فصـــل
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: أنه استولى وملك وقهر، وأنه في كل مكان. وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا بالاستواء إلى القدرة، فلو كان هذا كما ذكروا، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن اللّه قادر على كل شيء.
إلى أن قال ـ وأكثر في هذا ـ: وقد اتفق الأئمة جميعهم من المشرق والمغرب على الإيمان بالقرآن، والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في صفة الرب ـ عز وجل ـ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه. فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أقروا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ فإنه وصفه بصفة لا شيء.
/ فصـــل
والمبطل لتأويل من تأول استوى بمعنى: استولى، وجوه:
أحدها: أن هذا التفسير لم يفسره أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين، فإنه لم يفسره أحد في الكتب الصحيحة عنهم، بل أول من قال ذلك بعض الجهمية والمعتزلة؛ كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب [المقالات] وكتاب [الإبانة].
الثاني: أن معنى هذه الكلمة مشهور؛ ولهذا لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك ابن أنس عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ولا يريد أن: الاستواء معلوم في اللغة دون الآية ـ لأن السؤال عن الاستواء في الآية كما يستوى الناس.
الثالث: أنه إذا كان معلومًا في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلومًا في القرآن.
/ الرابع: أنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلومًا لم يحتج أن يقول: الكيف مجهول؛ لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي إلا ما قد علم أصله، كما نقول: إنا نقر باللّه، ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو.
الخامس: الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك، هو عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره، كما في قوله: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [المؤمنون:86]، وكما في دعاء الكرب؛ فلو كان استوى بمعنى استولى ـ كما هو عام في الموجودات كلها ـ لجاز مع إضافته إلى العرش أن يقال: استوى على السماء، وعلى الهواء، والبحار، والأرض، وعليها ودونها ونحوها؛إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أنه يقال: استوى على العرش ولا يقال: استوى على هذه الأشياء، مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء ـ علم أن معنى [استوى] خاص بالعرش، ليس عامًا كعموم الأشياء.
السادس: أنه أخبر بخلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل خلقها، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن عمران ابن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان اللّه ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض)، مع أن العرش كان مخلوقًا قبل ذلك، فمعلوم أنه ما زال مستوليا عليه / قبل وبعد، فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما كان مختصًا بالعرش.
السابع: أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى: استولى؛ إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور.
ثم استوى بشر على العراق ** من غير سيف ولا دم مهراق
ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة، وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه [الإفصاح] قال: سئل الخليل: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى: استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في لغتها ـ وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله ـ فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل.
الثامن: أنه روى عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى: استولى، إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، واللّه ـ سبحانه ـ لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى: استولى. فإذا تبين هذا فقول الشاعر:
ثم استوى بشر على العراق **
/لفظ [مجازي] لا يجوز حمل الكلام عليه إلا مع قرينة تدل على إرادته، واللفظ المشترك بطريق الأولى، ومعلوم أنه ليس في الخطاب قرينة أنه أراد بالآية الاستيلاء.
وأيضًا، فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى: استولى، إلا فيما كان منازعا مغالبًا، فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل: استولى، واللّه لم ينازعه أحد في العرش، فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الأخص مع النزاع في إرادة المعنى الأعم، لم يجب حمله عليه بمجرد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم فيه، وهؤلاء ادعوا أنه بمعنى: استولى في اللغة مطلقًا، والاستواء في القرآن في غير موضع، مثل قوله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28]، {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود:44]، {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف:13]، وفي حديث عدي: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتى بدابته فلما وضع رجله في الغَرْزِ قال: (بسم الله). فلما استوى على ظهرها قال: (الحمد لله) [والغَرْز: ركاب كور الجمل إذا كان من جِلْد أو خشب. والمراد بوضع الرجل في الغرز: السفر].
التاسع: أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب العرباء، ولو كان من لفظ بعض العرب العرباء، لم يجب أن يكون من لغة رسـول صلى الله عليه وسلم وقولـه، ولـو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف في الكتاب والسنة وهو الذي يراد به، ولا يجوز أن يراد معنى آخر.
العاشر: أنه لو حمل على هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الأئمة/ عنه، فضلا عن الصحابة، فضلًا عن الله ورسوله. فلو كان الكلام في الكتاب والسنة كلامًا نفهم منه معنى، ويريدون به آخر، لكان في ذلك تدليس وتلبيس، ومعاذ الله أن يكون ذلك! فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر في هذا اللفظ في هذا المعنى ليس حقيقة بالاتفاق؛ بل حقيقة في غيره، ولوكان حقيقة فيه للزم الاشتراك المجازي فيه، وإذا كان مجازًا عن بعض العرب أو مجازًا اخترعه من بعده، أفتترك اللغة التي يخاطب بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمته؟!
الحادي عشر: أن هذا اللفظ ـ الذي تكرر في الكتاب والسنة والدواعي متوفرة على فهم معناه من الخاصة والعامة عادة ودينًا ـ إن جعل الطريق إلى فهمه ببيت شعر أحدث فيؤدي إلى محذور، فلو حمل على معنى هذا البيت للزم تخطئة الأئمة الذين لهم مصنفات في الرد على من تأول ذلك، ولكان يؤدي إلى الكذب على اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة، وللزم أن اللّه امتحن عباده بفهم هذا دون هذا، مع ما تقرر في نفوسهم وما ورد به نص الكتاب والسنة، واللّه ـ سبحانه ـ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهذا مستحيل على اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة .
الثانى عشر: أن معنى الاستواء معلوم علمًا ظاهرًا بين الصحابة والتابعين وتابعيهم، فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعًا، وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي؛ فإنه قال: إن من قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] / خلاف ما تقرر في نفوس العامة فهو جهمى. ومنه قول مالك: الاستواء معلوم، وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا ؟ أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة. والسؤال عن النزول ولفظ الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه، فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون، وإنما البدعة السؤال عن الكيفية.
ومن أراد أن يزداد في هذه القاعدة نورًا، فلينظر في شيء من الهيئة، وهي الإحاطة والكُرِّيّة، ولابد من ذكر الإحاطة ليعلم ذلك.
فصــل
اعلم أن الأرض قد اتفقوا على أنها كروية الشكل، وهي في الماء المحيط بأكثرها؛ إذ اليابس السدس وزيادة بقليل، والماء ـ أيضًا ـ مقبب من كل جانب للأرض، والماء الذي فوقها بينه وبين السماء كما بيننا وبينها مما يلى رؤوسنا، وليس تحت وجه الأرض إلا وسطها ونهاية التحت المركز ؛ فلا يكون لنا جهة بينة إلا جهتان: العلو والسفل، وإنما تختلف الجهات باختلاف الإنسان .
فعلو الأرض وجهها من كل جانب، وأسفلها ما تحت وجهها ـ ونهاية المركز ـ هو الذي يسمى محط الأثقال، فمن وجه الأرض والماء من كل وجهة إلى المركز يكون هبوطًا، ومنه إلى وجهها صعودًا، وإذا كانت سماء الدنيا فوق الأرض محيطة بها فالثانية كُرِّية، وكذا الباقي. والكرسي فوق الأفلاك كلها، والعرش فوق الكرسي، ونسبة الأفلاك وما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فَلاة، والجملة بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة .
والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع، فإن لفظ [الفلك] يدل على الاستدارة، ومنه قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:40]؛ قال ابن عباس: في فلكة كفلكة المغزل، ومنه قولهم: تَفَلَّكَ ثدى الجارية: إذا استدار، وأهل الهيئة والحساب متفقون على ذلك .
/وأما [العرش] فإنه مقبب، لما روى في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يارسول اللّه، جهدت الأنفس، وجاع العيال، وذكر الحديث إلى أن قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا) وقال بإصبعه مثل القبة .
ولم يثبت أنه فلك مستدير مطلقًا، بل ثبت أنه فوق الأفلاك وأن له قوائم، كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من إليهود إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد لُطِم وجهُه فقال: يامحمد، إن رجلا من أصحابك لَطم وجهى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادعوه) فدعوه. فقال: (لم لطمتَ وجهَه؟) فقال: يارسول اللّه، إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفي موسى على البشر، فقلت: يا خبيث، وعلى محمد، فأخذتني غضبة فلطمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يُصعَقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزِى بِصَعْقَة الطور؟).
وفي [علوه] قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات وسقفها، وأنه مقبب وأن له/ قوائم، وعلى كل تقدير فهو فوق، سواء كان محيطًا بالأفلاك أو غير ذلك، فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلى بالنسبة إلى الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ في غاية الصغر؛ لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الآية [الأنعام:91، الزمر: 67].
قاعدة عظيمة في إثبات علوه تعالى:
وهو واجب بالعقل الصريح، والفطرة الإنسانية الصحيحة. وهو أن يقال: كان اللَّه ولا شيء معه ثم خلق العالم، فلا يخلو: إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه، وهذا محال، تعالى اللّه عن مماسة الأقذار وغيرها، وإما أن يكون خلقه خارجًا عنه ثم دخل فيه، وهذا محال أيضًا، تعالى أن يحل في خلقه ـ وهاتان لا نزاع فيهما بين أحد من المسلمين ـ وإما إن يكون خلقه خارجًا عن نفسه الكريمة ولم يحل فيه، فهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، ولا يليق باللّه إلا هو. وهذه القاعدة للإمام أحمد من حججه على الجهمية في زمن المحنة. وذكر الأشعري في [المقالات] مقالة محمد بن كُلاب الذي ائتم به الأشعري: إنه يعرف بالعقل أن اللَّهَ فوق العالم، والاستواء بالسمع، وبأخبار الرسل الذين بعثوا بتكميل الفطر، ولا تبديل لفطرة اللَّهِ، وجاءت الشريعة بها، خلافًا لأهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم فإنهم قلبوا الحقائق.
/ سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رَحمَهُ اللّه ـ عن رجلين تباحثا في [مسألة الإثبات للصفات، والجزم بإثبات العلو على العرش].
فقال أحدهما: لا يجب على أحد معرفة هذا، ولا البحث عنه، بل يكره له، كما قال الإمام مالك للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وإنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن اللَّهَ تعالى واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه، بل ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي.
فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ؟ فإذا كان مخطئًا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش ـ الذي هو أعلى المخلوقات ـ ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟
أفتونا وابسطوا القول بسطًا شافيًا يزيل الشبهات في هذا مثابين مأجورين إن شاء اللَّه تعالى.
/ فأجاب:
الحمد للَّهِ رب العالمين، يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة، وتفصيلًا عند العلم بالتفصيل؛ فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحقيق شهادة لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّهِ.
فمن شهد أنه رسول اللَّه شهد أنه صادق فيما يخبر به عن اللَّهِ ـ تعالى ـ فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة ؛إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه، وقد قال اللّه تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44ـ46].
وبالجملة، فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لا يحتاج إلى تقريره هنا، وهو الإقرار بما جاء به النبيصلى الله عليه وسلم، وهو ما جاء به من القرآن والسنة، كما قال اللّه تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران:164]، وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:151].
وقال تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ} [البقرة:231]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} [النساء:64]، وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 95].
ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الأولين؛ وعمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100].
ومما جاء به الرسول إخباره بأنه ـ تعالى ـ قد أكمل الدين بقوله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3].
ومما جاء به الرسول أمر اللّه له بالبلاغ المبين، كما قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت: 18]، وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [النحل: 44]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67].
ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا؛ فإن كتمان ما أنزله اللَّهُ إليه يناقض موجب الرسالة؛ كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة.
ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة، كما أنه معصوم من الكذب فيها. والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره اللَّه، وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر اللَّه بأنه قد أكمل الدين، وإنما /كمل بما بلغه؛ إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه اللَّه لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك).
وقال: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به). وقال أبو ذر: لقد توفي رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.
إذا تبين هذا، فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن اللَّه ـ تعالى ـ من أسماء اللَّه وصفاته، مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، الذين رضي اللَّهُ عنهم ورضوا عنه.
فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة، وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: لقد حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد اللَّه بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.
وقد قام عبد اللَّه بن عمرـ وهو من أصاغر الصحابة ـ في تعلم البقرة ثماني سنين، وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة. وهذا معلوم من وجوه:
/ أحدها: أن العادة المطردة التي جبل اللَّه عليها بني آدم، توجب اعتناءهم بالقرآن ـ المنزل عليهم ـ لفظًا ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب، أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لابد أن يكون راغبًا في فهمه، وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب اللَّه ـ تعالى ـ المنزل إليهم، الذي به هداهم اللَّه، وبه عرفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟!
فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام اللَّهِ من المبلغ عنه.
بل ومن المعلوم أن رغبة الرسولصلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يراد للمعنى.
الوجه الثاني: أن اللَّه ـ سبحانه وتعالى ـ قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]، وقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء:28].
فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره، علم أن معانيه مما يمكن/ الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين، وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.
الوجه الثالث: أنه قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2]، وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف:3]، فبين أنه أنزله عربيًا لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.
الوجه الرابع: إنه ذم من لا يفهمه فقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء:45، 46]. وقال تعالى: {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 87]، فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم اللَّه ـ تعالى ـ به.
الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]، وقال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} [محمد:16] وأمثال ذلك.
/وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا: ماذا قال آنفا؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} [محمد:16]
فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، غير عالمين بمعاني القرآن، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم اللَّه ـ تعالى ـ عليه.
الوجه السادس: أن الصحابة ـ رضي اللَّه عنهم ـ فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها.
ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب اللَّه مني تبلغه الإبل لأتيته. وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا اللَّه. والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.
فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا كثيرًا، ولو كان ذلك معلومًا عندهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه.
/فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن، أكثره لا يخرج عن وجوه:
أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه، فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، مع أن كلاهما حق، بمنزلة تسمية اللَّه ـ تعالى ـ بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء:110].
فإذا قيل: الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد ـ سبحانه وتعالى ـ وإن كان كل اسم يدل على نعت للّه ـ تعالى ـ لا يدل عليه الاسم الآخر.
ومثال هذا التفسير كلام العلماء في تفسير [الصراط المستقيم] فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن، أي: اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق العبودية، وهذا يقول: طاعة اللَّه ورسوله.
ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط، وينتفع بمعرفة ذلك النعت.
/ الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير [الاسم] بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ [الخبز] فأرى رغيفًا وقيل: هذا هو، فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه، لا إلى ذلك الرغيف خاصة.
ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32].
فالقول الجامع:أن [الظالم لنفسه]: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، و[المقتصد]: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، و[السابق بالخيرات]: بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى اللَّه بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق.
ثم إن كلا منهم يذكر نوعًا من هذا. فإذا قال القائل: [الظالم]: المؤخر للصلاة عن وقتها، و[المقتصد]: المصلي لها في وقتها، و[السابق]: المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل.
وقال آخر: [الظالم لنفسه]: هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا يؤدي زكاة ماله، و[المقتصد]: القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة، و [السابق]: الفاعل المستحب بعد الواجب كما / فعل [الصدِّيق الأكبر] حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئًا.
وقال آخر: [الظالم لنفسه]: الذي يصوم عن الطعام، لا عن الآثام، و[المقتصد]: الذي يصوم عن الطعام والآثام، و[السابق]: الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى اللَّه ـ تعالى ـ وأمثال ذلك ـ لم تكن هذه الأقوال متنافية بل كل ذكر نوعًا مما تناولته الآية.
الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببًا ويذكر الآخر سببًا آخر ـ لا ينافي الأول ـ ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعًا، أو نزولها مرتين؛ مرة لهذا، ومرة لهذا.
وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه [اختلاف تناقض]، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة ـ كبعض مسائل الصلاة والزكاة، والصيام والحج، والفرائض والطلاق ونحو ذلك ـ لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجملها منقولة عنه بالتواتر.
وقد تبين أن اللَّه ـ تعالى ـ أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات اللَّه والحكمة.
/ وقد قال غير واحد من السلف: إن [الحكمة] هي السنة؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه).
فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه، سواء قيل:إنه في القرآن، ولم نفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن، كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون، والذين اتبعوهم بإحسان، فعلينا أن نتبعهم فيه، سواء قيل:إنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة.
فصــل
فإذا تبين ذلك، فوجوب إثبات العلو للّه ـ تعالى ـ ونحوه، يتبين من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وغير المتواترة وكلام السابقين والتابعين، وسائر القرون الثلاثة ـ مملوء بما فيه إثبات العلو للَّه ـ تعالى ـ على عرشه بأنواع من الدلالات، ووجوه من الصفات، وأصناف من العبارات، تارة يخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش. وقد ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع.
وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها، وارتفاعها إليه، كقوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:158]، {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران:55]، {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج:4]، وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام:114]، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 201]، {حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 1، 2]، {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الأحقاف: 1، 2].
/ وتارة يخبر بأنه العلى الأعلى، كقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] وقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255].
وتارة يخبر بأنه في السماء كقوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17].
فذكر السماء دون الأرض، ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها، كما ذكر في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 48]، وقال تعالى: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3].
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟)، وقال للجارية: (أين اللَّه) ؟ قالت: في السماء. قال: (أعتقها فإنها مؤمنة).
وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض، كقوله تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنبياء: 19]، ويخبر عمن عنده بالطاعة، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206]، فلو كان موجب (العندية) معنى عامًا، كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك ـ لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحد مستكبرًا عن عبادته، بل مسبحًا له ساجدًا ، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60]، وهو/ سبحانه ـ وصف الملائكة بذلك ردًا على الكفار المستكبرين عن عبادته، وأمثال هذا في القرآن لا يحصى إلا بكلفة.
وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين، فلا يحصيها إلا اللَّه ـ تعالى.
فلا يخلو، إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو اللَّه نفسه على خلقه هو الحق، أو الحق نقيضه؛ إذ الحق لا يخرج عن النقيضين، وإما أن يكون نفسه فوق الخلق، أو لا يكون فوق الخلق ـ كما تقول الجهمية .
ثم تارة يقولون: لا فوقهم ولا فيهم، ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا محايث. وتارة يقولون: هو بذاته في كل مكان، وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه.
فإما أن يكون الحق إثبات ذلك، أو نفيه، فإن كان نفي ذلك هو الحق، فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط ـ لا نصًا ولا ظاهرًا ـ ولا الرسول، ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ لا أئمة المذاهب الأربعة، ولا غيرهم، ولا يمكن أحد أن ينقل عن واحد من هؤلاء أنه نفي ذلك أو أخبر به.
وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء، فأكثر من أن يحصى أو يحصر، / فإن كان الحق هو النفي ـ دون الإثبات ـ والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على الإثبات ولم يذكر النفي أصلًا ـ لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل نطقوا بما يدل ـ إما نصًا وإما ظاهرًا ـ على الضلال والخطأ المناقض للهدى والصواب.
ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين، فله أوفر حظ من قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء:115].
فإن القائل إذا قال: هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها، أو خلاف ما دلت عليه، أو أنه لم يرد إثبات علو اللَّه نفسه على خلقه، وإنما أريد بها علو المكانة ونحو ذلك، كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
فيقال له:فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق به باطنًا وظاهرًا، بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه؛ فإن غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة، والباطن المخالف للظاهر.
ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز، فلابد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي؛ فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم، يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان /عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد، لا سيما إذا كان باطلًا لا يجوز اعتقاده في اللّه، فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في اللَّه ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفًا عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه هوالذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة: هو اعتقاد باطل ؟
فإذا لم يكن في الكتاب، ولا السنة، ولا كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلًا، بل هم دائمًا لا يتكلمون إلا بالإثبات، امتنع حينئذ ألا يكون مرادهم الإثبات، وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه، وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه، وهذا كلام مبين، لا مخلص لأحد عنه، لكن للجهمية المتكلمة هنا كلام، وللجهمية المتفلسفة كلام.
أما المتفلسفة، والقرامطة فيقولون: إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق، وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون، وربما يقولون: إنهم كذبوا لأجل مصلحة العامة، فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، وإن كان في نفس الأمر باطلًا.
وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة، والكفر الواضح، قول متناقض في نفسه، فإنه يقال: لو كان الأمر كما تقولون، والرسل من جنس رؤسائكم، /لكان خواص الرسل يطلعون على ذلك، ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر، فكان يكون النفي مذهب خاصة الأمة، وأكملها عقلا وعلمًا ومعرفة، والأمر بالعكس؛فإن من تأمل كلام [السلف والأئمة] وجد أعلم الأمةـ عند الأمة ـ كأبي بكر وعمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود ومعاذ بن جبل، وعبد اللَّه بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللّه بن عمرو وأمثالهم، هم أعظم الخلق إثباتًا.