(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الخامس

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 05:20 PM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وقال عمرو بن دينار، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال‏.‏‏.‏‏.‏ قال صالح بن كَيْسَان، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، أنه بلغه أن كعبًا قال‏.‏‏.‏‏.‏ رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏
قلت‏:‏ وفي الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو حاتم في ‏[‏صحيحه‏]‏ وقد رواه ـ أيضًا ـ الأئمة‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه‏.‏ فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه‏.‏ فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة‏:‏ ما قِبَلِي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام‏:‏ ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة‏:‏ ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس‏:‏ ما قبلي مدخل، فيقال له‏:‏ اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس، وقد دنت للغروب فيقال له‏:‏ ما هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه‏؟‏ فيقول‏:‏ دعوني حتى أصلي؛ فيقولون‏:‏ إنك ستفعل، أخبرنا عما / نسألك عنه‏.‏ فقال‏:‏ عم تسألوني‏؟‏ فيقولون‏:‏ ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تشهد عليه به‏؟‏ فيقول‏:‏ أشهد أنه رسول اللّه، وأنه جاء بالحق من عند اللّه، فيقال‏:‏ على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء اللّه تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له‏:‏ ذلك مقعدك منها، وما أعد اللّه لك فيها، فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له‏:‏ ذلك مقعدك منها، وما أعد اللّه لك فيها لو عصيت ربك، فيزداد غبطة وسرورًا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم الطيب، وهي طير تَعْلُق ‏[‏أي‏:‏ ترعى وتأكل‏]‏ في شجر الجنة‏)‏‏.‏
وفي لفظ‏:‏ ‏(‏وهو في طير يعلق في شجر الجنة‏)‏‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 27‏]‏، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ثم يعاد الجسد إلى ما بدئ منه‏)‏‏.‏
وهذه الإعادة هي المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 55‏]‏ ليست هي النشأة الثانية‏.‏
ورواه الحاكم في ‏[‏صحيحه‏]‏ عن معمر، عن قتادة عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن المؤمن إذا احتضر أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون‏:‏ اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان؛ فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم/ بعضًا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون‏:‏ ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض ‏!‏ وكلما أتوا سماءً قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، فيسألونه‏:‏ ما فعل فلان‏؟‏ قال‏:‏ فيقولون‏:‏ دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال لهم‏:‏ ما أتاكم‏؟‏‏!‏ فإنه قد مات؛ يقولون‏:‏ذهب به إلى أُمه الهاوية‏.‏ وأما الكافر فإن ملائكة العذاب تأتيه، فتقول‏:‏ اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب اللّه وسخطه، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض، فيقولون‏:‏ ما أنتن هذه الريح ‏!‏‏!‏ كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكفار‏)‏‏.‏
قال الحاكم‏:‏ تابعه هشام الدّسْتُوائي، عن قتادة‏.‏ وقال همام بن يحيى‏:‏ عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‏.‏
والكل صحيح، وشاهدها حديث البراء بن عازب‏.‏ وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من حديث القاسم بن الفضل الحذائي، كما رواه مَعْمَر‏.‏ قال‏:‏ ورواه أبو موسى وبُنْدَار، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، مثله مرفوعًا‏.‏ ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفًا، ورواه همام عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، مرفوعًا نحوه‏.‏ وقد روى هذا الحديث النسائي، والبزار في ‏[‏مسنده‏]‏ وأبو حاتم في ‏[‏صحيحه‏]‏‏.‏
/وقد روى مسلم في ‏[‏صحيحه‏]‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك‏.‏ قال‏:‏ فيقول أهل السماء‏:‏ روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى اللّه عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربه ثم يقال‏:‏ انطلقوا به إلى آخر الأجل‏.‏ قال‏:‏ وإن الكافر إذا خرجت روحه، وذكر من نتنها وذكر لعنًا، فيقول أهل السماء‏:‏ روح خبيثة جاءت من قبل الأرض‏.‏ قال‏:‏ فيقال‏:‏ انطلقوا به إلى آخر الأجل‏)‏‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ فرد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رَيْطَة كانت عليه على أنفه هكذا‏.‏
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم‏:‏ ‏(‏باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين‏)‏، وفي الصحيح أيضًا‏:‏ أنه كان يقول‏:‏ ‏(‏اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين‏)‏‏.‏
ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن، ما بين أن صعودها نوع آخر، ليس مثل صعود البدن ونزوله‏.‏
وروينا عن الحافظ أبي عبد اللّه محمد بن منده في كتاب‏[‏الروح والنفس‏]‏‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا عبد اللّه بن الحسن الحراني، ثنا أحمد /بن شعيب، ثنا موسى بن أيمن، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ في تفسير هذه الآية‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏42‏]‏‏.‏ قال‏:‏ تلتقي أرواح الأحياء في المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم، فيمسك اللّه أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها‏.‏
وروى الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم في‏[‏تفسيره‏]‏‏:‏ حدثنا عبد اللّه بن سليمان، ثنا الحسن، ثنا عامر، عن الفُرَات، ثنا أسباط عن السدى‏:‏ ‏{‏وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا‏}‏ قال‏:‏ يتوفاها في منامها‏.‏ قال‏:‏ فتلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان‏.‏ قال‏:‏ فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجله في الدنيا‏.‏ قال‏:‏ وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس‏.‏
وهذا أحد القولين وهو أن قوله‏:‏ ‏{‏فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏42‏]‏ أريد بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي‏.‏
والقول الثاني ـ وعليه الأكثرون ـ أن كلا من النفسين ـ الممسكة والمرسلة ـ توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدمها بقوله‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا‏}‏، وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن اللّه قال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏، فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي / توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال، ولا ذكر في الآية التقاء الموتى بالنيام‏.‏
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين؛ فإن اللّه ذكر توفيتين‏:‏ توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى‏.‏
ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا‏}‏ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف‏.‏ وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتي لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه، لكن قوله‏:‏ ‏{‏فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ‏}‏ يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين‏)‏ فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة‏.‏
وقال ابن أبي حاتم‏:‏ ثنا أبي، ثنا عمر بن عثمان، ثنا بَقيَّة؛ ثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر الحضرمي؛ أن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ قال لعلي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه‏:‏ أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء / لم يخطر له على بال ‏!‏ فتكون رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الشيء؛ فلا تكون رؤياه شيئًا، فقال على بن أبي طالب‏:‏ أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين‏؟‏ إن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 42‏]‏، فاللّه يتوفي الأنفس كلها، فما رأت ـ وهي عنده في السماء ـ فهو الرؤيا الصادقة‏.‏ وما رأت ـ إذا أرسلت إلى أجسادها ـ تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فأخبرتها بالأباطيل وكذبت فيها، فعجب عمر من قوله‏.‏
وذكر هذا أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق بن منده في كتاب ‏[‏الروح والنفس‏]‏ وقال‏:‏ هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره، ولفظه‏:‏ قال على بن أبي طالب‏:‏ يا أمير المؤمنين، يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ والأرواح يعرج بها في منامها، فما رأت وهي في السماء فهو الحق، فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فما رأت من ذلك فهو الباطل‏.‏
قال الإمام أبو عبد اللّه بن منده‏:‏ وروى عن أبي الدرداء قال‏:‏ روى ابن لَهِيعَة عن عثمان بن نعيم الرُّعَيْني، عن أبي عثمان الأصْبَحِي، عن أبي الدرداء قال‏:‏ إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العَرْش قال‏:‏ فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جُنُبًا لم يؤذن لها بالسجود‏.‏ رواه زيد بن الحباب وغيره‏.‏
/وروى ابن منده حديث على وعمر ـ رضي اللّه عنهما ـ مرفوعًا، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، ثنا محمد بن شعيب، ثنا ابن عياش بن أبي إسماعيل، وأنا الحسن بن علي، أنا عبد الرحمن بن محمد، ثنا قتيبة والرازي، ثنا محمد بن حميد، ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، ثنا الأزهر بن عبد اللّه الأزدي، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه قال‏:‏ لقي عمر بن الخطاب على بن أبي طالب فقال‏:‏ يا أبا الحسن، ربما شهدت وغبنا، وربما شهدنا وغبت، ثلاثة أشياء أسألك عنهن، فهل عندك منهن علم‏؟‏ فقال على بن أبي طالب‏:‏ وما هن‏؟‏ قال‏:‏ الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيرًا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرًا‏.‏ فقال‏:‏ نعم، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الأرواح جنود مُجَنَّدَة، تلتقي في الهواء، فَتَشَامُّ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف‏)‏ قال عمر‏:‏ واحدة‏.‏ قال عمر‏:‏ والرجل يحدث الحديث إذ نسيه، فبينما هو قد نسيه إذ ذكره‏.‏ فقال‏:‏ نعم، سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما من القلوب قلب إلا وله سَحَابة كسحابة القمر، فبينما القمر يضىء إذ تجللته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء، وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي، إذ تجلت عنه فذكر‏)‏‏.‏ قال عمر‏:‏ اثنتان‏.‏ قال‏:‏ والرجل يرى الرؤيا‏:‏ فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب‏.‏ فقال‏:‏ نعم، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما من عبد ينام فيمتلئ نومًا إلا عُرِج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش / فهي الرؤيا التي تكذب‏)‏‏.‏ فقال عمر‏:‏ ثلاث كنت في طلبهن؛ فالحمد للّه الذي أصبتهن قبل الموت‏.‏
ورواه من وجه ثالث‏:‏أن ابن عباس سأل عنه عمر، فقال‏:‏ حدثنا أحمد بن سليمان بن أيوب، ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن ثعلبة بن مسلم الخَثْعَمِي، عن ابن أبي طلحة القرشي؛ أن ابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ قال لعمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ يا أمير المؤمنين، أشياء أسألك عنها‏؟‏ قال‏:‏ سل عما شئت؛ فقال‏:‏يا أمير المؤمنين، مم يذكر الرجل، ومم ينسى‏؟‏ ومم تصدق الرؤيا، ومم تكذب‏؟‏ فقال له‏:‏عمر أما قولك‏:‏ مم يذكر الرجل ومم ينسى‏؟‏ فإن على القلب طَخَاء ‏[‏الطَّخَاء‏:‏ ثِقَلٌ وغَشْى، وأصله‏:‏ الظُّلْمة والغَيْم‏]‏‏.‏ مثل طخاء القمر، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم، فإذا تجلت عن القلب ذكر ما كان ينسى، وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب‏؟‏ فإن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 42‏]‏ فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي تصدق، وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التي تكذب‏.‏
قلت‏:‏ وفي هذين الطريقين ذكر أن التي تكذب ما لم يكمل وصولها إلى العلو‏.‏ وفي الأول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها‏.‏ وكلا الأمرين ممكن؛ فإن الحكم يختلف لفوات شرطه، أو وجود مانعه عن ذلك، قال عكرمة ومجاهد‏:‏ إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح، /وأصله في الجسد، فتبلغ حيث شاء اللّه، فما دام ذاهبًا فإن الإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان، فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصل بالشمس‏.‏
قال ابن منده‏:‏ وأخبرت عن عبد اللّه بن عبد الرحمن السمرقندي، عن على بن يزيد السمرقندي ـ وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبيرـ قال‏:‏ إن الأرواح تمتد من مَنْخِر الإنسان، ومراكبها وأصلها في بدن الإنسان، فلوخرج الروح لمات، كما أن السراج لو فَرَّقْتَ بينها وبين الفتيلة لطفئت‏.‏ ألا ترى أن تركب النار في الفتيلة، وضوءها وشعاعها ملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتَجُول في البلدان، وتلتقي مع أرواح الموتى‏.‏ فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه وكان المرء في اليقظة عاقلًا ذكيًا صدوقًا لا يلتفت في اليقظة إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه، فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه اللّه ـ عز وجل ـ على حسب صدقه‏.‏ وإن كان خفيفًا نَزِيقًا ‏[‏أي‏:‏ خفيفًا‏]‏‏.‏ يحب الباطل والنظر إليه، فإذا نام وأراه اللّه أمرًا من خير أو شر رجع روحه، فحيثما رأى شيئًا من مخاريق الشيطان أو باطلًا وقف عليه كما يقف في يقظته، وكذلك يؤدي إلى قلبه فلا يعقل ما رأى؛ لأنه خلط الحق بالباطل، فلا يمكن معبر يعبر له، وقد اختلط الحق بالباطل‏.‏ قال الإمام ابن منده‏:‏ ومما يشهد لهذا الكلام ما ذكرناه عن عمر وعلى وأبي الدرداء ـ رضي اللّه عنهم‏.‏
قلت‏:‏ وخرج ابن قتيبة في كتاب ‏[‏تعبير الرؤيا‏]‏، قال‏:‏ حدثني حسين /بن حسن المروزي ‏[‏حسين بن الحسن بن حرب السلمي بن عبد الله المروزي، نزيل مكة‏.‏ روى عن ابن المبارك ويزيد بن زريع وابن علية وغيرهم، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وثقه ابن حبان وغير واحد‏.‏ مات سنة 46هـ‏]‏، أخبرنا ابن المبارك عبد اللّه، ثنا المبارك عن الحسن أنه قال‏:‏ أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد يقول اللّه ـ تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏انظروا إلى عبدي، روحه عندي، وجسده في طاعتي‏)‏‏.‏
وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، علم أنه ليس عروجها من جنس عروج البدن الذي يمتنع هذا فيه‏.‏ وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج الروح ونزولها، لا من جنس عروج البدن ونزوله‏.‏ وصعود الرب ـ عز وجل ـ فوق هذا كله وأجل من هذا كله؛ فإنه ـ تعالى ـ أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق‏.‏
وإذا قيل‏:‏ الصعود والنزول والمجيء والإتيان أنواع جنس الحركة، قيل‏:‏ والحركة ـ أيضًا ـ أصناف مختلفة، فليست حركة الروح كحركة البدن، ولا حركة الملائكة كحركة البدن، والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز، ويراد بها أمور أخرى، كما يقوله كثير من الطبائعية والفلاسفة‏:‏ منها الحركة في الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإنسان من جهل إلى علم، وحركة اللون أو الثياب من سواد إلى بياض، والحركة في الأيْن كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان، وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز‏.‏
ومن قال‏:‏ إن الجواهر المفردة تنتقل، فقوله غلط، كما هو مبسوط في موضعه‏.‏ /وكذلك الأجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها، فيسود الجسم بعد ابيضاضه، ويحلو بعد مرارته، بعد أن لم يكن كذلك‏.‏ وهذه حركات واستحالات وانتقالات، وإن لم يكن في ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز‏.‏ وكذلك الجسم الدائر في موضع واحد كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه، وإن لم يزل متحركا‏.‏ وهذه الحركات كلها في الأجسام، وأما في الأرواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب، ومن سخط إلى رضا‏.‏ ومن كراهة إلى إرادة، ومن جهل إلى علم، ويجد الإنسان من حركات نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده‏.‏ وذلك من جنس آخر غير جنس حركات بدنه‏.‏
وإذا عرف هذا؛ فإن للملائكة من ذلك ما يليق بهم، وإن ما يوصف به الرب ـ تبارك وتعالى ـ هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله، وحينئذ فإذا قال السلف والأئمة ـ كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من أئمة أهل السنة ـ أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، لم يجز أن يقال‏:‏ إن ذلك ممتنع، بل إذا كان المخلوق يوصف من ذلك بما يستحيل من مخلوق آخر، فالروح توصف من ذلك بما يستحيل اتصاف البدن به، كان جواز ذلك في حق الرب ـ تبارك وتعالى ـ أولى من جوازه من المخلوق كأرواح الآدميين والملائكة‏.‏
ومن ظن أن ما يوصف به الرب ـ عز وجل ـ لا يكون إلا مثل ما توصف به أبدان بني آدم، فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان‏.‏
/وأصل هذا‏:‏ أن قربه ـ سبحانه ـ ودنوه من بعض مخلوقاته، لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش، ويقرب من خلقه كيف شاء، كما قال ذلك من قاله من السلف، وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَن ظَلَمَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 7ـ11‏]‏ وقال في السورة الأخرى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏29 ،30‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏51 ،52‏]‏ فأخبر أنه ناداه من جانب الطور، وأنه قربه نجيا، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏34ـ46‏]‏ وقال تعالى‏:‏/‏{‏هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏15ـ20‏]‏‏.‏
وقال ابن أبي حاتم في ‏[‏تفسيره‏]‏‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ أنه قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 8‏]‏ قال‏:‏ كان ذلك النار، قال اللّه‏:‏ من في النور، ونودي أن بورك من في النور‏.‏
حدثنا على بن الحسين، ثنا محمد بن حمزة، ثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي؛ أن عكرمة حدثني عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّار‏}‏ قال‏:‏ كان ذلك النار نوره ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ أي‏:‏ بورك من في النور ومن حول النور‏.‏ وكذلك روى بإسناده من تفسير عطية عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 8‏]‏ يعني نفسه، قال‏:‏ كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها‏.‏
حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ‏[‏هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري، الطبري الأصل، البغدادي، الحافظ، ولد بعد السبعين ومائة، وثقه النسائي والخطيب، ومات سنة 249هـ وقيل غير ذلك‏]‏، ثنا أبو معاوية، عن شيبان، عن عكرمة‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 8‏]‏ قال‏:‏ كان اللّه في نوره‏.‏
حدثنا أبو زُرْعَة، ثنا بن أبي شيبة، ثنا على بن جعفر المدائني، عن وَرْقَاء، عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏8‏]‏ قال‏:‏ ناداه وهو في النور‏.‏
/حدثنا على بن الحسين المنْجَاني، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا مُفَضَّل بن أبي فَضَالة حدثني ابن ضَمْرَة‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏، قال‏:‏ إن موسى كان على شاطئ الوادي ـ إلى أن قال ـ فلما قام أبصر النار فسار إليها، فلما أتاها ‏{‏نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏، قال‏:‏ إنها لم تكن نارًا، ولكن كان نور اللّه وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله‏.‏
حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ قال‏:‏ النار نور الرحمة، قال‏:‏ ضوء من اللّه تعالى ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏‏:‏ موسى والملائكة‏.‏
وروي بإسناده عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ قال‏:‏ وروي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتاده مثل ذلك‏.‏ وروى عن السدي وحده‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏، قال‏:‏ كان في النار ملائكة‏.‏
وفي صحيح مسلم عن أبي عُبَيْدة، عن أبي موسى، قال‏:‏ قام فينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يَخْفِض القِسْط ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل /عمل الليل، حِجَابُه النورـ أو النار ـ لو كَشَفَه لأحرقت سُبُحَات وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه‏)‏‏.‏ ثم قرأ أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ وذكر من تفسير الوالبي عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏، يقول‏:‏ قدس، وعن مجاهد‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ‏}‏ بوركت النار‏.‏ كذلك كان يقول ابن عباس وفي السورة الأخرى‏:‏ ذكر أنه ناداه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وقوله‏:‏ ‏{‏مِنَ الشَّجَرَةِ‏}‏ هو بدل من قوله‏:‏ ‏{‏مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏30‏]‏ فالشجرة كانت فيه، وقال أيضًا‏:‏ ‏{‏وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏52‏]‏ والطور هو الجبل، فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن الوادي فإن شاطئ الوادي جانبه، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏44‏]‏ أي‏:‏ بالجانب الغربي، وجانب المكان الغربي؛ فدل على أن هذا الجانب الأيمن هو الغربي لا الشرقي، فذكر أن النداء كان من موضع معين وهو الوادي المقدس طوى من شاطئ الوادي الأيمن من جانب الطور الأيمن من الشجرة، وذكر أنه قَرَّبه نَجيا فناداه وناجاه، وذلك المنادى له، والمناجى له، هو اللّه رب العالمين لا غيره، ونداؤه ومناجاته قائمة به، ليس ذلك مخلوقًا منفصلا عنه، كما يقوله من يقول‏:‏ إن اللّه لا يقوم به كلام، بل كلامه منفصل عنه مخلوق، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ ناداه وناجاه ذلك الوقت، كما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقول‏:‏ لم يزل مناديًا مناجيًا له، ولكن ذلك الوقت خلق فيه إدراك النداء القديم الذي لم يزل ولا يزال‏.‏
/فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحدًا منها أحد من السلف‏.‏ وإذا كان المنادي هو اللّه رب العالمين، وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه، دل ذلك على ما قاله السلف من قربه ودنوه من موسى ـ عليه السلام ـ مع أن هذا قرب مما دون السماء‏.‏
وقد جاء ـ أيضًا ـ من حديث وهب بن منبه وغيره من الإسرائيليات قربه من أيوب ـ عليه السلام ـ وغيره من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ولفظه ـ الذي ساقه البغوي ـ أنه أضله غمام ثم نودي‏:‏ يا أيوب، أنا اللّه، يقول‏:‏أنا قد دنوت منك، أنزل منك قريبًا‏.‏ لكن الإسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة، لا على وجه الاعتماد عليها وحدها، وهوـ سبحانه وتعالى ـ قد وصف نفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه، فقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏‏.‏
وثبت في ‏[‏الصحيحين‏]‏ عن أبي موسى، أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال‏:‏ ‏(‏أيها الناس، ارْبعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته‏)‏‏.‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ من تَقَرَّبَ إلىّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلىَّ ذِراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَةً‏)‏‏.‏
/وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول‏:‏ إنه فوق العرش، سواء قالوا مع ذلك‏:‏ إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا‏.‏
وأما من ينكر ذلك‏:‏
فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون‏:‏ الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة‏.‏
ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم، ويفسر قربه بإثابته‏.‏ وهذا تفسير جمهور الجهمية؛ فإنهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلًا‏.‏
ومما يدخل في معاني القرب ـ وليس في الطوائف من ينكره ـ قرب المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين العابدين؛ فإن كل من أحب شيئًا فإنه لابد أن يعرفه ويقرب من قلبه، والذي يبغضه يبعد من قلبه‏.‏ لكن هذا ليس المراد به أن ذاته نفسها تحل في قلوب العارفين العابدين، وإنما في القلوب معرفته وعبادته ومحبته، والإيمان به؛ ولكن العلم يطابق المعلوم‏.‏
وهذا الإيمان الذي في القلوب هو ‏[‏المثل الأعلى‏]‏ الذي له في السموات والأرض، وهو معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏84‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏3‏]‏‏.‏
/وقد غلط في هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيرهم، فجعلوه حلول الذات واتحادها بالعابد والعارف، من جنس قول النصارى في المسيح، وهو قول باطل، كما قد بسط في موضعه‏.‏
والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكُلابية؛ فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته، ونحو ذلك، ويقولون‏:‏ الاستواء فعل فعله في العرش فصار مستويًا على العرش‏.‏ وهذا ـ أيضًا ـ قول ابن عقيل، وابن الزاغوني، وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم‏.‏
وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش‏.‏ وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر‏.‏
وأول من أنكر هذا في الإسلام الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة، وكانوا ينكرون الصفات والعلو على العرش، ثم جاء ابن كُلاب فخالفهم في ذلك، وأثبت الصفات والعلو على العرش، لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الأمور الاختيارية؛ ولهذا أحدث قوله في القرآن‏:‏ أنه قديم لم يتكلم به بقدرته‏.‏ ولا يعرف هذا القول عن أحد من السلف، بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام اللّه غير/ مخلوق، وأن اللّه يتكلم بمشيئته وقدرته، كما ذكرت ألفاظهم في كتب كثيرة في مواضع غير هذا‏.‏
فالذين يثبتون أنه كلم موسى بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا به، هم الذين يقولون‏:‏إنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه‏.‏ وأما من قال‏:‏ القرآن مخلوق أو قديم، فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه، فمن قال منهم بهذا مع هذا، كان من تناقضه؛ فإنه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم‏.‏
وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم على أصل المقالة، ولم يعرف حقيقتها ولوازمها؛ فلذا يوجد كثير من الناس يتناقض كلامه في هذا الباب‏.‏ فإن نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة بالإثبات، وليس على النفي دليل واحد‏:‏ لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وإنما أصله قول الجهمية، فلما جاء ابن كُلاب فرق، ووافقه كثير من الناس على ذلك، فصار كثير من الناس يقر بما جاء عن السلف وما دل عليه الكتاب والسنة، وبما يقوله النفاة مما يناقض ذلك، ولا يهتدي للتناقض‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏213‏]‏‏.‏
وبهذا يحصل الجواب عما احتج به من قال‏:‏ إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد ـ وهذا قد احتج به طائفة ـ وجعلوا هذا دليلًا على ما يتأولون عليه حديث النزول‏.‏ وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس /نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال‏:‏ يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته‏!‏
فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعًا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال‏:‏ بين ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة بالليل أو النهار، إذا كان الليل والنهار متساويين ـ كما يستويان في أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع ـ بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة، فهذه الساعات مختلفة في الطول والقصر، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر‏.‏
فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام ـ كما يكون عند نصف النهار ـ فإنها تضيء على ما أمامها و خلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها‏:‏ اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل‏.‏
ولا يزال لها هذا النهار، لكن يخفي ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال /والجنوب، فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين ـ الشمالي والجنوبي ـ نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك‏:‏ إنها على ذلك المكان دولابية مثل الدولاب، وأنها عند القطبين رحاوية تشبه حركة الرَّحَى، وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف‏.‏ والمعمور المسكون من الأرض، يقال‏:‏ إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل‏.‏
والكلام على هذا لبسطه موضع آخر، ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن الفلك مستدير‏.‏ وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد، منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي له نحو ‏[‏أربعمائة مصنف‏]‏ وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم‏.‏
والمقصود هنا أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية، فإنه ـ حينئذ ـ يكون إما وقت غروبها وإما قريبًا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية، فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة، فهذا منتهي نورها‏.‏ فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة، وكذلك على بلد تطلع عليه، والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان/، فيكون بينها وبين المغرب أيضًا تسعون درجة من ناحية المغرب، وإذا صار بينها وبين مكان تسعون درجة غربية غابت، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة شرقية، وإذا توسطت عليهم ـ وهو وقت استوائها قبل أن تَدْلُكَ ‏[‏أي تميل عن الاستواء‏]‏ وتَزِيغَ ويدخل وقت الظهر ـ كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية‏.‏
وإذا كان كذلك ـ والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان‏:‏ البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته‏:‏ هو ‏(‏إذا بقي ثلث الليل الآخر‏)‏، وأما رواية النصف والثلثين فانفرد بها مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي‏:‏ إن أصح الروايات عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏إذا بقي ثلث الليل الآخر‏)‏‏.‏ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر‏.‏
فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر‏[‏النزول‏]‏ أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة‏:‏ الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة‏.‏
ولفظ ‏(‏الليل والنهار‏)‏ في كلام الشارع إذا أطلق، فالنهار من طلوع الفجر، / كما في قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 114‏]‏، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صم يومًا وأفطر يومًا‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏كالذي يصوم النهار ويقوم الليل‏)‏ ونحو ذلك، فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة، وكذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بركعة‏)‏‏.‏ ولهذا قال العلماء ـ كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ـ‏:‏ إن صلاة الفجر من صلاة النهار‏.‏
وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نصف النهار‏)‏ فإنما يعني به النهار المبتدئ من طلوع الشمس، لا يريد قط ـ لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين بنصف النهارـ النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال؛ ولهذا غلط بعض متأخري الفقهاء ـ لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده‏؟‏ على قولين هما روايتان عن أحمد ـ ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر‏.‏ وسبب غلطه في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق، وبين مسمى نصف النهار، فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس، والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر‏.‏
والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل، فهذا الليل/ ـ المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف ـ وهو الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وقت العشاء إلى نصف الليل‏)‏ أو ‏(‏إلى الثلث‏)‏ ، فهو هذا الليل‏.‏ وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار‏.‏ وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير هذا‏.‏
وقد يقال‏:‏ بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏أفضل القيام قيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه‏)‏‏.‏ واليوم المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر‏.‏ فإن كان المراد بالحديث هذا، وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم بأربع ساعات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب له‏؟‏ من يسألني فأعطيه‏؟‏ من يستغفرني فأغفرله‏؟‏ حتى يطلع الفجر‏)‏‏.‏ فقد أخبر بدوامه إلى طلوع الفجر، وفي رواية‏:‏ ‏(‏إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر‏)‏‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏78‏]‏ تشهده ملائكة الليل والنهار، وقد قيل‏:‏ يشهده اللّه وملائكته‏.‏
وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك، فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثًا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان، وأما النزول الذي في النصف أو الثلثين، فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دوامًا من ذلك‏.‏/ وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس، كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبًا من ثمن الزمان وتُسعه، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبًا من سدسه وربعه وأكثر من ذلك‏.‏
ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة، مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل مقدار ساعة ـ وهو خمس عشرة درجة من المعمورـ ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثًا، والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلًا ونهارًا، أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثًا فكيف النزول الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض‏؟‏
فكل أهل بلد من البلاد يبقي نزوله ودعاؤه لهم‏:‏ هل من سائل‏؟‏ هل من داع‏؟‏ هل من مستغفر‏؟‏ سدس الزمان، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة‏.‏ والإسلام ـ وللّه الحمد ـ قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏زُوِيَتْ لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسَيَبْلُغ مُلْكُ أمتي ما زُوِي لي منها‏)‏ ‏[‏وقوله‏:‏ ‏(‏زُوِيَتْ‏)‏‏:‏ أي جُمِعت‏]‏‏.‏
وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه قد يقال‏:‏ إن هذا ‏[‏النزول، والدعاء‏]‏ إنما هو لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن ‏[‏نزول عَشِيَّة/عَرَفَة‏]‏ إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان، وعنهم تغلق أبواب النار، وتُصَفَّد ‏[‏أي‏:‏ تُوثق وتُقيَّد‏]‏‏.‏ شياطينهم، وأما الكفار الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب النار، ولا تصفد شياطينهم‏.‏
وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى، بل المقصود أن النزول إن كان خاصًا بالمؤمنين، فهم ـ وللّه الحمد ـ من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإن كان عامًا؛ فهو أبلغ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر‏.‏ فإنه إذا قيل‏:‏ ليل صيفهم قصير، قيل‏:‏وليل شتائهم طويل، فيعادل هذا هذا، وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم؛ ولهذا جاء في الأثر‏:‏ ‏(‏الشتاء ربيع المؤمن؛ يصوم نهاره، ويقوم ليله‏)‏‏.‏
وإذا كان كذلك، فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت السموات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد، لم يكن اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط؛ فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد، وكان المجموع ستة أثلاث، فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث، لزم ألا يزال تحت العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن اللّه محصور فيه، فلا يكون قط فوق العرش‏.‏
/ وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر، وأن أول كل بلد بعد الثلث الآخر، يقدر ما بينهما، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربي، وأيضًا، إن كانت مداخلة، فلابد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم، فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد‏.‏
وأيضًا، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد، فهو يختلف بعرضها أيضًا‏.‏ فكلما كان البلد أدخل في الشمال، كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر‏.‏ وما كان قريبًا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله في الصيف أطول من ليل ذاك، فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي‏.‏
وحينئذ، فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب‏.‏ وأيضًا، فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم، فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق ـ أيضًا ـ عند أولئك إذا بقي ثلث ليلهم، وهكذا إلى آخر العمارة‏.‏
فلو كان كما توهمه الجاهل، من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعًا من وجوه كثيرة‏:‏
/ منها‏:‏ أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته، ومنها‏:‏ أنه يجب على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدًا ليقع كذلك، ومنها‏:‏ أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم، إن أمكن مع ذلك، أن يكون قد نزل على غيرهم أيضًا، ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم والتأخير والطول والقصر‏.‏
فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلًا كنزول العباد، من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم، وهو ـ أيضًا ـ في تلك الساعة نازلًا على سماء آخرين، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم، أو يزيد أو يقصر‏.‏
وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له‏:‏ فالسموات كيف حالها عند نزوله‏؟‏ قال‏:‏ يرفعها، ثم يضعها، وهو قادر على ذلك‏.‏ فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم، كلهم ضالون، ثم يصيرون قسمين‏:‏
قسم علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك، فصاروا‏:‏ إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون به الكلم عن مواضعه‏.‏ وإما أن يقولوا‏:‏ لا يفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا مذهب السلف‏.‏
/ويقولون‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏7‏]‏ يدل على أن معنى المتشابه لا يعلمه إلا اللّه، والحديث منه متشابه ـ كما في القرآن ـ وهذا من متشابه الحديث، فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يَدْرِ هو ما يقول، ولا ما عنى بكلامه ـ وهو المتكلم به ابتداء‏.‏ فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد من عقلاء بنى آدم‏؟‏‏!‏ فضلًا عن الأنبياء‏!‏ فضلا عن أفضل الأولين والآخرين، وأعلم الخلق، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏!‏ وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة، وإن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل السنة‏.‏
ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه‏.‏ ولو تصوروا ذلك لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله‏.‏ وهم مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام، وقولهم يتضمن أعظم القَدْح؛ لكن لم يعرفوا ذلك‏.‏ ولازم القول ليس بقول، فإنهم لو عرفوا أن هذا يلزمهم ما التزموه‏.‏
وقسم ثان، من الممثلين للّه بخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق، قالوا مثل تلك الجهالات‏:‏ من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء، أو أن السموات ترتفع ثم تعود، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولُبٍّ‏.‏
/وقد ثبت في الصحيحين أنه ينزل، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر‏)‏، وفي حديث آخر‏:‏ ‏(‏أقرب ما يكون الرب من عبده في جَوْف الليل الآخر‏)‏، وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏إن اللّه ينزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل‏)‏، وفي صحيح مسلم ـ أيضًا ـ‏:‏ ‏(‏إذا مضى شَطْر الليل أو ثلثاه، ينزل اللّه إلى سماء الدنيا‏)‏ فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد، يبطل قول من يظن أنه يخلو منه العرش، ويصير تحت العرش أو تحت السماء‏.‏
وأما النزول ـ الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد ـ فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه‏.‏ وجميع ما وصف به الرب ـ عز وجل ـ نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص‏.‏
وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يَدْنُ إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحُجَّاج، وكذلك نزوله بالليل‏.‏
وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل/ منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره‏.‏ كذلك قال أبو رَزِين‏:‏ للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر‏)‏، قال‏:‏ يا رسول اللّه، كيف ونحن جميع وهو واحد‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ ‏(‏سأنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه؛ هذا القمر كلكم يراه مخليا به، فاللّه أكبر‏)‏‏.‏ وقال رجل لابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ كيف يحاسب اللّه العباد في ساعة واحدة‏؟‏ قال‏:‏ كما يرزقهم في ساعة واحدة‏.‏
وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقول اللّه‏:‏ قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد‏:‏ الحمد للّه رب العالمين، قال اللّه‏:‏ حمدني عبدي، فإذا قال العبد‏:‏ الرحمن الرحيم، قال اللّه‏:‏ أثنى على عبدي، فإذا قال العبد‏:‏ مالك يوم الدين؛ قال اللّه‏:‏ مجدنى عبدي، فإذا قال العبد‏:‏ إياك نعبد وإياك نستعين؛ قال‏:‏ هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال‏:‏ اهدنا الصراط المستقيم‏.‏ صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال‏:‏ هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل‏)‏‏.‏
فهذا يقوله ـ سبحانه وتعالى ـ لكل مُصَلٍّ قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من /لا يحصى عدده إلا اللّه، وكل واحد منهم يقول اللّه له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك، فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة‏.‏ وكذلك سمعه لكلامهم يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم، يسمع دعاءهم سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع‏.‏ ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، فإنه ـ سبحانه ـ هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع‏.
وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما، فإذا كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل، فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم، أو إجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏‏.‏
وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء، فإنه سبحانه وتعالى قال‏:‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يقبض اللّه الأرض ويطوي السموات بيمينه، ويقول‏:‏ أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الأرض‏؟‏‏!‏‏)‏‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 سؤال صعب والحل عندكم
0 اسمك في المنتديات
0 كيف نغتنم رمضان
0 اهوال القبور
0 الحب , حب , الحبيب , معنى الحب


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 05:21 PM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وفي حديث ابن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ أبلغ من ذلك، والسياق لمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يطوي اللّه السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول‏:‏ أنا الملك أين الجبارون‏؟‏ أين المتكبرون‏؟‏‏)‏‏.‏ رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ورواه عثمان بن أبي شيبة قال‏:‏ ‏(‏يطوي اللّه السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول‏:‏ أنا الملك أين الجبارون‏؟‏ أين المتكبرون‏؟‏ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله فيقول‏:‏ أنا الملك، أين الجبارون‏؟‏ أين المتكبرون‏؟‏‏)‏‏.‏
وفي حديث عبد اللّه بن مِقْسَم عن عبد اللّه بن عمر، قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وهو يقول‏:‏ ‏(‏يأخذ الجبار سمواته وأرضه ـ وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ـ ويقول‏:‏ أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئًا، أنا الذي أعيدها، أين الجبارون أين المتكبرون‏؟‏‏)‏، ويتميل رسول اللّه على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إنى أقول أساقط هو برسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏.‏ رواه ابن منده، وابن خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وسعيد بن منصور وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة‏.‏
فإذا كان ـ سبحانه ـ يطوي السموات كلها بيمينه، وهذا قدرها عنده ـ كما /قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ـ‏:‏ ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخَرْدَلَةٍ في يد أحدكم، وهو ـ سبحانه ـ بين لنا من عظمته بقدر ما نعقله، كما قال عبد العزيز الماجشُون ‏[‏هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، الإمام المفتى الكبير، نزيل بغداد، وسمي بالماجشون؛ لأن وجنتيه كانتا حمراوين - والماجشون تطلق على الثياب المُصَبَّغَة - وثقه أبو زُرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، توفي ببغداد سنة 164هـ‏]‏‏:‏ واللّه، ما دلهم على عظيم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم، أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم‏.‏
وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏103‏]‏ قال ابن أبي حاتم في ‏[‏تفسيره‏]‏‏:‏ حدثنا أبو زُرْعَة، ثنا مِنْجَاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏103‏]‏ قال‏:‏ ‏(‏لو أن الجن والإنس، والشياطين والملائكة؛ منذ خلقوا إلى أن فَنُوا صُفُّوا صفًا واحدًا ما أحاطوا باللّه أبدًا‏)‏، فمن هذه عظمته، كيف يحصره مخلوق من المخلوقات، سماء أو غير سماء‏؟‏‏!‏ حتى يقال‏:‏ إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه، أو يصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به ـ سبحانه وتعالى‏.‏
فإذا قال القائل‏:‏ هو قادر على ما يشاء، قيل‏:‏ فقل‏:‏ هو قادر على أن ينزل ـ سبحانه وتعالى ـ وهو فوق عرشه، وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير تمييز، فما كان أبلغ في القدرة والعظمة، فهو أولي بأن يوصف به مما ليس/ كذلك؛ فإن من توهم العظيم ـ الذي لا أعظم منه ـ يقدر على أن يصغر حتى يحيط به مخلوقه الصغير، وجعل هذا من باب القدرة والعظمة، فقوله‏:‏ إنه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه على العرش، أبلغ في القدرة والعظمة، وهو الذي فيه موافقة الشرع والعقل‏.‏
وهذا كما قد يقوله طائفة ـ منهم أبو طالب المكى ـ قال‏:‏إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن شاء لم يسعه شيء، وإن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد عند شيء، وقد جاوز الحد والمعيار، وسبق القيل والأقدار، ذو صفات لا تحصى، وقدر لا يتناهى، ليس محبوسًا في صورة، ولا موقوفًا بصفة، ولا محكومًا عليه بكلم، ولا يتجلى بوصف مرتين، ولا يظهر في صورة لاثنين، ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه صورة، ولكل عبد عند ظهوره صفة، وعن كل نظرة كلام، وبكل كلمة إفهام، ولا نهاية لتجليه، ولا غاية لأوصافه‏.‏
قلت‏:‏ أبو طالب ـ رحمه اللّه ـ هو وأصحابه ‏[‏السالمية‏]‏ أتباع الشيخ أبي الحسن بن سالم صاحب سهل بن عبد اللّه التُّسْتَرِي، لهم من المعرفة والعبادة والزهد واتباع السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل السنة ما هم معروفون به، وهم منتسبون إلى إمامين عظيمين في السنة؛ الإمام أحمد بن حنبل، وسهل بن عبد اللّه التُّسْتَرِي، ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ أبي محمد وغيرهم، وفيهم من هو على مذهب الشافعى‏.‏
/فالذين ينتسبون إليهم، أو يعظمونهم، ويقصدون متابعتهم، أئمة هدى ـ رضوان اللّه عليهم أجمعين‏.‏ وهم في ذلك كأمثالهم من أهل السنة والجماعة‏.‏
وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع؛ ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه، وأصول الدين، والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث، من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، ويحكى من مقالات الناس ألوانًا، والقول الذي بعث اللّه به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به؛ لا لكراهته لما عليه الرسول‏.‏
وهؤلاء وقع في كلامهم أشياء، أنكروا بعض ما وقع من كلام أبي طالب في الصفات ـ من نحو الحلول وغيره ـ أنكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوهم إلى الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في أبي على الأهوازي لما صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعري، وهذا مناقبه، وكان أبو علي الأهوازي من السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول‏.‏ والقاضي أبو يعلى له كتاب صنفه في الرد على السالمية‏.‏
وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه ـ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وكأصحاب الأشعري، وغيرهم من ينازعهم ـ من جنس تنازع الناس، تارة يرد عليهم حق وباطل، وتارة يرد عليهم حق من حقهم، وتارة يرد باطل بباطل، وتارة يرد باطل بحق‏.‏
/وكذلك ذكر الخطيب البغدادى في ‏[‏تاريخه‏]‏ أن جماعة من العلماء أنكروا بعض ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات‏.‏ وما وقع في كلام أبي طالب من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ، الذين أخذوا عنه كأبي الحكم بن بَرَّجَان ونحوه‏.‏
وأما أبو إسماعيل الأنصاري ـ صاحب ‏[‏منازل السائرين‏]‏ ـ فليس في كلامه شيء من الحلول العام، لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو‏:‏ ‏[‏مقام التوحيد‏]‏، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب، لكن كنى عنه‏.‏
وأما ‏[‏الحلول العام‏]‏ ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه، مع تبريه من لفظ الحلول، فإنه ذكر كلامًا كثيرًا حسنًا في التوحيد كقوله‏:‏ عالم لا يجهل، قادر لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه، سميع بصير، ملك لا يزول ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حدّ، كائن لم يزل، إلى أن قال‏:‏ وإنه أمام كل شيء، ووراء كل شيء، وفوق كل شيء، ومع كل شيء، ويسمع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء، وإنه مع ذلك غير محل للأشياء، وأن الأشياء ليست محلًا له، وأنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط‏.‏
وذكر كلامًا آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه،/ ثم قال‏:‏ واللّه ـ جل جلاله وعظم شأنه ـ هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه، بائن من جميع خلقه، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق ولا في الذات إلا الخالق‏.‏
قلت‏:‏ وهذا ينفي الحلول كما نفاه أولًا‏.‏
ثم قال‏:‏
فصل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين
فشهادة الموقن يقينه أن اللّه هو الأول من كل شيء، وأقرب من كل شيء، فهو المعطى المانع، الهادي المضل، لا معطي ولا مانع ولا ضار ولانافع إلا اللّه، كما لا إله إلا اللّه، ويشهد قرب اللّه منه ونظره إليه، وقدرته عليه وحيطته به، فسبق نظره وهمه إلى اللّه قبل كل شيء، ويذكره في كل شيء، ويخلو قلبه له من كل شيء، ويرجع إليه بكل شيء، ويتأله إليه دون كل شيء، ويعلم أن اللّه أقرب إلى القلب من وريده، وأقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره، وأقرب إلى اللسان من ريقه بقرب هو وصفه لا يتقرب ولا يقرب‏.‏
وأنه ـ تعالى ـ على العرش في ذلك كله، وأنه رفيع الدرجات من الثَّرَى، كما هو رفيع الدرجات من العرش، وأن قربه من الثرى ومن كل شيء كقربه من/ العرش، وأن العرش غير ملاصق له بحس، ولا تمكن فيه، ولا يذكر فيه بوجس ولا ناظر إليه بعين، ولا يحاط به فيدرك؛ لأنه ـ تعالى ـ محتجب بقدرته عن جميع بريته، ولا نصيب للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم به، واجد لما أوجده منه من أن اللّه عليه، وأن العرش مطمئن به، وأن اللّه محيط بعرشه فوق كل شيء، وفوق تحت كل شيء، فهو فوق الفوق، تحت التحت، لا يحد بتحت فيكون له فوق؛ لأنه العلي الأعلى‏.‏
أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان، ولا يحد بمكان، ولا يفقد من مكان، ولا يوجد بمكان، فالتحت للأسفل، والفوق للأعلى‏.‏
وهو ـ سبحانه ـ فوق كل فوق في العلو، وفوق كل تحت في السمو، هو فوق ملائكة الثرى، كما هو فوق ملائكة العرش والأماكن الممكنات، ومكانه مشيئته ووجوده قدرته، والعرش والثرى فما بينهما، هو حد للخلق الأسفل والأعلى بمنزلة خردلة في قبضته، وهو أعلى من ذلك محيط بجميع ذلك، كما لايدركه العقل ولا يكيفه الوهم، ولا نهاية لعلوه، ولا فوق لسموّه، ولا بعد في دنوه‏.‏
إلى أن قال‏:‏ وإن اللّه لا يحجبه شيء عن شيء، ولا يبعد عليه شيء، قريب من كل شيء بوصفه، وهو القدرة والدراك، والأشياء مبعدة بأوصافها؛/وهو البعد والحجب، فالبعد والإبعاد حكم مشيئته، والحدود والأقطار حجب بريته‏.‏
إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏3‏]‏، ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏59‏]‏، ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏ غير متصل بالخلق ولا مفارق، وغير مماس للكون ولا متباعد، بل منفرد بنفسه، متوحد بوصفه، لا يزدوج إلى شيء، ولا يقترن به شيء، أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه، وهو محيط بكل شيء بحيطة هى نعته، وهو مع كل شيء، وفوق كل شيء، وأمام كل شيء، ووراء كل شيء؛ بعلوه ودنوه، وهو قربه، فهو وراء الحول الذي هو وراء حملة العرش، وهو أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح، وهو مع ذلك فوق كل شيء وهو محيط بكل شيء، وليس هو تعالى في هذا مكانًا لشيء ولا مكانًا له شيء، وليس كمثله في كل هذا شيء، لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه، ولا نظير له في عباده، ولا شبيه له في إيجاده، وهو أول في آخريته بأولية هى صفته، وآخر في أوليته بآخرية هى نعته، وباطن في ظهوره بباطنية هى قربه، وظاهر في باطنيته بظهور هو علوه، لم يزل كذلك أولا، ولا يزال كذلك آخرًا، ولم يزل كذلك باطنًا، ولا يزال كذلك ظاهرًا‏.‏
إلى أن قال‏:‏ هو على عرشه بإخباره لنفسه؛ فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير محدود بعرشه؛ والعرش محتاج إلى مكان، والرب ـ عز وجل ـ غير محتاج إليه؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏5‏]‏ الرحمن اسم، والاستواء/نعته، متصل بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته، ليس بمضطر إلى مكان يسعه ولا حامل يحمله‏.‏
إلى أن قال‏:‏ وهو لا يسعه غير مشيئته، ولا يظهر إلا في أنوار صفته، ولا يوجد إلا في سعة البسطة‏.‏ فإذا قبض أخفي ما أبدى، وإذا بسط أعاد ما أخفي‏.‏ وكذلك جعله في كل رسم كون، وفعله بكل اسم مكان، ومما جل فظهر ومما دق فاستتر، لا يسعه غير مشيئته بقربه، ولا يعرف إلا بشهوده، ولا يرى إلا بنوره، هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب، ولهم ذلك عند المشاهدة بالأبصار، ولا يعرف إلا بمشيئته، إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن لم يشأ لم يسعه كل شيء، إن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد بشيء‏.‏ وذكر تمام كلامه كما حكيناه من قبل‏.‏
قلت‏:‏ وهذا الذي ذكره من قربه وإطلاقه، وأنه لايتجلى بوصف مرتين ولا يظهر في صورة لاثنين، هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى قلوبهم، وتجليه لقلوبهم ـ لا أن هذا هو وصفه في نفس الأمر، وأنه كما تحصل هذه التجليات المختلفة تحصل يوم القيامة للعيون‏.‏
وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين، يشهدون أشياء بقلوبهم فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا،حتى إن فيهم خلقًا منهم من المتقدمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون اللّه بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم / من المعرفة والذكر والمحبة،يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم، ويحصل لهم فناء واصطلام، فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم، ولا يكون ذلك إلا في القلب؛ولهذا ظن كثير منهم أنه يرى اللّه بعينه في الدنيا‏.‏
وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين، وهو غلط محض حتى أورث مما يدعيه هؤلاء شكًا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية اللّه في الجملة، وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به؛ هل يقع في الدنيا أو لا يقع‏؟‏ فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين، ومنهم من يقول يجوز ذلك‏.‏ وهذا كله ضلال؛ فإن أئمة السنة والجماعة متفقون من أن اللّه لا يراه أحد بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏ وقد روى نفي رؤيتنا له في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال ـ لما ذكر الدجال ـ قال‏:‏ ‏(‏واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت‏)‏ وموسى بن عمران ـ عليه السلام ـ قد سأل الرؤية، فذكر اللّه ـ سبحانه ـ قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ لَن تَرَانِي‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏143‏]‏، وما أصاب موسى من الصعق‏.‏
وهؤلاء منهم من يقول‏:‏ إن موسى رآه، وإن الجبل كان حجابه، فلما جعل الجبل دكا رآه، وهذا يوجد في كلام أبي طالب ونحوه‏.‏ ومنهم من يجعل الرائي هو المرئي، فهو اللّه فيذكرون اتحادًا، وأنه أفنى موسى عن نفسه حتى/ كان الرائي هو المرئي فما رآه عندهم موسى، بل رأى نفسه بنفسه، وهذا يدعونه لأنفسهم‏.‏
والاتحاد والحلول باطل‏.‏ وعلى قول من يقول به إنما هذا في الباطن والقلب، لا في الظاهر؛ فإن غاية ذلك ما تقوله النصارى في المسيح، ولم يقولوا‏:‏ إن أحدًا رأى اللاهوت الباطن المتُدَرِّع ‏[‏أي‏:‏ المتلبس، وفيها معنى الدخول في الشيء‏]‏‏.‏ بالناسوت‏.‏
وهذا الغلط يقع كثيرًا في السالكين‏.‏ يقع لهم أشياء في بواطنهم فيظنونها في الخارج في ذلك بمنزلة الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوهم؛ حيث يتصورون أشياء بعقولهم كالكليات والمجردات ونحو ذلك، فيظنونها ثابتة في الخارج، وإنما هى في نفوسهم؛ ولهذا يقول أبو القاسم السهيلي وغيره‏:‏ نعوذ باللّه من قياس فلسفي، وخيال صوفي‏.‏
ولهذا يوجد التناقض الكثير في كلام هؤلاء وهؤلاء‏.‏ وأما الذين جمعوا الآراء الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربى وأمثاله، فهم من أضل أهل الأرض؛ ولهذا كان الجنيد ـ رضي اللّه عنه ـ سيد الطائفة إمام هدى، فكان قد عرف ما يعرض لبعض السالكين، فلما سئل عن التوحيد قال‏:‏ التوحيد إفراد الحدوث عن القدم‏.‏
فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرًا عن الحلول والاتحاد‏.‏ فجاءت / الملاحدة ـ كابن عربى ونحوه ـ فأنكروا هذا الكلام على الجنيد؛ لأنه يبطل مذهبهم الفاسد‏.‏ والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال، وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين، وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك، وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات اللّه ـ تعالى ‏.‏
وقد خطب عروة بن الزبير من عبد اللّه بن عمر ابنته، وهو في الطواف، فقال‏:‏ أتحدثنى في النساء، ونحن نتراءى اللّه في طوافنا‏؟‏‏!‏ فهذا كله وما أشبهه لم يريدوا به أن القلب ترفع جميع الحجب بينه وبين اللّه حتى تكافح الروح ذات اللّه كما يرى هو نفسه؛ فإن هذا لا يمكن لأحد في الدنيا، ومن جوز ذلك إنما جوزه للنبى صلى الله عليه وسلم؛ كقول ابن عباس‏:‏ رأي محمد ربه بفؤاده مرتين، ولكن هذا التجلي يحصل بوسائط بحسب إيمان العبد ومعرفته وحبه؛ ولهذا تتنوع أحوال الناس في ذلك كما تتنوع رؤيتهم للّه تعالى في المنام، فيراه كل إنسان بحسب إيمانه، ويرى في صور متنوعة‏.‏
فهذا الذي قاله أبوطالب وهؤلاء، إذا قيل مثله فيما يحصل في القلوب، كان مقاربًا، مع أن في بعض ذلك نظرًا‏.‏ وإما أن يقال‏:‏ إن الرب ـ تعالى ـ في نفسه هوكذلك، فليس الأمر كذلك‏.‏
أما قوله‏:‏ أقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره وإلى/اللسان من ريقه بقرب هو وصفه، وقوله‏:‏ أقرب من حبل الوريد، فهذا ليس في كتاب اللّه ولا سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولا قاله أحد من السلف، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين، ولا الشيوخ المقتدى بهم من شيوخ المعرفة والتصوف‏.‏ وليس في القرآن وصف الرب ـ تعالى ـ بالقرب من كل شيء أصلا، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 186‏]‏ فهو سبحانه قريب ممن دعاه‏.‏
وكذلك ما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير؛ فقال‏:‏ ‏(‏يأيها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته‏)‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم‏)‏ لم يقل‏:‏ إنه قريب إلى كل موجود، وكذلك قول صالح ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏61‏]‏ هو كقول شعيب‏:‏ ‏{‏وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏90‏]‏، ومعلوم أن قوله‏:‏ ‏{‏قَرِيبٌ مُّجِيبٌ‏}‏ مقرون بالتوبة والاستغفار، أراد به قريب مجيب لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال‏:‏ إنه مجيب لكل موجود، و إنما الإجابة لمن سأله ودعاه، فكذلك قربه ـ سبحانه وتعالى‏.‏
/وأسماء اللّه المطلقة؛ كاسمه السميع، والبصير، والغفور، والشكور، والمجيب، والقريب، لا يجب أن تتعلق بكل موجود، بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، واسمه العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلومًا تعلق بكل شيء‏.‏
وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏16ـ 18‏]‏؛ وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 83ـ85‏]‏، فالمراد به قربه إليه بالملائكة، وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف، قالوا‏:‏ ملك الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة، وقد قال طائفة‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ‏}‏ بالعلم، وقال بعضهم‏:‏ بالعلم والقدرة، ولفظ بعضهم‏:‏ بالقدرة والرؤية‏.‏
وهذه الأقوال ضعيفة؛ فإنه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود، حتى يحتاجوا أن يقولوا بالعلم والقدرة والرؤية، ولكن بعض الناس لما ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء، تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء‏.‏
وكأنهم ظنوا أن لفظ ‏[‏القرب‏]‏ مثل لفظ ‏[‏المعية‏]‏، فإن لفظ المعية في سورة / الحديد والمجادلة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏7‏]‏‏.‏
وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا‏:‏ هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وسفيان الثوري، وأحمد ابن حنبل وغيرهم‏.‏
قال ابن أبي حاتم في تفسيره‏:‏ حدثنا أبي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر،عن نوح بن ميمون المضروب، عن بُكَيْر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ قال‏:‏ هو على العرش وعلمه معهم‏.‏ قال‏:‏ وروى عن سفيان الثوري أنه قال‏:‏ علمه معهم‏.‏ وقال‏:‏ حدثنا أبي، قال‏:‏ حدثنا أحمد ابن إبراهيم الدورقي ‏[‏أحمد بن إبراهيم الدورقي العبدي، والد المحدث الثقة عبد الله بن أحمد، روى عنه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم، ووثقه العقيلي والخليلي وغيرهما، مات سنة 642 هـ‏]‏‏.‏ حدثنا نوح بن ميمون المضروب ‏[‏هو أبو سعيد نوح بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي الرجال العجلي البغدادي، ويقال‏:‏ المروزي، المعروف بالمضروب ـ لضربة كانت بوجهه ـ وثقه ابن حبان والخطيب وغيرهما‏.‏ توفي سنة 218هـ‏]‏، ثنا بُكَيْر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله‏:‏ ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَيْنَ مَا كَانُوا‏}‏ /قال‏:‏ هو على العرش وعلمه معهم‏.‏ ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان هذا، وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح، كما جرح مقاتل بن سليمان‏.‏
وقال عبد اللّه بن أحمد‏:‏ثنا أبي، ثنا نوح بن ميمون المضروب، عن بكير بن معروف، ثنا أبو معاوية،عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا‏}‏ قال‏:‏ هوعلى العرش وعلمه معهم‏.‏ وقال على بن الحسن بن شقيق‏:‏ حدثنا عبد اللّه بن موسى صاحب عبادة، ثنا مَعْدان ـ قال ابن المبارك‏:‏ إن كان أحد بخراسان من الأبدال فمعدان ـ قال‏:‏ سألت سفيان الثوري عن قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏؛ قال‏:‏ علمه‏.‏
وقال حنبل بن إسحاق في كتاب ‏[‏السنة‏]‏‏:‏ قلت لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبل‏:‏ ما معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ و ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏7‏]‏ قال‏:‏ علمه، عالم الغيب والشهادة محيط بكل شيء، شاهد‏.‏ علام الغيوب، يعلم الغيب، ربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات و الأرض‏.‏
وقد بسط الإمام أحمد الكلام على معنى المعية في ‏[‏الرد على الجهمية‏]‏‏.‏ ولفظ المعية في كتاب اللّه جاء عامًا كما في هاتين الآيتين، وجاء خاصًا كما في قوله‏:‏/‏{‏إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏128‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏46‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏40‏]‏‏.‏ فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص؛ فإنه قد علم أن قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏ أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ خصهم بذلك دون الظالمين والفجار‏.‏
وأيضًا، فلفظ ‏[‏المعية‏]‏ ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى؛ كما في قوله‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏29‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏146‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏119‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏75‏]‏‏.‏ ومثل هذا كثير؛ فامتنع أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ‏}‏ يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق‏.‏ وأيضًا، فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم‏.‏
وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر، وبين أن لفظ المعية في اللغة ـ وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة ـ فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه‏.‏ فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد‏.‏
وقد قال ابن أبي حاتم‏:‏ قرأت على محمد بن الفضل‏:‏ حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شَقِيق، ثنا محمد بن مُزِاحم، ثنا بُكَيْر بن معروف، عن مقاتل بن سليمان / /في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ‏}‏ من المطر ‏{‏وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا‏}‏ من النبات ‏{‏وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء‏}‏ من القطر‏{‏وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا‏}‏ ما يصعد إلى السماء من الملائكة ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ يعنى بقدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما كنتم‏.‏
وبهذا الإسناد عن مقاتل بن سليمان قال‏:‏ بلغنا ـ واللّه أعلم ـ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الْأَوَّلُ‏}‏ قال‏:‏ قبل كل شيء‏{‏وَالْآخِرُ‏}‏ قال‏:‏ بعد كل شيء ‏{‏وَالظَّاهِرُ‏}‏ قال‏: ‏فوق كل شيء ‏{‏وَالْبَاطِنُ‏}‏ قال‏:‏ أقرب من كل شيء؛ وإنما نعنى بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه ‏{‏وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏3‏]‏ يعلم نجواهم ويسمع كلامهم، ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء نطقوا به، سيِّئ أو حسن‏.‏
وهذا ليس مشهورًا عن مقاتل كشهرة الأول الذي روى عنه من وجوه لم يجزم بما قاله، بل قال‏:‏ بلغنا، وهو الذي فسر الباطن بالقريب، ثم فسر القرب بالعلم والقدرة، ولا حاجة إلى هذا‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء‏)‏ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي ذر ـ رضي اللّه عنهما ـ في تفسير هذه الأسماء، وحديث ‏[‏الإدلاء‏]‏ ما قد بسطنا القول عليه في ‏[‏مسألة الإحاطة‏]‏‏.‏
/وكذلك هذا الحديث ذكره قتادة في تفسيره، وهو يبين أنه ليس معنى الباطن أنه القرب، ولا لفظ الباطن يدل على ذلك، ولا لفظ القرب في الكتاب والسنة على جهة العموم كلفظ المعية، ولا لفظ القرب في اللغة والقرآن كلفظ المعية؛ فإنه إذا قال‏:‏ هذا مع هذا؛ فإنه يعنى به المجامعة والمقارنة والمصاحبة،ولا يدل على قرب إحدى الذاتين من الأخرى،ولا اختلاطها بها؛ فلهذا كان إذا قيل‏:‏هو معهم، دل على أن علمه وقدرته وسلطانه محيط بهم، وهو مع ذلك فوق عرشه، كما أخبر القرآن والسنة بهذا‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏ فأخبر سبحانه أنه مع علوه على عرشه يعلم كل شيء، فلا يمنعه علوه عن العلم بجميع الأشياء‏.‏
وكذلك في حديث ‏[‏الأوعال‏]‏ ‏[‏جمع الوَعْل، وهو تيْس الجبل‏]‏ الذي في ‏[‏السنن‏]‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏واللّه فوق عرشه ويعلم ما أنتم عليه‏)‏، ولم يأت في لفظ القرب مثل ذلك أنه قال‏:‏ هو فوق عرشه وهو قريب من كل شيء، بل قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏56‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب‏)‏‏.‏
قال ابن أبي حاتم‏:‏ ثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جرير، عن عبدة بن/ أبي بَرْزَةَ السجستاني، عن الصلت بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال‏:‏جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يارسول اللّه، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه‏؟‏ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 186‏]‏‏.‏ إذا أمرتهم أن يدعونى فدعونى أستجيب لهم‏.‏
ولا يقال في هذا‏:‏ قريب بعلمه وقدرته؛ فإنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، وهم لم يشكوا في ذلك ولم يسألوا عنه، وإنما سألوا عن قربه إلى من يدعوه ويناجيه؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ فأخبر أنه قريب مجيب‏.‏
وطائفة من أهل السنة تفسر ‏[‏القرب‏]‏ في الآية والحديث بالعلم؛ لكونه هو المقصود؛ فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعي حصل مقصوده، وهذا هو الذي اقتضى أن يقول من يقول‏:‏ إنه قريب من كل شيء، بمعنى العلم والقدرة؛ فإن هذا قد قاله بعض السلف، كما تقدم عن مقاتل بن حيان وكثير من الخلف، لكن لم يقل أحد منهم‏:‏ إن نفس ذاته قريبة من كل شيء‏.‏ وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين، من يقول‏:‏ إنه فوق العرش، ومن يقول‏:‏ إنه ليس فوق العرش‏.‏
وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة الماجشُون قال‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏5‏]‏ يعلم وهو كذلك ما توسوس به/ أنفسنا منا، وهو بذلك أقرب إلينا من حبل الوريد، وكيف لا يكون كذلك وهو أعلم بما توسوس به أنفسنا منا، فكيف بحبل الوريد‏؟‏‏!‏ وكذلك قال أبو عمرو الطلمنكي، قال‏:‏ ومن سأل عن قوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏16‏]‏ فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه‏.‏ والدليل من ذلك صدر الآية، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ لأن اللّه لما كان عالمًا بوسوسته، كان أقرب إليه من حبل الوريد، وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس‏.‏
ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطًا لدم الإنسان ولحمه، وألا يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى يقول‏:‏ خالق ومخلوق؛ لأن معبوده بزعمه داخل حبل الوريد من الإنسان وخارجه، فهو على قوله ممتزج به غير مباين له‏.‏
قال‏:‏ وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن اللّه على عرشه، بائن من جميع خلقه، وتعالى اللّه عن قول أهل الزيغ، وعما يقول الظالمون علوًا كبيرًا‏.‏
قال‏:‏ وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏85‏]‏ أي بالعلم به والقدرة عليه، إذ لا يقدرون له على حيلة/ ولا يدفعون عنه الموت، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏61‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏11‏]‏‏.‏
قلت‏:‏ وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبى وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما في قوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏، وأما في قوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏}‏ فذكر أبو الفرج القولين‏:‏ أنهم الملائكة، وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس، وأنه القرب بالعلم‏.‏
وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري ـ جل وعلا ـ قريبة من وريد العبد ومن الميت، ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية، ولا حاجة إلى هذا؛ فإن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏}‏ أي بملائكتنا في الآيتين، وهذا بخلاف لفظ المعية، فإنه لم يقل‏:‏ ونحن معه، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد، وأخبر أنه ينبئهم يوم القيامة بما عملوا، وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض، وهو نفسه الذي استوى على العرش، فلا يجعل لفظ مثل لفظ، مع تفريق القرآن بينهما‏.‏
وكذلك قال أبو حامد موافقًا لأبي طالب المكي في بعض ما قال، مخالفًا له في البعض؛ فإنه من نفاة علو اللّه نفسه على العرش، وإنما المراد عنده أنه قادر عليه مستول عليه، أو أنه أفضل منه‏.‏ قال‏:‏ وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله/ والمعنى الذي أراده، استواء منزهًا عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطيف قدرته، مقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقيته لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء، إلى أن قال‏:‏
وإنه بائن بصفاته من خلقه، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته‏.‏
قلت‏:‏ فالفوقية التي ذكرها في القدرة والاستيلاء ‏[‏فوقية القدرة‏]‏، وهو أنه أفضل المخلوقات، و‏[‏القرب‏]‏ الذي ذكره هو العلم أو هو العلم والقدرة‏.‏ وثبوت علمه وقدرته واستيلائه على كل شيء هو مما اتفق عليه المسلمون، وتفسير قربه بهذا قاله جماعة من العلماء، لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده، ففسروها بالعلم لما رأوا ذلك عامًا‏.‏ قالوا‏:‏ هو قريب من كل موجود بمعنى العلم، وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم، وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ لا يجوز أن يراد به مجرد العلم؛ فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال‏:‏ إنه أقرب إليه من غيره لمجرد علمه به، ولا لمجرد قدرته عليه‏.‏
/ثم إنه ـ سبحانه وتعالى ـ عالم بما يسر من القول وما يجهر به، وعالم بأعماله، فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه؛ فإن حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏13، 41‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏7‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏78‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏80‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏7‏]‏‏.‏
ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم؛ أنه قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏16 ،17‏]‏، فأخبر أنه يعلم ما توسوس به نفسه، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ فأثبت العلم؛ وأثبت القرب وجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر‏.‏ وقيد القرب بقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏‏.‏
/وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، أو أن ذاته أقرب إلى الميت من أهله فهذا في غاية الضعف؛ وذلك أن الذين يقولون‏:‏ إنه في كل مكان، أو إنه قريب من كل شيء بذاته، لا يخصون بذلك شيئًا دون شيء، ولا يمكن مسلمًا أن يقول‏:‏ إن اللّه قريب من الميت دون أهله، ولا إنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء‏.‏
وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم، وهو عندهم في جميع بدن الإنسان، أو قريب من جميع بدن الإنسان، أو هو في أهل الميت كما هو في الميت، فكيف يقول‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏}‏ إذا كان معه ومعهم على وجه واحد‏؟‏‏!‏ وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه‏؟‏‏!‏
وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة؛ فإنه قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏16-18‏]‏‏.‏ فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي المتلقيين، قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال‏:‏ ‏{‏مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال، ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب‏.‏
وكذلك قوله في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏83-85‏]‏، فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال، ولا قال‏:‏ ‏{‏وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ‏}‏؛ فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره، والرب ـ تعالى ـ لا يراه في هذه الحال، لا الملائكة ولا البشر‏.‏
وأيضًا، فإنه قال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏}‏، فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال‏.‏ وذات الرب ـ سبحانه وتعالى ـ إذا قيل‏:‏ هي في مكان، أو قيل‏:‏ قريبة من كل موجود، لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال، ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء‏.‏
ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏، فإن ذاك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجرًا أو مؤمنًا أو مقربًا؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏88 ـ94‏]‏، ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون، وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏97‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفي الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏50‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 39‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏61‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏11‏]‏‏.‏
ومما يدل على ذلك‏:‏ أنه ذكره بصيغة الجمع، فقال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏}‏،‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏، وهذا كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏3‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 3‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏17-19‏]‏‏.‏
فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره اللّه ـ تعالى ـ في كتابه دل على أن المراد أنه ـ سبحانه ـ يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة؛ فإن صيغة‏[‏نحن‏]‏ يقولها المتبوع المطاع العظيم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم، وهو خالقهم وربهم، فهو ـ سبحانه ـ العالم بما توسوس به نفسه، وملائكته تعلم؛ فكان لفظ‏[‏نحن‏]‏ هنا هو المناسب‏.‏
وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ‏}‏ فإنه سبحانه يعلم ذلك، وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا همَّ العبد بحسنة كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر / حسنات، وإذا همَّ بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن تركها للّه كتبت حسنة‏)‏‏.‏ فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة، وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص اللّه به، وقد روى عن ابن عيينة أنهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنه همَّ بحسنة، ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه همَّ بسيئة، وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة، فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك، بل مافي قلب ابن آدم يعلمونه، بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه، بل الشيطان يلتقم قلبه، فإذا ذكر اللّه خَنَس‏[‏أي انقبض وتأخر‏]‏‏.‏ ، وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس، ويعلم هل ذكر اللّه أم غفل عن ذكره‏؟‏ ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له‏.‏
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر صفية ـ رضي اللّه عنها ـ‏:‏ ‏(‏إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم‏)‏‏.‏
وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار، سواء كان العبد مؤمنا أو كافرًا‏.‏ وإما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن فهذا باطل، لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك‏.‏
ولهذا لما ذكر اللّه ـ سبحانه ـ قربه من داعيه وعابديه قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏، فهنا هو نفسه ـ سبحانه/ وتعالى ـ القريب الذي يجيب دعوة الداع لا الملائكة، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلمفي الحديث المتفق على صحته‏:‏ ‏(‏إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏‏.‏
وذلك لأن اللّه ـ سبحانه ـ قريب من قلب الداعي، فهو أقرب إليه من عنق راحلته‏.‏ وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون‏:‏ إن اللّه فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع‏.‏
فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون بتقريبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه قلب الساجد؛ كما ثبت في الصحيح‏:‏ ‏(‏أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد‏)‏ فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه، وإن كان بدنه على الأرض‏.‏ ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبًا بالضرورة‏.‏ وإن قدر أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة قربت مكة منه‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 ماذا تريد المرأة ,وما حالها ,ولماذا؟
0 مسلسلات رمضان , قائمة باسماء مسلسلات رمضان
0 وسائل للمداومة على العمل الصالح بعد رمضان
0 كيف اعبد الله تعالى , لماذا اعبد الله
0 القناعة , القناعه , مفهوم القناعة , الطريق الى القناعة


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 05:22 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وقد وصف اللّه أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر، فقال‏:‏ ‏{‏لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏172‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏10، 11‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏88، 89‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏28‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏57‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏52‏]‏‏.‏
/وأما قرب الرب قربًا يقوم به بفعله القائم بنفسه، فهذا تنفيه الكُلابية ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته‏.‏ وأما السلف وأئمة الحديث والسنة، فلا يمنعون ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام‏.‏
فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، ونزوله عشية عرفة، ونحو ذلك هو من هذا الباب؛ ولهذا حد النزول بأنه إلى السماء الدنيا، وكذلك تكليمه لموسى ـ عليه السلام ـ فإنهلو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوام الليل إليه، لم يخص نزوله بسماء الدنيا، كما لم يخص ذلكفي إجابة الداعي وقرب العابدين له، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏‏.‏
وقال‏:‏ ‏(‏من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا‏)‏ وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقربه باختياره‏.‏ فكلما تقرب العبد باختياره قَدْر شبر زاده الرب قربًا إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع‏.‏ فكذلك قرب الرب من قلب العابد، وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرب والإيمان به، وهو المثل الأعلى، وهذا ـ أيضًا ـ لا نزاع فيه، وذلك أن العبد يصير محبًا لما أحب الرب، مبغضًا لما أبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديا لمن يعادي، فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه اللّه ويرضاه‏.‏
وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده‏.‏ فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض /والمخالفة‏.‏ وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه‏)‏‏.‏
فأخبر ـ سبحانه وتعالى ـ أنه يقرب العبد بالفرائض، ولا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه اللّه فيصير العبد محبوبًا للّه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏31‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏54‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏195‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏4‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏7‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏222‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏108‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏146‏]‏‏.‏
/فقد أخبر أنه يحب المتبعين لرسوله والمجاهدين في سبيله، وأنه يحب المتقين والصابرين والتوابين والمتطهرين، وهو ـ سبحانه ـ يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏16‏]‏ يقتضي أنه ـ سبحانه ـ وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما يوسوس به العبد نفسه، كما قال‏:‏ ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏80‏]‏ فهو يسمع، ومن يشاء من الملائكة يسمعون، ومن شاء من الملائكة‏.‏
وأما الكتابة فرسله يكتبون، كما قال هاهنا‏:‏ ‏{‏مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏81‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 12‏]‏‏.‏ فأخبر بالكتابة بقوله نحن؛ لأن جنده يكتبون بأمره‏.‏ وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره والملائكة يكتبون‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ‏}‏ لما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمره، كما كانوا يكتبون عمله بأمره، قال ذلك، وقربه من كل أحد بتوسط الملائكة كتكليمه كل أحد بتوسط الرسل؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 51‏]‏‏.‏
/فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل، وذاك قربه إليهم عند الاحتضار، وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة على اللسان، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 10ـ 12‏]‏‏.‏
وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذي يسمع منه القرآن، وهو الذي يقرؤه بنفسه بلا واسطة عند قراءة كل قارئ، كما غلطوا في القرب، وهم طائفة من متأخري أهل الحديث ومتأخري الصوفية‏.‏
ومن الناس من يفسر قول القائلين‏:‏ بأنه أقرب إلى كل شيء من نفس ذلك الشيء؛ بأن الأشياء معدومة من جهة أنفسها، وإنما هي موجودة بخلق الرب ـ سبحانه وتعالى ـ لها، وهي باقية بإبقائه، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا موجود إلا بإيجاده، ولا باقى إلا بإبقائه‏.‏ فلو قدر أنه لم يشأ خلقها وتكوينها لكانت باقية على العدم لا وجود لها أصلا، فصار هو أقرب إليها من ذواتها، فتكوين الشيء وخلقه وإيجاده هو فعل الرب ـ سبحانه وتعالى ـ وبه كان الشيء موجودًا وكان ذاتًا محققة في الخارج‏.‏ والموجود دائما محتاج إلى خالقه لا يستغنى عنه طرفة عين، فكان موجودًا بنسبته إلى خالقه، ومعدومًا بنسبته إلى نفسه، فإنه بالنظر إلى نفسه لا يستحق إلا العدم، فكان الرب أقرب إلى المخلوقات من المخلوقات إلى أنفسها بهذا الاعتبار‏.‏
وقد يفسر بعضهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏88‏]‏ بهذا المعنى؛ فإن الأشياء كلها بالنظر إلى أنفسها عدم محض، ونفي صرف، وإنما هي موجودة /تامة بالوجه الذي لها إلى الخالق، وهو تعلقها به، وبمشيئته وقدرته، فباعتبار هذا الوجه كانت موجودة، وبالوجه الذي يلي أنفسها لا تكون إلا معدومة‏.‏
وقد يفسرون بذلك قول لَبِيد‏:‏
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل**
ولا يقال‏:‏ هذه المقالة صحيحة في نفسها، فإنها لولا خلق اللّه للأشياء لم تكن موجودة، ولولا إبقاؤه لها لم تكن باقية‏.‏ وقد تكلم النظار في سبب افتقارها إليه‏:‏ هل هو الحدوث، فلا تحتاج إلا في حال الإحداث كما يقول ذلك من يقوله من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، أو هو الإمكان الذي يظن أنه يكون بلا حدوث بل بكون الممكن المعلول قديمًا أزليًا،ويمكن افتقارها في حال البقاء بلا حدوث كما يقوله ابن سينا وطائفة‏.‏
وكلا القولين خطأ، كما قد بسط في موضعه، وبين أن الإمكان والحدوث متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى قدماء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه؛ فإنهم أيضًا يقولون‏:‏ إن كل ممكن فهو محدث، وإنما خالفهم في ذلك ابن سينا وطائفة؛ ولهذا أنكر ذلك عليه إخوانه من الفلاسفة كابن رشد وغيره، والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق، فالفقر وصف لازم لها دائما لا تزال مفتقرة إليه‏.‏
/والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار، لا أن هذين الوصفين جعلا الشيء مفتقرًا بل فقر الأشياء إلى خالقها لازم لها لا يحتاج إلى علة، كما أن غنى الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة، وكذلك المخلوق لا يفتقر في اتصافه بالفقر إلى علة، بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة فقرًا لازمًا لها، ولا يستغنى إلا باللّه‏.‏
وهذا من معاني ‏[‏الصمد‏]‏، وهو الذي يفتقر إليه كل شيء، ويستغنى عن كل شيء‏.‏ بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته، ومن جهة إلهيته، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم، وهذا تحقيق قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏‏.‏
فلو لم يخلق شيئًا بمشيئته وقدرته لم يوجد شيء، وكل الأعمال إن لم تكن لأجله، فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته، وإلا كانت أعمالًا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلًا، ولولا ذلك لم يفعل‏.‏
فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات، بل كان العالم يفسد، وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏22‏]‏ ولم يقل‏:‏ لعدمتا؛ وهذا معنى قول لَبِيد‏:‏
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل**
/ وهو كالدعاء المأثور‏:‏ ‏(‏أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل، إلا وجهك الكريم‏)‏‏.‏
ولفظ‏[‏الباطل‏]‏ يراد به المعدوم، ويراد به ما لا ينفع، كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته لزوجته، فإنهن من الحق‏)‏‏.‏
وقوله عن عمر ـ رضي اللّه عنه ـ‏:‏ ‏(‏إن هذا الرجل لا يحب الباطل‏)‏، ومنه قول القاسم بن محمد لما سئل عن الغناء قال‏:‏ إذا ميز اللّه يوم القيامة الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء‏؟‏ قال السائل‏:‏ من الباطل‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏32‏]‏، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏62‏]‏‏.‏
فإن الآلهة موجودة ولكن عبادتها ودعاؤها باطل لا ينفع، والمقصود منها لايحصل، فهو باطل، واعتقاد ألوهيتها باطل، أي غير مطابق، واتصافها بالإلهية في أنفسها باطل، لا بمعنى أنه معدوم‏.‏
ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏: ‏18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 81‏]‏، فإن الكذب باطل لأنه غير مطابق، وكل فعل ما لا ينفع باطل؛ لأنه ليس له غاية موجودة محمودة‏.‏
/فقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد‏:‏ ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل‏)‏
هذا معناه‏:‏ أن كل معبود من دون اللّه باطل، كقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏31، 32‏]‏، وقد قال قبل هذا‏:‏ ‏{‏هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إلى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏30‏]‏، كما قال في الأنعام‏:‏ ‏{‏حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إلى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏61، 62‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏3‏]‏‏.‏
ودخل عثمان أو غيره على ابن مسعود ـ وهو مريض ـ فقال‏:‏ كيف تجدك‏؟‏ قال‏:‏ أجدني مردودًا إلى اللّه مولاي الحق، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 24، 25‏]‏، وقد أقروا بوجوده في الدنيا، لكن في ذلك اليوم يعلمون أنه الحق المبين دون ما سواه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏هُوَ الْحَقُّ‏}‏ بصيغة الحصر، فإنه يومئذ لا يبقى أحد يدعي فيه الإلهية، ولا أحد يشرك بربه أحدًا‏.
فصــل
وإذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقًا، فلا يوصف بالسُّفُول ولا علو شيء عليه بوجه من الوجوه، بل هوالعلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية، لا النزول ولا الاستواء ولا غير ذلك، فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، والأدلة العقلية الصحيحة توافق ذلك لا تناقضه، ولكن السمع والعقل يناقضان البدع المخالفة للكتاب والسنة، والسلف، بل الصحابة والتابعون لهم بإحسان كانوا يقرون أفعاله من الاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه‏.‏
قال أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره‏:‏ ثنا عصام بن الرَّوَّاد، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏ يقول‏:‏ ارتفع‏.‏ قال‏:‏ وروي عن الحسن ـ يعني البصري ـ والربيع بن أنس مثله كذلك‏.‏
وذكر البخاري في صحيحه في ‏[‏كتاب التوحيد‏]‏ قال‏:‏ قال أبو العالية‏:‏/ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏‏:‏ ارتفع فسوى خلقهن‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏‏:‏ علا على العرش، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم فيتفسيره في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏ وروى بهذا الإسناد عن أبي العالية، وعن الحسن، وعن الربيع مثل قول أبي العالية‏.‏ وروى بإسناده ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏ قال‏:‏ في اليوم السابع‏.‏
وقال أبو عمرو الطلمنكي‏:‏ وأجمعوا ـ يعني أهل السنة والجماعة ـ على أن للّه عرشًا، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه‏.‏ قال‏:‏ فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن اللّه فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء‏.‏
قال‏:‏ وقال أهل السنة في قوله‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏5‏]‏‏:‏ الاستواء من اللّه على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز، واستدلوا بقول اللّه‏:‏ ‏{‏فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏28‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏13‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏44‏]‏، إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات في هذا على أقوال‏:‏ فقال مالك ـ رحمه اللّه ـ‏:‏ إن الاستواءمعقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة‏.‏
وقال عبد اللّه بن المبارك ـ ومن تابعه من أهل العلم، وهم كثير ـ‏:‏ إن معنى ‏{‏اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏3‏]‏‏:‏ استقر، وهو قول القتيبي، وقال غير هؤلاء‏:‏ استوى أي ظهر‏.‏ وقال /أبو عبيدة معمر بن المثنى‏:‏ استوى بمعنى‏:‏ علا، وتقول العرب‏:‏ استويت على ظهر الفرس، بمعنى‏:‏ علوت عليه، واستويت على سقف البيت، بمعنى علوت عليه، ويقال‏:‏ استويت على السطح بمعناه، وقال اللّه تعالى‏:‏‏{‏فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏بمعنى علا على العرش‏.‏
وقول الحسن‏:‏ وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعابا؛ لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه واستحسنوه‏.‏
ثم تكلم على فساد قول من تأول ‏{‏اسْتَوَى‏}‏ بمعنى‏:‏ استولى‏.‏
وقال الثعلبي‏:‏ وقال الكلبي ومقاتل‏:‏ ‏{‏اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ يعني‏:‏ استقر، قال‏:‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ صعد‏.‏ وقيل‏:‏ استولى‏.‏ وقيل‏:‏ ملك‏.‏ واختار هو ما حكاه عن الفراء وجماعة أن معناه‏:‏ أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، قال‏:‏ ويدل عليه قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏11‏]‏ أي‏:‏ عمد إلى خلق السماء‏.‏
وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض، وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏كان اللّه ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض‏)‏‏.‏/ فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؛ لو كان هذا يعرف في اللغة‏:‏ أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة، لا حقيقة ولا مجازًا، لا في نظم ولا في نثر‏.‏
ومن قال‏:‏ استوى بمعنى‏:‏ عمد، ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏11‏]‏؛ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال‏:‏ عمدت إلى كذا، وقصدت إلى كذا، ولا يقال‏:‏ عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا، ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل المفسرون من السلف قولهم بخلاف ذلك كما قدمناه عن بعضهم‏.‏
وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع في الإسلام، لما ظهر إنكار أفعال الرب التي تقوم به ويفعلها بقدرته ومشيئته واختياره؛ فحينئذ صار يفسر القرآن من يفسره بما ينافي ذلك،كما يفسر سائر أهل البدع القرآن على ما يوافق أقاويلهم‏.‏ وأما أن ينقل هذا التفسير عن أحد من السلف فلا، بل أقوال السلف الثابتة عنهم متفقة في هذا الباب، لا يعرف لهم فيه قولان، كما قد يختلفون أحيانًا في بعض الآيات‏.‏ وإن اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد وهو إثبات علو اللّه على العرش‏.‏
فإن قيل‏:‏ إذا كان اللّه لا يزال عاليًا على المخلوقات كما تقدم، فكيف يقال‏:‏ ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان‏؟‏ أو يقال‏:‏ ثم علا على العرش‏؟‏ قيل‏:‏ هذا كما أخبر /أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد، وروى‏[‏ثم يعرج‏]‏، وهو ـ سبحانه ـ لم يزل فوق العرش، فإن صعوده من جنس نزوله‏.‏ وإذا كان في نزوله لم يصر شيء من المخلوقات فوقه، فهو ـ سبحانه ـ يصعد وإن لم يكن منها شيء فوقه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏29‏]‏ إنما فسروه بأنه ارتفع؛ لأنه قال قبل هذا‏:‏ ‏{‏قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا