكن، وأن يصير الفعل ممكنًا له بعد أن لم يكن، وأنه يمتنع أن يصيرقادرًا بعد أن لم يكن، وهذا وجميع ما احتجوا به إنما يدل على قدم نوع الفعل، لا يدل على قدم شىء من العالم لا فلك ولا غيره‏.‏
فإذا قيل‏:‏ إنه لم يزل فاعلاً بمشيئته وقدرته، وإن الفعل من لوازم الحياة ـ كما قال ذلك من قاله من أئمة السنة ـ كان هذا قولاً بموجب جميع أدلتهم الصحيحة العقلية، وكان هذا موافقًا لقول السلف‏:‏ لم يزل متكلمًا إذا شاء‏.‏ فلم يزل متكلمًا إذا شاء، فاعلاً لما يشاء‏.‏
وجميع ما احتج به الكُلاَّبية، والأشعرية، والسالمية وغيرهم، على قدم الكلام، إنما يدل على أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، لا يدل على قدم كلام بلا مشيئة، ولا على قدم كلام معين، بل على قدم نوع الكلام‏.‏
وجميع ما يحتج به الفلاسفة على قدم الفاعلية، إنما يدل على أنه لم يزل فاعلا لما يشاء، لا يدل على قدم فعل معين، ولا مفعول معين، لا الفلك ولا غيره‏.‏
والغلط إنما نشأ بين الفريقين من اشتباه النوع الدائم بالعين المعينة، ثم إن أولئك قالوا‏:‏ يمتنع قدم نوع الحركة والفعل لامتناع حوادث لا أول لها، فأبطلوا كون الرب لم يزل متكلمًا بمشيئته، ولم يزل فاعلاً بمشيئته، بل يلزمهم أنه لم يكن قادرًا على الفعل ثم صار قادرًا، ولم يكن ـ أيضًاـ قادرًا على الكلام بمشيئته‏.‏ ثم منهم من يقول‏:‏ صار قادرًا على الكلام بمشيئته بعد أن لم يكن كالكرامية، ومنهم من يقول لم يصر قادرًا على الكلام ولا يمكنه الكلام بمشيئته قط، وهم الكلاَّبية، ومن وافقهم من الأشعرية، والسالمية‏.‏
وأما الفلاسفة، فقالوا ما قاله مقدمهم أرسطو‏.‏ فكل من قال‏:‏ إن جنس الحركة حدثت بعد أن لم تكن، فإنه مكابر لعقله‏.‏ وقالوا‏:‏ يمتنع ذلك في جنس الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب حادث، والعلم بذلك ضروري‏.‏
فيقال لهم‏:‏ هذا يدل على أنه لم يزل هذا النوع موجودًا، لا يدل على قدم عين حركة الفلك، وكذلك القول في الزمان والجسم، فإن أدلتهم تقتضى أنه لم يزل موجودًا‏:‏ حركة وقدرها وهو الزمان،وفاعلها هو الذي يسمونه الجسم، لكن لا يقتضي قدم شىء بعينه‏.‏ فإذا قيل‏:‏ إن رب العالمين لم يزل متكلمًا بمشيئته فاعلا لما يشاء،كان نوع الفعل لم يزل موجودًا وقدره وهو الزمان موجودًا،لكن أرسطو وأتباعه غلطوا،حيث ظنوا أنه لا زمان إلا قدر حركة الفلك، وأنه لا حركة فوق الفلك ولا قبله، فتعين أن تكون حركته أزلية‏.‏
وهذا ضلال منهم عقلاً وشرعًا‏.‏ فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل الفلك، ودليلهم على انشقاق الفلك في غاية الفساد كما قد بسط في موضع آخر، وكذلك قوله‏:‏ إنه لابد لكل حركة من محرك غير متحرك، في غاية الفساد كما قد بسط في موضعه‏.‏
والمقصود هنا التنبيه على أن خلاصة ما عند هؤلاء الذين يقال‏:‏ إنهم أئمة المعقولات من أئمة الكلام والفلسفة، إنما يدل على قول السلف وأهل السنة المتبعين للكتاب والسنة، فالأدلة الصحيحة التي عندهم إنما تدل على هذا، ولكن التبس عليهم الحق بالباطل، كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل، وما عندهم من الحق موافق ما جاء به الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لا يخالف ذلك، فالأدلة السمعية التي جاءت بها الأنبياء لا تتناقض، وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية، ولا تتناقض السمعيات والعقليات، والله أعلم‏.
فَصْــل
وقد سلك طائفة من أئمة النظار ـ أهل المعرفة بالكلام والفلسفة ـ أن يجمعوا بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، ورأوا أن هذا غاية المعرفة، وسموا الجواب الذي أجابوا به الفلاسفة عن حججهم‏:‏ الجواب الباهر، فوافقوا كل واحدة من الطائفتين فأخطؤوا وتناقضوا لما جمعوا بين خطأ الطائفتين، فكان قولهم ينقض بعضه بعضًا؛ إذ كان خطأ الطائفتين متناقضًا غاية التناقض‏.‏
وأما ما أصابت فيه كل واحدة من الطائفتين، فلو جمعوا بينهما لكان ذلك موافقًا للأدلة السمعية التي أخبرت بها الرسل وللأدلة العقلية، كالأدلة التي دلت عليها الرسل، لكن هؤلاء خرجوا عن موجب الأدلة السمعية والعقلية مع ظنهم نهاية التحقيق، ولهم بذلك أسوة بكل واحدة من الطائفتين، فإنها مخالفة لموجب الأدلة السمعية والعقلية، وإنما الحق هو ما تصادقت عليه الأدلة السمعية والعقلية، وهو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، متلقين له عن الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة خبره، ومن جهة تعليمه وبيانه للأدلة العقلية‏.‏
مع أن هؤلاء يزعمون أن الرسل لم يبينوا هذه المسألة، كما ذكر ذلك الرازي في أول ‏[‏المطالب العالية‏]‏، فزعموا أنهم لم يثبتوا بها خبرًا، فضلاً عن بيان الأدلة العقلية المصدقة لخبرهم‏.‏
وقد تكلمنا على فساد ما ذكره في ذلك في غير هذا الموضع، والمقصود هنا‏:‏ التنبيه على طريقة هؤلاء الذين سلكوا مسلك الجمع بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، و زعموا أنهم أصحاب الجواب الباهر‏.‏ وهذه الطريقة قد ذكرها الرازي في كتبه ورجحها، وأخذها عنه الأرموي، وذكرها في كتاب الأربعين وأخذها عنه القشيري المصري، وهذا القول يشبه مذهب الحرنانيين القائلين بالقدماء الخمسة، الذي نصره محمد بن زكريا الرازي وصنف فيه‏.‏
والرازي يقوى هذا المذهب في مجمله وغيره، وإن كان مذهبًا متناقضًا، كما بين فساده محمد بن زكريًا البَلْخِي، وأبو حاتم صاحب كتاب ‏[‏الزينة‏]‏ وغيرهما، لكن بين مذهب الحرنانيين وبين مذهب هؤلاء فرق، كما سنبينه إن شاء الله‏.‏
قال هؤلاء‏:‏ المتكلمون إنما أقاموا الأدلة على حدوث الأجسام، فإنها هي التي بينوا أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث دائمة لا ابتداء لها‏.‏ قالوا‏:‏ ولم يذكر المتكلمون دليلاً على نفي موجود سوى الأجسام وسوى الصانع، والفلاسفة أثبتوا موجودات غير ذلك وهي العقول والنفوس‏.‏ قالوا‏:‏ والمتكلمون لم يقيموا دليلاً على انتفائها ودليلهم على الحدوث لم يشملها‏.‏
قالوا‏:‏ والفلاسفة لم يقيموا دليلاً على قدم الأجسام، بل أقاموا الأدلة على أن الرب لم يزل فاعلاً، ولم تزل الحركة والزمان موجودين، وعمدتهم‏:‏ أن الأول مستجمع لجميع شروط الفاعلية في الأزل، فيجب اقتران الفعل به‏.‏
وقالوا‏:‏ إنه يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث، ويمتنع أن الرب لم يزل معطلاً عن الفعل، ثم وجد الفعل بلا سبب حادث، ويمتنع أن يصير قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا، ويمتنع أن يصير الفعل ممكنًا بعد أن كان ممتنعًا بلا سبب حادث، فينتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي‏.‏
وقالوا‏:‏ كل ما لابد منه في كون الفاعل فاعلاً، إن وجد في الأزل لزم وجود الفعل، فإنه إن لم يوجد بقى متوقفًا على شرط آخر، ونحن قلنا‏:‏ كل ما لابد منه في كون الفاعل فاعلاً قد وجد في الأزل، وإن قيل‏:‏ قد وجد كل ما لا بد منه من كون الفاعل فاعلاً، ومع هذا لم يوجد الفعل، ثم وجد بعد ذلك بلا سبب لزم ترجيح وجود الممكن على عدمه بغير مرجح تام، فإن المرجح التام يجب أن يقترن به الرجحان، وإن لم يقترن به الرجحان، فإن كان الفعل ممكن الوجود والعدم، والممكن يفتقر إلى المرجح، فما دام ممكن الوجود والعدم فلابد له من مرجح، وإذا حصل المرجح التام وجب وجوده ولم يبق حينئذ ممكن الوجود والعدم‏.‏
قال هؤلاء‏:‏ فهذا عمدة هؤلاء الفلاسفة‏.‏ وأصله أن الحادث لابد له من سبب حادث، وحدوث حادث بدون سبب حادث ممتنع في بداية العقول‏.‏
ولهذا لما أجابهم المتكلمون عن هذا بأجوبة متعددة كانت كلها فاسدة مثل قول بعضهم‏:‏ المرجح هو العلم، وقول بعضهم هو الإرادة، وقول بعضهم‏:‏ المرجح مجرد كونه قادرًا، وقول بعضهم‏:‏ المرجح إمكان الفعل بعد امتناعه؛ لامتناعه في الأزل، ونحو ذلك‏.‏ فقالوا هذه الأجوبة باطلة لوجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن جميع ما ذكر إن كان موجودًا في الأزل فقد دخل في القسم الأول، وإن لم يكن موجودًا في الأزل فقد دخل في القسم الثاني، وقد قلنا‏:‏ إن جميع الأمور المعتبرة في التأثير إن كانت أزلية لزم كون الأثر أزليًا، وإن كان بعضها غير أزلي ثم حدث بعد ذلك، لزم رجحان وجود الممكن على عدمه بلا مرجح، وحدثت الحوادث بلا محدث، فإنه لو أحدث تمام المؤثر به ولم يكن المؤثر تامًا في الأزل، حدث ذلك بلا سبب‏.‏
والوجه الثاني‏:‏ أن نسبة القدرة والإرادة والعلم ونفس الأزل إلى وقت حدوث العالم، كنسبته إلى ما قبل ذلك وما بعد ذلك، فيمتنع أن تكون هذه هي الموجبة لوجوده في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده‏.‏
قال الرازي في كتابه ‏[‏الكبير‏]‏‏:‏ والجواب الباهر أن نقول‏:‏ كانت النفس أزلية، وهي متحركة دائمًا؛ ثم حصل من تلك الحركات المتعاقبة صفة مخصوصة كانت هي سبب حدوث الأجسام، فبهذا ثبت السبب الحادث الموجب لاختصاص ذلك الوقت بحدوث الأجسام فيه، وعلى هذا فالأجسام حادثة وهو موجب أدلة المتكلمة، والفاعل لم يزل فاعلاً لقدم النفس المعلولة له، وهو موجب أدلة الفلاسفة‏.‏ وقد يقولون‏:‏ مقدار حركتها هو الزمان، فقلنا بموجب قدم نوع الحركة والزمان مع حدوث الأجسام‏.‏
فهذا قول هؤلاء المتبعين للطائفتين‏.‏
وقد قلنا‏:‏ إنهم اتبعوا كل طائفة فيما أخطأت فيه، وأما تناقضهم؛ فلأن المتكلمين إنما اعتمدوا في حدوث الأجسام على امتناع حوادث لا أول لها، هذا عمدتهم، وإلا فمتى جاز وجود حوادث لا بداية لها أمكن أن يكون قبل كل حادث حادث، فلا يلزم حدوث ما تقوم به الحوادث المتعاقبة، فإن كان هذا الأصل الذي بنى عليه المتكلمون أصلاً صحيحًا ثابتًا، امتنع وجود حركات غير متناهية للنفس وغير النفس، وحينئذ فمن قال بموجب هذا الأصل مع قوله بوجود حوادث لا أول لها في النفس أو غيرها، فقد تناقض‏.‏ وحقيقة قوله‏:‏ يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويجب وجود حوادث لا أول لها‏.‏
وإن كان هذا الأصل باطلاً بطلت أدلتهم على حدوث الأجسام، ولزم جواز وجود حوادث لا أول لها، وحينئذ فيجوز قدم نوعها، فالقول بوجوب حدوثها كلها ـ وإن سبب الحدوث هو حال للنفس ـ تناقض‏.‏
وأيضًا، فإن النفس عند الفلاسفة يمتنع وجودها بدون الجسم، ويمتنع وجود الحركة فيها إلا مع الجسم، وإنما تكون نفسًا إذا كانت مقارنة للجسم كنفس الإنسان مع بدنه‏.‏ فنفس الفلك إذا فارقت المادة ـ وهي الهيولي وهي الجسم ـ مثل مفارقة نفس الإنسان لبدنه بالموت، فقد صارت عندهم عقلاً لا يقبل الحركة‏.‏
فما ذكره من تقدير نفس خالية عن الجسم دائمة الحركة لا يقولون به، ولا دليل عليه، فيبقى تقديره تقديرًا لم يقل به المنازع ولا قام عليه دليل، ولكن هذا يشبه مذهب الحرنانيين وليس به‏.‏
فإن أولئك يقولون‏:‏ القدماء خمسة‏:‏ الرب، والنفس، والمادة، والدهر، والفضاء‏.‏ ولكن لا يقولون‏:‏ إن النفس ما زالت متحركة، بل يقولون‏:‏ إنه حدث لها التفات إلى الهيولي وهي المادة، فأحبتها وعشقتها، ولم يكن الأولى تخليصها منها إلا بأن تذوق وبال هذا التعلق، فصنع العالم، وجعل النفس حاصلة مع الأجسام لتذوق حرارة هذا الاجتماع ووباله، فتشتاق إلى التخلص منه‏.‏
ولهذا يقول محمد بن زكريا الرازي‏:‏ إن هذا العالم ليس فيه لذة أصلاً‏!‏ بل النفس لا تزال معذبة حتى تتخلص وراحتها في الخلاص، وكان حاضرًا بمجلس بعض الأكابر، فمثل ذلك بما يخرج من دبر الإنسان بغير اختياره من الصوت، وجعل ذلك حاصلاً من ذلك الكبير‏!‏‏!‏ فقال له الكعبي ‏[‏هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، المعروف بالكعبي، شيخ المعتزلة، كان من نظراء أبي علي الجبائي، وكان يكتب الإنشاء لبعض الأمراء، له من الكتب ‏[‏المقالات‏]‏ و ‏[‏الجدل‏]‏ وغيرهما، وتوفى في سنة 903هـ وقيل‏:‏ 923هـ‏]‏‏:‏ دخلت في أمور عظيمة ولم تتخلص، وأنت إنما فررت من حدوث حادث بلا سبب، فيقال لك‏:‏ فما الموجب لكونها التفتت في ذلك الوقت المعين إلى الهيولي دون ما قبل ذلك الوقت وما بعده‏؟‏ فهذا حادث بلا سبب‏.‏
وهذا المذهب اشتمل على أنواع من الفساد‏:‏ منها إثبات قديم غير الأول بلا حجة، ومنها إثبات نفس مجردة عن الجسم، وأن لها حركة بدون الجسم، وهذا خلاف مذهب أرسطو وأتباعه، لكن هؤلاء يقولون‏:‏ نحن نلتزم أن النفس مع تجردها عن الجسم لها حركة، وهذا هو الصحيح، لكن يقال‏:‏ أثبتم قدمها وأنها لم تزل غير متحركة ثم تحركت بلا سبب، وهذا فاسد‏.‏ وأنتم لم تقيموا دليلاً على قدمها، بل ولا على وجودها وأنها ليست بجسم‏.‏
وكذلك يقال لمن أثبت العقول والنفوس من المتفلسفة وأنها ليست مشارًا إليها‏:‏ أدلتكم على ذلك ضعيفة كلها، بل باطلة؛ ولهذا صار الطوسي ـ الذي هو أفضل متأخريهم ـ إلى أنه لا دليل على إثباتها‏.‏
وأما المتكلمون، فإنهم يقولون‏:‏ نحن نعلم بالاضطرار أن الممكن لابد أن يكون مشارًا إليه بأنه هنا أو هناك، فإثبات ما لا يشار إليه معلوم الفساد بالضرورة، وقد ذكروا هذا في كتبهم‏.‏ وقول الرازي‏:‏ إنهم لم يقيموا دليلاً على انحصار الممكن في الجسم والعرض ليس كما قال، بل قالوا‏:‏ نحن نعلم بالاضطرار أن الممكن لابد أن يكون مشارًا إليه، يتميز منه جانب عن جانب‏.‏
ثم كثير منهم ـ من هؤلاء ـ ذكر هذا مطلقًا في القديم والحادث، وأصوات قديمة أزلية‏.‏
ثم من هؤلاء من قال‏:‏ وهي مع ذلك صفة واحدة، ومنهم من قال‏:‏ بل هي متعددة، ومن هؤلاء من قال‏:‏ إن تلك الأصوات الأزلية هي الأصوات المسموعة من القراء، أو يسمع من القراء صوتان‏:‏ الصوت القديم، وصوت محدث‏.‏
والصوت القديم، قال بعضهم‏:‏ إنه حل في المحدث، وقال بعضهم‏:‏ ظهر فيه ولم يحل، وقال بعضهم‏:‏ هو فيه، ولا نقول‏:‏ ظهر ولا حل‏.‏ والقائلون بهذا طائفة من أهل الحديث والفقه، والتصوف، من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، وهؤلاء حلولية في الصفات دون الذات، وقد وافقهم طائفة أخرى من السالمية والصوفية‏.‏
وأولئك يقولون بحلول الذات ـ أيضًا ـ في كل شىء، وأنه يتجلى لكل شىء بصورته، وقولهم من جنس قول القائلين بأنه بذاته في كل مكان، والقائلين بوحدة الوجود‏.‏ لكن هم يقولون مع ذلك‏:‏ إنه على العرش، وإنه يحل في قلوب العارفين بذاته، وإنه في كل شىء، كما ذكر ذلك أبو طالب المكي ونحوه‏.‏
وأما الأشعرية، فعكس هؤلاء، وقولهم يستلزم التعطيل، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وكلامه معنى واحد، ومعنى آية الكرسي، وآية الدين، والتوراة، والإنجيل واحد وهذا معلوم الفساد بالضرورة‏.‏ وكذلك الكلمات هي عندهم شىء واحد، فحقيقة قولهم‏:‏ إنه لا رب ولا قرآن ولا إيمان، فقولهم يستلزم التعطيل‏.‏
والسالمية حلولية في الذات والصفات، والقائلون بأن الحروف والأصوات القديمة حلت في الناس، حلولية في الصفات دون الذات‏.‏







آخر مواضيعه 0 حصن المسلم , أذكار الكتاب والسنة
0 وداعا يا رمضان
0 عمرو بن قيس بن زائدة
0 سنن ابن ماجه
0 مصطلحات رمضانية

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 05:46 PM   رقم المشاركة : 12
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

ومن هؤلاء من يقول‏:‏ ـ أيضًا ـ‏:‏ إن صفة العبد التي هي إيمانه قديم، ومن هؤلاء من عدَّى ذلك إلى أقواله دون أفعاله، ومنهم من قال‏:‏ بل وأفعاله المأمور بها قديمة دون المنهي عنها، ومنهم من توقف في المنهى عنها، ومنهم من قال‏:‏ بل جميع أفعال العباد قديمة؛ الخير والشر؛ لأن ذلك شرع، وقدر، والشرع والقدر قديم، ولم يفرق بين شرع الرب ومشروعه، وبين قدره ومقدوره، وهؤلاء يقولون‏:‏ أفعال العباد قديمة، ليست هي الحركات بل هي ما تنتجه الحركات، كالذي يأتي يوم القيامة وهو ثواب أعمالهم‏.‏
وقد صرح الأئمة ـ أحمد بن حنبل وغيره ـ بأن ذلك كله مخلوق، فهؤلاء أسرفوا في القول بقدم الأفعال لطرد قولهم في الإيمان‏.‏
وطائفة أخرى قالوا‏:‏ إذا كانت هذه الحروف التي هي أصوات مسموعة من العبد قديمة، فكل الحروف المسموعة قديمة، فقالوا‏:‏ كلام الآدميين كله قديم إلا التأليف، ومنهم من قال‏:‏ والأصوات كلها قديمة حتى أصوات البهائم، وحتى ما يخرج من بني آدم‏.‏ وقالوا أيضًا ـ‏:‏ حركات اللسان بالقرآن قديمة وحركة البنان بكتابة القرآن قديمة‏.‏
ومن هؤلاء من قال‏:‏ المداد مخلوق، ولكن شكل الحروف قديم، ومنهم من توقف في المداد وقال‏:‏ نسكت عنه وإن كان مخلوقًا، لكن لا يقال‏:‏ إنه مخلوق، ومنهم من قال‏:‏ بل المداد قديم‏.‏
ومن هؤلاء وغيرهم من قال‏:‏ بأن أرواح العباد قديمة، فصاروا يقولون‏:‏ روح العبد محدثة وكلامه قديم، وصفاته القائمة به من إيمانه قديم، وإخوانهم يصرحون بأن أفعاله قديمة، وهذا أعظم مما يوصف به الرب؛ فإنه ـ سبحانه ـ قديم أزلي‏.‏ وأما أفعاله فحادثة شيئًا بعد شىء، وكذلك كلامه لم يزل متكلمًا بمشيئته شيئًا بعد شىء‏.‏
وهؤلاء يقولون بقدم روح العبد وبقدم النورـ نور الشمس، والقمر، ونور السراج، وكل نور ـ فهؤلاء قولهم بقدم أرواح العباد، والأنوار، ضاهوا فيه قول المجوس، والفلاسفة الصابئين الذين يشبهون المجوس، فإن من الصابئين من يشبه المجوس‏.‏ كذلك قال الحسن البصري وغيره، قالوا عن الصابئين‏:‏ إنهم مثل المجوس، وهؤلاء صنف من الصابئين المشركين ليسوا في الصابئين الممدوحين في القرآن‏.‏
والمقصود أن قول هؤلاء بقدم أرواح العباد، ونفوسهم التي تفارق أبدانهم، من جنس قول الذين قالوا بقدم النفس، كما تقدم، لكن هؤلاء يجعلونها من الله؛ إذ كان لا قديم عندهم إلا الله وصفاته، وقولهم بقدم النور من جنس قول المجوس، لكن النور ـ أيضًا ـ عندهم من صفات الله‏.‏
وهذه الأقوال بقدم روح العبد، أو أقواله، أو أفعاله، أو أصواته، أو قدم نور الشمس والقمر، ونحو ذلك‏.‏ كلها فروع على ذلك الأصل، فإن السلف قالوا‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق‏.‏ وظن طائفة أن مقصودهم أنه قديم لم يزل، والقرآن حروف وأصوات فيكون قديمًا، وهذا المسموع هو القرآن وليس إلا أصوات العباد بالقرآن فتكون قديمة، ثم احتاجوا عند البحث إلى طرد أقوالهم‏.‏
وكذلك في الإيمان، لم يقل قط أحد من السلف ـ لا أحمد بن حنبل ولا غيره ـ‏:‏ أن شيئًا من صفات العباد غير مخلوق ولا قديم، ولا قالوا عن القرآن قديم، لكن أنكروا على من أطلق القول على لفظ القرآن أو الإيمان بأنه مخلوق، فجاء هؤلاء ففهموا من كونه غير مخلوق أنه قديم، وظنوا أنه إذا أنكر على من أطلق القول بأنه مخلوق يجيز أن يقال‏:‏ إنه غير مخلوق وإنه قديم، فقالوا‏:‏ لفظ العبد وصوته قديم، وإيمانه قديم، ثم طردوا أقوالهم إلى ما ذكرناه، وهذه الأمور قد بسط القول فيها في مواضع في عدة مسائل، سأل عنها السائلون وأجيبوا في ذلك بأجوبة مبسوطة ليس هذا موضعها، إذ المقصود التنبيه على ما يحدث عن الأصل المبتدع‏.‏
وأصل هذا كله حجة الجهمية على حدوث الأجسام‏:‏ بأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فما يقوم به الكلام باختياره أو بمشيئته، ولم يزل كذلك ويجب أن يكون حادثًا، فلزمهم نفي كلام الرب وفعله، بل وتعطيل ذاته‏.‏ ثم آل الأمر إلى جعل المخلوق قديمًا، وتعطيل صفات الرب القديمة، بل وذاته، والله أعلم‏.‏
وأصحاب هذا الأصل، القائلون بالجوهر الفرد، يقولون‏:‏ إن نفس الأعيان التي في بدن الإنسان وغيره هي متقدمة الوجود، لا يعلم حدوثها إلا بالدليل، وهو الدليل على حدوث الأجسام وأنها لم تخل من الأعراض، ويقولون‏:‏ المعلوم بالمشاهدة حدوث التأليف فقط، كما يقوله أولئك في كلام العبد، وأن المحدث هو تأليف فقط‏.‏
والقائلون بوحدة الوجود يقولون‏:‏ نفس وجود العبد هو نفس وجود الرب، وكل هذه الأقوال قد باشرت أصحابها ـ وهم من أعيان الناس ـ وجرى بيني وبينهم في ذلك ما يطول وصفه، وهدى الله ما شاء الله من الخلق، فانظر كيف اضطرب الناس في أنفسهم التي قيل لهم‏:‏ ‏{‏وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات21‏]‏‏.‏
والمتفلسفة يقولون‏:‏ مادة بدن الإنسان وسائر المواد قديمة أزلية، وهذه الأقوال فيها مضاهاة لقول فرعون من بعض الوجوه، وأصحاب الوحدة يصرحون بتعظيم فرعون، وأنه صدق في قوله‏:‏ ‏{‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏، ففي تثنية الله لقصة فرعون في القرآن عبرة؛ فإن الناس محتاجون إلى الاعتبار بها، كما قال‏:‏ ‏{‏فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 56‏]‏‏.‏
فَصْــل
وأما حجتهم الثانية، وهي العمدة عند عامتهم، فتقريرها‏:‏ لو كان مخلوقًا لكان إما أن يخلقه في نفسه، أو في غيره، أو لا في محل‏.‏
والأول‏:‏ يلزم أن يكون محلاً للحوادث وهو باطل‏.‏
والثاني‏:‏ يلزم أن يكون صفة لذلك المحل الذي قامت به الصفة؛ لأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره، فإذا قام بمحل علم أو حياة، أو قدرة أو كلام، أو غير ذلك، كان ذلك المحل هو الموصوف بأنه حي، عالم، قادر، متكلم، كما يوصف بأنه متحرك إذا قامت به الحركة، أو أنه أسود وأبيض إذا قام به السواد والبياض، ونحو ذلك‏.‏
وأما قيامه لا في محل فممتنع؛ لأنه صفة‏.‏
ومعنى هذه الحجة ـ أيضًا ـ صحيحة، وهي إنما تدل على مذهب السلف فقط، وهي تدل على فساد قول الأشعرية، كما تدل على فساد قول المعتزلة وعلى فساد قول الجهمية مطلقًا، فإن جمهور المعتزلة والجهمية اختاروا من هذه الأقسام‏:‏ أنه يخلقه في محل‏.‏ وقالوا‏:‏ إن الله لما كلم موسى خلق صوتًا في الشجرة، فكان ذلك الصوت المخلوق من الشجرة هو كلامه‏.‏
وهذا مما كفر به أئمة السنة من قال بهذا، وقالوا‏:‏ هو يتضمن أن الشجرة هي التي قالت‏:‏ ‏{‏أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏؛ لأن الكلام كلام من قام به الكلام‏.‏ هذا هو المعقول في نظر جميع الخلق، لا سيما وقد قام الدليل على أن الله أنطق كل ناطق كما أنطق الله الجلود يوم القيامة،وقالوا‏:‏ ‏{‏أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 21‏]‏، فيكون كل كلام في الوجود مخلوقًا له في محل‏.‏
فلو كان من يخلقه في غيره كلامًا، للزم أن يكون كل كلام في الوجود ـ حتى الكفر والفسوق والكذب ـ كلامًا له ـ تعالى عن ذلك ـ وهذا لازم الجهمية المجبرة، فإنهم يقولون‏:‏ إن الله خالق أفعال العباد وأقوالهم، والعبد عندهم لا يفعل شيئًا ولا قدرة له مؤثرة في الفعل؛ ولهذا قال بعض شيوخهم من القائلين بوحدة الوجود‏:‏
وكل كلام في الوجود كلامه ** سواء علينا نثره ونظامه
وأما المعتزلة، فلا يقولون‏:‏ إن الله خالق أفعال العباد، لكن الحجة تلزمهم بذلك، وقد اعترف حذاقهم ـ كأبي الحسين البصري ـ أن الفعل لا يوجد إلا بداع يدعو الفاعل، وأنه عند وجود الداعي مع القدرة يجب وجود الفعل، وقال‏:‏ إن الداعي الذي في العبد مخلوق لله، وهذا تصريح بمذهب أهل السنة، وإن لم ينطق بلفظ خلق أفعال العباد‏.‏
فإذا قال‏:‏ إن الله خلق الداعي والقدرة، وخلقها يستلزم خلق الفعل، فقد سلم المسألة، ولما كان هذا مستقرًا في نفوس عامة الخلق، قال سليمان بن داود الهاشمي الإمام ـ نظير أحمد بن حنبل ـ الذي قال فيه الشافعي‏:‏ ما خلفت ببغداد أعقل من رجلين‏:‏ أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، قال‏:‏ من قال‏:‏ إن القرآن مخلوق لزم أن يكون قول فرعون كلام الله؛ فإن الله خلق في فرعون قوله‏:‏ ‏{‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏، وعندهم أن الله خلق في الشجرة‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏، فإذا كان كلامه لكونه خلقه فالآخر أيضًا كلامه‏.‏
والأشعرية، وغيرهم من أهل السنة، أبطلوا قول المعتزلة والجهمية بأنه خلقه في غيره، بأن قالوا‏:‏ ما خلقه الله في غيره من الأعراض كان صفة لذلك وعاد حكمه على ذلك المحل، لم يكن صفة لله، كما تقدم‏.‏
وهذه حجة جيدة مستقيمة، لكن الأشعرية لم يطردوها، فتسلط عليهم المعتزلة بأنهم يصفونه بأنه خالق ورازق ومحيى ومميت، عادل محسن، من غير أن يقوم به شىء من هذه المعاني، بل يقوم بغيره، فإن الخلق عندهم هو المخلوق، والإحياء هو وجود الحياة في الحي من غير فعل يقوم بالرب، فقد جعلوه محييًا بوجود الحياة في غيره، وكذلك جعلوه مميتًا، وهذه مما عارضهم بها المعتزلة ولم يجيبوا عنها بجواب صحيح‏.‏
ولكن السلف والجمهور يقولون بأن الفعل يقوم به ـ أيضًا ـ وهذه القاعدة حجة لهم على الفريقين، والفريقان يقسمون الصفات إلى ذاتية وفعلية، أو ذاتية، ومعنوية، وفعلية، وهو مغلطة، فإنه لا يقوم به عندهم فعل ولا يكون له عندهم صفة فعلية، وإذا قالوا بموجب ما خلقه في غيره لزمهم أن يقولوا‏:‏ هو متحرك، وأسود وأبيض، وطويل وقصير، وحلو ومر وحامض، وغير ذلك من الصفات التي يخلقها في غيره‏.‏
ثم هم متناقضون، فهؤلاء يصفونه بالكلام الذي يخلقه في غيره، وأولئك يصفونه بكل مخلوق في غيره، فعلم أنه لا يتصف إلا بما قام به، لا بما يخلقه في غيره، وهذا حقيقة الصفة،فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به، لا بما هو مباين له، صفة لغيره‏.‏
وإن نفوا مع ذلك قيام الصفات به، لزمهم ألا يكون له صفة، لا ذاتية ولا فعلية‏.‏
وإن قالوا‏:‏ إنما سمينا الفعل صفة لأنه يوصف بالفعل، فيقال‏:‏ خالق، ورازق، قيل‏:‏ هذا لا يصح أن يقوله أحد من الصفاتية،فإن الصفة عندهم قائمة بالموصوف ليست مجرد قول الواصف، وإن قاله من يقول‏:‏ إن الصفة هي الوصف وهي مجرد قول الواصف‏.‏ فالواصف إن لم يكن قوله مطابقًا كان كاذبًا؛ ولهذا إنما يجيء الوصف في القرآن مستعملاً في الكذب بأنه وصف يقوم بالواصف، من غير أن يقوم بالموصوف شىء، كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏139‏]‏، ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏116‏]‏، ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏62‏]‏، ‏{‏سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏180‏]‏‏.‏
وقد جاء مستعملاً في الصدق فيما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة‏:‏ أن رجلاً كان يكثر قراءة ‏{‏قٍلً هٍوّ بلَّهٍ أّحّد‏}‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏سلوه لم يفعل ذلك‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أخبروه أن الله يحبه‏)‏‏.‏
فمن وصف موصوفًا بأمر ليس هو متصفًا به كان كاذبًا، فمن وصف الله بأنه خالق، ورازق، وعالم، وقادر، وقال مع ذلك‏:‏ إنه نفسه ليس متصفًا بعلم وقدرة، أو ليس متصفًا بفعل هو الخلق والإحياء، كان قد وصفه بأمر، وهو يقول‏:‏ ليس متصفًا به، فيكون قد كذب نفسه فيما وصف به ربه، وجمع بين النقيضين، فقال‏:‏ هو متصف بهذا، ليس متصفًا بهذا‏.‏ وهذا حقيقة أقوال النفاة فإنهم يثبتون أمورًا هي حق ويقولون ما يستلزم نفيها، فيجمعون بين النقيضين ويظهر في أقوالهم التناقض‏.‏
وحقيقة قولهم‏:‏ أنه موجود ليس بموجود، عالم ليس بعالم، حي ليس بحي؛ ولهذا كان غلاتهم يمتنعون عن الإثبات والنفي معًا، فلا يصفونه لا بإثبات، ولا بنفي، كما قد بسط في غير هذا الموضع‏.‏ ومعلوم أن خلوه عن النفي والإثبات باطل أيضًا، فإن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان‏.‏
والمقصود هنا أن هذه المقدمة الصحيحة‏:‏ أنه لو خلقه في محل لكان صفة لذلك المحل، هي مقدمة صحيحة، والسلف وأتباعهم أهل السنة، والجمهور يقولون بها، وأما المعتزلة والأشعرية فيتناقضون فيها، كما تقدم‏.‏
وأما القسم الثالث، وهو أنه‏:‏ لو خلقه قائمًا بنفسه لكان ذلك ممتنعًا؛ لأنه صفة، والصفة لا تقوم بنفسها، وهذا معلوم بالضرورة‏.‏ وقد حكى عن بعض المعتزلة‏:‏ أنه يخلق حبالاً في محل‏.‏ والبصريون ـ وهم أجل وأفضل من البغداديين ـ يقولون‏:‏ إنه يخلق إرادة لا في محل، فقد يناقضون هذه الحجة‏.‏
وأما القسم الأول‏:‏ وهو أنه لو خلقه في نفسه لكان محلاً للحوادث، فالتحقيق أن يقال‏:‏ لو خلقه في نفسه لكان محلاً للمخلوق، وهو لا يكون محلاً للمخلوق‏.‏
وإذا قالوا‏:‏ نحن نسمى كل حادث مخلوقًا، فهذا محل نزاع، فالسلف وأئمة أهل الحديث وكثير من طوائف الكلام ـ كالهشامية والكَرَّامية وأبى معاذ التُّوْمَنِيّ وغيرهم ـ لا يقولون‏:‏ كل حادث مخلوق، ويقولون‏:‏ الحوادث تنقسم إلى ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته‏.‏ ومنه خلقه للمخلوقات، وإلى ما يقوم بائنًا عنه، وهذا هو المخلوق؛ لأن المخلوق لابد له من خلق، والخلق القائم بذاته لا يفتقر إلى خلق، بل هو حصل بمجرد قدرته ومشيئته‏.‏
والقدرة في القرآن متعلقة بهذا الفعل لا بالمفعول المجرد عن الفعل، كقوله‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏40‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏65‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ‏}‏‏[‏القيامة‏:‏4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 81‏]‏‏.‏
وعلى هذا، فهذه الحجة يكفي فيها أن يقال‏:‏ لو خلقه لكان إما أن يخلقه في محل فيكون صفة له، أو يخلقه قائمًا بنفسه، وكلاهما ممتنع، ولا يذكر فيها‏:‏ إما أن يخلقه في نفسه؛ لأن كونه مخلوقًا يقتضى أن له خلقًا، والخلق القائم به لو كان مخلوقًا لكان له خلق، فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقاً، فيكون الخلق مخلوقًا بلا خلق وهذا ممتنع‏.‏
وهذا يستقيم على أصل السلف، وأهل السنة، والجمهور الذين يقولون‏:‏ لا يكون المخلوق مخلوقًا إلا بخلق، وأما من قال‏:‏ يكون مخلوقًا بلا خلق والخلق هو نفس المخلوق لا غيره، فيقال على أصله‏:‏ إما أن يخلقه في نفسه ويكون المخلوق نفس الخلق، وهو معنى كونه حادثًا، ويعود الأمر إلى أنه إذا أحدثه فإما أن يحدثه في نفسه، أو خارجًا عن نفسه، وقد تبين كيف تصاغ هذه الحجة على أصول هؤلاء وأصول هؤلاء‏.‏
فإذا احتج بها على قول السلف والجمهور فلها صورتان‏:‏ إن شئت أن تقول‏:‏ إما أن يخلقه قائمًا بنفسه أو بغيره، ولا تقل في نفسه؛ لكون المخلوق لا يكون في نفسه‏.‏ وإن شئت أن تدخله في التقسيم وتقول‏:‏ وإما أن يخلقه في نفسه، ثم تقول‏:‏ وهذا ممتنع؛ لأن المخلوق لابد له من خلق، فلو خلقه في نفسه لافتقر إلى خلق، وكان ما حدث في نفسه مخلوقًا مفتقرًا إلى خلق، فيكون خلقه له ـ أيضًا ـ مفتقرًا إلى خلق، وهلم جرا‏.‏ وإذا كان كل خلق مخلوقا لم يبق خلق إلا مخلوق، وإذا لم يبق خلق إلا مخلوق لزم وجود المخلوق بلا خلق؛ إذ ليس لنا خلق غير مخلوق‏.‏
وإن قيل‏:‏ فقد يخلقه في نفسه بخلق، وذلك الخلق يحصل بلا خلق آخر، بل بمجرد القدرة والإرادة، كما يقول من يقول‏:‏ إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وتكلمه فعل يحصل بقدرته ومشيئته، فنحن نقول‏:‏ ذلك الفعل هو الخلق‏.‏
فيقال لهم‏:‏ فعلى هذا صار في التقسيم حادث يقوم بنفسه ليس بمخلوق، وعلى هذا التقدير فيمكن أن يقال في القرآن‏:‏ إنه حادث أو محدث وليس بمخلوق، فإن كان الحق هو القسم الأول، لم يلزم إذا لم يكن مخلوقًا أن يكون قديمًا، بل قد يكون حادثًا وليس بمخلوق، فلا يلزم من نفى كونه مخلوقًا أن يكون قديمًا، فلا تدل الحجة على قول الكُلاَّبية‏.‏
وتلخيص ذلك‏:‏ أنه إما أن يقال‏:‏الحدوث أعم من الخلق، فقد يكون الشىء حادثًا في نفسه وليس مخلوقًا، أو يقال‏:‏ كل حادث فهو مخلوق، بناء على أنه لا يقوم بذاته حادث، أو بناء على أن ما قام بنفسه إذا كان حادثًا فهو مخلوق، فإذا كان الحق هو القسم الأول،لم يلزم إذا لم يكن مخلوقًا أن يكون قديمًا،بل قد يكون حادثًا وليس بمخلوق‏.‏
وإن كان الحق غير الأول، فحينئذ إذا قيل‏:‏ لا يخلقه في نفسه لم تكن الحجة عليه إلا إبطال قيام الحوادث به، ولكن إذا أريد أن يدل على أنه ليس بمخلوق في نفسه ـ وإن كان حادثًا بنفسه ـ فإنه يستدل على ذلك بأنه لو كان مخلوقًا لكان له خلق، والخلق نفسه ليس مخلوقًا بل حادث؛ لأنه لو كان مخلوقًا لكان كل خلق مخلوقًا‏.‏ فيكون المخلوق بلا خلق وهو جمع بين النقيضين، فتعين أن يكون الخلق حادثًا غير مخلوق‏.‏
وعلى هذا التقدير، فلا يلزم إذا كان غير مخلوق أن يكون قديمًا، وإنما أريد الاستدلال على أنه لم يخلقه في نفسه، سواء قيل‏:‏ إنه تحل فيه الحوادث أو لا تحل، وهو أحسن، فيكون استدلالاً بذلك من غير التزام هذا القول‏.‏
فيقال‏:‏ لا يخلو إما أن تقوم به الحوادث وإما ألاَّ تقوم، فإن لم تقم امتنع أن يخلقه في نفسه؛ لأنه حينئذ يكون حادثًا فتقوم به الحوادث وإن كانت تقوم به الحوادث فتلك الحوادث تحصل بقدرته ومشيئته، ولا تكون كلها مخلوقة، لأن المخلوق لابد له من خلق والخلق منها، فلو كان الخلق مخلوقًا بخلق، لزم أن يكون كل خلق مخلوقًا، فيكون المخلوق حاصلا بلا خلق، وقد قيل‏:‏ إن المخلوق لابد له من خلق‏.‏
وإذا كان لا يجب فيما قام بذاته أن يكون مخلوقًا، فلو أحدثه في ذاته لم يلزم أن يكون مخلوقًا، بل يمتنع أن يكون مخلوقًا؛ لأن المخلوق هو ما له خلق قائم بذات الرب مباين للمخلوق، وهو إذا تكلم به بمشيئته وقدرته كان الكلام اسماً يتناول التكلم به ونفس الحروف، وذلك التكلم حاصل بقدرته ومشيئته لم يحصل بخلق، فإن الخلق يحصل ـ أيضًا ـ بقدرته ومشيئته، وهو يخلق الأشياء بكلامه، فمحال أن يكون لكلامه خلق أقرب إليه من كلامه‏.‏
وقد قيل‏:‏ إن خلقه للأشياء هو نفس تكلمه بـ ‏[‏كن فيكون‏]‏، هذا هو الخلق، والخلق لا يحصل بخلق بل المخلوق يحصل بالخلق، ومن الأشياء ما يخلقه مع تكلم بفعل يفعله أيضًا، فقد تبين على كل تقدير أن كلامه إذا أحدثه في ذاته لم يكن مخلوقًا، من غير أن يلزم أنه لا تقوم به الحوادث‏.‏
وإذا بنينا على ذلك،فلفظ الحوادث مجمل، يراد به أنه لا يقوم به جنس له نوع لم يحصل منه شىء قبل ذلك، ويراد به أنه لا يقوم به لا نوع ولا فرد من أفراد الحوادث، فإذا أريد الثاني فالسلف وأئمة السنة والحديث وكثير من طوائف الكلام على خلافه‏.‏
وإن أريد الأول، فالنزاع فيه مع الكَرّامية ونحوهم، فمن يقول‏:‏ إنه حدث له من الصفات بذاته ما لم يكن حادث، صار يتكلم بمشيئته بعد أن لم يكن، وصار مريدًا للفعل بعد أن لم يكن، والكلام والإرادة الذي قالت المعتزلة‏:‏ يحدث بائنًا عنه، قالوا هم‏:‏ يحدث في ذاته، و الكُلاَّبية قالوا‏:‏ ذلك قديم يحصل بغير مشيئته وقدرته، وهؤلاء قالوا‏:‏ بل هو حادث النوع يحصل بقدرته ومشيئته القديمة، فمشيئته القديمة عندهم مع القدرة أوجبت ما يقوم بذاته‏.‏ فهؤلاء يقولون‏:‏ إنه أحدث في ذاته نوع الكلام ولم يكن له قبل ذلك كلام وليس هذا مذهب السلف، بل مذهب السلف‏:‏ أنه لم يزل متكلمًا‏.‏
فتبين أن خلقه للكلام مطلقًا، في ذاته محال، من جهة أن المخلوق لا يقوم بذاته، ومن جهة أنه يلزم أنه صار متكلمًا بعد أن لم يكن، وهذا غير قولهم‏:‏ لا تقوم به الحوادث‏.‏
فصار هنا لإبطال هذا القول ثلاثة مسالك‏:‏ مسلك الكُلاَّبية، ومسلك الكَرَّامية، ومسلك السلف؛ فلهذا كان هذا القسم مما ذكره عبد العزيز بن يحيى الكناني في ‏[‏الحيدة‏]‏ وأبطله من غير أن يلتزم خلاف السلف، وقد كتبت ألفاظه وشرحتها في غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا أنه يمكن إبطال كونه خلقه في نفسه من غير التزام قول الكُلاَّبية ولا الكرامية، فإنه قد تبين أن ما قام بذاته يمتنع أن يكون مخلوقًا؛ إذ كان حاصلا بمشيئته وقدرته، والمخلوق لابد له من خلق، ونفس تكلمه بمشيئته وقدرته ليس خلقًا له؛ بل بذلك التكلم يخلق غيره، والخلق لا يكون خلقًا لنفسه‏.‏
ويدل على بطلان قول الكلابية‏:‏ أن الكلام لا يكون إلا بمشيئته وقدرته وهم يقولون‏:‏ يتكلم بلا مشيئته ولا قدرته‏.‏
وأما الكرامية فيقولون‏:‏ صار متكلمًا بعد أن لم يكن، فيلزم انتفاء صفة الكمال عنه، ويلزم حدوث الحادث بلا سبب، ويلزم أن ذاته صارت محلاً لنوع الحوادث بعد أن لم تكن كذلك، كما تقوله الكرامية وهذا باطل‏.‏ وهو الذي أبطله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والإرادة والفعل إما أن يكون صفة كمال أو صفة نقص، فإن كان كمالا فلم يزل ناقصًا حتى تجدد له ذلك الكمال، وإن كان نقصًا فقد نقص بعد الكمال‏.‏
وهذه الحجة لا تبطل قيام نوع الإرادة والكلام شيئًا بعد شىء؛ فإن ذلك إنما يتضمن حدوث إفراد الإرادة والكلام لا حدوث النوع، والنوع ما زال قديمًا، وما زال متصفًا بالكلام والإرادة وذلك صفة كمال، فلم يزل متصفًا بالكمال ولا يزال، بخلاف ما إذا قيل‏:‏ صار مريدًا ومتكلمًا بعد أن لم يكن‏.‏
وإذا قيل في ذلك‏:‏الفرد من أفراد الإرادة، والكلام، والفعل‏:‏ هل هو كمال أو نقص‏؟‏ قيل‏:‏ هو كمال وقت وجوده، ونقص قبل وجوده، مثل مناداته لموسى كانت كمالاً لما جاء موسى، ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصًا والله منزه عنه؛ ولأن أفراد الحوادث يمتنع قدمها، وما امتنع قدمه لم يكن عدمه في القدم نقصا‏.‏
بل النقص المنفي لابد أن يكون عدم ما يمكن وجوده، بل عدم ما يمكن وجوده ويكون وجوده خيرًا من عدمه، فلا يكون عدم الشىء نقصًا إلا بهذين الشرطين‏:‏بأن يكون عدمه ممكنًا، ويكون وجوده خيرًا من عدمه، فإذا كان عدمه ممتنعًا، كعدم الشريك والولد، فهذا مدح وصفة كمال، وإذا كان عدمه ممكنًا فالأولى عدمه، كالأشياء التي لم يخلقها، فإنه كان ألا يخلقها أكمل من أن يخلقها، كما أن ما خلقه كان أن يخلقه أكمل من ألا يخلقه‏.‏
وحينئذ، فما وجد من الحوادث في ذاته أو بائنا عنه، كان وجوده وقت وجوده هو الكمال، وعدمه وقت عدمه هو الكمال، وكان عدمه وقت وجوده أو وجوده وقت عدمه نقصًا ينزه الله عنه ـ سبحانه وتعالى‏.‏ فقد تبين الفرق بين نوع الحوادث وأعيانها، وأن النوع لو كان حادثًا بذاته بعد أن لم يكن لزم كماله بعد نقصه، أو نقصه بعد كماله‏.‏
وأيضًا، فالحادث لابد له من سبب، والأفراد يمكن حدوثها؛ لأن قبلها أمورًا أخرى تصلح أن تكون سببًا، أما إذا قدر عدم النوع كله ثم حدث، لزم أن يحدث النوع بلا سبب يقتضي حدوثه وهو ممتنع‏.‏
وأيضًا فهذا النوع إما أن يقال‏:‏ كان قادرًا عليه فيما لم يزل، أو صار قادرًا بعد أن لم يكن، فإن كان قادرًا عليه أمكن وجوده، فلا يمتنع وجوده، فلا يجوز الجزم بعدمه، وإن لم يكن قادرًا لزم حدوث القدرة بلا سبب، وانتقال القدرة والامتناع إلى الإمكان بلا سبب، وهذا بخلاف الأفراد، فإن ذلك كان ممتنعا حتى يحصل ما يصير به ممكنًا، أو كان ممكنًا ولكن الحكمة اقتضت وجوده بعد تلك الأمور، وأما النوع إذا قيل بحدوثه لم يختص بوقت؛ إذ العدم المحض لا يعقل فيه وقت يميزه عن وقت‏.‏
وأيضًا فكذلك النوع ممكن له لوجوده، وهو لا يتوقف على شىء غيره، لا منه ولا من غيره، وما كان ممكنًا لم يتوقف إلا على ذاته لزم وجوده بوجود ذاته، كحياته وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته، فدل ذلك على وجوب قدم نوع هذه الصفات ولزوم النوع لذاته وإن قيل بحدوث الأفراد‏.‏
وعلى هذا فيقال‏:‏ لا تقوم بذاته الصفات الحادثة، أي‏:‏ لا يقوم به نوع من أنواع الصفات الحادثة بمعنى أن الكلام صفة والإرادة صفة،ولا تحدث له هذه الصفات ولا نوع من أنواع هذه الصفات، بل لم يزل متكلمًا مريدًا وإن حدثت أفراد كل صفة، أي‏:‏ إرادة هذا الحادث المعين وهذا الشخص المعين، فنفس الصفة لم تزل موجودة‏.‏
وعلى هذا يقال‏:‏ لو خلق في ذاته الكلام، ولو أحدث في ذاته الكلام، ولو كان كلامه حادثًا أو محدثًا، فإن نفس الكلام، أي‏:‏ هذه الصفة ونوعها ليس بحادث ولا محدث، ولا مخلوق‏.‏ وأما الكلام المعين ‏[‏كالقرآن‏]‏ فليس بمخلوق لا في ذاته ولا خارجًا عن ذاته، بل تكلم بمشيئته وقدرته وهو حادث في ذاته‏.‏
وهل يقال‏:‏ أحدثه في ذاته‏؟‏ على قولين‏:‏ أصحهما أنه يقال‏:‏ ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏2‏]‏‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث ألاَّ تكلَّموا في الصلاة‏)‏، وقد بوب البخاري في صحيحه لهذا بابًا دل عليه الكتاب والسنة‏.‏
وهذا بخلاف المخلوق، فإنه ليس في عقل ولا شرع ولا لغة‏:‏ أن الإنسان يسمى ما قام به من الأفعال والأقوال خلقًا له، ويقول‏:‏ أنا خلقت ذلك، بل يقول‏:‏ أنا فعلت وتكلمت، وقد يقول‏:‏ أنا أحدثت هذه الأقوال والأفعال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إياكم ومحدثات الأمور‏!‏ فإن كل بدعة ضلالة‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏المدينة حرم ما بين عَيْر إلى ثَوْر، من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏)‏‏.‏
وإن كان مقصوده بالإحداث هنا أخص من معنى الإحداث بمعنى الفعل، وإنما مقصوده‏:‏ من أحدث فيها بدعة تخالف ماقد سن وشرع، ويقال للجرائم‏:‏الأحداث ولفظ الإحداث يريدون به ابتداء ما لم يكن قبل ذلك‏.‏ ومنه قوله‏:‏ ‏(‏إن الله يحدث من أمره ما شاء‏)‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏}‏ ولا يسمون مخلوقا إلا ما كان بائنا عنه كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏110‏]‏، وإذا قالوا عن كلام المتكلم‏:‏ إنه مخلوق ومختلق، فمرادهم أنه مكذوب مفترى، كقوله‏:‏ ‏{‏وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏17‏]‏‏.
فَصْــل
وما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في ‏[‏مسألة حدوث العالم‏]‏، إنما يدل على مذهب السلف والأئمة‏.‏ أما الفلاسفة، فحجتهم إنما تدل على أنه لم يزل فاعلاً، كما أن حجة الأشعرية إنما تدل على أنه لم يزل متكلمًا، وكل من الفريقين احتج على قدم العين بأدلة لا تقتضي ذلك‏.‏
وأما المتكلمون، فعمدتهم أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، وكل من هاتين القضيتين هي صحيحة باعتبار، وتدل على الحق، فما لم يسبق الحوادث المحدودة التي لها أول فهو حادث، وهذا معلوم بصريح العقل واتفاق العقلاء‏.‏ فكل ما علم أنه كان بعد حادث له ابتداء، أو مع حادث له ابتداء، فهو ـ أيضًا ـ حادث له ابتداء بالضرورة‏.‏
وكذلك ما لم يخل من هذه الحوادث‏.‏
وأيضًا، فما لم يخل من الحوادث مع حاجته إليها فهو حادث، وما لم يخل من حوادث يحدثها فيه غيره فهو حادث، بل ما احتاج إلى الحوادث مطلقًا فهو حادث، وما قامت به حوادث من غيره فهو حادث، وما كان محتاجًا إلى غيره فهو حادث، وما قامت به الحوادث فهو حادث‏.‏
وهذا يبطل قول المتفلسفة القائلين‏:‏ بقدم الفلك كأرسطو وأتباعه؛ فإن أرسطو يقول‏:‏ إنه محتاج إلى العلة الأولى للتشبه بها، وبرقلس وابن سينا ونحوهما يقولون‏:‏ إنه معلول له أي موجب له والأول علة فاعلة له، فالجميع يقولون‏:‏ إنه محتاج إلى غيره مع قيام الحوادث به، وإنه لم يخل منها، ويقولون‏:‏ هو قديم، وهذا قول باطل‏.‏
ويقول ابن سينا‏:‏ إنه ممكن يقبل الوجود والعدم مع قيام الحوادث به، وهو قديم أزلي‏.‏ وهذا باطل، فإن كونه محتاجًا إلى غيره يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه، فإن واجب الوجود بنفسه لا يكون محتاجًا إلى غيره وإن لم يكن واجبًا بنفسه كان ممكنًا يقبل الوجود والعدم، وحينئذ فيكون محدثًا من وجوه‏:‏
منها‏:‏ أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثًا، وأما القديم الذي يمتنع عدمه فلا يقبل الوجود والعدم‏.‏
ومنها‏:‏ أنه إذا كان مع حاجته تحله الحوادث من غيره، دل على أن غيره متصرف فيه قاهر له، تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه، وما كان مقهورًا مع غيره لم يكن موجودًا بنفسه، ولا مستغنيًا بنفسه، ولا عزيزًا ولا مستقلاً بنفسه، وما كان كذلك لم يكن إلا مصنوعًا مربوبًا فيكون محدثًا‏.‏
وأيضًا، فإذا لم يخل من الحوادث التي يحدثها فيه غيره ولم يسبقها، بل كانت لازمة له، دل على أنه في جميع أوقاته مقهورًا مع الغير متصرفًا له، يدل على أنه مفتقر إليه دائمًا، وهذا يبطل قول المتكلمين الذين يقولون‏:‏ إنما يفتقر إليه حال حدوثه فقط، كما يبطل قول المتفلسفة الذين يقولون‏:‏ يفتقر إليه في دوامه مع قدمه وعدم حدوثه‏.‏
والتحقيق‏:‏أنه محدث يفتقر إليه حال الحدوث وحال البقاء‏.‏ وكونه محلا للحوادث من غيره،أو محلاً للحوادث مع حاجته،يدل على أنه محدث‏.‏ وأما كونه محلاً لحوادث يحدثها هو فهذا لا يستلزم لا حاجته ولا حدوثه؛ ولهذا كان الصحابة يذكرون أن حدوث الحوادث في العالم يدل على أنه مربوب، كما قد ذكرنا هذا في موضع آخر، والمربوب محدث، وكل ما سوى الله تحدث فيه الحوادث من غيره وهو محتاج إلى غيره، فكل فلك فإنه يحركه غيره فتحدث فيه الحركة من غيره، فالفلك المحيط يحركها كلها، وهو متحرك بخلاف حركته فتحدث فيه مناسبة حادثة بغير اختياره وهي مستقلة بحركتها لا تحتاج فيها إليه، فامتنع أن يكون رباً لها، والشمس والقمر والكواكب يحركها غيرها فكلها مسخرات بأمره‏.‏
فصــل
وقد ذكرنا أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن ما يحتجون به من الحجج السمعية والعقلية على مذاهبهم إنما يدل على قول السلف وما جاء به الكتاب والسنة، لا يدل على ما ابتدعوه وخالفوا به الكتاب والسنة‏.‏
الثاني‏:‏ أن ما احتجوا به يدل على نقيض مقصودهم وعلى فساد قولهم، وهذا نوع آخر، فإن كونه يدل على قول لم يقولوه نوع، وكونه يدل على نقيض قولهم وفساد قولهم نوع آخر‏.‏ وهذا موجود في حجج المتفلسفة والمتكلمة‏.‏
أما المتفلسفة، فمثل حججهم على قدم العالم أو شىء منه؛ فإنهم احتجوا بأنواع العلل الأربعة‏:‏ الفاعلية، والغائبة، والمادية، والصورية، وعمدتهم الفاعلية، وهو‏:‏ أن يمتنع أنه يصير فاعلا بعد أن لم يكن، فيجب أنه ما زال فاعلاً، وهذه أعظم عمدة متأخريهم كابن سينا وأمثاله، وهي أظنها منقولة عن برقلس‏.‏
وأما أرسطو وأتباعه، فهم لا يحتجون بها؛ إذ ليس هو عندهم فاعلاً، وإنما احتجوا بوجوب قدم الزمان والحركة وهي الصورية، وبوجوب قدم المادة؛ لأن كل محدث مسبوق بالإمكان فلابد له من محل، فكل حادث تقبله مادة يقبله، وأما العلة الغائية فمن جنس الفاعلية فيقال لهم‏:‏ هذه الحجج إنما تدل على مذهب السلف والأئمة، كما تقدم، و هي تدل على بطلان قولهم‏.‏
وأما قدم الفاعلية، وهو‏:‏ أنه ما زال فاعلاً، فيقال‏:‏ هذا لفظ مجمل، فأنتم تريدون بالفاعل أن مفعوله مقارن له في الزمان، وإذا كان فاعلاً بهذا الاعتبار وجب مقارنة مفعوله له فلا يتأخر فعله، فهذه عمدتكم، والفاعل عند عامة العقلاء وعند سلفكم، وعندكم أيضًا ـ في غير هذا الموضع ـ هو الذي يفعل شيئًا فيحدثه، فيمتنع أن يكون المفعول مقارنًا له بهذا الاعتبار، بل على هذا الاعتبار يجب تأخر كل مفعول له، فلا يكون في مفعولاته شىء قديم بقدمه، فيكون كل ما سواه محدث‏.‏
ثم للناس هنا طريقان‏:‏
منهم من يقول‏:‏ يجب تأخر كل مفعول له، وأن يبقى معطلاً عن الفعل ثم يفعل، كما يقوله أهل الكلام المبتدع من أهل الملل، من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم‏.‏ وهذا النفي يناقض دوام الفاعلية فهو يناقض موجب تلك الحجج‏.‏
والثاني‏:‏ أن يقال‏:‏ ما زال فاعلاً لشىء بعد شىء فكل ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن، وهو وحده الذي اختص بالقدم والأزلية، فهو الأول القديم الأزلي ليس معه غيره، وأنه ما زال يفعل شيئًا بعد شىء‏.‏
فيقال لهم‏:‏ الحجج التي تقيمونها في وجوب قدم الفاعلية، كما أنها تبطل قول أهل الكلام المحدث فهي ـ أيضًا ـ تبطل قولكم؛ وذلك أنها لو دلت على دوام الفاعلية بالمعنى الذي ادعيتم، للزم ألا يحدث في العالم حادث؛ إذ كان المفعول المعلول عندكم يجب أن يقارن علته الفاعلية في الزمان، وكل ما سوى الأول مفعول معلول له، فتحدث مقارنة كل ما سواه فلا يحدث في العالم حادث، وهو خلاف المشاهدة والمعقول، وباطل باتفاق بني آدم كلهم، مخالف للحس والعقل‏.‏
وأيضًا، إذا وجب في العلة أن يقارنها معلولها في الزمان فكل حادث يجب أن يحدث مع حدوثه حوادث مقترنة في الزمان، لا يسبق بعضها بعضًا ولا نهاية لها‏.‏ وهذا قول بوجود علل لا نهاية لها، وهذا ـ أيضًا ـ باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، ولا فرق بين امتناع ذلك في ذات العلة أو شرط من شروطها، فكما يمتنع أن يحدث عند كل حادث ذات علل لا تتناهى في آن واحد، وكذلك شروط العلة وتمامها فإنها إحدى جزئي العلة، فلا يجوز وجود ما لا يتناهى في آن واحد لا في هذا الجزء ولا في هذا الجزء، وهذا متفق عليه بين الناس‏.‏
وأما النزاع في وجود ما لا يتناهى على سبيل التعاقب، فقد زال جزء حجتهم ليس هو ما قالوه، بل موجبه هو القول الآخر وهو‏:‏ أن الفاعل لم يزل يفعل شيئًا بعد شىء وحينئذ كل مفعول محدث كائن بعد أن لم يكن، وهذا نقيض قولهم؛ بل هذا من أبلغ ما يحتج به على ما أخبرت به الرسل من أن الله خالق كل شىء، فإنه بهذا يثبت أنه لا قديم إلا الله، وأنه كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، سواء سمى عقلاً، أو نفسًا أوجسمًا، أو غير ذلك‏.‏
بخلاف دليل أهل الكلام المحدث على الحدوث، فإنهم قالوا‏:‏ لو كان صحيحًا لم يدل إلا على حدوث الأجسام، ونحن أثبتنا موجودات غير العقول، وأهل الكلام لم يقيموا دليلاً على انتفائها، وقد وافقهم على ذلك المتأخرون؛ مثل الشهرستاني، والرازي، والآمدي، وادعوا أنه لا دليل للمتكلمين على نفي هذه الجواهر العقلية، ودليلهم على حدوث الأجسام لم يتناولها؛ ولهذا صار الذين زعموا أنهم يجيبونهم بالجواب الباهر إلى ما تقدم ذكره من التناقض، فقد تبين أن نفس ما احتجوا به يدل على فساد قولهم، وفساد قول المتكلمين، ويدل على حدوث كل ما سوى الله وأنه وحده القديم، دلالة صحيحة لا مطعن فيها‏.‏
فقد تبين ـ ولله الحمد ـ أن عمدتهم على قدم العالم إنما تدل على نقيض قولهم‏:‏ وهو حدوث كل ما سوى الله ـ ولله الحمد والمنة‏.‏
وأما الحجة التي احتجوا بها على أنه لم تزل الحركة موجودة والزمان موجودًا، وأنه يمتنع حدوث هذا الجنس ـ وهذا مما اعتمد عليه أرسطو وأتباعه ـ فيقال لهم‏:‏ هذه لا تدل على قدم شىء بعينه من الحركات وزمانها، ولا من المتحركات، فلا تدل على مطلوبهم، وهو قدم الفلك وحركته، وزمانه، بل تدل على نقيض قولهم، وذلك أن الحركة لابد لها من محرك، فجميع الحركات تنتهي إلى محرك أول‏.‏
وهم يسلمون هذا، فذلك المحرك الأول الذي صدر عنه حركة ما سواه، إما أن يكون متحركًا، وإما ألا يكون، فإن لم يكن متحركًا لزم صدور الحركة عن غير متحرك، وهذا مخالف للحس والعقل، فإن المعلول إنما يكون مناسبًا لعلته، فإذا كان المعلول يحدث شيئًا بعد شىء، امتنع أن تكون علته باقية على حال واحدة، كما قلتم‏:‏ يمتنع أن يحدث عنها شىء بعد أن لم يكن، بل امتناع دوام الحدوث عنها أولى من امتناع حدوث متجدد، فإن هذا يستلزم وجود الممتنع أكثر مما يستلزم ذاك‏.‏
فإنه إذا قيل‏:‏ من المعلوم بصريح العقل أن ما لم يكن فاعلاً فلابد أن يحدث له سبب يوجب كونه فاعلاً، وأنه إذا كان حال الفاعل على الحال التي كان عليها قبل الفعل، لم يفعل شيئًا ولم يحدث عنه شىء، قيل لهم‏:‏ وهذا المعلوم بصريح العقل موجب أنها لا يحدث عنها في الزمان الثاني شىء لم يكن في الزمان الأول إلا لمعنى حدث فيها، فإذا لم يحدث فيها شىء لم يحدث عنها شىء‏.‏
فإذا قيل بدوام الحوادث عنها من غير أن يحدث فيها شىء، كان هذا قولاً بوجود الممتنعات دائمًا، فإنه ما من حادث يحدث إلا قبلت الذات عند حدوثه لما كانت قبل حدوثه، وكانت قبل ذلك يمتنع عنها حدوثه، فالآن كذلك يمتنع عنها حدوثه‏.‏
أو يقال‏:‏ كانت لا تحدثه فهي الآن لا تحدث، فهي عند حدوث كل حادث كما كانت قبل ذلك، وقبل حدوثه لم تكن محدثة له بل كان ذلك ممتنعًا، فكذلك الحين الذي قدر فيه حدوثه، يجب أن يكون الحدوث فيه ممتنعًا‏.‏
وهذا مما اعترف حذاقهم بأنه لازم، كما ذكر ذلك ابن رشد والرازى وغيرهما واعترفوا بأن حدوث المتغير عن غير المتغير مخالف للعقلاء، وابن سينا تفطن لهذا‏.







آخر مواضيعه 0 صور العيد , صور من العيد (كل عام وانتم بخير )
0 خصائص الحيوانات
0 كيف نغتنم رمضان
0 ما الذي أبكى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى سقط مغشياً عليه
0 مغزى رجم الشيطان

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 05:47 PM   رقم المشاركة : 13
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

سئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
ما يقول السادة العلماء ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات‏؟‏ ادعوا أن صفات الباري، ليست زائدة على ذاته، لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة، بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه أو لا، فإن يقم فقد تعلق وجوده بها، وصار مركبًا من أجزاء ، لا يصح وجوده إلا بمجموعها، والمركب معلول، وإن كان لا يقوم وجوده بها، ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية، والعَرَض معلول، وهما على الله محال، فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته، وهو المطلوب‏؟‏
فأجاب ـ رضي الله عنه‏:‏
الحمد لله‏:‏ الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله ـ سبحانه ـ له علم وقدرة، ورحمة ومشيئة، وعزة وغير ذلك؛ لقوله تعالى‏:‏‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏166‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏58‏]‏، وقوله ‏{‏وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏8‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏7‏]‏‏.‏
وفي حديث الاستخارة الذى في الصحيح‏:‏ ‏(‏اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم‏)‏، وفي حديث شَدَّاد بن أوْس الذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتَوَفَّنِى إذا كانت الوفاة خيرًا لي‏)‏؛ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏لا وعزتك‏)‏ وهذا كثير‏.‏
وفي الصحيح ـ أيضًا ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ سأل الذي كان يقرأ بـ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏سورة الإخلاص‏]‏ في كل ركعة ـ وهو إمام ـ فقال‏:‏ إني أحبها؛ لأنها صفة الرحمن فقال‏:‏ ‏(‏أخبروه أن الله يحبه‏)‏، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على تسميتها صفة الرحمن‏.‏ وفي هذا المعنى ـ أيضًا ـ آثار متعددة‏.‏
فثبت بهذه النصوص أن الكلام الذي يخبر به عن الله صفة له، فإن الوصف هو الإظهار والبيان للبصر أو السمع، كما يقول الفقهاء‏:‏ ثوب يصف البشرة أو لا يصف البشرة، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏139‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏180‏]‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تَنْعَت المرأةُ المرأةَ لزوجها، حتى كأنه ينظر إليها‏)‏ والنعت الوصف، ومثل هذا كثير‏.‏
والصفة‏:‏ مصدر وصفت الشىء أصفه وصفًا وصفة، مثل وعد وعدًا وعدة، ووزن وزنًا وزنة، وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول، كما يسمون المخلوق خلقًا، ويقولون‏:‏ درهم ضرب الأمير، فإذا وصف الموصوف، بأنه وسع كل شىء رحمة وعلمًا، سمى المعنى الذي وصف به بهذا الكلام صفة‏.‏ فيقال للرحمة والعلم والقدرة‏:‏ صفة، بهذا الاعتبار، هذا حقيقة الأمر‏.‏
ثم كثير من ‏[‏المعتزلة‏]‏ ونحوهم يقولون‏:‏ الوصف والصفة اسم للكلام فقط، من غير أن يقوم بالذات القديمة معاني، وكثير من متكلمة الصفاتية يفرقون بين الوصف والصفة، فيقولون‏:‏ الوصف هو القول، والصفة المعنى القائم بالموصوف، وأما المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على القول تارة، وعلى المعنى أخرى‏.‏
والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعاني، التي هي العلـم والقـدرة وغيرهـا، كمـا قدمناه‏.‏
وأما لفظ الذات فإنها في اللغة تأنيث ‏[‏ذو‏]‏، وهذا اللفظ يستعمل مضافًا إلى أسماء الأجناس، يتوصلون به إلى الوصف بذلك‏.‏ فيقال‏:‏ شخص ذو علم وذو مال وشرف، ويعنى‏:‏ حقيقته، أو عين أو نفس ذات علم وقدرة وسلطان ونحو ذلك‏.‏ وقد يضاف إلى الأعلام كقولهم‏:‏ ذو عمرو، وذو الكلاع، وقول عمر‏:‏ الغني بلال وذووه‏.‏
فلما وجدوا الله قال في القرآن‏:‏‏{‏تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏، ‏{‏وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏28‏]‏، و‏{‏كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 12‏]‏ وصفوها، فقالوا‏:‏ نفس ذات علم وقدرة، ورحمة ومشيئة ونحو ذلك، ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة‏.‏ فقالوا‏:‏ الذات، وهي كلمة مولدة، ليست قديمة، وقد وجدت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، لكن بمعنى آخر، مثل قول خُبَيْب الذي في صحيح البخاري‏:‏
وذاك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع ‏[‏قوله‏:‏ شِلْو ممزع، الشِّلْو‏:‏ العضو، أي عضو متقطع‏.‏ انظر‏:‏القاموس، مادة ـ شلو‏]‏
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلهن في ذات الله‏)‏ وعن أبي ذَرّ‏:‏ كلنا أحمق في ذات الله‏.‏ وفي قول بعضهم‏:‏ أصبنا في ذات الله‏.‏ والمعنى‏:‏ في جهة الله وناحيته، أي‏:‏ لأجل الله ولابتغاء وجهه، ليس المراد بذلك النفس ونحوه في القرآن‏:‏‏{فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏119‏]‏، أي‏:‏ الخصلة والجهة التي هي صاحبة بينكم، وعليم بالخواطر ونحوها، التي هي صاحبة الصدور‏.‏
فاسم الذات في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والعربية المحضة‏:‏ بهذا المعنى‏.‏ ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على ‏(‏النفس‏)‏ بالاعتبار الذي تقدم، فإنها صاحبة الصفات‏.‏ فإذا قالوا‏:‏ الذات، فقد قالوا‏:‏ التي لها الصفات‏.‏
وقد روى في حديث مرفوع وغير مرفوع‏:‏ ‏(‏تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في ذات الله‏)‏ فإن كان هذا اللفظ أو نظيره ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد وجد في كلامهم إطلاق اسم الذات على النفس، كما يطلقه المتأخرون‏.‏ وإذا تقرر هذا الأصل يبقى كالحركة، وقد اختلف في بقائها، كالطعم واللون والريح، وأكثر العقلاء على أنه قد يبقى‏.‏
وهؤلاء لا يصح عندهم الاستدلال بهذه الأعراض على حدوث الجسم، فلأن لا يصح الاستدلال بصفات الله على حدوث الموصوف أولى وأحرى، مع أن هذه الحجة على حدوث العالم فيها نظر طويل، ليس هذا موضعه‏.‏
وهكذا ـ أيضًا ـ يقال للفلاسفة، فإنه لا ريب أنه مبدئ للعالم وسبب لوجوده ويذكرون له من العقل والعناية أمورًا، لابد لهم من إثباتها‏.‏
فالكلام فيما يثبته أهل الكتاب و السنة كالكلام فيما لابد من إثباته لجميع الطوائف، وذلك أنه قد ثبت أنه حق بالاضطرار، والأدلة القطعية، واتفقوا على ذلك، وثبت أنه قائم بنفسه، وليس هو من جنس سائر ما يقوم بنفسه من الأرواح والأجسام‏.‏
فإذا كانوا متفقين على أنه قائم بنفسه ليس هو من جنس سائر الأجسام والأرواح، فكذلك ما يستحقه بنفسه من الصفات ليس من جنس ما يستحق سائر الأشياء‏.‏
فإذا قدر أن جوهرًا قام به عرض محدث دل على حدوث الجوهر، لم يستلزم ذلك في كل ما قام بغيره أن يكون عرضًا، إلا إذا استلزم أن يكون كل ما قام بنفسه جوهرًا‏.‏
فإنه إذا ساغ لقائل ألا يسمى بعض ما قام بنفسه جوهرًا ساغ له ـ أيضًا ـ ألا يسمى بعض ما يقوم بغيره عرضًا، بل نفي العرض عن المعاني الباقية أقرب إلى اللغة فإن سمى المسمى كل ما قام بغيره عرضًا ساغ ـ حينئذ ـ أن يسمى كل ما قام بنفسه جوهرًا‏.‏
وحينئذ، فالاستدلال بحدوث عَرَض وصفة على حدوث جوهره وموصوفه، لا يستلزم أن يكون كل عرض وصفه دليلا على حدوث جوهره، وموصوفه، ولو لزم ذلك لبطل قولهم بحدوث جميع الجواهر، والأجسام، لدخول القديم في هذا العموم على هذا التقدير، بل بطل القول بإمكان شىء من الجواهر والأجسام‏.‏
فقد تبين الجواب من طريقين‏:‏
أحدهما‏:‏ من وجهين‏:‏ من جهة المعارضة والإلزام، ومن جهة المناقضة والإفساد‏.‏ وتبين بالوجهين أن هذه الشبهة فاسدة على أصول جميع أهل الأرض، وفاسدة في نفسها؛ لأنه يلزم من ثبوتها نفيها، وما لزم من ثبوته نفيه كان باطلاً في نفسه‏.‏
والطريق الثاني‏:‏ من جهة الحل والبيان، كما تقدم‏.‏
وأما الشبهة الثانية ـ وهي شبهة التركيب ـ وهي فلسفية معتزلية، والأولى معتزلية محضة ـ فإن المعتزلة يجعلون أخص وصفه القديم، ويثبتون حدوث ما سواه‏.‏
والفلاسفة يجعلون أخص وصفه وجوب وجوده بنفسه، وإمكان ما سواه، فإنهم لا يقرون بالحدوث عن عدم، ويجعلون التركيب الذي ذكروه موجبًا للافتقار، المانع من كونه واجبًا بنفسه‏.‏
فالجواب عنها ـ أيضًا ـ من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ مشتمل على فنين‏:‏ المعارضة والمناقضة‏.‏ والثاني‏:‏ الحل‏.‏
أما الأول‏:‏ فإنهم يثبتونه عالمًا قادرًا، ويثبتونه واجبًا بنفسه فاعلاً لغيره، ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالمًا غيرمفهوم الفعل لغيره، فإن كانت ذاته مركبة من هذه المعاني، لزم التركيب الذي ادعوه؛ وإن كانت عرضية، لزم الافتقار الذي ادعوه‏.‏
وبالجملة، فما قالوه في هذه الأمور، فهو قول أهل الكتاب والسنة، في العلم والقدرة‏.‏
وأما المناقضة‏:‏ فإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية فلا واجب، وإذا لم يكن واجبًا لم يلزم من التركيب محال؛ وذلك أنهم إنما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت التركيب المستلزم لنفي الوجوب وهذا تناقض، فإن نفي المعاني مستلزم لنفي الوجوب، فكيف ينفونها لثبوته‏؟‏ وذلك أن الواجب بنفسه حق موجود، عالم قادر فاعل، والممكن قد يكون موجودًا عالما، قادرًا فاعلاً، وليست المشاركة في مجرد اللفظ، بل في معاني معقولة معلومة بالاضطرار‏.‏
فإن كان ما به الاشتراك مستلزمًا لما به الامتياز، فقد صار الواجب ممكنًا والممكن واجبًا، وإن لم يكن مستلزمًا، فقد صار للواجب ما يتميز به عن الممكن غير هذه المعاني المشتركة، فصار فيه جهة اشتراك وجهة امتياز، وهذا عندهم تركيب ممتنع‏.‏ فإن كان هذا التركيب مستلزمًا لنفي الواجب فقد صار ثبوت الواجب بنفسه مستلزمًا لنفيه، وهذا متناقض‏.‏
فثبت بهذا البرهان الباهر أن هذه الحجة متناقضة في نفسها، كما ثبت أنها معارضة على أصولهم لما أثبتوه‏.‏
وأما الجواب الذي هو الحل، فنقول‏:‏ التركيب المعقول في عقل بني آدم ولغة الآدميين هو تركيب الموجود من أجزائه، التي يتميز بعضها عن بعض، وهو تركيب الجسم من أجزائه، كتركيب الإنسان من أعضائه وأخلاطه، وتركيب الثوب من أجزائه، وتركيب الشراب من أجزائه، وسواء كان أحد الجزئين منفصلاً عن الآخر كانفصال اليد عن الرجل، أو شائعًا فيه كشياع المرة في الدم، والماء في اللبن‏.‏
وأما ما يذكره المنطقيون من تركيب الأنواع من الجنس والفصل، كتركيب الإنسان من حيوان وناطق، وهو المركب مما به الاشتراك بينه وبين سائر الأنواع، ومما به امتيازه عن غيره من الأنواع، وتقسيمهم الصفات إلى ذاتي تتركب منه الحقائق، وهو الجنس والفصل؛ وإلى عرضي، وهو العرض العام والخاصة، ثم الحقيقة المؤلفة من المشترك والمميز‏:‏ هي النوع‏.‏
فنقول‏:‏ هذا التركيب أمر اعتباري ذهني، ليس له وجود في الخارج، كما أن ذات النوع من حيث هي عامة، ليس لها ثبوت في الخارج، بل نفس الحقائق الخارجة، ليس فيها عموم خارجي ولا تركيب خارجي، كما قلنا في مسألة المعدوم‏:‏ إنه شىء في الذهن لا في الخارج، لتعلق العلم والإرادة به‏.‏
فإن الإنسان الموجود في الخارج ليس فيه ذوات متميزة، بعضها حيوانية وبعضها ناطقية وبعضها ضاحكية، وبعضها حساسية، بل العقل يدرك منه معني،ونظير ذلك المعني ثابت لنوع آخر‏.‏ فيقول فيه معنى مشترك، ويدرك فيه معنى مختصا، ثم يجمع بين المعنيين، فيقول‏:‏ هو مؤلف منهما، ثم إذا أدرك فيه المعنيين، لم يدرك أن أحدهما فيه متميز عن الآخر منفصل، كما أنه إذا أدرك الوجود والوجوب، والقيام بالنفس والإقامة للغير، لم يدرك أحد هذه المعاني منفصلاً عن الآخر متميزًا عنه‏.‏
بل أبلغ من ذلك أن الطعم واللون، والريح القائمة بالجسم، لا يتميز بعضها عن بعض بمحالها، وإنما الحس يميز بين هذه الحقائق‏.‏
فهذا النوع من التركيب ليس من جنس تركيب الجسد، من أبعاضه وأخلاطه، فليست الأبعاض كالأعراض، ونحن لا ننازع في تسمية هذا مركبًا، فإن هذا نزاع لفظي، ولكن الغرض أن هذا التركيب، ليس من جنس التركيب الذي يعقله بنو آدم بالفطرة الأولى، حتى يطلق عليه لفظ الأجزاء‏.‏
إذا عرف هذا، كان الجواب من فنين في الحل، كما كان من فنين في الإبطال‏.‏
أحدهما‏:‏ أنا لا نسلم أن هناك تركبًا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها، مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها وليست صفة الموصوف أجزاء له، ولا أبعاضًا يتميز بعضها عن بعض، أو تتميز عنه، حتى يصح أن يقال‏:‏ هي مركبة منه، أو ليست مركبة‏.‏ فثبوت التركيب ونفيه فرع تصوره، وتصوره هنا منتف‏.‏
والجواب الثاني‏:‏ أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبًا، فليس هذا مستلزمًا للإمكان، ولا للحدوث؛ وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب ـ تعالى ـ فقيرًا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين، وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه، وموجودة بذاته، وأنه أحد صمد، غني بنفسه ليس ثبوته وغناه مستفادًا من غيره، وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقًا صمدًا قيومًا، فهل يقال في ذلك‏:‏ إنه مفتقر إلى نفسه، أو محتاج إلى نفسه؛ لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه‏؟‏ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمي نفسه هو القول في نفسه‏.‏
فإذا قيل‏:‏ صفاته ذاتية، وقيل‏:‏ إنه محتاج إليها، كان بمنزلة قول القائل‏:‏ إنه محتاج إلى نفسه، فإن صفاته الذاتية هي ما لا تكون النفس بدونها‏.‏
وكذلك إذا قلنا‏:‏ ذاته موجبة لوجوده، أو هو واجب بنفسه، أو هو مقتض لوجوبه، فلو قال قائل‏:‏ يلزم أن يكون معلولاً، والمعلول مفتقر قيل له‏:‏ ليست العلة هنا غير المعلول، والمنتفى افتقاره إلى غيره، وكونه معلولاً لسواه‏.‏ وأما قيامه بنفسه فحق‏.‏
ثم هذه العبارات التي توهم معنى فاسدًا، إن أطلقت باعتبار المعنى الصحيح، أو لم تطلق بحال، لم يضر ذلك إذا كان المعنى الصحيح معلومًا لا يندفع‏.‏ فهذا المعنى الشريف يجب التفطن له، فإنه يزيل شبهًا خيالية، أضلت خلقًا كثيرًا‏.‏
ونحن إذا قلنا‏:‏الماهيات مجعولة، فنعنى بذلك الماهيات الموجودة في الخارج، بناء على أن وجود كل شىء في الخارج هو عين ماهيته؛ إذ ليس الموجود في الخارج شيئًا غير وجوده، وذلك الموجود في الخارج هو المفتقر إلى غيره، سواء كان مفردًا أو مركبًا‏.‏
فالمركب في الخارج، لم يفتقر إلى الفاعل لكونه مركبًا، بل لأن حقيقته مفتقرة، وإنيته مضطرة، ليس له ثبوت، ولا وجود، ولا إنية إلا من ربه؛ ولذلك افتقر المفرد إلى الصانع، كافتقار المركب‏.‏
وأما ما يعلمه العقل من الماهيات مفردها ومركبها، فلا يفتقر إلى الفاعل إلا من جهة أن علم العبد لابد له من سبب، لا من جهة أن المركب مفتقر إلى أجزائه‏.‏ فقد تبين لك أن المركب ليس مفتقرًا إلى أجزائه، لا في الذهن ولا في الخارج إلا كافتقار المفرد إلى نفسه، فجزء المركب بمنزلة عين المفرد، وكل منهما مفتقر إلى غيره في الخارج‏.‏
فإن جاز أن يقال‏:‏ هو مفتقر إلى نفسه، جاز أن يقال‏:‏ هو مفتقر إلى وصفه، أوجزئه، وإن لم يجز ذلك لم يجز هذا‏.‏ فليس وصف الموصوف، وجزء المركب ـ الذي لا تقوم ذاته إلا به ـ إلا بمنزلة ذاته، وليس في قولنا‏:‏ هو مفتقر إلى نفسه، ما يرفع وجوبه بنفسه، فكذلك هذا‏.‏
فظهر الخلل في كلا المقدمتين، وهو أن الصفات مستلزمة للتركيب، وأن التركيب مستلزم للحاجة إلى الغير، وإذا كان كل من المقدمتين باطلة، بطل هذا بالكلية، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين‏.‏
وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة ‏[‏طيبة‏:‏ تعرف بالمدينة في الحقيقة والمجاز بالصفات‏]‏ من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته‏.‏
إلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدى الزاهد العابد‏:‏ شمس الدين ـ كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه ـ من أحمد بن تيمية‏:‏ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏
أما بعد‏:‏
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شىء قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبي الأمي محمد وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏
كتابي إليك ـ أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة إحسانًا ينيلك به عالي الدرجات في خير وعافية، عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر إخواننا ـ والحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله‏.‏
وقد وصل ما أرسلته من الكتب الثلاثة، ونحن نسأل الله ـ تعالى ـ ونرجو منه أن يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغًا لدرجات قصر العمل عنها، وسبق في أم الكتاب أنها ستنال، وأن تكون الخيرة فيما اختاره الله لعباده المؤمنين‏.‏
وقد علمنا من حيث العموم أن الله ـ تعالى ـ لا يقضي للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له، وأن النية وإن كانت متشوقة إلى أمر حجز عنه المرض،فإن الخيرة ـ إن شاء الله تعالى ـ فيما أراده الله، والله ـ تعالى ـ يخير لكم في جميع الأمور خيرة تحصل لكم رضوان الله في خير وعافية، وما تشتكي من مصيبة في القلب والدين، نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته، توليًا لا يكلكم فيه إلى أحد من المخلوقين، ويصلح لكم شأنكم كله صلاحًا يكون بدؤه منه وإتمامه عليه، ويحقق لكم مقام ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم‏.‏
مع أنا نرجو أن تكون رؤية التقصير،وشهادة التأخير من نعمة الله على عبده المؤمن، التي يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة، ويكفي بها مؤنة شيطانه المزين له سوء عمله، ومؤنة نفسه التي تحب أن تحمد بما لم تفعل، وتفرح بما أتت‏.‏ وقد قال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ‏}‏‏[‏المؤمنون‏:‏57ـ 60‏]‏‏.‏
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه‏)‏ ،وفي الأثر ـ أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن ابن مسعود ـ‏:‏ من قال‏:‏ إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال‏:‏ إنه في الجنة فهو في النار‏.‏ وقال‏:‏ والذي لا إله غيره، ما أمن أحد على إيمان يسلبه عند الموت إلا يسلبه‏.‏
وقال أبو العالية‏:‏ أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه‏.‏ وقال الصديق ـ رضي الله عنه‏:‏ إن الله ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل‏:‏ أين أنا من هؤلاء ‏؟‏‏!‏ يعني‏:‏وهو منهم، وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها، فيقول القائل‏:‏ لست من هؤلاء، يعني‏:‏ وهو منهم‏.‏ هذا الكلام أو قريبًا منه‏.‏
فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة، إنها سَبِيل مَهْيع ‏[‏أي‏:‏ طريق بَيِّن‏.‏ انظر‏:‏ القاموس، مادة‏:‏ هيع‏]‏ لعباد الله،الذين أطبق شهداء الله في أرضه أنهم كانوا من الله بالمكانة العالية، مع أن الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع في الأمر الغالب ما لم يفض إلى تسخط للمقدور، أو يأس من روح الله، أو فتور عن الرجاء، والله ـ تعالى ـ يتولاكم بولاية منه، ولا يكلكم إلى أحد غيره‏.‏
وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة، التي لابد فيها من صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه، فأنا أذكر ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة على ما في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير‏.‏
قال لي بعض الناس‏:‏ إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي ـ رضي الله عنه‏:‏ آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق،فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين‏.‏
فقلت له‏:‏ أما ما قاله الشافعي،فإنه حق يجب علي كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه، فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وأما إذا بحث الإنسان وفحص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلاً، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرًا وباطنًا‏.‏
فاستعظم ذلك وقال‏:‏ أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا‏؟‏ فتواعدنا يومًا، فكان فيما تفاوضنا‏:‏ أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ـ ممن ينتحل مذهب الأشعري ـ لأهل الحديث ثلاث مسائل‏:‏
وصف الله بالعلو على العرش‏.‏
ومسألة القرآن‏.‏
ومسألة تأويل الصفات‏.‏
فقلت له‏:‏ نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات، فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها، وقلت له‏:‏ مذهب أهل الحديث ـ وهم السلف من القرون الثلاثة ـ ومن سلك سبيلهم من الخلف‏:‏ أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت‏.‏ ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل‏.‏
وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف ـ منهم الخطابي ـ مذهب السلف‏:‏ أنها تجري على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول‏:‏ إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول‏:‏ إن معنى اليد‏:‏ القدرة، ومعنى السمع‏:‏العلم‏.‏
فقلت له‏:‏ وبعض الناس يقول‏:‏ مذهب السلف‏:‏ أن الظاهر غير مراد، ويقول‏:‏ أجمعنا على أن الظاهر غير مراد، وهذه العبارة خطأ، إما لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركًا بين شيئين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يقال‏:‏ إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، فلا شك أن من قال‏:‏ إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث‏.‏ فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله ـ تعالى ـ ليس كمثله شىء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة‏.‏
لكن هذا القائل أخطأ، حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث، وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه، فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله ـ تعالى ـ هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضًا تدل على حدوثنا يمتنع أن يوصف الله ـ سبحانه ـ بمثلها، فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوهـا أجسامًا كـذلك محدثـة، يمتنـع أن يوصـف الله ـ تعالى ـ بمثلها‏.‏
ثم لم يقل أحد من أهل السنة‏:‏ إذا قلنا‏:‏ إن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، أن ظاهره غير مراد، ثم يفسر بصفاتنا، فكذلك لا يجوز أن يقال‏:‏ إن ظاهر اليد والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم‏.‏
ومن قال‏:‏ إن ظاهر شىء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله ـ تعالى ـ به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد‏.‏
والمعنى الثاني‏:‏ أن هذه الصفات إنما هي صفات الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما يليق بجلاله، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شىء إلى ذاته، فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه‏.‏ ولا يقال‏:‏ إنه مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود ـ سبحانه ـ هو المستحق لجميع هذه الصفات‏.‏
وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقًا، وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات‏.‏
وكذلك فعله، نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل، والله غني حميد‏.‏
وكذلك الذات، تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو، و لا يدرك لها كيفية،فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه‏.‏
فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله على كل شىء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شىء علمًا، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة، ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات، ونحو ذلك‏.‏
كما يعلم أن له ربًا وخالقًا ومعبودًا، ولا يعلم كنه شىء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه، وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب‏.‏
قلت له‏:‏ أفيجوز أن يقال‏:‏ إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير ‏؟‏ فقال‏:‏ هذا لا يمكن‏.‏
فقلت له‏:‏ من قال‏:‏ إن الظاهر غير مراد، بمعنى‏:‏ أن صفات المخلوقين غير مرادة، قلنا له‏:‏ أصبت في المعنى، لكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول‏:‏ تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله ـ تعالى ـ ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه‏.‏
ومن قال‏:‏ الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني ـ وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض الأشعرية وغيرهم ـ فقد أخطأ‏.‏
ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون‏:‏ إن له صفات سبعًا‏:‏ الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر‏.‏وينفون ما عداها،وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها‏.‏
وأما المعتزلة، فإنهم ينفون الصفات مطلقًا ويثبتون أحكامها، وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير، وأما كونه مريدًا متكلمًا فعندهم أنها صفات حادثة، أو إضافية أو عدمية‏.‏ وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم، ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس، حيث زعموا أن الصفات كلَّها ترجع إلى سلب أو إضافة، أو مركب من سلب وإضافة، فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل‏.‏
ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرًا نافذًا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعًا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون‏:‏ إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه، ويقولون‏:‏ إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث المعتزلة‏.‏
وكان يحيى بن عمار يقول‏:‏ المعتزلة الجهمية الذكور،والأشعرية الجهمية الإناث، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية،وأما من قال منهم بكتاب ‏[‏الإبانة‏]‏ الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرى بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسًنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير‏.‏
قلت له‏:‏ إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون ـ الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ـ فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله ـ سبحانه ـ وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافى الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء‏:‏
أحدها‏:‏ أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشىء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة‏.‏
الثاني‏:‏ أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازىّ بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلابد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف‏.‏ وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلابد من دليل مرجح للحمل على المجاز‏.‏
الثالث‏:‏ أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل ـ الصارف ـ عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح‏.‏
الرابع‏:‏ أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته،فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه ـ سبحانه وتعالى ـ جعل القرآن نورًا وهدى، وبيانًا للناس، وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل‏.‏
ثم هذا الرسول ـ الأمي العربي ـ بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلاً يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 23‏]‏، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد‏:‏ أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك‏:‏ ‏{‏خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 102‏]‏ يعلم المستمع‏:‏ أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيًا ظاهرًا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر‏.‏
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلاً خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره،كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى،وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان‏.‏
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد‏؟‏‏!‏ أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة‏!‏‏؟‏
فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات‏.‏
قلت‏:‏ ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجًا يحتذى عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى‏:‏‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏64‏]‏، وقال تعالى لإبليس‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏75‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏1‏]‏، وقال‏:‏‏{‏بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏[‏ آل عمران‏:‏ 62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏71‏]‏‏.‏
وقد تواتر في السنة مجىء اليد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
فالمفهوم من هذا الكلام‏:‏ أن لله ـ تعالى ـ يدين مختصتان به، ذاتيتان له، كما يليق بجلاله، وأنه ـ سبحانه ـ خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه ـ سبحانه ـ يقبض الأرض ويطوى السموات بيده اليمنى،وأن ‏{‏يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏64‏]‏ ومعنى بسطهما‏:‏ بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها،وتركه يكون ضمًا لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية إذا قيل‏:‏ هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 29‏]‏، ويقولون‏:‏ فلان جَعْد البنان وسَبْط البنان‏.‏
قلت له‏:‏ فالقائل إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق‏.‏
وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع، فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة‏.‏
أما الأول، فيقول‏:‏ إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشىء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم‏:‏ لفلان عنده أياد، وقول أبي طالب لما فقد النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏
يا رب رد راكبي محمدًا ** رده علي واصطنع عندي يدا
وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية‏:‏لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك‏.‏
وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشىء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون‏:‏ فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد لمعاوية‏:‏ إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة، يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق‏.‏ ومنه قوله‏:‏ ‏{‏بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏237‏]‏، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه‏.‏
وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى‏:‏‏{‏لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء‏}‏إلى قوله‏:‏‏{‏ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‏}‏‏[‏آل عمران‏:‏ 181، 182‏]‏ أي‏:‏ بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به‏.‏ وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏50، 51 ‏]‏، والعرب تقول‏:‏ يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ؛ توبيخًا لكل من جر على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه‏.‏
قلت له‏:‏ ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وآياته تأولوا قوله‏:‏ ‏{‏بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏64‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏75‏]‏ على هذا كله، فقالوا‏:‏ إن المراد نعمته، أي‏:‏ نعمة الدنيا ونعمة الآخرة،وقالوا‏:‏ بقدرته، وقالوا‏:‏ اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله‏:‏ ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ أي‏:‏ خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية‏.‏ قلت له‏:‏ فهذه تأويلاتهم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت له‏:‏ فننظر فيما قدمنا‏:‏
المقام الأول‏:‏ أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏2‏]‏، ولفظ الجمع في الواحد كقوله‏:‏‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله‏:‏ ‏{‏صَغَتْ قُلُوبُكُمَا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏4‏]‏‏.‏ أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال‏:‏ عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد‏.‏
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية‏.‏
ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله‏:‏ ‏{‏بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏10‏]‏ و‏{‏قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏182،الأنفال‏:‏51‏]‏، ومنه قوله‏:‏‏{‏مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏71‏]‏‏.‏
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله‏:‏ ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال‏:‏ فعلت هذا بيديك ويقال‏:‏ هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله‏:‏ فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم ـ إن شاء الله تعالى ـ أن فصيحًا يقول‏:‏ فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها‏.‏
وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة‏.‏
قال لي‏:‏ فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله‏:‏ ‏{‏أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏24‏]‏، وإنما هو خطاب للواحد‏.‏
قلت له‏:‏ هذا ممنوع، بل قوله‏:‏ ‏{‏أَلْقِيَا‏}‏ قد قيل‏:‏ تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى‏:‏ ألق ألق‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه خطاب للسائق والشهيد‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه خطاب للواحد، قال‏:‏ إن الإنسان يكون معه اثنان‏:‏ أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول‏:‏ خليلي‏!‏ خليلي‏!‏ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله‏:‏ ‏{‏أَلْقِيَا‏}‏ عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة‏.‏
قلت له‏:‏ المقام الثاني‏:‏ أن يقال‏:‏ هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة‏؟‏
فإن قلت‏:‏ لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله ـ سبحانه‏.‏
قلت لك‏:‏ هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه،لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات‏؟‏ قال‏:‏ ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا‏.‏ قلت‏:‏ فإذا كان هذا ممكنًا ـ وهو حقيقة اللفظ ـ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه‏؟‏ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به ـ وصحت الدلالة ـ سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود‏.‏
المقام الثالث ‏:‏ قلت له‏:‏ بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا‏:‏ المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة،بل أو دلالة خفية‏؟‏ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏، وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه‏.‏ أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه‏.‏
وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة‏؟‏ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يدا تناسب المحدثات،وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي ‏؟‏ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية ـ عند من يدعيه ـ وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة‏.‏
فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله ـ تعالي ـ خلق بيده، وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جَهْم ابن صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم،ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق‏.‏
وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شىء حتى الخراءة،ويقول‏:‏ ‏(‏ما تركت من شىء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شىء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به‏)‏، ‏(‏تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك‏)‏، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه‏؟‏‏!‏
وكيف يجوز للسلف أن يقولوا‏:‏ أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شىء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار‏!‏
المقام الرابع‏:‏ قلت له‏:‏ أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ما يبين لك أن لله يدين حقيقة‏.‏
فمن ذلك تفض