(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء السادس

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 05:41 PM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فصـل
وقول القائل‏:‏ المناسبة‏:‏ لفظ مجمل؛ فإنه قد يراد بها التولد والقرابة، فيقال‏:‏ هذا نسيب فلان ويناسبه، إذا كان بينهم قرابة مستندة إلى الولادة والآدمية، والله ـ سبحانه وتعالى ـ منزه عن ذلك، ويراد بها المماثلة فيقال‏:‏ هذا يناسب هذا، أي‏:‏ يماثله، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد‏.‏ ويراد بها الموافقة في معنى من المعاني، وضدها المخالفة‏.‏
والمناسبة بهذا الاعتبار ثابتة، فإن أولياء الله ـ تعالى ـ يوافقونه فيما يأمر به فيفعلونه، وفيما يحبه فيحبونه، وفيما نهى عنه فيتركونه، وفيما يعطيه فيصيبونه، والله وِتْرٌ يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عليم يحب العلم، نظيف يحب النظافة، محسن يحب المحسنين، مقسط يحب المقسطين، إلى غير ذلك من المعاني؛ بل هو ـ سبحانه ـ يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا وجدها بعد اليأس، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
فإذا أريد بالمناسبة هذا وأمثاله، فهذه المناسبة حق، وهي من صفات الكمال كما تقدمت الإشارة إليه؛ فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق عنده بين صفات النقص والكمال، أو لا يحب صفات الكمال‏.‏
وإذا قدر موجودان‏:‏ أحدهما‏:‏ يحب العلم والصدق والعدل والإحسان ونحو ذلك، والآخر‏:‏ لا فرق عنده بين هذه الأمور، وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك، لا يحب هذا ولا يبغض هذا، كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا‏.‏
فدل على أن من جرده عن صفات الكمال، والوجود بألا يكون له علم كالجماد، فالذي يعلم أكمل منه، ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض المذموم، أكمل ممن يحبهما أو يبغضهما‏.‏
وأصل هذه المسألة‏:‏ الفرق بين محبة الله ورضاه، وغضبه وسخطه، وبين إرادته، كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم، وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما‏.‏
ثم قالت القدرية‏:‏ هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يريد ذلك فيكون مالم يشأ، ويشاء ما لم يكن‏.‏
وقالت المثبتة‏:‏ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذن قد أراد الكفر والفسوق والعصيان، ولم يرده دينًا، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يحبه دينًا، ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن‏.‏
وكلا القولين خطأ، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يكون شىء إلا بمشيئته، ومجمعون على أنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول، والذين نفوا محبته بنوها على هذا الأصل الفاسد‏.‏
فصــل
وأما قول القائل‏:‏ الرحمة‏:‏ ضعف وخَوَر في الطبيعة، وتألم على المرحوم، فهذا باطل‏.‏ أما أولا‏:‏ فلأن الضعف والخَوَر مذموم من الآدميين، والرحمة ممدوحة؛ وقد قال تعالى‏:‏‏{‏وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 17‏]‏، وقد نهـى الله عبـاده عن الوهـن والحـزن؛ فـقـال تعـالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏139‏]‏، ونَدَبَهُم إلى الرحمة‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏لا تُنْزَعُ الرحمة إلا من شَقِيِّ‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من لا يَرْحَمْ لا يُرحَمْ‏)‏،وقال‏:‏ ‏(‏الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء‏)‏‏.‏
ومحال أن يقول‏:‏ لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولكن لما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور ـ كما في رحمة النساء ونحو ذلك ـ ظن الغالط أنها كذلك مطلقًا‏.‏
وأيضاً، فلو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك، لم يجب أنتكون في حق الله ـ تعالى ـ مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا، يستلزم من النقص والحاجة، ما يجب تنزيه الله عنه‏.‏
وكذلك الوجود، والقيام بالنفس فينا، يستلزم احتياجًا إلى خالق يجعلنا موجودين، والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا، فنحن وصفاتنا وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير، والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو عنه، وهو ـ سبحانه ـ الغني له أمر ذاتي، لا يمكن أن يخلو عنه، فهو بنفسه حي قيوم واجب الوجود،ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء‏.‏
فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا، وما اتصفنا به من الكمال من العلم والقدرة وغير ذلك، هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان، لم يجب أن يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، ولا يقدر ولا يعلم؛ لكون ذلك ملازمًا للحاجة فينا‏.‏ فكذلك الرحمة وغيرها، إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف، لم يجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك‏.‏
وأيضًا، فنحن نعلم بالاضطرار‏:‏ أنا إذا فرضنا موجودين؛ أحدهما‏:‏ يرحم غيره، فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة، والآخر‏:‏ قد استوى عنده هذا وهذا، وليس عنده ما يقتضى جلب منفعة، ولا دفع مضرة، كان الأول أكمل‏.‏
فصــل
وأما قول القائل‏:‏ الغضب‏:‏ غليان دم القلب لطلب الانتقام، فليس بصحيح في حقنا‏.‏ بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده، فلا يكون هناك انتقام أصلاً‏.‏
وأيضًا، فغليان دم القلب يقارنه الغضب، ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب، كما أن الحياء يقارن حُمْرَة الوجه، والوَجَل ‏[‏أي‏:‏ الخوف‏.‏ انظر ‏:‏ القاموس مادة‏:‏ وجل‏]‏ يقارن صفرة الوجه؛ لا أنه هو‏.‏ وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم إلى خارج فكان منه الغضب، وإن استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل، فاصفر الوجه كما يصيب الحزين‏.‏
وأيضًا، فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا، لم يلزم أن يكون غضب الله ـ تعالى ـ مثل غضبنا، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلاً لنا‏:‏ لا لذاتنا، ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته‏.‏
ونحن نعلم بالاضطرار‏:‏ أنا إذا قدرنا موجودين؛ أحدهما‏:‏ عنده قوة يدفع بها الفساد، والآخر‏:‏ لا فرق عنده بين الصلاح والفساد، كان الذي عنده تلك القوة أكمل‏.‏
ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالدَّيُّوث، ويذم من لا حمية له يدفع بها الظلم عن المظلومين، ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش، وحَمِيَّة يدفع بها الظلم، ويعلم أن هذا أكمل من ذلك‏.‏
ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأكملية في ذلك، فقال في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظَهَر منها وما بَطَن‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏أتعجبون من غيرة سعد‏؟‏ أنا أغير منه، والله أغير مني‏)‏‏.‏
وقول القائل‏:‏ إن هذه انفعالات نفسانية‏.‏
فيقال‏:‏ كل ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها، لا يوجب أن يكون الله منفعلاً لها عاجزًا عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود؛ فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلا ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون، له الملك وله الحمد‏.‏
فصــل
وقول القائل‏:‏ إن الضحك خفة روح، ليس بصحيح، وإن كان ذلك قد يقارنه‏.‏
ثم قول القائل‏:‏ ‏[‏خفة الروح‏]‏‏:‏ إن أراد به وصفًا مذمومًا فهذا يكون لما لا ينبغي أن يضحك منه، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان؛ أحدهما‏:‏يضْحَك مما يُضْحَك منه،والآخر‏:‏ لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني‏.‏
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ينظر إليكم الرب قَنِطِين، فيظل يضحك، يعلم أن فَرَجَكُم قريب‏)‏، فقال له أبو رَزِين العُقَيْلِي‏:‏ يا رسول الله، أو يضحك الرب‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏ قال‏:‏ لن نعدم من رب يضحك خيرًا‏.‏ فجعل الأعرابي العاقل ـ بصحة فطرته ـ ضحكه دليلاً على إحسانه وإنعامه؛ فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العَبُوس الذي لا يضحك فط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب‏:‏ إنه ‏{‏يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏10‏]‏‏.‏
وقد روى‏:‏ أن الملائكة قالت لآدم‏:‏ ‏(‏حَيَّاك الله وبَيَّاك‏)‏ أي‏:‏ أضحكك‏.‏
والإنسان حيوان ناطق ضاحك، وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال، فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزمًا لشىء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختص لا عام، فليس حقيقة الضحك مطلقًا مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقرون بالنقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجدًا وألا تكون له ذات‏.‏
ومن هنا ضلت القرامطة الغلاة كصاحب الإقليد وأمثاله، فأرادوا أن ينفوا عنه كل ما يعلمه القلب، وينطق به اللسان، من نفي وإثبات، فقالوا‏:‏ لا نقول‏:‏ موجود ولا لا موجود، ولا موصوف ولا لا موصوف؛ لما في ذلك ـ على زعمهم ـ من التشبيه، وهذا يستلزم أن يكون ممتنعًا، وهو مقتضي التشبيه بالممتنع، والتشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شىء من خصائصها، وأن يكون مماثلاً لها في شىء من صفاته، كالحياة والعلم والقدرة، فإنه وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق، كالحدوث والموت، والفناء والإمكان‏.‏
فصــل
وأما قوله‏:‏ التعجب‏:‏ استعظام للمتعجب منه، فيقال نعم‏.‏ وقد يكون مقرونًا بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله ـ تعالى ـ بكل شىء عليم، فلا يجوز عليه ألا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له‏.‏ والله ـ تعالى ـ يعظم ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببه أو لعظمته‏.‏
فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏رّبٍَ بًعّرًشٌ بًعّظٌيمٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏62‏]‏، وقال‏:‏‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏87‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏66، 67‏]‏، وقال‏:‏‏{‏ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏16‏]‏، وقال‏:‏‏{‏ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏13‏]‏‏.‏
ولهذا قال تعالى‏:‏‏{‏ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏12‏]‏على قراءة الضم، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة‏.‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي آثر هو وامرأته ضيفهما‏:‏‏[‏لقد عجب الله‏]‏،وفي لفظ في الصحيح‏:‏ ‏(‏لقد ضحِكَ الله الليلة من صنْعِكُمَا البارحة‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن الرب ليعجب من عبده إذا قال‏:‏ رب اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏.‏ يقول‏:‏ علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا، وقال‏:‏ ‏(‏عجب ربك من شَابّ ليست له صَبْوَة‏)‏ ‏[‏قوله‏:‏ ـ ليست له صبوة ـ أي‏:‏ ميل إلى الهوى‏]‏ ،وقال‏:‏ ‏(‏عجب ربك من راعي غنم على رأس شَظِيَّة، يؤذن ويقيم، فيقول الله‏:‏ انظروا إلى عبدي‏)‏ ‏[‏قوله‏:‏ ـ شظية ـ أي ‏:‏ قطعة مرتفعة في رأس الجبل انظر‏]‏ أو كما قال‏.‏ ونحو ذلك‏.‏
فصــل
وأما قول القائل‏:‏ لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصًا‏.‏ وقول الآخر‏:‏ لو قدر وعَذَّب لكان ظلمًا، والظلم نقص‏.‏
فيقال‏:‏ أما المقالة الأولى فظاهرة، فإنه إذا قدر أنه يكون في ملكه ما لا يريده وما لا يقدر عليه، وما لا يخلقه ولا يحدثه، لكان نقصًا من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن انفراد شىء من الأشياء عنه بالأحداث نقص لو قدر أنه في غير ملكه فكيف في ملكه‏؟‏ فإنا نعلم أنا إذا فرضنا اثنين‏:‏ أحدهما‏:‏ يحتاج إليه كل شىء، ولا يحتاج إلى شىء، والآخر‏:‏ يحتاج إليه بعض الأشياء، ويستغنى عنه بعضها، كان الأول أكمل، فنفس خروج شىء عن قدرته وخلقه نقص، وهذه دلائل الوحدانية؛ فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين، وليس الكمال المطلق إلا في الوحدانية‏.‏
فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج إلى معين، ومن فعل الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض، ومن افتقر إليه كل شىء، فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء‏.‏
ومنها‏:‏ أن يقال‏:‏ كونه خالقًا لكل شىء وقادرًا على كل شىء، أكمل من كونه خالقًا للبعض وقادرًا على البعض‏.‏
والقدرية لا يجعلونه خالقًا لكل شىء، ولا قادرًا على كل شىء‏.‏
والمتفلسفة ـ القائلون‏:‏ بأنه علة غائبة ـ شر منهم، فإنهم لا يجعلونه خالقًا لشىء من حوادث العالم ـ لا لحركات الأفـلاك ولا غيرها مـن المتحركات ـ ولا خالقًا لما يحدث بسبب ذلك، ولا قادرًا على شىء من ذلك، ولا عالمًا بتفاصيل ذلك، والله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلمًا‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏، وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون أن الله على كل شىء قدير، ولا أن الله قد أحاط بكل شىء علما‏.‏
ومنها‏:‏ أنا إذا قدرنا مالكين؛ أحدهما‏:‏ يريد شيئًا فلا يكون ويكون مالا يريد، والآخر‏:‏ لا يريد شيئًا إلا كان ولا يكون إلا ما يريد، علمنا بالضرورة أن هذا أكمل‏.‏
وفي الجملة، قول المثبتة للقدرة يتضمن‏:‏ أنه خالق كل شىء، وربه ومليكه، وأنه على كل شىء قدير، وأنه ما شاء كان، فيقتضي كمال خلقه وقدرته ومشيئته، ونفاة القدر يسلبونه هذه الكمالات‏.‏
وأما قوله‏:‏ إن التعذيب على المقدر ظلم منه‏.‏ فهذه دعوى مجردة، ليس معهم فيها إلا قياس الرب على أنفسهم، ولا يقول عاقل‏:‏ إن كل ما كان نقصًا من أي موجود كان، لزم أن يكون نقصًا من الله، بل ولا يقبح هذا من الإنسان مطلقًا، بل إذا كان له مصلحة في تعذيب بعض الحيوان، وأن يفعل به ما فيه تعذيب له حسن ذلك منه؛ كالذي يصنع القَزَّ، فإنه هو الذي يسعى في أن دود القز ينسجه، ثم يسعى في أن يلقي في الشمس ليحصل له المقصود من القز، وهو هنا له سعي في حركة الدود التي كانت سبب تعذيبه‏.‏
وكذلك الذي يسعى في أن يتوالد له ماشية، وتبيض له دجاج، ثم يذبح ذلك لينتفع به، فقد تسبب في وجود ذلك الحيوان تسببًا أفضى إلى عذابه؛ لمصلحة له في ذلك‏.‏
ففي الجملة، الإنسان يحسن منه إيلام الحيوان لمصلحة راجحة في ذلك، فليس جنس هذا مذمومًا ولا قبيحًا ولا ظلمًا، وإن كان من ذلك ما هو ظلم‏.‏
وحينئذ، فالظلم من الله إما أن يقال‏:‏ هو ممتنع لذاته؛ لأن الظلم تصرف المتصرف في غير ملكه، والله له كل شىء، أو الظلم مخالفة الأمر الذي تجب طاعته، والله ـ تعالى ـ يمتنع منه التصرف في ملك غيره، أو مخالفة أمر من يجب عليه طاعته، فإذا كان الظلم ليس إلا هذا أو هذا، امتنع الظلم منه‏.‏
وإما أن يقال‏:‏ هو ممكن لكنه ـ سبحانه ـ لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه، إذ كان العدل والرحمة من لوازم ذاته، فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه على هذا القول، فالذي يفعله لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة تقتضي تنزيهه عنه‏.‏
وعلى هذا، فكل ما فعله علمنا أن له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة وإن لم نعرف التفصيل، وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا، وأما كنه ذاته فغير معلومة لنا، فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه‏.‏
وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها‏.‏
ونحن نعلم أن من علم حذق أهل الحساب، والطب، والنحو، ولم يكن متصفا بصفاتهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب، والطب والنحو، لم يمكنه أن يقدح فيما قالوا، لعدم علمه بتوجيهه‏.‏
والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب، والطب، والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفًا للقول بلا علم من العامي المحض، إذا قدح في الحساب، والطب، والنحو بغير علم بشىء من ذلك‏.‏
وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه في الكمال، وهو قولنا‏:‏ إن الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود يجب اتصافه به، وتنزيهه عما يناقضه، فيقال‏:‏ خلق بعض الحيوان وفعله الذي يكون سببًا لعذابه، هل هو نقص مطلقًا أم يختلف‏؟‏
وأيضًا، فإذا كانت في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك، فأيما أكمل تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها‏؟‏ وأيضًا، فهل يمكن حصول الحكمة المطلوبة بدون حصول هذا‏؟‏
فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان، علم أنه لا يمكنه أن يقول‏:‏ خلق فعل الحيوان الذي يكون سببًا لتعذيبه نقص مطلقًا‏.‏
والمثبتة للقدر قد تجيب بجواب آخر، لكن ينازعهم الجمهور فيه‏.‏ فيقولون‏:‏ كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال، بخلاف الذي يكون مأمورًا منهيًا، الذي يؤمر بشىء وينهى عن شىء‏.‏ ويقولون‏:‏ إنما قبح من غيره أن يفعل ما شاء لما يلحقه من الضرر، وهو ـ سبحانه ـ لا يجوز أن يلحقه ضرر‏.‏
والجمهور يقولون‏:‏ إذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه، ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره، كان الذي يفعل لحكمة ورحمة أكمل ممن يفعل لا لحكمة ولا لرحمة‏.‏
ويقولون‏:‏ إذا قدرنا مريدًا لا يميز بين مراده ومراد غيره، ومريدًا يميز بينهما، فيريد ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد، دون ما هو بالضد، كان هذا الثاني أكمل‏.‏
ويقولون‏:‏ المأمور المنهي الذي فوقه آمر ناهٍ هو ناقص بالنسبة إلى من ليس فوقه آمر ناه، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل، والمحرم عليها ما لا ينبغي أن يفعل، وآخر يفعل ما يريده بدون أمر ونهي من نفسه، فهذا الملتزم لأمره ونهيه ـ الواقعين على وجه الحكمة ـ أكمل من ذلك، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 54‏]‏، وقال‏:‏‏(‏يا عبادي إني حَرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحَرَّمًا فلا تظالموا‏)‏‏.‏
وقالوا أيضًا‏:‏ إذا قيل‏:‏ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته، وأنه لا مانع له، ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده، ولا أن يجعله مريدًا، كان هذا أكمل ممن له مانع يمنعه مراده، ومعين لا يكون مريدًا أو فاعلاً لما يريد إلا به‏.‏
وأما إذا قيل‏:‏ يفعل ما يريد باعتبار أنه لا يفعل على وجه مقتضى العلم والحكمة؛ بل هو متسفه فيما يفعله وآخر يفعل ما يريد لكنَّ إرادته مقرونة بالعلم والحكمة؛ كان هذا الثاني أكمل‏.‏
وجماع الأمر في ذلك‏:‏ أن كمال القدرة صفة كمال، وكون الإرادة نافذة لا تحتاج إلى معاون، ولا يعارضها مانع، وصف كمال‏.‏
وأما كون الإرادة لا تميز بين مراد ومراد، بل جميع الأجناس عندها سواء، فهذا ليس بوصف كمال، بل الإرادة المميزة بين مراد ومراد ـ كما يقتضيه العلم والحكمة ـ هي الموصوفة بالكمال، فمن نَقَصَه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره قدره، ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره، والكمال الذي يستحقه إثبات هذا وهذا‏.
فصــل
وأما منكرو النبوات، وقولهم‏:‏ ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولاً، كما أن أطراف الناس ليسوا أهلاً أن يرسل السلطان إليهم رسولاً، فهذا جهل واضح في حق المخلوق والخالق؛ فإن من أعظم ما تحمد به الملوك خطابهم بأنفسهم لضعفاء الرعية، فكيف بإرسال رسول إليهم‏.‏
وأما في حق الخالق، فهو ـ سبحانه ـ أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو قادر مع كمال رحمته، فإذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع أن يرسل إليهم رسولاً رحمة منه‏؟‏ كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏107‏]‏‏.‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما أنا رَحْمَةُ مُهْدَاةُ‏)‏؛ ولأن هذا من جملة إحسانه إلى الخلق بالتعليم والهداية، وبيان ما ينفعهم وما يضرهم، كما قال تعالى‏:‏‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 164‏]‏‏.‏ فبين ـ تعالى ـ أن هذا من مِنَنِه على عباده المؤمنين‏.‏
فإن كان المُنْكِر ينكر قدرته على ذلك، فهذا قدح في كمال قدرته، وإن كان ينكر إحسانه بذلك، فهذا قدح في كمال رحمته وإحسانه‏.‏
فعلم أن إرسال الرسول من أعظم الدلالة على كمال قدرته وإحسانه، والقدرة والإحسان من صفات الكمال لا النقص، وأما تعذيب المكذبين فذلك داخل في القَدَر، لما له فيه من الحكمة‏.‏
فصــل
وأما قول المشركين‏:‏ إن عظمته وجلاله يقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب، والتقرب بدون ذلك غَضٌّ ‏[‏أي‏:‏ وضعَ ونَقَص‏.‏ انظر‏:‏ مختار الصحاح، مادة‏:‏غضض‏]‏ من جَنابِه الرفيع، فهذا باطل من وجوه‏:‏
منها‏:‏ إن الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب، إما أن يكون قادرًا على سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب، وإما ألا يكون قادرًا، فإن لم يكن قادرًا كان هذا نقصًا، والله ـ تعالى ـ موصوف بالكمال، فوجب أن يكون متصفًا بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط، ويجيب دعاءهم، ويحسن إليهم بدون حاجة إلى حجاب، وإن كان الملك قادرًا على فعل أموره بدون الحجاب، وترك الحجاب إحسانًا ورحمة كان ذلك صفة كمال‏.‏
وأيضًا، فقول القائل‏:‏ إن هذا غَضٌّ منه، إنما يكون فيمن يمكن الخلق أن يضروه ويفتقر في نفعه إليهم، فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم، وأمنه أن يؤذوه، فليس تقربهم إليه غضًا منه، بل إذا كان اثنان‏:‏ أحدهما‏:‏ يقرب إليه الضعفاء إحسانًا إليهم ولا يخاف منهم، والآخر‏:‏ لا يفعل ذلك إما خوفًا وإما كبرًا وإما غير ذلك، كان الأول أكمل من الثاني‏.‏
وأيضًا، فإن هذا لا يقال إذا كان ذلك بأمر المطاع، بل إذا أذن للناس في التقرب منه، ودخول داره، لم يكن ذلك سوء أدب عليه ولا غضًا منه، فهذا إنكار علي من تعبده بغير ما شرع‏.‏
ولهذا قال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 45، 46‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏21‏]‏‏.‏
فَصْــل
وأما قول القائل‏:‏ إنه لو قيل لهم‏:‏ أيما أكمل‏:‏ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات من الذوق والشم واللمس‏؟‏ أم ذات لا توصف بها ‏؟‏ لقالوا‏:‏ الأول أكمل، ولم يصفوه بها‏.‏
فتقول مثبتة الصفات لهم‏:‏ في هذه الإدراكات ثلاثة أقوال معروفة‏:‏
أحدها‏:‏ إثبات هذه الإدراكات لله ـ تعالى ـ كما يوصف بالسمع والبصر‏.‏ وهذا قول القاضي أبي بكر وأبي المعالي، وأظنه قول الأشعري نفسه، بل هو قول المعتزلة البصريين الذين يصفونه بالإدراكات‏.‏
وهؤلاء وغيرهم يقولون‏:‏ تتعلق به الإدراكات الخمسة ـ أيضًا ـ كما تتعلق به الرؤية، وقد وافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى في ‏[‏المعتمد‏]‏ وغيره‏.‏
والقول الثاني‏:‏ قول من ينفي هذه الثلاثة، كما ينفي ذلك كثير من المثبتة ـ أيضًا ـ من الصفاتية وغيرهم‏.‏ وهذا قول طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، وكثير من أصحاب الأشعري وغيره‏.‏
والقول الثالث‏:‏ إثبات إدراك اللمس دون إدراك الذوق، لأن الذوق إنما يكون للمطعوم، فلا يتصف به إلا من يأكل، ولا يوصف به إلا ما يؤكل، والله ـ سبحانه ـ منزه عن الأكل بخلاف اللمس، فإنه بمنزلة الرؤية، وأكثر أهل الحديث يصفونه باللمس، وكذلك كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا يصفونه بالذوق‏.‏
وذلك أن نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة‏:‏ إذا قلتم‏:‏ إنه يرى، فقولوا‏:‏ إنه يتعلق به سائر أنواع الحس‏.‏ وإذا قلتم‏:‏ إنه سميع بصير، فصفوه بالإدراكات الخمسة‏.‏
فقال أهل الإثبات قاطبة‏:‏ نحن نصفه بأنه يرى، وأنه يسمع كلامه، كما جاءت بذلك النصوص، وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى‏.‏
وقال جمهور أهل الحديث والسنة‏:‏ نصفه ـ أيضًا ـ بإدراك اللمس؛ لأن ذلك كمال لا نقص فيه‏.‏ وقد دلت عليه النصوص بخلاف إدراك الذوق، فإنه مستلزم للأكل وذلك مستلزم للنقص، كما تقدم‏.‏
وطائفة من نظار المثبتة وصفوة بالأوصاف الخمس من الجانبين‏.‏
ومنهم من قال‏:‏ إنه يمكن أن تتعلق به هذه الأنواع، كما تتعلق به الرؤية؛ لاعتقادهم أن مصحح الرؤية الوجود، ولم يقولوا‏:‏ إنه متصف بها‏.‏
وأكثر مثبتي الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية، بل قالوا‏:‏ إن المقتضى أمور وجودية، لا أن كل موجود يصح رؤيته، وبين الأمرين فرق؛ فإن الثاني يستلزم رؤية كل موجود، بخلاف الأول، وإذا كان المصحح للرؤية هي أمور وجودية لا يشترط فيها أمور عدمية، فما كان أحق بالوجود وأبعد عن العدم، كان أحق بأن تجوز رؤيته، ومنهم من نفى ما سوى السمع والبصر من الجانبين‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 اسباب انحراف الاطفال
0 الجمعة , يوم الجمعة , 60 مسألة في يوم الجمعة
0 خربشات مستغرب
0 من اجل صيف مميز
0 ليلة القدر _ كيفية كسب ليلة القدر


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 05:42 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وأما قول القائل‏:‏ الكمال والنقص من الأمور النسبية، فقد بينا أن الذي يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلاً، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص، فيكون كمالاً من وجه دون وجه، كالأكل للجائع كمال له، وللشبعان نقص فيه، لأنه ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص‏.‏
والتعالى والتكبر والثناء على النفس، وأمر الناس بعبادته ودعائه، والرغبة إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية، هذا كمال محمود من الرب ـ تبارك وتعالى ـ وهو نقص مذموم من المخلوق‏.‏
وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية،كقوله‏:‏‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏14‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{‏ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏60‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏284‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏42‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏51‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 2، 3‏]‏، وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه، وهو في ذلك صادق في إخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال، هو ـ أيضًا ـ من كماله، فإن بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو ـ أيضًا ـ من كماله‏.‏ وأما غيره فلو أخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذبًا مفتريًا، والكذب من أعظم العيوب والنقائص‏.‏
وأما إذا أخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه، فهذا لا يذم مطلقًا، بل قد يحمد منه إذا كان في ذلك مصلحة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فَخْر‏)‏‏.‏ وأما إذا كان فيه مفسدة راجحة أو مساوية، فيذم لفعله ما هو مفسدة، لا لكذبه، والرب ـ تعالى ـ لا يفعل ما هو مذموم عليه، بل له الحمد على كل حال، فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود‏.‏
وأما على قول من يقول‏:‏ الظلم منه ممتنع لذاته فظاهر، وأما على قول الجمهور من أهل السنة والقدرية، فإنه إنما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل، فأخباره كلها وأقواله وأفعاله كلها حسنة محمودة، واقعة على وجه الكمال الذي يستحق عليه الحمد، وله من الأمور التي يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من خصائصه ـ تبارك وتعالى‏.‏
فالكبرياء والعظمة له بمنزلة كونه حيًا قيومًا قديمًا واجبًا بنفسه، وأنه بكل شىء عليم وعلى كل شىء قدير، وأنه العزيز الذي لا ينال، وأنه قهار لكل ما سواه‏.‏
فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو، فما لا يستحقه إلا هو كيف يكون كمالاً من غيره وهو معدوم لغيره‏؟‏ فمن ادعاه كان مفتريًا منازعًا للربوبية في خواصها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ العَظَمَةُ إزاري، والكبرياء رِدَائي، فمن نازعني واحدًا منهما عَذَّبْتُهُ‏)‏‏.‏
وجملة ذلك‏:‏ أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، فادعاؤه منازعة للربوبية، وفِرْيَةٌ على الله‏.‏
ومعلوم أن النبوة كمال للنبي، وإذا ادعاها المفترون ـ كمُسَيْلَمَةَ وأمثاله ـ كان ذلك نقصًا منهم؛ لا لأن النبوة نقص، ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص، وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفًا بذلك، كان مذمومًا ممقوتًا، وهذا يقتضي أن الرب ـ تعالى ـ متصف بكمال لا يصلح للمخلوق، وهذا لا ينافى أن ما كان كمالاً للموجود من حيث هو موجود، فالخالق أحق به، ولكن يفيد أن الكمال الذي يوصف به المخلوق بما هو منه إذا وصف الخالق بما هو منه، فالذي للخالق لا يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه‏.‏
وهذا حق، فالرب ـ تعالى ـ مستحق للكمال مختص به على وجه لا يمثاله فيه شىء، فليس له سَمِيٌّ ولا كُفْؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شىء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق، فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق، عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها‏.‏
وملخص ذلك‏:‏ أن المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه ـ أحيانًا ـ ونحو ذلك‏.‏
وأما قول السائل‏:‏ فإن قلتم‏:‏ نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها، هل هي كمال أم نقص‏؟‏ وكذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما، لأنها قد تكون كمالاً لذات نقصًا لأخرى على ما ذكر‏.‏
فيقال‏:‏ بل نحن نقول‏:‏ الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود هو كمال مطلق لكل ما يتصف به‏.‏
وأيضًا، فالكمال الذي هو كمال للموجود ـ من حيث هو موجود ـ يمتنع أن يكون نقصًا في بعض الصور؛ لأن ما كان نقصًا في بعض الصور تامًا في بعض، هو كمال لنوع من الموجودات دون نوع، فلا يكون كمالاً للموجود من حيث هو موجود‏.‏
ومن الطرق التي بها يعرف ذلك‏:‏ أن نقدر موجودين‏:‏ أحدهما متصف بهذا، والآخر بنقيضه، فإنه يظهر من ذلك أيهما أكمل، وإذا قيل‏:‏ هذا أكمل من وجه، وهذا أنقص من وجه، لم يكن كمالاً مطلقًا‏.‏
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، و صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم‏.‏
وقال‏:‏
فصـــل
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 180‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 110‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏8‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏24‏]‏ والحسنى‏:‏ المفضلة على الحسنة، والواحد الأحاسن‏.‏
ثم هنا ثلاثة أقوال‏:‏ إما أن يقال‏:‏ ليس له من الأسماء إلا الأحسن ولا يدعى إلا به، وإما أن يقال‏:‏ لا يدعى إلا بالحسنى، وإن سمى بما يجوز ـ وإن لم يكن من الحسنى ـ وهذان قولان معروفان‏.‏
وإما أن يقال‏:‏ بل يجوز في الدعاء، والخبر، وذلك أن قوله‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏‏:‏ أثبت له الأسماء الحسنى، وأمر بالدعاء بها‏.‏ فظاهر هذا‏:‏ أن له جميع الأسماء الحسنى‏.‏
وقد يقال‏:‏ جنس الأسماء الحسنى، بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعله الكفار، وأمر بالدعاء بها، وأمر بدعائه مسمى بها، خلاف ما كان عليه المشركون من النهي عن دعائه باسمه ‏[‏الرحمن‏]‏‏.‏ فقد يقال‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏‏:‏أمر أن يدعى بالأسماء الحسنى،وألاَّ يدعى بغيرها، كما قال‏:‏ ‏{‏ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏5‏]‏، فهو نهي أن يدعوا لغير آبائهم‏.‏
ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه، مثل اسم شىء، وذات، وموجود، إذا أريد به الثابت، وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد فهو من الأسماء الحسنى، وكذلك المريد والمتكلم، فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى، بخلاف الحكيم، والرحيم والصادق، ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محمودًا‏.‏
وهكذا كما في حق الرسول، حيث قال‏:‏ ‏{‏لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏63‏]‏، فأمرهم أن يقولوا‏:‏ يا رسول الله، يا نبي الله، كما خاطبه الله بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏1‏]‏، ‏{‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏67‏]‏، لا يقول‏:‏ يا محمد، يا أحمد، يا أبا القاسم، وإن كانوا يقولون في الأخبار ـ كالأذان ونحوه ـ‏:‏ أشهد أن محمدًا رسول الله،كما قال تعالى‏:‏‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏29‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏6‏]‏، وقال‏:‏‏{‏مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏40‏]‏‏.‏
فهو ـ سبحانه ـ لم يخاطب محمدًا إلا بنعت التشريف، كالرسول، والنبي، والمزمل، والمدثر، وخاطب سائر الأنبياء بأسمائهم مع أنه في مقام الإخبار عنه، قد يذكر اسمه‏.‏ فقد فرق ـ سبحانه ـ بين حالتي الخطاب في حق الرسول، وأمرنا بالتفريق بينهما في حقه، وكذلك هو المعتاد في عقول الناس إذا خاطبوا الأكابر من الأمراء، والعلماء، والمشائخ، والرؤساء لم يخاطبوهم، ويدعوهم، إلا باسم حسن، وإن كان في حال الخبر عن أحدهم، يقال‏:‏هو إنسان، وحيوان ناطق وجسم، ومحدث ومخلوق، ومربوب ومصنوع، وابن أنثى، ويأكل الطعام ويشرب الشراب‏.‏
لكن كل ما يذكر من أسمائه وصفاته في حال الإخبار عنه، يدعى به في حال مناجاته، ومخاطبته، وإن كانت أسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه، وحدوثه، وأسماء الله ليس فيها ما يدل على نقص ولا حدوث، بل فيها الأحسن الذي يدل على الكمال، وهي التي يدعى بها، وإن كان إذا أخبر عنه يخبر باسم حسن أو باسم لا ينفي الحسن، و لا يحب أن يكون حسنًا‏.‏
وأما في الأسماء المأثورة، فما من اسم إلا وهو يدل على معنى حسن، فينبغي تدبر هذا للدعاء وللخبر المأثور، وغير المأثور الذي قيل لضرورة حدوث المخالفين ـ للتفريق بين الدعاء والخبر، وبين المأثور الذي يقال ـ أو تعريفهم لما لم يكونوا به عارفين، وحينئذ فليس كل اسم ذكر في مقام يذكر في مقام بل يجب التفريق‏.‏
وقال‏:‏
فَصْـــل
في القاعدة العظيمة الجليلة في مسائل الصفات، والأفعال، من حيث قدمها ووجوبها، أو جوازها ومشتقاتها، أو وجوب النوع مطلقًا، وجواز الآحاد معينًا‏.‏
فنقول‏:‏ المضافات إلى الله ـ سبحانه ـ في الكتاب والسنة، سواء كانت إضافة اسم إلى اسم، أو نسبة فعل إلى اسم، أو خبر باسم عن اسم، لا تخلو من ثلاثة أقسام‏:‏
أحدها‏:‏ إضافة الصفة إلى الموصوف، كقوله تعالى‏:‏‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏58‏]‏‏.‏
وفي حديث الاستخارة‏:‏‏(‏ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك‏)‏، وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق‏)‏، فهذا في الإضافة الاسمية‏.‏
وأما بصيغة الفعل، فكقوله‏:‏ ‏{‏عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏187‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏‏.‏
وأما الخبر الذي هو جملة اسمية، فمثل قوله‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏282‏]‏، ‏{‏إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏148‏]‏‏.‏
وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات‏:‏ إما جملة، أو مفرد‏.‏ فالجملة إما اسمية كقوله‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم‏}‏، أو فعلية كقوله‏:‏‏{‏عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ‏}‏، أما المفرد فلابد فيه من إضافة الصفة لفظًا أو معنى كقوله‏:‏‏{‏بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏15‏]‏‏.‏
أو إضافة الموصوف كقوله‏:‏ ‏{‏ذُو الْقُوَّةِ‏}‏‏.‏
والقسم الثاني‏:‏ إضافة المخلوقات كقوله‏:‏‏{‏نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏13‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 26‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏رَّسُولُ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏29‏]‏ و‏{‏عِبَادَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏40‏]‏،وقوله‏:‏ ‏{‏ذُو الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏15‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ‏}‏‏.‏
فهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق، كما أن القسم الأول لم يختلف أهل السنة والجماعة في أنه قديم وغير مخلوق‏.‏
وقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات، لا في أحكامها، وخالفهم بعضهم في قدم العلم، وأثبت بعضهم حدوثه، وليس الغرض هنا تفصيل ذلك‏.‏
الثالث ـ وهو محل الكلام هنا‏:‏ ما فيه معنى الصفة والفعل، مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏164‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏82‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏109‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏15‏]‏، ‏{‏وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏75‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏1‏]‏، ‏{‏فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏107، البروج‏:‏16‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏‏{‏فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏90‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏93‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏55‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏28‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏8‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏‏{‏وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا‏}‏‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏،‏{‏وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏118‏]‏، ‏{‏وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏286‏]‏‏.‏
وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ‏}‏‏[‏التغابن‏:‏3‏]‏، ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏75‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏4‏]‏، ‏{‏وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏22‏]‏، ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏210‏]‏، ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏158‏]‏‏.‏
وفي الأحاديث شىء كثير، كقوله في حديث الشفاعة‏:‏ ‏(‏إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏ينزل ربنا إلى سماء الدنيا‏)‏، الحديث‏.‏ وأشباه هذا، وهو باب واسع‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏[‏بياض بالأصل‏]‏ فالناس فيه على قولين‏:‏
أحدهما‏:‏ وهو قول المعتزلة، والكُلابيّة، والأشعرية، وكثير من الحنبلية، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية، وغيرهم‏:‏ أن هذا القسم لابد أن يلحق بأحد القسمين قبله، فيكون إما قديمًا قائمًا به عند من يجوز ذلك، وهم الكلابية، وإما مخلوقًا منفصلاً عنه، ويمتنع أن يقوم به نعت أو حال أو فعل، أو شىء ليس بقديم‏.‏ ويسمون هذه المسألة‏:‏ مسألة حلول الحوادث بذاته‏.‏
ويقولون‏:‏ يمتنع أن تحل الحوادث بذاته، كما يسميها قوم آخرون‏:‏ فعل الذات بالذات، أو في الذات، ورأوا أن تجويز ذلك يستلزم حدوثه؛ لأن الدليل الذي دلهم على حدوث الأجسام قيام الحوادث بها، فلو قامت به لزم أحد الأمرين‏:‏ إما حدوثه، أو بطلان العلم بحدوث العالم‏.‏
ومن خالفهم في ذلك قال‏:‏ دليل حدوث العالم امتناع خلوه عن الحوادث، وكونه لا يسبقها، وأما إذا جاز أن يسبقها لم يكن في قيامها به ما يدل على الحدوث‏.‏
ويقول آخرون‏:‏ إنه ليس هذا هو الدليل على حدوث العالم، بل هو ضعيف‏.‏ ولهم مآخذ أخر‏.‏
ثم هم فريقان‏:‏
أحدهما‏:‏ من يرى امتناع قيام الصفات به ـ أيضًا ـ لاعتقاده أن الصفات أعراض، وأن قيام العَرَض به يقتضي حدوثه ـ أيضًا ـ وهؤلاء نفاة الصفات من المعتزلة،فقالوا حينئذ‏:‏ إن القرآن مخلوق، وأنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حُبٌّ، ولا بُغْضٌ، ونحو ذلك‏.‏
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف، من غير قيام معنى به‏.‏
والثاني‏:‏ مذهب الصفاتية أهل السنة وغيرهم، الذين يرون قيام الصفات به، فيقولون‏:‏ له مشيئة قديمة،وكلام قديم،واختلفوا في حبه وبغضه، ورحمته وأسفه، ورضاه، وسخطه ونحو ذلك، هل هو بمعنى المشيئة، أو صفات أخرى غير المشيئة‏؟‏ على قولين‏.‏ وهذا الاختلاف عند الحنبلية والأشعرية وغيرهم‏.‏ ويقولون‏:‏ إن الخلق ليس هو شيئًا غير المخلوق، وغير الصفات القديمة، من المشيئة والكلام‏.‏
ثم يقولون للمتكلمين في الخلق، هل هو المخلوق‏؟‏ أربعة أقوال‏:‏
أحدها‏:‏ أن الخلق هو المخلوق‏.‏
والثاني‏:‏ أنه قائم بالمخلوق‏.‏
والثالث‏:‏ أنه معنى قائم بنفسه‏.‏
والرابع‏:‏ أنه قائم بالخالق‏.‏
قال القاضي أبو يعلى الصغير‏:‏ من أصحابنا من قال‏:‏ الخلق هو المخلوق، ومنهم من قال‏:‏ الخلق غير المخلوق، فالخلق صفة قائمة بذاته، والمخلوق الموجود المخترع‏.‏ وهذا بناء على أصلنا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة‏.‏ قال‏:‏ وهذا هو الصحيح‏.‏
ويقولون في الاستواء والنزول، والمجىء وغير ذلك من أنواع الأفعال، التي هي أنواع جنس الحركة‏:‏ أحد قولين‏:‏
إما أن يجعلوها من باب النسب والإضافات المحضة؛ بمعنى أن الله خلق العرش بصفة التحت، فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك، وأن التكليم إسماع المخاطب فقط‏.‏
وهذا قول أهل السنة من أهل هذا القول، من الحنبلية ومن وافقهم فيه، أو في بعضه من الأشعرية وغيرهم‏.‏
أو يقول‏:‏ إن هذه أفعال محضة في المخلوقات من غير إضافة، ولا نسبة، فهذا اختلاف بينهم، هل تثبت لله هذه النسب والإضافات ‏؟‏‏!‏ مع اتفاق الناس على أنه لابد من حدوث نسب وإضافات لله ـ تعالى ـ كالمعية ونحوها، ويسمى ابن عقيل هذه النسب‏:‏ الأحوال لله، وليست هي الأحوال التي تنازع فيها المتكلمون مثل العالمية، والقادرية، بل هذه النسب والإضافات يسميها الأحوال‏.‏
ويقول‏:‏ إن حدوث هذه الأحوال،ليس هو حدوث الصفات، فإن هذه الأحوال نسب بين الله و بين الخلق، فإن ذلك لا يوجب ثبوت معنى قائم بالمنسوب إليه، كما أن الإنسان يصعد إلى السطح فيصير فوقه، ثم يجلس عليه فيصير تحته، والسطح متصف تارة بالفوقية والعلو، وتارة بالتحتية والسفول، من غير قيام صفة فيه ولا تغير‏.‏
وكذلك إذا ولد للإنسان مولود، فيصير أخوه عما، وأبوه جدًا وابنه أخا، وأخو زوجته خالاً، وتنسب لهم هذه النسب والإضافات من غير تغير فيهم‏.‏
والقول الثاني ـ وهو قول الكرامية، وكثير من الحنبلية، وأكثر أهل الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين، وأكثر كلام السلف ومن حكى مذهبهم حتى الأشعري، يدل على هذا القول ـ إن هذه الصفات الفعلية ونحوها، المضافة إلى الله ‏(‏قسم ثالث‏)‏ ليست من المخلوقات المنفصلة عنه، وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة، التي لا تتعلق بها مشيئته، لا بأنواعها ولا بأعيانها‏.‏
وقد يقول هؤلاء‏:‏ إنه يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلما، بمعنى أنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، وكلامه منه ليس مخلوقًا‏.‏
وكذلك يقولون‏:‏ وإن كان له مشيئة قديمة فهو يريد إذا شاء، ويغضب ويمقت‏.‏
ويقر هؤلاء أو أكثرهم ما جاء من النصوص على ظاهره مثل قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏ أنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستويا عليه، وأنه يدنو إلى عباده ويقرب منهم، وينزل إلى سماء الدنيا ويجىء يوم القيامة، بعد أن لم يكن جائيًا‏.‏
ثم من هؤلاء من قد يقول‏:‏تحل الحوادث بذاته، ومنهم من لا يطلق هذا اللفظ‏:‏ إما لعدم ورود الأثر به، وإما لإيهام معنى فاسد، من أن ذلك كحلول الأعراض بالمخلوقات، كما يمتنع جمهور المتكلمين من تسمية صفاته أعراضا، وإن كانت صفات قائمة بالموصوف كالأعراض‏.‏
وزعم ابن الخطيب أن أكثر الطوائف والعقلاء، يقرّون بهذا القول في الحقيقة، وإن أنكروه بألسنتهم؛ حتى الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية‏.‏
أما الفلاسفة، فإن عندهم أن الإضافات موجودة في الأعيان، والله موجود مع كل حادث‏.‏ و‏[‏المعية‏]‏ صفة حادثة في ذاته، وقد صرح أبو البركات البغدادي صاحب ‏[‏المعتبر‏]‏ بحدوث علوم، وإرادات جزئية في ذاته المعينة‏.‏ وقال‏:‏ إنه لا يتصور الاعتراف بكونه إلها لهذا العالم إلا مع القول بذلك‏.‏ ثم قال‏:‏ الإجلال من هذا الإجلال واجب، والتنزيه من هذا التنزيه لازم‏.‏
وأما المعتزلة، فإن البصريين ـ كأبي علي وأبي هاشم ـ يقولون بحدوث المرئي والمسموع، وبه تحدث صفة السمعية والبصرية لله، وأبو الحسين البصري يقول بتجدد علوم في ذاته بتجدد المعلومات، والأشعرية أيضًا يقولون بأن المعدومات لم تكن مسموعة ولا مرئية، ثم صارت مسموعة مرئية بعد وجودها، وليس السمع والبصر عندهم مجرد نسبة، بل هو صفة قائمة بذات السميع البصير، وقد يلزمون بقولهم‏:‏بأن النسخ هو رفع الحكم أو انتهاؤه‏.‏ وقولهم‏:‏ علمه بالجزئيات، وكذلك بانقطاع تعلق القدرة والإرادة منه‏.‏
والتحقيق‏:‏ أن التصريح بالخلاف في هذا الأصل موجود في عامة الطوائف، ليس مخصوصًا بأهل الحديث‏.‏
ثم النفاة، قد يقال‏:‏ إن هذا القول يلزمهم إذا أثبتوا لله نعوتًا غير قديمة، فيصير هذا الأصل متفقًا عليه، وهم قد يعتذرون عن تلك اللوازم، تارة بأعذار صحيحة، فلا يكون لازمًا لهم، وتارة بأعذار غير صحيحة فيكون لازمًا لهم، وهذا لا ريب فيه‏.‏
وأما نصوص الكتاب والسنة، فلا ريب أن ظاهرها موافق لهذا القول، لكن الأولون قد يتأولونها أو يفوضونها، وأما هؤلاء فيقولون‏:‏ إن فيها نصوصًا لا تقبل التأويل، وأن ما قبل التأويل قد انضم إليه من القرائن والضمائم‏.‏ ما يعلم قطعًا أن الله ورسوله أراد ذلك، أو أن هذا مفهوم‏.‏
ويقولون‏:‏ ليس للنفاة دليل معتمد وإنما معهم التقليد لأسلافهم بالشناعة والتهويل على المخاطبين، الذين لم يعرفوا دقيق الكلام، وأن هذا مذهب عامة أهل الملل وخواص عباد الله، وإنما خالف ذلك أهل البدع في الملل، والأولون قد يقولون‏:‏ هذا خلاف الإجماع وهذا كفر، وهذا يستلزم التغير والحدوث، وقد رأيت للناس في هذا الأصل عجائب‏.‏
وقال الإمام أحمد ـ في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية والزنادقة ـ‏:‏ وكذلك الله تكلم كيف شاء، من غير أن نقول‏:‏ جوف ولا فم ولا شفتان‏.‏
وقال بعد ذلك‏:‏ بل نقول‏:‏ إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول‏:‏ إنه كان ولا يتكلم حتى خَلَق‏.‏ وكلامه فيه طول‏.‏
قال‏:‏
باب ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى
فقلنا‏:‏ لم أنكرتم ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئًا فعبر عن الله، وخلق صوتًا فأسمعه، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين‏.‏
فقلنا‏:‏ هل يجوز أن يكون لمكون غير الله أن يقول‏:‏ يا موسى ‏{‏إِنِّي أَنَا رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏12‏]‏ أو يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏14‏]‏، فمن زعم أن ذلك غير الله فقد ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئًا كأن يقول ذلك المكون‏:‏ يا موسى، إن الله رب العالمين ولا يجوز أن يقول‏:‏ إني أنا الله رب العالمين ‏.‏
وقد قال الله جل ثناؤه‏:‏‏{‏وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏164‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏143‏]‏، وقال‏:‏‏{‏قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏144‏]‏ فهذا منصوص القرآن‏.‏
وأما ما قالوا‏:‏ إن الله لم يتكلم ولا يكلم، فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خَيْثمَةَ، عن عَدِيِّ بن حاتم الطائي، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد إلا سيُكَلِّمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان‏)‏‏.‏ وأما قولهم‏:‏ إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم، وشفتين ولسان، فنقول‏:‏ أليس الله قال للسموات والأرض‏:‏ ‏{‏اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏ أتراها أنها قالت‏:‏ بجوف وفم وشفتين ولسان‏؟‏
وقال‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏79‏]‏ أتراها أنها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين‏؟‏ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله تكلم كيف شاء، من غير أن نقول‏:‏ جوف ولا فم، ولا شفتان ولا لسان‏.‏
فلما خنقته الحجج قال‏:‏ إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره، فقلنا‏:‏ وغيره مخلوق‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلنا‏:‏ هذا مثل قولكم الأول، إلا إنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة، وحديث الزهري قال‏:‏ لما سمع موسى كلام ربه قال‏:‏ ‏(‏يارب، هذا الذي سمعته هو كلامك‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت‏)‏‏.‏
قال‏:‏ فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له‏:‏ صف لنا كلام ربك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏سبحان الله‏!‏ وهل أستطيع أن أصفه لكم‏؟‏‏!‏‏)‏ قالوا‏:‏ فشبهه‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله‏)‏‏.‏
وقلنا للجهمية‏:‏ من القائل يوم القيامة‏:‏ ‏{‏يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏116‏]‏، أليس الله هو القائل‏؟‏ قالوا‏:‏ يُكَوِّنُ الله شيئًا فيعبر عن الله، كما كونه فعبر لموسى‏.‏
قلنا‏:‏ فمن القائل‏:‏‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏6، 7‏]‏ أليس الله هو الذي يسأل ‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا كله إنما يكون شيئًا فيعبر عن الله‏.‏
فقلنا‏:‏ قد أعظمتم على الله الفرية، حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك، ولا تزول من مكان إلى مكان‏.‏
فلما ظهرت عليه الحجة قال‏:‏ إن الله قد يتكلم، لكن كلامه مخلوق‏.‏ قلنا‏:‏ قد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم؛ وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة علوًا كبيرًا‏.‏
بل نقول‏:‏ إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول‏:‏ إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلامًا، ولا نقول‏:‏ إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا، ولا نقول‏:‏ إنه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول‏:‏ إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا، ولا نقول‏:‏ إنه قد كان ولاعظمة حتى خلق لنفسه عظمة، وذكر كلامًا طويلا في تقرير الصفات وأنها لا تنافى التوحيد‏.‏
ومما يشبه هذا أن الصفات التي هي من جنس الحركة، كالإتيان والمجىء والنزول، هل تتأول بمعنى مجىء قدرته وأمره ‏؟‏ على روايتين‏:‏
إحداهما‏:‏ هي بمعنى مجىء قدرته، وهي رواية حنبل في المحنة‏.‏
والثانية‏:‏ تُمَرُّ كسائر الصفات، وهي ظاهر المذهب المشهور عند أصحابنا‏.‏
ثم منهم من غلَّط حنبل، ومنهم من قال‏:‏ قاله أحمد إلزامًا لهم، ومنهم من جعله رواية خاصة كابن الزاغوني، وعمم ابن عقيل ذلك في سائر الصفات‏.‏
وهذا الأصل يتفرع في أكثر مسائل الصفات، لا سيما مسألة الكلام والإرادة، والصفات المتعلقة بالمشيئة، كالنزول والاستواء، وهو كان سبب وقوع النزاع بين إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، وبين طائفة من فضلاء أصحابه‏.
فصــل
قال القاضي‏:‏ قال أحمد في رواية حنبل‏:‏ لم يزل الله متكلمًا عالمًا غفورًا‏.‏ وقال في رواية عبد الله‏:‏ لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ووجدتها في المحنة رواية حنبل لما سأله عبد الرحمن بن إسحاق قاضي المعتصم فلامه، فقال‏:‏ ما تقول في القرآن‏؟‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ ما تقول في العلم ‏؟‏ فسكت ‏.‏ فقلت لعبد الرحمن‏:‏ القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله، قال‏:‏ فسألت عبد الرحمن فلم يرد على شيئًا، وقال لي عبد الرحمن‏:‏ كان الله ولا قرآن، فقلت‏:‏ كان الله ولا علم‏؟‏ فأمسك ‏.‏ ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله‏.‏
ثم قال أبو عبد الله‏:‏ لم يزل الله عالمًا متكلمًا، يعبد الله بصفاته غير محدودة، ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه، ونرد القرآن إلى عالمه إلى الله فهو أعلم به، منه بدأ وإليه يعود‏.‏
وقال في موضع آخر‏:‏ سمعت أبا عبد الله يقول‏:‏ لم يزل الله متكلمًا، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشىء أكثر مما وصف به نفسه‏.‏
وقال أبو بكر عبد العزيز ـ في الجزء الأول من ‏[‏كتاب السنة، في المقنع‏]‏ ـ لما سألوه إنكم إذا قلتم‏:‏ لم يزل متكلمًا كان ذلك عبثًا، فقال‏:‏ لأصحابنا قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ لم يزل متكلمًا كالعلم؛ لأن ضد الكلام الخرس، كما أن ضد العلم الجهل‏.‏
قال‏:‏ ومن أصحابنا من قال‏:‏ قد أثبت لنفسه أنه خالق، ولم يجز أن يكون خالقًا في كل حال بل قلنا‏:‏ إنه خلق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقا في كل حال، ولم يبطل أن يكون خالقًا، كذلك وإن لم يكن متكلمًا في كل حال لم يبطل أن يكون متكلمًا، بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا متكلمًا في كل حال‏.‏
قال القاضي أبو يعلى، في كتاب ‏[‏إيضاح البيان في مسألة القرآن‏]‏ لما أورد عليه هذا السؤال فقال‏:‏ نقول‏:‏ إنه لم يزل متكلمًا، وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر، ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل، وساق الكلام إلى أن ذكر عن أبي بكر ما حكاه في ‏[‏المقنع‏]‏ ثم قال‏:‏ لعل هذا القائل من أصحابنا يذهب إلى قول أحمد بن حنبل في رواية عبد الله‏:‏ لم يزل متكلمًا إذا شاء‏.‏
قال‏:‏ والقائل بهذا قائل بحدوث القرآن، وقد تأولنا كلام أحمد‏:‏ ‏[‏يتكلم إذا شاء‏]‏ في أول المسألة، ولا يشبه هذا وصفه بالخلق والرزق، لأن تلك الصفات يجب أن تقدر فيها ذلك؛ وذلك لأننا لو قدرنا وجود الفعل فيما لم يزل أفضى إلى قدم العالم، فأما الكلام فهو كالعلم‏.‏
وقال القاضي في أول المسألة‏:‏ قول أحمد‏:‏ ‏[‏لم يزل غفورًا‏]‏ بيان أن جميع الصفات قديمة، سواء كانت مشتقة من فعل كالغفران، والخلق والرزق، أو لم تكن مشتقة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏لم يزل متكلمًا إذا شاء‏)‏ معناه‏:‏ إذا شاء أن يسمعه‏.‏
قلت‏:‏ وطريقة القاضي هذه هي طريقة أصحابه وأصحابهم، وغيرهم‏:‏ كابن عقيل وابن الزاغوني‏.‏
وأما أكثر أهل الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، وكثير من أهل الكلام ـ أيضًا ـ فيخالفونه في ذلك، ويقولون في الفعل أحد قولين‏:‏
أحدهما ـ وهو القول الآخر للقاضي، الذي هو الصحيح عند أصحابنا ـ‏:‏ إما أن الفعل قديم والمفعول مخلوق، كما نسلم ذلك لهم في الإرادة، والقول المكون‏:‏ أي الإرادة قديمة، والمراد مُحدَث، وكما أن المنازع يقول‏:‏ التكوين قديم فالمكون مخلوق‏.‏
والثاني‏:‏ أن الفعل نفسه عندهم ـ كالقول كلاهما ـ غير مخلوق، مع أنه يكون في حال دون حال؛ إذ هو قائم بالله، والمخلوق لا يكون إلا منفصلا عن الله‏.‏
ويقولون‏:‏ إن قول أحمد موافق لما قلناه؛ لأنه قال‏:‏ لم يزل متكلمًا إذا شاء ولم يقل‏:‏ لم يزل مكلمًا إذا شاء، والمتعلق بالمشيئة ـ عند من يقول‏:‏ إنه قديم واجب ـ إنما هو التكليم الذي هو فعل جائز لا التكلم‏.‏
فبين ذلك أن أحمد ـ رضي الله عنه ـ قال في الموضع الآخر‏:‏ لم يزل الله متكلمًا عالمًا غفورًا‏.‏ فذكر الصفات الثلاث‏:‏ الصفة التي هي قديمة واجبة وهي العلم، والتي هي جائزة متعلقة بالمشيئة وهي المغفرة ‏.‏ فهذان متفق عليهما‏.‏
وذكر ـ أيضًا ـ التكلم، وهو القسم الثالث، الذي فيه نزاع، وهو يشبه العلم من حيث هو وصف قائم به، لا يتعلق بالمخلوق، ويشبه المغفرة من حيث هو متعلق بمشيئته، كما فسره في الموضع الآخر‏.‏
فعلم أن قدمه عنده‏:‏ أنه لم يزل إذا شاء تكلم، وإذا شاء سكت، لم يتجدد له وصف القدرة على الكلام التي هي صفة كمال، كما لم يتجدد له وصف القدرة على المغفرة، وإن كان الكمال هو أن يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء‏.‏
وأما قول القاضي‏:‏ إن هذا قول بحدوثه، فيجيبون عنه بجوابين‏:‏
أحدهما‏:‏ ألا يسمى محدثًا أن يسمى حديثًا، إذ المحدث هو المخلوق المنفصل، وأما الحديث فقد سماه الله حديثًا، وهذا قول الكرامية، وأكثر أهل الحديث، والحنبلية‏.‏
والثاني‏:‏ أنه يسمى محدثًا، كما في قوله‏:‏ ‏{‏مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏}‏‏[‏الأنبياء‏:‏2‏]‏ وليس بمخلوق ‏.‏ وهذا قول كثير من الفقهاء، وأهل الحديث والكلام، كداود بن علي الأصبهاني ـ صاحب المذهب ـ لكن المنقول عن أحمد إنكار ذلك، وقد يحتج به لأحد قولي أصحابنا ‏.‏
قال المروذي‏:‏ قال أبو عبد الله‏:‏ مَنْ داود بن علي الأصبهاني‏؟‏ ـ لا فرج الله عنه ـ جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري، أن داود الأصبهاني، قال كذبًا‏:‏ إن القرآن محدث، وذكر أبو بكر الخلال هذه الرواية في ‏[‏كتاب السنة‏]‏، وقال عبد الله بن أحمد‏:‏ استأذن داود على أبي فقال‏:‏ من هذا‏؟‏ داود‏؟‏ لا جبر ود الله قلبه، ودَوَّد الله قبره، فمات مُدوَّدًا‏.‏
والإطلاقات قد توهم خلاف المقصود، فيقال‏:‏ إن أردت بقولك‏:‏ محدث أنه مخلوق منفصل عن الله ـ كما يقوله الجهمية، والمعتزلة، والنجارية ـ فهذا باطل لا نقوله، وإن أردت بقولك‏:‏ إنه كلام تكلم الله به بمشيئته، بعد أن لم يتكلم به بعينه ـ وإن كان قد تكلم بغيره قبل ذلك، مع أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء ـ فإنا نقول بذلك‏.‏ وهو الذي دل عليه الكتاب و السنة، وهو قول السلف، وأهل الحديث، وإنما ابتدع القول الآخر الكُلابيَّة والأشعرية، ولكن أهل هذا القول لهم قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، وإن كان قادرًا على الكلام، كما أنه خلق السموات والأرض، بعد أن لم يكن خلقهما، وإن كان قادرًا على الخلق‏.‏ وهذا قول الكَرَّامية وغيرهم ممن يقول‏:‏ إنه تَحُلُّه الحوادث، بعد أن لم تك تحله، وقول من قال‏:‏ إنه محدث يحتمل هذا القول، وإنكار أحمد يتوجه إليه‏.‏
والثاني‏:‏ أنه لم يزل متكلمًا يتكلم إذا شاء، وهذا هو الذي يقوله من يقوله من أهل الحديث‏.‏
وأصحاب هذا القول قد يقولون‏:‏ إن كلامه قديم، وأنه ليس بحادث ولا مُحدَث، فيريدون نوع الكلام؛ إذ لم يزل يتكلم إذا شاء، وإن كان الكلام العيني يتكلم به إذا شاء، ومن قال‏:‏ ليست تحل ذاته الحوادث، فقد يريد به هذا المعنى، بناء على أنه لم يحدث نوع الكلام في كيفية ذاته‏.‏
وقال أبو عبد الله بن حامد في ‏[‏أصوله‏]‏‏:‏ ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله يتكلم، وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلمًا في كل أوقاته بذلك موصوفًا، وكلامه قديم غير محدث، كالعلم والقدرة، وقد يجىء على المذهب أن يكون الكلام صفة متكلم لم يزل موصوفًا بذلك، ومتكلمًا كلما شاء وإذا شاء، ولا نقول‏:‏ إنه ساكت في حال ومتكلم في حال، من حين حدوث الكلام‏.‏
والدليل على إثباته متكلمًا على ما وصفناه‏:‏ كتاب الله، وسنة نبيه، وإجماع أهل الحق، إلا طائفة الضلال المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، فإنهم أبوا أن يكون الله متكلمًا، وذكر بعض أدلة الكتاب والسنة‏.‏ ثم قال بعد ذلك‏:‏
فَصْــل
ولا خلاف عن أبي عبد الله، أن الله كان متكلمًا بالقرآن قبل أن يخلق الخلق، وقبل كل الكائنات موجودًا، وأن الله فيما لم يزل متكلمًا كيف شاء وكما شاء، وإذا شاء أنزل كلامه، وإذا شاء لم ينزله‏.‏
وأبى ذلك المعتزلة، فقالوا‏:‏ حادث بعد وجود المخلوقات‏.‏
قلت‏:‏ فقد حكى القولين ابن حامد ـ أيضًا ـ مع أنه يذكر الاتفاق عنه، على أنه لم يزل متكلمًا كيف شاء وكما شاء، لكنه نفى على القولين أن يقال‏:‏ هو ساكت في حال، ومتكلم في حال، فأثبت أن يقال‏:‏هو متكلم كلما شاء، وإذا شاء، ولا يقال‏:‏ إنه ساكت في حال‏.‏
وهكذا تقول الكَرَّامية‏:‏ إنه لا يوصف بالسكوت والنزول فيما لم يزل، لكن بين كلامه وكلامهم فرق، كما سأحكيه‏.‏
قال أبو عبد الله بن حامد في صفات الفعل‏:‏
فصـــل
ومما يجب على أهل الإيمان التصديق به‏:‏ أن الحق ـ سبحانه ـ ينزل إلى سماء الدنيا في كل ليلة، وينزل يوم عرفة، من غير تكييف ولا مثل، ولا تحديد ولا شبه، وقال‏:‏ هذا نص إمامنا‏.‏
قال يوسف بن موسى‏:‏ قلت لأبي عبد الله‏:‏ ينزل الله إلى سماء الدنيا كيف شاء من غير وصف‏؟‏ قال‏:‏ نعم، وقال في مسألة ‏[‏الاستواء على العرش‏]‏ فيما رواه عنه حنبل‏:‏ ربنا على العرش بلا حد ولا صفة‏.‏
وقال في رواية المروذي‏:‏ قيل له عن ابن المبارك‏:‏ يعرف الله على العرش بحد‏؟‏ قال‏:‏ بلغني ذلك وأعجبه، ثم قال أبوعبد الله‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏210‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏22‏]‏‏.‏
قال ابن حامد‏:‏ فالمذهب على ما ذكرنا لا يختلف أن ذاته تنزل، ورأيت بعض أصحابنا يروى عن أبي عبد الله في الإتيان أنه قال‏:‏ يأتي بذاته، قال‏:‏ وهذا على حد التوهم من قائله، وخطأ من إضافته إليه، كما قررنا عنه من النص‏.‏
قال ابن حامد‏:‏ فإذا تقرر هذا الأصل في نزول ذاته من غير صفة ولا حد، فإنا نقول‏:‏ إنه بانتقال من مكانه الذي هو فيه، إلا أن طائفة من أصحابنا، قالت‏:‏ ينزل من غير انتقال من مكانه كيف شاء، قال‏:‏ والصحيح ما ذكرنا لا غيره‏.‏
قال‏:‏ وقد أبى أصل ‏[‏هذه المسألة‏]‏ أهل الاعتزال، فقالوا‏:‏ لا نزول له ولا حركة، ولا له من مكانه زوال، وهو بكل مكان على ما كان، قال‏:‏ وهذا منهم جهل قبيح لنص الأخبار‏.‏ وساق بعض الأحاديث المأثورة في ذلك قال‏:‏
فصــل
ومما يجب التصديق به، والرضا‏:‏ مجيئه إلى الحشر يوم القيامة بمثابة نزوله إلى سمائه، وذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏22‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏69‏]‏‏.‏ قال‏:‏ وهذا دليل على أنه إذا جاءهم وجلس على كرسيه أشرقت الأرض كلها بأنواره‏.‏
وعبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب ‏[‏الحيدة‏]‏ و‏[‏الرد على الجهمية والقدرية‏]‏ كلامه في الحيدة والرد على الجهمية يحتمل ذلك؛ فإن مضمون الحيدة أنه أبطل احتجاج بشر المريسي بقوله‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏ الرعد‏:‏16، الزمر‏:‏62‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏3‏]‏‏.‏ ثم إنه احتج على المريسي بثلاث حجج‏:‏
الأولى‏:‏ أنه قال‏:‏ إذا كان مخلوقًا فإما أن تقول‏:‏ خلقه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائمًا بنفسه وذاته‏.‏
قال‏:‏ فإن قال‏:‏ خلق كلامه في نفسه فهذا محال، ولا تجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر، ولا معقول ؛ لأن الله لا يكون مكانًا للحوادث، ولا يكون فيه شىء مخلوق، ولا يكون ناقصًا فيزيد فيه شىء إذا خلقه ـ تعالى الله عن ذلك، وجل وتعظم‏.‏
وإن قال‏:‏ خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس، أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلام الله، لا يقدر أن يفرق بينهما‏.‏ أفيجعل الشعر كلامًا لله‏؟‏ ويجعل قول القَذَر كلاما لله‏؟‏ ويجعل كلام الفُحْش والكفر كلامًا لله‏؟‏ وكل قول ذمه الله وذم قائله كلامًا لله‏؟‏ وهذا محال لا يجد السبيل إليه، ولا إلى القول به لظهور الشناعة، والفضيحة والكفر على قائله ‏.‏
وإن قال‏:‏ خلقه قائمًا بذاته ونفسه، فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلاً، في قياس ولا نظر، ولا معقول، لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا رؤى ولا يرى قط كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته‏.‏
فلما استحال من هذه الجهات الثلاث أن يكون مخلوقا، ثبت أنه صفة لله وصفات الله كلها غير مخلوقة‏.‏
والحجة الثانية‏:‏ اتفق هو وبشر على أنه كان الله ولا شىء، وكان ولما يفعل ولم يخلق شيئًا‏.‏
قال له‏:‏ فبأي شىء أحدث الأشياء‏؟‏ قال‏:‏ أحدثها بقدرته التي لم تزل‏.‏
قال عبد العزيز‏:‏ فقلت‏:‏ صدقت أحدثها بقدرته التي لم تزل؛ أفليس تقول‏:‏ إنه لم يزل قادرًا ‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ فقلت له‏:‏ أفتقول‏:‏ إنه لم يزل يفعل‏؟‏ قال‏:‏ لا أقول هذا‏.‏ قلت له‏:‏ فلابد أن يلزمك أن تقول‏:‏ إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة؛ لأن القدرة صفة لله، ولا يقال‏:‏ صفة الله هي الله، ولا هي غير الله‏.‏
قال بشر‏:‏ ويلزمك أنت ـ أيضًا ـ أن تقول‏:‏ إن الله لم يزل يفعل ويخلق‏.‏ فإذا قلت ذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله‏.‏
فقلت له‏:‏ ليس لك أن تحكم علي، وتلزمني ما لا يلزمني وتحكى عني ما لم أقل أنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل فتلزمني ما قلت، وإنما قلت‏:‏ إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق ؛ لأن الفعل صفة لله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع‏.‏
قال بشر‏:‏ وأنا أقول‏:‏ إنه أحدث الأشياء بقدرته‏.‏ فقل أنت ما شئت‏.‏
قال عبد العزيز‏:‏ فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين، قد أقر بشر أن الله كان ولا شىء ؛وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا بقدرته، وقلت‏:‏ إما أنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها، وأي ذلك كان فقد ثبت أن هنا إرادة ومريد ومراد، وقول وقائل ومقول له، وقدرة وقادر ومقدور عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل الخلق متقدم فليس هو من الخلق‏.‏
قلت‏:‏ قوله‏:‏ قبل الخلق هو المريد القائل القادر، وإرادته وقوله وقدرته، وأما المراد المقدور عليه المقول له‏:‏ فإما أن يريد ثبوته في العلم بقوله له‏:‏ كن أو لم يدخل في اللفظ وهذا الكلام يقتضي أن‏.‏‏.‏‏.‏ ‏[‏سقط من الأصل مقدار ثلاث كلمات‏]‏ وقد قال‏:‏ لم يزل سيفعل، وقد فسره ـ أيضًا ـ بفعله، كما تقدم‏.‏
وذكر أبوعبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور في ترجمة الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة قضية طويلة، في الخلاف الذي وقع بينه وبين بعض أصحابه‏:‏ مثل أبى على الثقفي، وأبي بكر أحمد بن إسحاق الضُّبَعِي، وأبى بكر بن أبي عثمان الزاهد، وأبي محمد بن منصور القاضي، فذكر أن طائفة رفعوا إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري، وإنهم على مذهب الكُلابية، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية‏.‏
قال الحاكم‏:‏ فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم، قال‏:‏ اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله، أقديم لم يزل، أو يثبت عند إخباره ـ تعالى ـ أنه تكلم به‏؟‏ فوقع بيننا في ذلك خوض‏.‏ قال جماعة منا‏:‏ إن كلام الباري قديم لم يزل، وقال جماعة‏:‏ إن كلامه قديم غير أنه لا يثبت إلا بإخباره بكلامه‏.‏
فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي وأخبرته بما جري، فقال‏:‏ من أنكر أنه لم يزل، فقد اعتقد أن كلام الله محدث، وانتشرت هذه المسألة في البلد‏.‏ وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق، وأخبروه بذلك؛ حتى قال منصور‏:‏ ألم أقل للشيخ‏:‏ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكُلاَّبية وهذا مذهبهم‏؟‏ فجمع أبو بكر أصحابه وقال‏:‏ ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام ولم يزدهم على هذا ذلك اليوم‏.‏
ثم ذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف في الرد عليهم، وأنهم ناقضوه ونسبوه إلى القول بقول جَهْم في أن القرآن مُحْدَث، وجعلهم هو كُلاَّبية‏.‏
قال الحاكم‏:‏ سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقري، يقول‏:‏ سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول‏:‏ الذي أقول به‏:‏ أن القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله غير مخلوق؛ ومن قال‏:‏ إن القرآن أو شيئًا منه وعن وحيه وتنزيله مخلوق ‏.‏ أو يقول‏:‏ إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول‏:‏ إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول‏:‏ إن القرآن محدث، أو يقول‏:‏ إن شيئًا من صفات الله صفات الذات، أو اسما من أسماء الله مخلوق ـ فهو عندي جهمي يستتاب؛ فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل، هذا مذهبي، ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب، من أهل العلم‏.‏
ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة في العلم ظهر له وبان أن الكُلابيَّة ـ لعنهم الله ـ كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب؛ أنه لم يصنف أحد في التوحيد، وفي القدر وفي أصول العلم، مثل تصنيفي ؛ فالحاكي خلاف ما في كتبي المصنفة كذبة فسقة‏.‏
وذكر عن ابن خزيمة أنه قال‏:‏ زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنيننا هذه‏:‏ أن الله لا يكرر الكلام، فلا هم يفهمون كتاب الله؛ أن الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه لموسى مرة بعد أخرى،وكرر ذكر عيسى ابن مريم في مواضع،وحمد نفسه في مواضع فقال‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏1‏]‏،‏{‏الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ‏}‏ الآية‏[‏الأنعام‏:‏ 1‏]‏، و‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ‏}‏‏[‏سبأ‏:‏1‏]‏،وكرر زيادة على ثلاثين كرة‏:‏‏{‏فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏13‏]‏،ولم أتوهم أن مسلمًا يتوهم أن الله لا يتكلم بشىء مرتين، وهذا مقالة من زعم أن كلام الله مخلوق، ويتوهم أنه لا يجوز أن يقول‏:‏ خلق الله شيئًا واحدًا مرتين‏.‏
وقال الحاكم‏:‏ سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول‏:‏ لما وقع من أمرنا ما وقع، ووجد بعض المخالفين ـ يعني المعتزلة ـ الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا، واغتنم بعض الموافقين السعي في فساد الحال ـ انتصب أبو عمرو الحيرِيّ للتوسط فيما بين الجماعة بلا ميل، وذكر أنهم اجتمعوا بداره‏.‏
وقال أبو علي الثقفي للإمام‏:‏ ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى نرجع عنه‏؟‏ قال‏:‏ ميلكم إلى مذهب الكُلاَّبية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد، وعلى أصحابه، مثل الحارث وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب‏.‏
فقلت‏:‏ قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق وقلت‏:‏ تأمل ما جمعته بخطى، وبينته من هذه المسائل، فإن كان فيها شىء تنكره، فبين لنا وجهه حتى نرجع عنه فأخذ مني ذلك الطبق وما زال يتأمله وينظر فيه حتى وقف عليه، ثم رفع رأسه وقال‏:‏ لست أرى شيئًا لا أقول به‏.‏ وكله مذهبي، وعليه رأيت مشائخي‏.‏
وسألته أن يثبت بخطه آخر تلك الأحرف أنه مذهبه؛ ثم قصده أبو فلان وفلان وفلان، وقالوا‏:‏إن الأستاذ لم يتأمل ما كتبه بخطه، وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال‏.‏
قال الحاكم‏:‏ و هذه نسخة الخط، يقول أبو بكر أحمد بن إسحاق، ويحيى بن منصور‏:‏ كلام الله صفة من صفات ذاته، ليس شىء من كلام الله خلق ولامخلوق، ولا فعل ولا مفعول، ولا مُحدَث ولا حَدَث ولا أحداث، فمن زعم أن شيئًا منه مخلوق أو محدَث؛ أو زعم أن الكلام من صفة الفعل ؛ فهو جهمي ضال مبتدع‏.‏
وأقول‏:‏ لم يزل الله متكلمًا، ولا يزال متكلمًا،والكلام له صفة ذات، لا مثل لكلامه من كلام خلقه، ولا نفاد لكلامه، لم يزل ربنا بكلامه، وعلمه وقدرته، وصفات ذاته واحدًا، لم يزل ولا يزال‏.‏
كلم ربنا أنبياءه وكلم موسى، والله الذي قال له‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏14‏]‏، ويكلم أولياءه يوم القيامة،ويحييهم بالسلام، قولاً في دار عدنه، وينادي عباده فيقول‏:‏ ‏{‏مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏65‏]‏، ويقول‏:‏ ‏{‏لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏16‏]‏‏.‏
ويكلم أهل النار بالتوبيخ والعقاب، ويقول لهم‏:‏ ‏{‏اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏108‏]‏‏.‏
ويخلو الجبار بكل أحد من خلقه فيكلمه، ليس بينه وبين أحد منهم ترجمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويكلم ربنا جهنم فيقول لها‏:‏ ‏{‏هَلِ امْتَلَأْتِ‏}‏‏؟‏، وينطقها فتقول‏:‏‏{‏هَلْ مِن مَّزِيدٍ‏}‏‏؟‏ ‏[‏ق‏:‏30‏]‏‏.‏
فمن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة، ولم يتكلم إلا ما تكلم به، ثم انقضى كلامه كفر بالله، بل لم يزل الله متكلمًا، ولا يزال متكلمًا، لا مثل لكلامه؛ لأنه صفة من صفات ذاته، نفى الله المثل عن كلامه كما نفى المثل عن نفسه ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏88‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏109‏]‏‏.‏
كلام الله غير بائن عن الله، ليس هو دونه، ولا غيره ولا هو، بل هو صفة من صفات ذاته كعلمه الذي هو صفة من صفات ذاته، لم يزل ربنا عالمًا ولا يزال عالمًا، ولم يزل متكلمًا ولا يزال يتكلم، فهو الموصوف بالصفات العلى؛ لم يزل بجميع صفاته التي هي صفات ذاته واحدًا، ولا يزال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏14‏]‏‏.‏
كلم موسى فقال له‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَنَا رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏12‏]‏ فمن زعم أن غير الله كلمه كفر بالله، فإن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول‏:‏ ‏(‏هل من داع فأجيبه‏؟‏ هل من تائب فأتوب عليه‏؟‏‏)‏ فمن زعم أن علمه ينزل أو أمره ضل، بل ينزل إلى سماء الدنيا المعبود ـ سبحانه ـ الذي يقال له‏:‏ يا رحمن يا رحيم‏!‏‏!‏
فيكلم عباده بلا كيف ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏، بلا كيف، لا كما قالت الجهمية‏:‏ إنه على الملك احتوى، ولا استولى، بل استوى على عرشه بلا كيف، وهو الله الذي له الأسماء الحسنى، فمن زعم أن اسمًا من أسمائه مخلوق أو مُحْدَث فهو جهمي، والله يخاطب عباده عودًا وبدءًا، ويعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه، قرنًا فقرنًا من زعم أن الله لا يخاطب عباده، ولا يعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه، عودًا وبدءًا، فهو ضال مبتدع، بل الله بجميع صفات ذاته واحد لم يزل ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق، وكل شىء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق‏.‏
وأقول‏:‏ أفعال العباد كلها مخلوقة، وأقول‏:‏ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وخير الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ‏.‏
وأقول‏:‏ إن أهل الكبائر في مشيئة الله إذا ماتوا، إن شاء عذبهم، ثم غفر لهم، وإن شاء غفر لهم من غير تعذيب‏.‏
وأخبار الآحاد مقبولة إذا نقلها العدول، وهي توجب العمل، وأخبار التواطؤ توجب العلم والعمل‏.‏
وصورة خط الإمام ابن خزيمة‏:‏ يقول محمد بن إسحاق‏:‏ أقر عندي أبو بكر أحمد ابن إسحاق، وأبو محمد يحيى بن منصور بما تضمن بطن هذا الكتاب، وقد ارتضيت ذلك أجمع، وهو صواب عندي‏.‏
قال الحاكم‏:‏ سمعت أبا الحسن علي بن أحمد البُوشْنَجِيّ الزاهد يقول في ضمن قصة‏:‏ لما انتهى إلينا ما وقع بين مشائخ نيسابور من الخلاف، خرجت من وطني حتى قصدت نيسابور، فاجتمع عليّ جماعة يسألون عن تلك المسائل،فلم أتكلم فيها بقليل ولا كثير‏.‏
ثم كتبت‏:‏ القول ما قاله أبو علي ‏.‏ ودخلت الرَّيَّ على عبد الرحمن بن أبي حاتم‏.‏ فأخبرته بما جرى في نيسابور بين أبي بكر وأصحابه، فقال‏:‏ ما لأبي بكر والكلام‏؟‏ ‏!‏ إنما الأوْلى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نعلمه‏.‏ فخرجت من عنده حتى دخلت على أبي العباس الفلاني، فشرح لي تلك المسائل شرحًا واضحًا، وقال‏:‏ كان بعض القدرية من المتكلمين دفع إلى محمد بن إسحاق، فوقع لكلامه عنده قبول‏.‏
ثم ذكر أنه عرض تلك المسائل على من وجده ببغداد من الفقهاء والمتكلمين، فتابعوا أبا العباس على مقالته، واغتنموا لأبي بكر بن إسحاق فيما أظهره، وأنه بعد ذلك قدم من نيسابور أبو عمرو النجار، فكتب لأبي بكر محمد بن إسحاق إلى جماعة من العلماء في تلك المسائل، وإنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر بن خزيمة إلى السلطان‏.‏
قال الحاكم‏:‏ سمعت أبا علي محمد بن إسحاق الأبيوردي يقول‏:‏ حضرت قرية فلانة في تسليم لصغير ‏[‏كذا بالأصل رسم هذه الكلمات‏]‏ اتباعها عبد الله بن حمشاد من بني فلان، وحضرها جماعة من أعيان البلد، وكان قد حضرها إسحاق بن أبي الفرد والى نيسابور، فأقرأنا كتاب حمويه ابن علي إليه بأن يمتثل فيهم أمر أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة من النفي، والضرب والحبس‏.‏
قال‏:‏ فقام عبد الله بن حمشاد من ذلك المجلس فقال‏:‏ طوباهم إن كان ما يقال مكذوبًا عليهم‏.‏ قال أبو علي‏:‏ ثم قال لي عبد الله بن حمشاد مِنْ غَدِ ذلك اليوم‏:‏ إني رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله، ثم قال‏:‏ كأنك في شك من أمور هؤلاء الكُلاَّبيّة، قال‏:‏ ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال‏:‏ ‏{‏هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 52‏]‏، وذكر الحاكم‏:‏ سمعت أبا محمد الأنماطي العبد الصالح، يقول‏:‏ لما استحكمت تلك الوقعة، وصار لا يجتمع عشرة في البلد إلا وقع بينهم تشاجر فيه، وصار أكثر العوام يتضاربون فيه، خرج أبوعمرو الحِيري إلى الرَّيَّ والأمير الشهيد بها، حتى ينجز كتبًا إلى خليفته‏.‏ كتاب إلى أبي بكر بن إسحاق بأن ينفي من البلد الأربعة الذين خالفوا أبا بكر‏.‏ ثم ذكر أنهم عقدوا لهم مجلسًا‏.‏
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، في اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 صور العيد , صور من العيد (كل عام وانتم بخير )
0 كن من اهل الجنة
0 ليلة القدر _ اعظم ليلة
0 القيام بالقرآن بعد رمضان
0 استغلال رمضان , استغلال شهر رمضان .40 وسلة لاستغلال شهر رمضان


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 05:43 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

باب القول في القرآن
اعلم أن الله متكلم قائل، مادح نفسه بالتكلم، إذ عاب الأصنام والعجل أنها لا تتكلم، وهو متكلم كلما شاء تكلم بكلام لا مانع له ولا مكره، والقرآن كلامه هو تكلم به، وقد تأول ابن عقيل كلام شيخ الإسلام بنحو ما تأول به القاضي كلام أحمد‏.‏
وقال شيخ الإسلام ـ أيضًا في كتاب ‏[‏مناقب الإمام أحمد بن حنبل‏]‏ في باب الإشارة عن طريقته في الأصول، لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولا‏:‏ هو مخلوق، وجرت المحنة العظيمة ثم ظهرت مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي وغيره‏.‏
إلى أن قال‏:‏ ثم جاءت طائفة فقالت‏:‏ لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثًا‏.‏ قال‏:‏ وهذه سَخَارَة ‏[‏أي‏:‏ جهالة‏.‏ انظر‏:‏ القاموس ، مادة ‏:‏ سخر‏]‏ أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن إسحاق اللنجرودي بن خزيمة وكانت ـ حينئذ ـ نيسابور دار الآثار تُمَدُّ إليها الرِّقاب وتُشَدُّ إليها الرِّكاب، ويجْلَب منها العلم‏.‏
وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي، والضُّبَعي، مع ما جمعا من الحديث والفقه، والصدق، والورع، واللسان، والتثبيت، والقدر، والمحفل، لا يسرون بالكلام، واشتمام لأهله، فابن خزيمة في بيت، ومحمد بن إسحاق السراج في بيت، وأبو حامد بن الشرقي في بيت‏.‏
قال شيخ الإسلام‏:‏ فطار لتلك الفتنة ذاك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها، كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب‏:‏ أن الله متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام، وأولئك النفر الغر ـ عن نصرة دينه، وتوقير نبيه ـ خيرًا‏.‏
قلت‏:‏ في حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه‏)‏ رواه أبو داود‏.‏
وفي حديث أبي ثَعْلَبَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله فرض فرائض فلا تُضَيِّعوها، وحدد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نِسْيَان فلا تسألوا عنها‏)‏‏.‏
ويقول الفقهاء في دلالة المنطوق والمسكوت، وهو ما نطق به الشارع،وهو الله ورسوله، وما سكت عنه‏:‏ تارة تكون دلالة السكوت أولى بالحكم من المنطوق، وهو مفهوم الموافقة، وتارة تخالفه وهو مفهوم المخالفة، وتارة تشبهه وهو القياس المحض‏.‏
فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت يكون تارة عن التكلم، وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه، كما قال في الصحيحين‏:‏ عن أبي هريرة‏:‏ يا رسول الله، أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أقول‏:‏اللهم باعد بيني وبين خَطَاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب‏)‏ إلى آخر الحديث‏.‏
فقد أخبره أنه ساكت، وسأله ماذا تقول ‏؟‏ فأخبره أنه يقول في حال سكوته، أي سكوته عن الجهر والإعلان، لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت لا تصح على قول من يقول‏:‏ إنه متكلم كما أنه عالم، لا يتكلم عند خطاب عباده بشىء، وإنما يخلق لهم إدراكًا ليسمعوا كلامه القديم، سواء قيل‏:‏هو معنى مجرد، أو معنى وحروف، كما هو قول ابن كُلاَّب والأشعري، ومن قال بذلك من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية من الحنبلية وغيرهم‏.‏
فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت وهو المشهور من قولهم، أو يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق إدراك للخلق يسمعون به الكلام القديم، والنصوص تبهرهم، مثل قوله‏:‏ ‏(‏إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجَرِّ السلسلة على الصَّفَا‏)‏‏.‏
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية ـ‏:‏ ‏(‏أتدرون ماذا قال ربكم الليلة‏؟‏‏)‏‏.‏
وتكليمه لموسى ونداؤه له كما دل عليه الكتاب والسنة، وعلى قولهم يجوز أن يسمع كل أحد الكلام الذي سمعه موسى‏.‏
ثم من تفلسف منهم كالغزالي في ‏[‏مشكاة الأنوار‏]‏ وجدهُ يجوز مثل ذلك لأهل الصفاء، والرياضة، وهو ما يتنزل على قلوبهم من الإلهامات، كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون‏)‏‏.‏ وقول أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت‏:‏رؤيا المؤمن كلام تكلم به الرب عنده في منامه‏.‏
فيجعلون ‏[‏الإيحاء‏]‏ و‏[‏الإلهام‏]‏ الذي يحصل في اليقظة والمنام، مثل سماع موسى كلام الله سواء، لا فرق بينهما، إلا أن موسى قصد بذلك الخطاب،وغيره سمع ما خوطب به غيره‏.‏
ثم عند التحقيق يرجعون إلى محض الفلسفة، في أنه لا فرق بين موسى وغيره بحال، كما أن هؤلاء المتأولة المتفلسفة يجعلون ‏[‏خلع النعلين‏]‏ إشارة إلى ترك العالمين و‏[‏الطور‏]‏ عبارة عن العقل الفعال، و نحو ذلك من تأويلات الفلاسفة الصابئة، ومن حذا حَذْوَهُمْ من القرامطة والباطنية وأصحاب ‏[‏رسائل إخوان الصفا‏]‏ ونحوهم‏.‏
وقد حكى القولين عن أهل السنة ـ في الإرادة، والسمع والبصر ـ أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب ‏[‏فهم القرآن‏]‏ فتكلم على قوله‏:‏‏{‏حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏31‏]‏ ونحوه، وبين أن علم الله قديم، وإنما يحدث المعلوم‏.‏
إلى أن قال‏:‏ وذلك موجود فينا، و نحن جهال وعلمنا مُحْدَث، قد نعلم أن كل إنسان ميت، فكلما مات إنسان قلنا‏:‏ قد علمنا أنه قد مات، من غير أن نكون من قبل موته جاهلين أنه سيموت، إلا أنا قد يحدث لنا اللحظ من الرؤية وحركة القلب إذا نظرنا إليه ميتًا؛ لأنه ميت، والله لا تحدث فيه الحوادث‏.‏
إلى أن قال‏:‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏27‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏16‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏82‏]‏‏.‏
وليس ذلك منه ببدء الحوادث‏:‏ إرادة حدثت له، ولا أن يستأنف مشيئة لم تكن له، وذلك فعل الجاهل بالعواقب، الذي يريد الشىء وهو لا يعلم العواقب، فلم يزل يريد ما يعلم أنه يكون، لم يستحدث إرادة لم تكن؛ لأن الإرادات إنما تحدث على قدر ما يعلم المريد، وأما من لم يزل يعلم ما يكون وما لا يكون من خير وشر، فقد أراد ما علم على ما علم، لا يحدث له بدُوٌّ؛ إذ كان لا يحدث فيه علم به‏.‏
قال أبو عبد الله الحارث‏:‏ وقد تأول بعض من يدعي السنة، وبعض أهل البدع ذلك على الحوادث‏.‏
فأما من ادعى السنة، فأراد إثبات القدر، فقال‏:‏ إرادة الله‏:‏ أي حدث من تقديره سابق الإرادة، وأما بعض أهل البدع، فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق حادث وليست مخلوقة، ولكن بها الله كون المخلوقين، قال‏:‏ فزعمت أن الخلق غير المخلوقين، وأن الخلق هو الإرادة، وأنها ليست بصفة لله من نفسه، وجل أن يكون شىء حدث بغير إرادة منه، وجل عن البدُوّات وتقلب الإرادات، ثم تكلم على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الإرادة، كقولهم‏:‏ متى تريد أن أجيء‏.‏
إلى أن قال‏:‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏15‏]‏ ليس معناه‏:‏ أن يحدث لنا سمعًا، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، قال‏:‏ وقد ذهب قوم من أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهب إلى ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم علم سمع؛ لما كان من قول عمن سمعه للقول؛ لأن المخلوق إذا سمع الشىء حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت‏.‏
قال‏:‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏105‏]‏، لا يستحدث بصرًا، ولا لحظًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشىء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه، لا يغادر شيئًا ولا يخفى عليه منه خافية‏.‏
وكذلك قال بعضهم‏:‏ إن رؤية تحدث، وقال قوم‏:‏ إنما معنى ‏{‏سَيَرَى‏}‏ و‏{‏إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 15‏]‏ إنما المسموع، والمبصر، لم يخف على عيني، ولا على سمعي، أن أدركه سمعًا وبصرا، لا بالحوادث في الله‏.‏
قال أبو عبد الله‏:‏ومن ذهب إلى أنه يحدث لله استماع مع حدوث المسموع، وإبصار مع حدوث المبصر، فقد زاد على الله ما لم يقل، وإنما على العباد التسليم لما قال الله‏:‏ إنه ‏{‏سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏1‏]‏، ولا نزيد ما لم يقل، وإنما معنى ذلك كما قال تعالى‏:‏‏{‏حَتَّى نَعْلَمَ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏31‏]‏، حتى يكون المعلوم، وكذلك حتى يكون المبصر والمسموع، فلا يخفى على أنه يعلمه موجودًا ويسمعه موجودا،كما علمه بغير حادث علم في الله ولا بصر،ولا سمع ولا معنى حدث في ذات الله،تعالى عن الحوادث في نفسه‏.‏
وقال محمد بن الهيصم الكرامي في كتاب ‏[‏جمل الكلام في أصول الدين‏]‏ لما ذكر جمل الكلام في القرآن وأنها مبنية على خمسة فصول‏:‏
أحدها‏:‏ أن القرآن كلام الله، فقد حكى عن جهم أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة، وإنما هو كلام خلقه الله فينسب إليه، كما قيل‏:‏ سماء الله وأرضه، وكما قيل‏:‏ بيت الله، وشهر الله‏.‏ وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة، ثم وافقوا جهمًا في المعنى، حيث قالوا‏:‏ كلام خلقه بائنا منه‏.‏
قال‏:‏ وقال عامة المسلمين‏:‏ إن القرآن كلام الله على الحقيقة، وأنه تكلم به‏.‏
والفصل الثاني‏:‏ أن القرآن غير قديم، فإن الكُلاَّبية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله كان لم يزل يتكلم بالقرآن، وقال أهل الجماعة‏:‏ بل إنه إنما تكلم بالقرآن، حيث خاطب به جبرائيل، وكذلك سائر الكتب‏.‏
والفصل الثالث‏:‏ أن القرآن غير مخلوق؛ فإن الجهمية والنجارية، والمعتزلة، زعموا أنه مخلوق‏.‏
وقال أهل الجماعة‏:‏ إنه غير مخلوق‏.‏
والفصل الرابع‏:‏ أنه غير بائن من الله، فإن الجهمية وأشياعهم من المعتزلة قالوا‏:‏ إن القرآن بائن من الله،وكذلك سائر كلامه،وزعموا أن الله خلق كلامًا في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلامًا في الهواء فسمعه جبرائيل، ولا يصح عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة‏.‏
وقال أهل الجماعة‏:‏ بل القرآن غير بائن من الله، وإنما هو موجود منه وقائم به‏.‏ وذكر في مسألة الإرادة، والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا من الصفات الفعلية القائمة بالله، التي ليست قديمة ولا مخلوقة‏.
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ رحمه الله‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏
فَصْــل
في الاسم والمسمى
هل هو هو، أو غيره‏؟‏ أو لا يقال‏:‏ هو هو، ولا يقال‏:‏ هو غيره‏؟‏ أو هو له‏؟‏ أو يفصل في ذلك‏؟‏
فإن الناس قد تنازعوا في ذلك، والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند أئمة السنة أحمد وغيره‏:‏ الإنكار على الجهمية الذين يقولون‏:‏ أسماء الله مخلوقة‏.‏
فيقولون‏:‏ الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق‏.‏ وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء‏.‏
والجهمية يقولون‏:‏ كلامه مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته، ولا سَمَّى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون‏:‏ إنه تكلم به، وسمى نفسه بهذه الأسماء، بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به، فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه‏.‏
والذين وافقوا السلف على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة، يقولون‏:‏ الكلام والأسماء من صفات ذاته، لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته، ويسمى نفسه بمشيئته وقدرته‏؟‏ هذا فيه قولان‏:‏
النفي‏:‏ هو قول ابن كُلاَّب ومن وافقه‏.‏
والإثبات‏:‏ قول أئمة أهل الحديث والسنة وكثير من طوائف أهل الكلام، كالهشامية والكَرّامية وغيرهم، كما قد بسط هذا في مواضع‏.‏
والمقصود هنا أن المعروف عن أئمة السنة إنكارهم على من قال‏:‏ أسماء الله مخلوقة، وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا مرادهم؛ فلهذا يروي عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال‏:‏ إذا سمعت الرجل يقول‏:‏ الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة، ولم يعرف ـ أيضًا ـ عن أحد من السلف أنه قال‏:‏ الاسم هو المسمى، بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة، وأنكره أكثر أهل السنة عليهم‏.‏
ثم منهم من أمسك عن القول في هذه المسألة نفيا وإثباتًا؛ إذ كان كل من الإطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، وكما ذكره أبو جعفر الطبرى في الجزء الذي سماه صريح السنة، ذكر مذهب أهل السنة المشهور في القرآن، والرؤية، والإيمان والقدر، والصحابة وغير ذلك‏.‏
وذكر أن ‏[‏مسألة اللفظ‏]‏ ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام، كما قال‏:‏ لم نجد فيها كلامًا عن صحابي مضى ولا عن تابعي قَفَا، إلا عمن في كلامه الشفاء والغَنَاء، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فإنه كان يقول‏:‏اللفظية جهمية‏.‏ ويقول‏:‏ من قال‏:‏ لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال‏:‏ غير مخلوق، فهو مبتدع‏.‏
وذكر أن القول في الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد من الأئمة، وأن حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 180‏]‏، وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى، و هذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره‏.‏
والذين قالوا‏:‏ الاسم هو المسمى كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل أبي بكر عبد العزيز، وأبي القاسم الطبري، واللالَكائي، وأبي محمد البغوي صاحب ‏[‏شرح السنة‏]‏ وغيرهم، وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري اختاره أبو بكر بن فُورَك وغيره‏.‏
والقول الثاني ـ وهو المشهور عن أبي الحسن ـ‏:‏ أن الأسماء ثلاثة أقسام‏:‏ تارة يكون الاسم هو المسمى كاسم الموجود، وتارة يكون غير المسمى كاسم الخالق، وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير‏.‏
وهؤلاء الذين قالوا‏:‏ إن الاسم هو المسمى، لم يريدوا بذلك أن اللفظ المؤلف من الحروف هو نفس الشخص المسمى به فإن هذا لا يقوله عاقل؛ ولهذا يقال‏:‏ لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال ‏[‏نار‏]‏ احترق لسانه‏.‏
ومن الناس من يظن أن هذا مرادهم، ويشنع عليهم، وهذا غلط عليهم؛ بل هؤلاء يقولون‏:‏ اللفظ هو التسمية، والاسم ليس هو اللفظ؛ بل هو المراد باللفظ فإنك إذا قلت‏:‏ يا زيد، يا عمرو، فليس مرادك دعاء اللفظ، بل مرادك دعاء المسمى باللفظ، وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمى‏.‏
وهذا لا ريب فيه إذا أخبر عن الأشياء فذُكِرَتْ أسماؤها،فقيل‏:‏‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏29‏]‏،‏{‏وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏}‏‏[‏الأحزاب‏:‏40‏]‏،‏{‏وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏‏[‏النساء‏:‏164‏]‏، فليس المراد‏:‏ أن هذا اللفظ هو الرسول، وهو الذي كلمه الله‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ جاء زيد وأشهد على عمرو، وفلان عدل ونحو ذلك، فإنما تذكر الأسماء والمراد بها المسميات، وهذا هو مقصود الكلام‏.‏
فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام المؤلف فإنما المقصود هو المسميات، قال هؤلاء‏:‏ الاسم هو المسمى وجعلوا اللفظ هو الاسم عند الناس هو التسمية، كما قال البغوي‏:‏ والاسم هو المسمى وعينه وذاته‏.‏ قال الله تعالى‏:‏‏{‏إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏7‏]‏، أخبر أن اسمه يحيى‏.‏ ثم نادى الاسم فقال‏:‏‏{‏يَا يَحْيَى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏12‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏40‏]‏، وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسميات‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏1‏]‏، و‏{‏تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏78‏]‏‏.‏
قال‏:‏ ثم يقال‏:‏ للتسمية ـ أيضًا ـ اسم‏.‏ واستعماله في التسمية أكثر من المسمى‏.‏
وقال أبو بكر بن فورك‏:‏ اختلفت الناس في حقيقة الاسم، ولأهل اللغة في ذلك كلام، ولأهل الحقائق فيه بيان، وبين المتكلمين فيه خلاف‏.‏
فأما أهل اللغة فيقولون‏:‏ الاسم حروف منظومة دالة على معنى مفرد، ومنهم من يقول‏:‏ إنه قول يدل على مذكور يضاف إليه؛ يعني‏:‏ الحديث والخبر‏.‏
قال‏:‏ وأما أهل الحقائق فقد اختلفوا ـ أيضًا ـ في معنى ذلك، فمنهم من قال‏:‏ اسم الشىء هو ذاته وعينه، والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه، فيسمى اسمًا توسعًا‏.‏
وقالت الجهمية والمعتزلة‏:‏ الأسماء والصفات‏:‏ هي الأقوال الدالة على المسميات، وهو قريب مما قاله بعض أهل اللغة‏.‏
والثالث‏:‏ لا هو هو، ولا هو غيره، كالعلم والعالم، ومنهم من قال‏:‏ اسم الشىء هو صفته ووصفه‏.‏
قال‏:‏ والذي هو الحق عندنا‏:‏ قول من قال‏:‏اسم الشىء هو عينه وذاته،واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل‏:‏ بسم الله أفعل، أي‏:‏ بالله أفعل، وأنه اسمه هو هو‏.‏
قال‏:‏ وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واستدل بقول لَبِيد‏:‏
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ** ك حولاً كاملاً فقد اعتذر
والمعنى‏:‏ ثم السلام عليكما، فإن اسم السلام هو السلام‏.‏
قال‏:‏ واحتج أصحابنا في ذلك بقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏78‏]‏، وهذا هو صفة للمسمى لا صفة لما هو قول وكلام، وبقوله‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏1‏]‏، فإن المسبح هو المسمى وهو الله، وبقوله سبحانه‏:‏‏{‏إنَّا نٍبّشٌَرٍكّ بٌغٍلامُ \سًمٍهٍ يّحًيّى}‏‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏7‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏12‏]‏، فنادى الاسم وهو المسمى‏.‏
وبأن الفقهاء أجمعوا على أن الحالف باسم الله كالحالف بالله، في بيان أنه تنعقد اليمين بكل واحد منهما؛ فلو كان اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه، فلما انعقد، ولزم بالحنْث فيها كفارة دل على أن اسمه هو‏.‏
ويدل عليه أن القائل إذا قال‏:‏ ما اسم معبودكم‏؟‏ قلنا‏:‏ الله‏.‏ فإذا قال‏:‏وما معبودكم‏؟‏ قلنا‏:‏ الله، فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود، فدل على أن اسم المعبود هو المعبود لا غير، وبقوله‏:‏‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏40‏]‏، وإنما عبدوا المسميات لا الأقوال التي هي أعراض لا تعبد‏.‏
قال‏:‏ فإن قيل‏:‏ أليس يقال‏:‏ الله إله واحد وله أسماء كثيرة، فكيف يكون الواحد كثيرًا‏؟‏ قيل‏:‏ إذا أطلق أسماء، فالمراد به مسميات المسمين، والشىء قد يسمى باسم دلالته كما يسمى المقدور قدرة‏.‏
قال‏:‏ فعلى هذا يكون معنى قوله‏:‏ باسم الله، أي بالله، والباء معناها الاستعانة وإظهار الحاجة، وتقديره‏:‏ بك أستعين وإليك أحتاج، وقيل‏:‏ تقدير الكلمة‏:‏ أبتدئ أو أبدأ باسمك فيما أقول وأفعل‏.‏
قلت‏:‏ لو اقتصروا على أن أسماء الشىء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات ـ كما ذكروه في قوله‏:‏ ‏{‏يَا يَحْيَى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏12‏]‏،ونحو ذلك ـ لكان ذلك معني واضحًا لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم؛ لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل دعواهم أن لفظ اسم الذي هو ‏[‏أ س م‏]‏ معناه‏:‏ ذات الشىء ونفسه، وأن الأسماء ـ التي هي الأسماء ـ مثل‏:‏ زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه‏.‏
فإنهم يقولون‏:‏ إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس، و التسمية‏:‏ جعل الشىء اسمًا لغيره هي مصدر سميته تسمية إذا جعلت له اسمًا، والاسم‏:‏ هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه ودليل عليه‏.‏
وأيضًا، فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا‏:‏ إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة‏.‏ فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء‏:‏ هي التسميات، فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ، ولكن أرادوا به مالم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ معناه‏:‏ إذا أطلق هو الذات المسماه، بل معنى هذا اللفظ هي الأقوال التي هي أسماء الأشياء، مثل زيد وعمرو، وعالم وجاهل‏.‏ فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هي مسماه‏.‏
ثم قد عرف أنه إذا أطلق الاسم في الكلام المنظوم فالمراد به المسمى، فلهذا يقال‏:‏ ما اسم هذا‏؟‏ فيقال‏:‏ زيد‏.‏ فيجاب باللفظ، ولا يقال‏:‏ ما اسم هذا‏؟‏ فيقال‏:‏هو هو، وما ذكروه من الشواهد حجة عليهم‏.‏
أما قوله‏:‏‏{‏إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏7‏]‏،ثم قال‏:‏ ‏{‏يَا يَحْيَى‏}‏ فالاسم الذى هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من ‏(‏يا و حا و يا‏)‏ هذا هو اسمه، ليس اسمه هو ذاته؛ بل هذا مكابرة‏.‏ ثم لما ناداه فقال‏:‏‏{‏يَا يَحْيَى‏}‏‏.‏فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى،لم يقصد نداء اللفظ، لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه، فيعرف ـ حينئذ ـ أن قصده نداء الشخص المسمى،وهذا من فائدة اللغات وقد يدعى بالإشارة،وليست الحركة هي ذاته،ولكن هي دليل على ذاته‏.‏
وأما قوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏78‏]‏، ففيها قراءتان‏:‏ الأكثرون يقرؤون‏:‏‏{‏ذِي الْجَلَالِ‏}‏ فالرب المسمى‏:‏ هو ذو الجلال والإكرام‏.‏
وقرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏، وكذلك هي في المصحف الشامي؛ وفي مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء‏.‏
وأما قوله‏:‏ ‏{‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 27‏]‏، فهي بالواو باتفاقهم، قال ابن الأنباري وغيره‏:‏‏{‏تَبَارَك‏}‏ تفاعل من البركة، والمعنى‏:‏ أن البركة تكتسب وتنال بذكر اسمه، فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى، لكان يكفي قوله‏:‏‏[‏تبارك ربك‏]‏ فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب، فكان هذا تكريرًا‏.‏
وقد قال بعض الناس‏:‏ إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد‏:‏ تبارك ربك، ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، وهذا غلط، فإنه على هذا يكون قول المصلى‏:‏ تبارك اسمك أي‏:‏ تباركت أنت، و نفس أسماء الرب لا بركة فيها‏.‏ ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة وبركتها من جهة دلالتها على المسمى‏.‏
ولهذا فرقت الشريعة بين ما يذكر اسم الله عليه، وما لا يذكر اسم الله عليه في مثل قوله‏:‏ ‏{‏فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏118‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ} ‏[‏الأنعام‏:‏ 119‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏4‏]‏، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعَدِيِّ بن حاتم‏:‏ ‏(‏وإن خالط كلبك كلاب أخرى فلا تأكل، فإنك إنما سَمّيت على كلبك ولم تُسَمِّ على غيره‏)‏‏.‏
وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏40‏]‏، فليس المراد كما ذكروه‏:‏ أنكم تعبدون الأوثان المسماة، فإن هذا هم معترفون به‏.‏
والرب ـ تعالى ـ نفى ما كانوا يعتقدونه، وأثبت ضده، ولكن المراد‏:‏ أنهم سموها آلهة، واعتقدوا ثبوت الإلهية فيها، وليس فيها شىء من الإلهية‏.‏ فإذا عبدوها معتقدين إلهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا إلا أسماء ابتدعوها هم، ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة كما قال‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 45‏]‏، فتكون عبادتهم لما تصوروه في أنفسهم من معنى الإلهية، وعبروا عنه بألسنتهم، وذلك أمر موجود في أذهانهم وألسنتهم، لا حقيقة له في الخارج، فما عبدوا إلا هذه الأسماء التي تصوروها في أذهانهم، وعبروا عن معانيها بألسنتهم، وهم لم يقصدوا عبادة الصنم إلا لكونه إلهًا عندهم، وإلهيته هي في أنفسهم، لا في الخارج، فما عبدوا في الحقيقة إلا ذلك الخيال الفاسد الذي عبر عنه‏.‏
ولهذا قال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏33‏]‏، يقول‏:‏ سموهم بالأسماء التي يستحقونها، هل هي خالقة رازقة محيية مميتة أم هي مخلوقة لا تملك ضرًا ولا نفعًا‏؟‏ فإذا سموها فوصوفها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم، قال تعالى‏:‏‏{‏أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ‏}‏، وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له، ولو كان موجودًا لعلمه موجودًا ‏{‏أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ‏}‏ أم بقول ظاهر باللسان لا حقيقة له في القلب، بل هو كذب وبهتان‏.‏
وأما قولهم‏:‏ إن الاسم يراد به التسمية وهو القول، فهذا الذي جعلوه هم تسمية هو الاسم عند الناس جميعهم، والتسمية جعله اسما والإخبار بأنه اسم ونحو ذلك، وقد سلموا أن لفظ الاسم أكثر ما يراد به ذلك، وادعوا أن لفظ الاسم الذي هو ‏[‏ألف سين ميم‏]‏‏:‏هو في الأصل ذات الشىء، ولكن التسمية سميت اسما لدلالتها على ذات الشيء، تسمية للدال باسم المدلول، ومثلوه بلفظ القدرة، و ليس الأمر كذلك، بل التسمية مصدر سمى يسمى تسمية، والتسمية نطق بالاسم وتكلم به، ليست هي الاسم نفسه، وأسماء الأشياء‏:‏ هي الألفاظ الدالة عليها، ليست هي أعيان الأشياء‏.‏
وتسمية المقدور قدرة، هو من باب تسمية المفعول باسم المصدر، وهذا كثير شائع في اللغة، كقولهم للمخلوق‏:‏ خلق، وقولهم‏:‏ درهم ضرب الأمير، أي‏:‏ مضروب الأمير، ونظائره كثيرة‏.‏
وابن عطية سلك مسلك هؤلاء وقال‏:‏ الاسم الذي هو ‏[‏ألف وسين وميم‏]‏ يأتي في مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى، ويأتي في مواضع يراد به التسمية، نحو قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن لله تسْعَة وتسعين اسمًا‏)‏ وغير ذلك، ومتى أريد به المسمى فإنما هو صلة كالزائد، كأنه قال في هذه الآية، سبح ربك الأعلى، أي‏:‏ نزهه‏.‏
قال‏:‏ وإذا كان الاسم واحد والأسماء كزيد وعمرو، فيجىء في الكلام على ما قلت لك‏.‏ تقول‏:‏ زيد قائم، تريد المسمى، وتقول‏:‏ زيد ثلاثة أحرف، تريد التسمية نفسها، على معنى‏:‏ نزه اسم ربك عن أن يسمى به صَنَم أو وَثَن ‏[‏قيل‏:‏ الصنم هو الوثن، وقيل‏:‏ الصنم المتخذ من الجواهر المعدنية التي تذوب، والوثن هو المتخذ من حجر أو خشب، وقيل غير ذلك‏.‏ انظر‏:‏ المصباح المنير، مادة‏:‏ صنم‏]‏‏.‏ فيقال له‏:‏ إله أو رب‏.‏
قلت‏:‏ هذا الذي ذكروه لا يعرف له شاهد، لا من كلام فصيح ولا غير ذلك، ولا يعرف أن لفظ اسم ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ يراد به المسمى، بل المراد به الاسم الذي يقولون هو التسمية‏.‏
وأما قوله‏:‏ تقول‏:‏ زيد قائم، تريد المسمى‏.‏ فزيد ليس هو ‏(‏ألف سين ميم‏)‏ بل زيد مسمى هذا اللفظ، فزيد يراد به المسمى، ويراد به اللفظ‏.‏
وكذلك اسم ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ يراد به هذا اللفظ، ويراد به معناه، وهو لفظ زيد وعمرو وبكر، فتلك هي الأسماء التي تراد بلفظ اسم؛ لا يراد بلفظ اسم نفس الأشخاص؛ فهذا ما أعرف له شاهدًا صحيحًا، فضلاً عن أن يكون هو الأصل، كما ادعاه هؤلاء‏.‏
قال تعالى‏:‏‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏180‏]‏، فأسماؤه الحسنى مثل‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏22‏]‏ و‏{‏الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏98‏]‏، فهذه الأقوال هي أسماؤه الحسنى، وهي إذا ذكرت في الدعاء والخبر يراد بها المسمى‏.‏ إذا قال‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏217‏]‏، فالمراد المسمى، ليس المراد أنه يتوكل على الأسماء التي هي أقوال؛ كما في سائر الكلام؛ كلام الخالق، وكلام المخلوقين‏.‏
وما ذكروه من أن القائل إذا قال‏:‏ ما اسم معبودكم‏؟‏ قلنا‏:‏ الله،فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود، فدل على أن اسم المعبود هو المعبود حجة باطلة، وهي عليهم لا لهم‏.‏
فإن القائل إذا قال‏:‏ ما اسم معبودكم‏؟‏ فقلنا‏:‏الله، فالمراد أن اسمه هو هذا القول، ليس المراد أن اسمه هو ذاته وعينه الذي خلق السموات والأرض، فإنه إنما سأل عن اسمه لم يسأل عن نفسه، فكان الجواب بذكر اسمه‏.‏
وإذا قال‏:‏ ما معبودكم‏؟‏ فقلنا‏:‏ الله، فالمراد هناك المسمى، ليس المراد أن المعبود هو القول، فلما اختلف السؤال في الموضعين اختلف المقصود بالجواب، وإن كان في الموضعين قال‏:‏ الله، لكنه في أحدهما أريد هذا القول الذي هو من الكلام، وفي الآخر أريد به المسمى بهذا القول‏.‏ كما إذا قيل‏:‏ ما اسم فلان‏؟‏ فقيل‏:‏ زيد أو عمرو، فالمراد هو القول‏.‏ وإذا قال‏:‏ من أميركم أو من أنكحت‏؟‏ فقيل‏:‏ زيد أو عمرو، فالمراد به الشخص، فكيف يجعل المقصود في الموضعين واحدًا‏.‏
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏180‏]‏، كان المراد‏:‏ أنه نفسه له الأسماء الحسنى، ومنها اسمه الله‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏110‏]‏، فالذي له الأسماء الحسنى هو المسمى بها؛ ولهذا كان في كلام الإمام أحمد‏:‏ أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى، وتارة يقول‏:‏ الأسماء الحسنى له، أي‏:‏المسمى ليس من الأسماء،ولهذا في قوله‏:‏‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ لم يقصد أن هذا الاسم له الأسماء الحسنى،بل قصد أن المسمى له الأسماء الحسنى‏.‏
وفي حديث أنس الصحيح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نَقْشُ خاتمه‏:‏‏[‏محمد رسول الله‏]‏ ‏[‏محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر‏]‏، ويراد الخط المكتوب الذي كتب به ذلك؛ فالخط الذي كتب به ‏[‏محمد‏]‏ سطر، والخط الذي كتب به ‏[‏رسول‏]‏ سطر و الخط الذي كتب به ‏[‏الله‏]‏ سطر‏.‏
ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه‏)‏ ، فمعلوم أن المراد‏:‏ تحرك شفتاه بذكر اسم الله، وهو القول، ليس المراد‏:‏ أن الشفتين تتحرك بنفسه ـ تعالى‏.‏
وأما احتجاجهم بقوله‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏1‏]‏، وأن المراد‏:‏ سبح ربك الأعلى، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏78‏]‏، وما أشبه ذلك، فهذا للناس فيه قولان معروفان، وكلاهما حجة عليهم‏.‏
منهم من قال‏:‏ ‏[‏الاسم‏]‏ هنا صلة والمراد‏:‏ سبح ربك، وتبارك ربك‏.‏ وإذا قيل‏:‏ هو صلة فهو زائد لا معنى له، فيبطل قولهم أن مدلول لفظ اسم ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ هو المسمى، فإنه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه هو المسمى وأنه صلة، كما قاله ابن عطية، فقد تناقض، فإن الذي يقول‏:‏ هو صلة، لا يجعل له معنى، كما يقوله من يقول ذلك في الحروف الزائدة التي تجىء للتوكيد، كقوله‏:‏ ‏{‏فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏159‏]‏، و‏{‏عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏40‏]‏ ونحو ذلك‏.‏
ومن قال‏:‏ إنه ليس بصلة، بل المراد تسبيح الاسم نفسه، فهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة‏.‏
والتحقيق أنه ليس بصلة، بل أمر الله بتسبيح اسمه، كما أمر بذكر اسمه‏.‏ والمقصود بتسبيحه وذكره‏:‏ هو تسبيح المسمى وذكره، فإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه، فيقول‏:‏ سبحان ربي الأعلى، فهو نطق بلفظ‏:‏ ‏[‏ربي الأعلى‏]‏، والمراد هو المسمى بهذا اللفظ، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى، ومن جعله تسبيحًا للاسم يقول‏:‏ المعنى‏:‏ أنك لا تسم به غير الله، ولا تلحد في أسمائه، فهذا مما يستحقه اسم الله، لكن هذا تابع للمراد بالآية ليس هو المقصود بها القصد الأول‏.‏
وقد ذكر الأقوال الثلاثة غير واحد من المفسرين، كالبغوي، قال‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏1‏]‏ أي‏:‏ قل‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏.‏ وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة، وذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ فقال‏:‏ ‏(‏سبحان ربي الأعلى‏)‏‏.‏
قلت في ذلك حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏أنه لما نزل ‏{‏فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏74‏]‏ قال‏:‏ ‏(‏اجعلوها في ركوعكم‏)‏‏.‏ ولما نزل‏:‏‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏، قال‏:‏ ‏(‏اجعلوها في سجودكم‏)‏، والمراد بذلك‏:‏ أن يقولوا في الركوع‏:‏ سبحان ربي العظيم، وفي السجود‏:‏سبحان ربي الأعلى، كما ثبت في الصحيح عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قام بالبقرة والنساء وآل عمران، ثم ركع نحوًا من قيامه يقول‏:‏ ‏(‏سبحان ربي العظيم‏)‏ وسجد نحوًا من ركوعه يقول‏:‏ ‏(‏سبحان ربي الأعلى‏)‏‏.‏
وفي السنن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏إذا قال العبد في ركوعه‏:‏ سبحان ربي العظيم ثلاثًا، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه،وإذا قال في سجوده‏:‏ سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، فقد تم سجوده،وذلك أدناه‏)‏، وقد أخذ بهذا جمهور العلماء‏.‏
قال البغوي‏:‏ وقال قوم‏:‏ معناه‏:‏ نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون‏.‏ وجعلوا الاسم صلة‏.‏ قال‏:‏ ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدًا؛ لأن أحدًا لا يقول‏:‏ سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا؛ إنما يقولون‏:‏ سبحان الله، وسبحان ربنا‏.‏ وكان معنى ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 1‏]‏، سبح ربك‏.‏
قلت‏:‏ قد تقدم الكلام على هذا، والذي‏:‏ يقول‏:‏ سبحان الله،وسبحان ربنا، إنما نطق بالاسم الذي هو الله، والذي هو ربنا فتسبيحه إنما وقع على الاسم، لكن مراده هو المسمى، فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمى والمراد المسمى، وهذا لا ريب فيه، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ المراد به المسمى‏.‏
لكن يدل على أن ‏[‏أسماء الله‏]‏ مثل‏:‏ الله، وربنا، وربي الأعلى ونحو ذلك، يراد بها المسمى، مع أنها هي في نفسها ليست هي المسمى، لكن يراد بها المسمى، فأما اسم هذه الأسماء ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ فلا هو المسمى الذي هو الذات، ولا يراد به المسمى الذي هو الذات، ولكن يراد به مسماه الذي هو الأسماء، كأسماء الله الحسنى، في قوله‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 180‏]‏، فلها هذه الأسماء الحسنى التي جعلها هؤلاء هي التسميات، وجعلوا التعبير عنها بالأسماء توسعًا، فخالفوا إجماع الأمم كلهم من العرب وغيرهم، وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول‏.‏
والذين شاركوهم في هذا الأصل وقالوا‏:‏ الأسماء ثلاثة، قد تكون هي المسمى، وقد تكون غيره، وقد تكون لا هي هو ولا غيره، وجعلوا الخالق والرازق ونحوهما غير المسمى، وجعلوا العليم والحكيم ونحوهما للمسمى غلطوا من وجه آخر؛ فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو ‏[‏ألف سين ميم‏]‏ هو مسمى الأسماء، فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه، ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه، واسمه العليم هو الرب العليم الذي العلم صفة له، فليس العلم هو المسمى، بل المسمى هو العليم، فكان الواجب أن يقال على أصلهم‏:‏الاسم هنا هو المسمى وصفته، وفي الخالق الاسم هو المسمى وفعله‏.‏
ثم قولهم إن الخلق هو المخلوق، وليس الخلق فعلاً قائمًا بذاته، قول ضعيف، مخالف لقول جمهور المسلمين، كما قد بسط في موضعه‏.‏
فتبين أن هؤلاء الذين قالوا‏:‏ ‏[‏الاسم هو المسمى‏]‏، إنما يسلم لهم أن أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام أريد به المسمى، وهذا ما لا ينازع فيه أحد من العقلاء، لا أن لفظ اسم ‏[‏ألف، سين، ميم‏]‏ يراد به الشخص‏.‏ وما ذكروه من قول لبيد‏:‏
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
فمراده‏:‏ ثم النطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود، كأنه قال‏:‏ ثم سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما بدون أن ينطق به، ويذكر اسمه‏.‏ فإن نفس السلام قول، فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل‏.‏
وقد احتج بعضهم بقول سيبويه‏:‏ إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنى لما مضى ولما لم يكن بعد، وهذا لا حجة فيه؛ لأن سيبويه مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الألفاظ‏.‏ وهذا اصطلاح النحويين، سموا الألفاظ بأسماء معانيها؛ فسموا قام ويقوم وقم فعلا؛ والفعل هو نفس الحركة؛ فسموا اللفظ الدال عليها باسمها‏.‏
وكذلك إذا قالوا‏:‏ اسم معرب ومبني، فمقصودهم اللفظ، ليس مقصودهم المسمى، وإذا قالوا‏:‏ هذا الاسم فاعل فمراده