(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الرابع

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 04:49 PM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فالصحابة كانوا يعلمون ما جاء به الرسول، وفيما جاء به بيان الحجة على بطلان كفر كل كافر، وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانًا من مقاييس أولئك الكفار؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 33‏]‏، أخبر ـ سبحانه ـ أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله بالحق، وجاءه من البيان والدليل، وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحق من قياسهم‏.‏
وجميع ما تقوله الصابئة والمتفلسفة وغيرهم من الكفار ـ من حكم أو دليل ـ يندرج فيما علمه الصحابة‏.‏
وهذه الآية ذكرها الله تعالى بعد قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏30، 31‏]‏، فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسول، وأن هذه العداوة أمر لابد منه، ولا مفر عنه، ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏27-29‏]‏‏.‏
والله ـ تعالى ـ قد أرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالمين، وضرب الأمثال فيما أرسله به لجميعهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏27‏]‏، فأخبر أنه ضرب لجميع الناس في هذا القرآن من كل مثل‏.‏
/ ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في المحاربات‏.‏ فإذا كان عدو المسلمين ـ في تحصنهم وتسلحهم ـ على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة‏.‏
وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك، لا لفضل قوته وشجاعته، ولكن لمجانسته لهم، كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب ـ وهم خيار العجم ـ أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي، وكما يكون العربي المتشبه بالعجم ـ وهم أدنى العرب ـ أعلم بمخاطبة العرب من العجمي‏.‏
فقد جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏خيار عجمكم المتشبهون بعربكم، وشرار عربكم المتشبهون بعجمكم‏)‏‏.‏
ولهذا لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم [‏الطائف]‏ رماهم بالمنجنيق، وقاتلهم قتالاً لم يقاتل غيرهم مثله في المزاحفة كيوم بدر وغيره، وكذلك لما حوصر المسلمون عام‏ [‏الخندق‏] ‏اتخذوا من الخندق ما لم يحتاجوا إليه في غير الحصار‏.‏ وقيل‏:‏ إن سلمان أشار عليهم بذلك، فسلموا ذلك له ؛ لأنه طريق إلى فعل ما أمر الله به ورسوله‏.‏
وقد قررنا في قاعدة [‏السنة والبدعة‏]‏‏:‏ أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه / الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك‏.‏ وسواء كان هذا مفعولاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يكن، فما فعل بعده بأمره ـ من قتال المرتدين، والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وغير ذلك ـ هو من سنته‏.‏
ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يقول‏:‏ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله‏.‏ ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا‏.‏
فسنة خلفائه الراشدين هي‏:‏ مما أمر الله به ورسوله، وعليه أدلة شرعية مفصلة ليس هذا موضعها‏.‏
فكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل الكتاب، وإقامة الحجة عليهم بما بينه من أعلام رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبما في كتبهم من ذلك، وما حرفوه وبدلوه من دينهم، وصدق بما جاءت به الرسل قبله، حتى إذا سمع ذلك الكتابي العالم المنصف وجد ذلك كله من أبين الحجة وأقوم البرهان‏.‏
/والمناظرة والمحاجة لا تنفع إلا مع العدل والإنصاف، وإلا فالظالم يجحد الحق الذي يعلمه، وهو المسفسط والمقرمط، أو يمتنع عن الاستماع والنظر في طريق العلم، وهو المعرض عن النظر والاستدلال‏.‏ فكما أن الإحساس الظاهر لا يحصل للمعرض ولا يقوم للجاحد، فكذلك الشهود الباطن لا يحصل للمعرض عن النظر والبحث، بل طالب العلم يجتهد في طلبه من طرقه؛ ولهذا سمى مجتهدًا، كما يسمى المجتهد في العبادة وغيرها مجتهدًا، كما قال بعض السلف‏:‏ ما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيهم، وقال أبي ابن كعب وابن مسعود‏:‏ اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر‏)‏، وقال معاذ بن جبل، ويروى مرفوعًا، وهو محفوظ عن معاذ‏:‏ عليكم بالعلم، فإن تعليمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة‏.‏ فجعل الباحث عن العلم مجاهدًا في سبيل الله‏.‏
ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل، قال تعالى‏:‏‏{‏وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏46‏]‏، فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن‏.‏
وإذا حصل من مسلمة أهل الكتاب، الذين علموا ما عندهم بلغتهم، وترجموا لنا بالعربية، انتفع بذلك في مناظرتهم ومخاطبتهم، كما كان عبد الله بن سلام، / وسلمان الفارسي، وكعب الأحبار، وغيرهم، يحدثون بما عندهم من العلم، وحينئذ يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول، ويكون حجة عليهم من وجه، وعلى غيرهم من وجه آخر، كما بيناه في موضعه‏.‏
والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر‏.‏ وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثيرًا من كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية‏.‏
والمعاني الصحيحة، إما مقاربة لمعاني القرآن، أو مثلها، أو بعينها، وإن كان في القرآن من الألفاظ والمعاني خصائص عظيمة‏.‏
فإذا أراد المجادل منهم أن يذكر ما يطعن في القرآن بنقل أوعقل، مثل أن ينقل عما في كتبهم عن الأنبياء ما يخالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أو خلاف ما ذكره الله في كتبهم، كزعمهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله أمرهم بتحميم [‏أي‏:‏ جعل وجهه أسود‏.‏ يقال‏:‏ حَمَمْتُ وجهه تحميمًا‏:‏ إذا سودته بالفحم‏]‏ الزاني دون رجمه، أمكن للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يطلبوا التوراة ومن يقرؤها بالعربية ويترجمها من ثقات التراجمة، كعبد الله ابن سلام ونحوه، لما قال لحبرهم‏:‏ ارفع يدك عن آية الرجم، فإذا هي تلوح، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيين منهما، بعد أن قام عليهم الحجة من كتابهم، وذلك أنه موافق لما أنزل الله عليه من الرجم، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم إني / أول من أحيا أمرك إذ أماتوه‏)‏، ولهذا قال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏، قال ـ‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم، من النبيين الذين أسلموا، وهو لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 49‏]‏‏.‏
وكذلك يمكن أن يقرأ من نسخة مترجمة بالعربية، قد ترجمها الثقات بالخط واللفظ العربيين يعلم بهما ما عندهم بواسطة المترجمين الثقات من المسلمين، أو ممن يعلم خطهم منا، كزيد بن ثابت، ونحوه، لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم ذلك، والحديث معروف في السنن، وقد احتج به البخاري في‏]‏باب ترجمة الحاكم، وهل يجوز ترجمان‏؟‏‏[‏، قال‏:‏ وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت‏:‏ أن النبي أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه‏.‏
والمكاتبة بخطهم والمخاطبة بلغتهم من جنس واحد، وإن كانا قد يجتمعان وقد ينفرد أحدهما عن الآخر، مثل كتابة اللفظ العربي بالخط العبري وغيره من خطوط الأعاجم، وكتابة اللفظ العجمي بالخط العربي، وقيل‏:‏ يكتفي بذلك؛ ولهذا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 93‏]
فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها، إن كانوا صادقين في نقل / ما يخالف ذلك، فإنهم كانوا‏:‏ ‏{‏يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏78‏]‏، و‏{‏فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏79‏]‏، ويكذبون في كلامهم وكتابهم؛ فلهذا لا تقبل الترجمة إلا من ثقة‏.‏
فإذا احتج أحدهم على خلاف القرآن برواية عن الرسل المتقدمين، مثل الذي يروى عن موسى أنه قال‏:‏ ‏(‏تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض‏)‏ أمكننا أن نقول لهم‏:‏ في أي كتاب هذا ‏؟‏ أحضروه ـ وقد علمنا أن هذا ليس في كتبهم وإنما هو مفترى مكذوب وعندهم النبوات التي هي مائتان وعشرون، و‏[‏كتاب المثنوي‏]‏ الذي معناه المثناة، وهي التي جعلها عبد الله بن عمرو فينا من أشراط الساعة، فقال‏:‏ لا تقوم الساعة حتي يقرأ فيهم بالمثناة، ليس أحد يغيرها، قيل‏:‏ وما المثناة ‏؟‏ قال‏:‏ ما استكتب من غير كتاب الله‏.‏
وكذلك إذا سئلوا عما في الكتاب من ذكر أسماء الله وصفاته لتقام الحجة عليهم وعلى غيرهم، بموافقة الأنبياء المتقدمين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فحرفوا الكلم عن مواضعه، أمكن معرفة ذلك، كما تقدم‏.‏
وإن ذكروا حجة عقلية فهمت ـ أيضًا ـ مما في القرآن بردها إليه، مثل إنكارهم للنسخ بالعقل، حتى قالوا‏:‏ لا ينسخ ما حرمه، ولا ينهي عما أمر به، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏142‏]‏‏.‏ / قال البراء بن عازب ـ كما في الصحيحين‏:‏ هم اليهود ؛ فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏142‏]‏‏.‏
فذكر ما في النسخ من تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية، ومن كون الأمر الثاني قد يكون أصلح وأنفع، فقوله‏:‏ ‏{‏يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ بيان للأصلح الأنفع، وقوله‏:‏ ‏{‏مَن يَشَاء‏}‏ رد للأمر إلى المشيئة‏.‏
وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا‏:‏ التكليف إما تابع لمحض المشيئة، كما يقوله قوم، أو تابع للمصلحة، كما يقوله قوم، وعلى التقديرين فهو جائز‏.‏
ثم إنه ـ سبحانه ـ بَيَّنَ وقوع النسخ بتحريم الحلال في التوراة، بأنه أحل لإسرائيل أشياء ثم حرمها في التوراة، وأن هذا كان تحليلاً شرعيًا بخطاب، لم يكونوا استباحوه بمجرد البقاء على الأصل، حتى لا يكون رفعه نسخًا، كما يدعيه قوم منهم، وأمر بطلب التوراة في ذلك‏.‏ وهكذا وجدناه فيها، كما حدثنا بذلك مسلمة أهل الكتاب في غير موضع‏.‏
وهكذا مناظرة الصابئة الفلاسفة، والمشركين، ونحوهم، فإن الصابئ الفيلسوف إذا ذكر ما عند قدماء الصابئة الفلاسفة من الكلام ـ الذي عُرِّب وتُرْجم بالعربية وذكره ـ إما صرفًا، وإما على الوجه الذي تَصَّرف فيه متأخروهم بزيادة أو نقصان، وبَسْطٍ واختصار، ورد بعضه وإتيان بمعان / أخر، ليست فيه ونحو ذلك ـ فإن ذكْر ما لا يتعلق بالدين، مثل مسائل[‏الطب‏] ‏و[‏الحساب‏] ‏المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم، مثل محمد بن زكريا الرازي، وابن سينا ونحوهما من الزنادقة الأطباء ما غايته، انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز‏.‏ كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض، كما عامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر، وكما استأجر النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر ـ لما خرجا من مكة مهاجِرَيْن ـ [‏ابن أُريْقط‏]‏ رجلاً من بني الديِّل هاديًا خِرِّيتًا، والخريت‏:‏ الماهر بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابهما، ووعداه غار ثور صبح ثالثة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم، وكل هذا في الصحيحين، وكان أبو طالب ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويَذُبُّ عنه مع شركه، و هذا كثير‏.‏
فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏75‏]‏، ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلمُ الكافرَ إذا كان ثقة، نص على ذلك الأئمة، كأحمد وغيره؛ إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك، وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة، مثل ولايته على المسلمين، وعلوه عليهم ونحو ذلك‏.‏
فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه، / بل هذا أحسن؛ لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة، وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة، بل هي مجرد انتفاع بآثارهم، كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك‏.‏
وإن ذكروا ما يتعلق بالدين، فإن نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالا، وإن أحالوا معرفته على القياس العقلي، فإن وافق ما في القرآن فهو حق، وإن خالفه ففي القرآن بيان بطلانه بالأمثال المضروبة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 33‏]‏، ففي القرآن الحق، والقياس البين الذي يبين بطلان ما جاؤوا به من القياس، وإن كان ما يذكرونه مجملاً فيه الحق ـ وهو الغالب على الصابئة المبدلين، مثل‏[‏أرسطو] ‏وأتباعه، وعلى من اتبعهم من الآخرين ـ قبل الحق ورد الباطل، والحق من ذلك لا يكون بيان صفة الحق فيه كبيان صفة الحق في القرآن‏.‏ فالأمر في هذا موقوف على معرفة القرآن ومعانيه وتفسيره وترجمته‏.‏
والترجمة والتفسير ثلاث طبقات‏:‏
أحدها‏:‏ ترجمة مجرد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف، ففي هذه الترجمة تريد أن تعرف أن الذي يعني بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذي يعنى باللفظ عند هؤلاء، فهذا علم نافع؛ إذ كثير من الناس يقيد المعنى باللفظ، فلا يجرده عن اللفظين جميعًا‏.‏
/ والثاني‏:‏ ترجمة المعنى وبيانه، بأن يصور المعنى للمخاطب، فتصوير المعنى له وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ، كما يشرح للعربي كتابًا عربيًا قد سمع ألفاظه العربية، لكنه لم يتصور معانيه ولا فهمها، وتصوير المعني يكون بذكر عينه أو نظيره؛ إذ هو تركيب صفات من مفردات يفهمها المخاطب يكون ذلك المركب صور ذلك المعنى، إما تحديدًا وإما تقريبًا‏.‏
الدرجة الثالثة‏:‏ بيان صحة ذلك وتحقيقه، بذكر الدليل والقياس الذي يحقق ذلك المعنى، إما بدليل مجرد وإما بدليل يبين علة وجوده‏.‏
وهنا قد يحتاج إلى ضرب أمثلة ومقاييس تفيده التصديق بذلك المعنى، كما يحتاج في‏ [‏الدرجة الثانية‏] ‏إلى أمثلة تصور له ذلك المعنى‏.‏ وقد يكون نفس تصوره مفيدًا للعلم بصدقه، وإذا كفى تصور معناه في التصديق به لم يحتج إلى قياس، ومثل، ودليل آخر‏.‏
فإذا عرف القرآن هذه المعرفة، فالكلام الذي يوافقه أو يخالفه ـ من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين ـ لابد فيه من الترجمة للفظ والمعنى أيضًا، وحينئذ فالقرآن فيه تفصيل كل شيء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 111‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 89‏]‏‏.‏
ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن ؛ لفظه ومعناه، كما أمر بذلك / الرسول، ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغه إلى العَجَم قد يحتاج إلى ترجمة لهم، فيترجم لهم بحسب الإمكان، والترجمة قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني، فيكون ذلك من تمام الترجمة‏.‏
وإذا كان من المعلوم أن أكثر المسلمين، بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم، لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه، فلأن يعجز غيرهم عن ترجمة ما عنده وبيانه أولى بذلك؛ لأن عقل المسلمين أكمل، وكتابهم أقوم قيلا، وأحسن حديثًا، ولغتهم أوسع، لاسيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة، بل فيها باطل كثير؛ فإن ترجمة المعاني الباطلة وتصويرها صعب؛ لأنه ليس لها نظير من الحق من كل وجه‏.‏
فإذا سئلنا عن كلام يقولونه‏:‏ هل هو حق أو باطل، ومن أين يتبين الحق فيه والباطل قلنا ـ من القول‏:‏ بالحجة والدليل، كما كان المشركون وأهل الكتاب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل، أو يناظرونه، وكما كانت الأمم تجادل رسلها؛ إذ كثير من الناس يدعي موافقة الشريعة للفلسفة‏.‏
مثال ذلك‏:‏ إذا ذكروا [‏العقول العشرة‏]‏، و‏[‏النفوس التسعة‏]‏ وقالوا‏:‏ إن العقل الأول هو الصادر الأول عن الواجب بذاته، وإنه من لوازم ذاته ومعلول له، وكذلك الثاني عن الأول، وإنَّ لكل فلك عقلاً ونفسًا‏.‏
/ قيل‏:‏ قولكم‏:‏‏[‏عقل، ونفس]‏ لغة لكم، فلابد من ترجمتها، وإن كان اللفظ عربيًا فلابد من ترجمة المعنى‏.‏
فيقولون‏:‏ [‏العقل‏] هو الروح المجردة عن المادة ـ وهي الجسد وعلائقها ـ سموه عقلاً ويسمونه مفارقًا، ويسمون تلك المفارقات للمواد؛ لأنها مفارقة للأجساد، كما أن روح الإنسان إذا فارقت جسده كانت مفارقة للمادة التي هي الجسد و[‏النفس‏]‏‏:‏ هي الروح المدبرة للجسم، مثل نفس الإنسان إذا كانت في جسمه، فمتى كانت في الجسم كانت محركة له، فإذا فارقته صارت عقلاً محضًا، أي‏:‏ يعقل العلوم من غير تحريك بشيء من الأجسام، فهذه العقول والنفوس‏.‏
وهذا الذي ذكرناه من أحسن الترجمة عن معنى العقل والنفس، وأكثرهم لا يحصلون ذلك‏.‏
قالوا‏:‏ وأثبتنا لكل فلك نفسًا؛ لأن الحركة اختيارية، فلا تكون إلا لنفس، ولكل نفس عقلاً؛ لأن العقل كامل لا يحتاج إلى حركة، والمتحرك يطلب الكمال فلابد أن يكون فوقه ما يشبه به، وما يكون علة له، ولهذا كانت حركة أنفسنا للتشبه بما فوقنا من العقول، وكل ذلك تشبه بواجب الوجود بحسب الإمكان‏.‏
والأول لا يصدر عنه إلا عقل ؛ لأن النفس تقتضي جسمًا، والجسم فيه / كثرة، والصادر عنه لا يكون إلا واحدًا‏.‏ ولهم في الصدور اختلاف كثير ليس هذا موضعه‏.‏
قيل لهم‏:‏ أما إثباتكم أن في السماء أرواحًا، فهذا يشبه ما في القرآن وغيره من كتب الله، ولكن ليست هي [‏الملائكة‏]‏، كما يقول الذين يزعمون منكم أنهم آمنوا بما أنزل على الرسول، وما أنزل من قبله، ويقولون‏:‏ ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الشريعة والفلسفة، فإنهم قالوا‏:‏ العقول والنفوس عند الفلاسفة هي الملائكة عند الأنبياء، وليس كذلك، لكن تشبهها من بعض الوجوه‏.‏
فإن اسم الملائكة والملك يتضمن أنهم رسل الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 1‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 1‏]‏، فالملائكة رسل الله في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبر به السموات والأرض، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏61‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏80‏]‏، وأمره الديني الذي تنزل به الملائكة، فإنه قال‏:‏ ‏{‏يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 2‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏51‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏75‏]‏‏.‏
وملائكة الله لا يحصى عددهم إلا الله، كما قال تعالى ‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏31‏]‏‏.‏
وقيل لهم‏:‏ الذي في الكتاب والسنة، من ذكر الملائكة وكثرتهم، أمر لا يحصر، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك قائم أو قاعد، أو راكع، أو ساجد‏)‏، ‏[‏الأطيط‏:‏ صوت الأقتاب، وأطيط الإبل‏:‏ أصواتها وحنينها، أي‏:‏ أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت‏.‏ وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى] ‏وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 5‏]‏‏.‏
فمن جعلهم عشرة، أو تسعة عشر، أو زعم أن التسعة عشر الذين على سَقَر هم العقول والنفوس، فهذا من جهله بما جاء عن الله ورسوله، وضلاله في ذلك بين؛ إذ لم تتفق الأسماء في صفة المسمى ولا في قدره، كما تكون الألفاظ المترادفة، وإنما اتفق المسميان في كون كل منهما روحًا متعلقًا بالسموات‏.‏
وهذا من بعض صفات ملائكة السموات، فالذي أثبتوه هو بعض / الصفات لبعض الملائكة، وهو بالنسبة إلى الملائكة وصفاتهم وأقدارهم وأعدادهم في غاية القلة، أقل مما يؤمن به السامرة من الأنبياء بالنسبة إلى الأنبياء؛ إذ هم لا يؤمنون بنبي بعد موسى ويُوشَع‏.‏
كيف وهم لم يثبتوا للملائكة من الصفة إلا مجرد ما علموه من نفوسهم مجرد العلم للعقول، والحركة الإرادية للنفوس‏؟‏
ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم، والأحوال، والإرادات، والأعمال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، ووصفهم في القرآن بالتسبيح والعبادة لله أكثر من أن يذكر هنا، كما ذكر ـ تعالى ـ في خطابه للملائكة، وأمره لهم بالسجود لآدم‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 38‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 206‏]‏،
وقوله تعالى‏:‏ {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏:‏ 29‏]‏،
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏75‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏285‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏124 ،125‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏12‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏26‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏50‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏32‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏30‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏61‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 11‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 13‏:‏ 16‏]‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 10‏:‏ 12‏]‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 80‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{‏مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏18‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{‏وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 1-3‏]‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏149-166‏]‏‏.‏
وفي الصحيحين عـن جابر بن سَمُْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏ (‏ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها‏؟‏ قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها‏؟‏ قال‏:‏ يتمون الصف الأول، ويتراصون في الصف‏)‏، وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعْصَعَة في حديث المعراج عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما ذكر صعوده إلى السماء السابعة ـ قال‏:‏ ‏(‏فرفع لي البيت المعمور؛ فسألت جبريل، فقال‏:‏ هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم‏)‏‏.‏
وقال البخاري‏:‏ وقال همَّام عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏ (‏إذا أمَّنَ القارئ فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏، وفي الرواية الأخرى في الصحيحين إذا قال‏:‏‏ (‏آمين، فإن الملائكة في السماء تقول‏:‏ آمين‏)‏‏.‏
وفي الصحيح أيضًا عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏ (‏إذا قال الإمام‏:‏ سمع الله لمن حمده، فقولوا‏:‏ اللهم ربنا ولك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏‏.‏ وفي / الصحيح عن عروة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الملائكة تنزل في العَنَان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضى في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن لله ملائكة سيارة فضلاء، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحَفَّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، فيسألهم الله ـ وهو أعلم ـ من أين جئتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك، ويهللونك ويحمدونك، ويسألونك‏.‏ قال‏:‏ وما يسألوني‏؟‏ قالوا‏:‏ يسألونك جنتك‏.‏ قال‏:‏ وهل رأوا جنتي‏؟‏ قالوا‏:‏ لا أي رب، قال‏:‏ فكيف لو رأوا جنتي‏؟‏ قالوا‏:‏ ويستجيرونك‏.‏ قال‏:‏ ومم يستجيرونني‏؟‏ قالوا‏:‏ من نارك‏.‏ قال‏:‏ وهل رأوا ناري‏؟‏ قالوا ‏:‏يا رب لا‏.‏ قال‏:‏ فكيف لو رأوا ناري‏؟‏ قالوا‏:‏ ويستغفرونك‏.‏ قال‏:‏ فيقول‏:‏ قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا، وأجَرْتُهم مما استجاروا، قال‏:‏ يقولون‏:‏ رب، فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم‏.‏ قال‏:‏ فيقول‏:‏ وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم‏)‏‏.‏
/ وفي الصحيحين عن ُعرْوَة ،عن عائشة حدثته؛ أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العَقَبَة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال‏:‏ إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم على، ثم قال‏:‏ يا محمد، فقال‏:‏ ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأَخْشَبَيْن‏[‏الأخشبان‏:‏ هما الجبلان المطيفان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان‏.‏ والأخشب كل جبل خشن غليظ الحجارة‏] ‏فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا‏)‏‏.‏
وأمثال هذه الأحاديث الصحاح مما فيها ذكر الملائكة الذين في السموات وملائكة الهواء والجبال، وغير ذلك كثيرة‏.‏
وكذلك الملائكة المتصرفون في أمور بني آدم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه ـ حديث الصادق المصدوق ـ إذ يقول‏:‏ ‏(‏ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيقال‏:‏ اكتب رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح‏)‏ وفي الصحيح حديث البراء ابن عازب قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان‏:‏‏(‏اهجهم ـ أو هاجهم ـ وجبريل معك‏)‏، وفي الصحيح أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏(‏أجب عني، اللّهم أيده /بروح القُدُس‏)‏، وفي الصحيح عن أنس قال‏:‏ ‏(‏كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم موكب جبريل‏)‏، وفي الصحيحين عن عائشة‏:‏ أن الحارث بن هشام قال‏:‏ يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الجرس، وهو أشده علي، فَيُفْصِم عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول‏)‏ [‏وقوله‏:‏ فيُفْصِم‏:‏ أي فيقْلِع‏]‏‏.‏
وإتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة أعرابي، وتارة في صورة دحْيَة الكلبي، ومخاطبته وإقراؤه إياه كثيرًا، أعظم من أن يذكر هنا‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم بهم ـ كيف تركتم عبادي ‏؟‏ فيقولون‏:‏ تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين عن عائشة قالت‏:‏ حشوت للنبي صلى الله عليه وسلم وسادة فيها تماثيل، كأنها نمرقة فجاء فقام، وجعل يتغير وجهه، فقلت‏:‏ما لنا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ما بال هذه الوسادة‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ وسادة جعلتها لك لتضطجع عليها، قال‏:‏ ‏(‏أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، إن من صنع الصور يعذب يوم القيامة يقال‏:‏ أحيوا ما خلقتم‏)‏، وفي الصحيحين /عن ابن عباس قال‏:‏ سمعت أبا طلحة يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لاتدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولاصورة تماثيل‏)‏‏.‏
وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ ‏(‏وعد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، فقال‏:‏ إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة‏)‏، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مُصَلاَّه الذي صلى فيه‏:‏ اللّهم اغفر له، اللّهم ارحمه، ما لم يحدث‏)‏‏.‏
وأمثال هذه النصوص، التي يذكر فيها من أصناف الملائكة وأوصافهم وأفعالهم، ما يمنع أن تكون على ما يذكرونه من‏ [‏العقول، والنفوس‏]‏ أو أن يكون جبريل هو ‏[‏العقل الفعال] ‏وتكون ملائكة الآدميين هي القوى الصالحة، والشياطين هي القوى الفاسدة، كما يزعم هؤلاء‏.‏
وأيضًا، فزعمهم أن العقول والنفوس ـ التي جعلوها الملائكة، وزعموا أنها معلولة عن الله صادرة عن ذاته صدور المعلول عن علته ـ هو قول بتولدها عن الله، وأن الله ولد الملائكة، وهذا مما رده الله ونزه نفسه عنه، وكذب قائله، وبين كذبه بقوله ‏:‏‏{‏لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏3، 4‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏151 - 157‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100‏]‏، وقوله تعالى‏:‏‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏26- 28‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{‏لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 172‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏88 -95‏]‏ ‏.‏
فأخبر أنهم معبدون، أي‏:‏ مذللون مصرفون، مدينون مقهورون، ليسوا كالمعلول المتولد تولدًا لازمًا لا يتصور أن يتغير عن ذلك‏.‏ وأخبر أنهم عباد لله، لا يشبهون به كما يشبه المعلول بالعلة، والولد بالوالد، كما يزعمه هؤلاء الصابئون، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏116، 117‏]‏، فأخبر أنه يقتضي كل شيء بقوله‏: [‏كن] ‏لا بتولد المعلول عنه‏.‏
وكذلك قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100، 101‏]‏
/ فأخبر أن التولد لا يكون إلا عن أصلين،كما تكون النتيجة عن مقدمتين، وكذلك سائر المعلولات المعلومة لا يحدث المعلول إلا باقتران ما تتم به العلة، فأما الشيء الواحد وحده فلا يكون علة ولا والدًا قط، لا يكون شيء في هذا العالم إلا عن أصلين، ولو أنهما الفاعل والقابل، كالنار والحطب، والشمس والأرض، فأما الواحد وحده فلا يصدر عنه شيء ولا يتولد‏.‏
فبين القرآن أنهم أخطؤوا طريق القياس في العلة والتولد، حيث جعلوا العالم يصدر عنه بالتعليل والتولد، وكذلك قال‏:‏ ‏{‏وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏49‏]‏ خلاف قولهم‏:‏ إن الصادر عنه واحد‏.‏ وهذا وفاء بما ذكره الله ـ تعالى ـ من قوله وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏33‏]‏
إذ قد تكفل بذلك في حق كل من خرج عن اتباع الرسول، فقال تعالى ‏:‏‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏1‏]‏، ‏[‏فذكر]‏ الوحدانية والرسالة إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏27 ـ 29‏]‏، فكل من خرج عن اتباع الرسول فهو ظالم بحسب ذلك‏.‏ والمبتدع ظالم بقدر ما خالف من سنته‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏30-33‏]‏‏.‏
وهؤلاء الصابئة قد أتوا بمثل، وهو قولهم‏:‏ الواحد لا يصدر عنه ويتولد عنه إلا واحد، والرب واحد فلا يصدر عنه إلا واحد يتولد عنه‏.‏ فأتى الله بالحق وأحسن تفسيرًا، وبين أن الواحد لا يصدر عنه شيء ولا يتولد عنه شيء أصلا، وأنه لم يتولد عنه شيء، ولم يصدر عنه شيء، ولكن خلق كل شيء خلقًا، وأنه خلق من كل شيء زوجين اثنين‏.‏ ولهذا قال مجاهد ـ وذكره البخاري في صحيحه ـ في الشفع والوتر‏:‏ ‏(‏إن الشفع هو الخلق، فكل مخلوق له نظير، والوتر هو الله الذي لا شبيه له‏)‏، فقال‏:‏‏{‏أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏101‏]‏‏.‏
وذلك أن الآثار الصادرة عن العلل والمتولدات في الموجودات لابد فيها من شيئين أحدهما‏:‏ يكون كالأب، والآخر‏:‏ يكون كالأم القابلة‏.‏ وقد يسمون ذلك الفاعل والقابل كالشمس مع الأرض، والنار مع الحطب، فأما صدور شيء واحد عن شيء واحد،فهذا لا وجود له في الوجود أصلا‏.‏
وأما تشبيههم ذلك بالشعاع مع الشمس،وبالصوت ـ كالطنين ـ مع الحركة والنقر، فهو أيضًا حجة لله ورسوله والمؤمنين عليهم‏.‏ وذلك أن الشعاع إن / أريد به نفس ما يقوم بالشمس، فذلك صفة من صفاتها، وصفات الخالق ليست مخلوقة، ولا هي من العالم الذي فيه الكلام‏.‏
وإن أريد بالشعاع ما ينعكس على الأرض، فذلك لابد فيه من شيئين، وهما الشمس التي تجري مجرى الأب الفاعل، والأرض التي تجري مجرى الأم القابلة، وهي الصاحبة للشمس‏.‏
وكذلك الصوت لا يتولد إلا عن جسمين يقرع أحدهما الآخر، أو يقلع عنه، فيتولد الصوت الموجود في أجسام العالم عن أصلين يقرع أحدهما الآخر، أو يقلع عنه‏.‏
فمهما احتجوا به من القياس، فالذي جاء الله به هو الحق وأحسن تفسيرًا، وأحسن بيانًا وإيضاحًا للحق وكشفًا له‏.‏
وأيضًا، فجعلها علة تامة لما تحتها، ومؤكدة له، وموجبة له حتى يجعلوها مبادئنا، ويجعلوها لنا كالآباء والأمهات، وربما جعلوا العقل هو الأب، والنفس هي الأم، وربما قال بعضهم ‏:‏‏]‏الوالدان‏[‏‏:‏ العقل والطبيعة، كما قال صاحب الفصوص في قول نوح ‏{‏رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏28‏]‏، أي‏:‏ من كنت نتيجة عنهما،وهما العقل والطبيعة‏.‏ وحتى يسمونها الأرباب والآلهة الصغرى، ويعبدونها‏.‏ وهو كفر مخالف لما جاءت به الرسل‏.‏
/ وبهذا وصف بعض السلف الصابئة بأنهم يعبدون الملائكة، وكذلك في الكتب المعربة عن قدمائهم، أنهم كانوا يسمونها الآلهة والأرباب الصغرى، كما كانوا يعبدون الكواكب أيضًا‏.‏
والقرآن ينفي أن تكون أربابًا، أو أن تكون آلهة، ويكون لها غير ما للرسول الذي لا يفعل إلا بعد أمُرِ مُرْسِلِه، و لا يشفع إلا بعد أن يؤذن له في الشفاعة، وقد رد الله ذلك على من زعمه من العرب والروم وغيرهم من الأمم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏‏؟‏ ‏[‏آل عمران‏:‏80‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏{‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏62، 72‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ‏}‏ ‏[‏سبأ ‏:‏22، 32‏]‏‏.‏
وقد تقدم بعض الأحاديث في صعق الملائكة إذا قضى الله بالأمر الكوني أو بالوحي الديني‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏62‏]‏ ، وقال تعالى ‏:‏‏{‏بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ‏}‏ الآية‏[‏الأنبياء‏:‏26‏]‏، /وقال تعالى ‏:‏‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏64‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏، نزلت الآية في الذين يدعون الملائكة والنبيين‏.‏
واستقصاء القول في ذلك ليس هذا موضعه‏.‏
فإن الله ـ سبحانه ـ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم‏.‏ فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة، كلية عامة لما كان متفرقًا منتشرًا في كلام غيره، ثم إنه يسمى كل شيء بما يدل على صفته المناسبة للحكم المذكور المبين، وما يبين وجه دلالته‏.‏
فإن تنزيهه نفسه عن الولد والولادة واتخاذ الولد، أعم وأقوم من نفيه بلفظ العلة؛ فإن العلة أصلها التغيير، كالمرض الذي يحيل البدن عن صحته، والعليل ضد الصحيح‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه لا يقال‏:‏‏[‏معلول] ‏إلا في الشرب، يقال‏:‏ شرب الماء علا بعد نَهَل، وعللته‏:‏ إذا سقيته مرة ثانية‏.‏
وأما استعمال اسم ‏[‏العلة] ‏في الموجب للشيء أو المقتضى له، فهو من عرف أهل الكلام، وهي ـ وإن كان بينهما وبين العلة اللغوية مناسبة من جهة التغير ـ فالمناسبة في لفظ ‏[‏التولد] ‏أظهر؛ ولهذا كان في الخطاب أشهر‏.‏ يقول الناس‏:‏ /هذا الأمر يتولد عنه كذا، وهذا يولد كذا، وقد تولد عن ذلك الأمر كيت وكيت، لكل سبب اقتضى مسببًا من الأقوال والأعمال، حتى أهل الطبائع يقولون‏:‏ ‏[‏الأركان والمولدات‏]‏، يريدون ما يتولد عن الأصول الأربعة ـ التراب، والماء، والهواء، والنار ـ من معدن، ونبات، وحيوان‏.‏
فنفيه ـ سبحانه ـ عن نفسه أن يلد شيئًا اقتضى ألا يتولد عنه شيء، ونفيه أن يتخذ ولدًا يقتضى أنه لم يفعل ذلك بشيء من خلقه على سبيل التكريم، وأن العباد لا يصلح أن يتخذ شيئًا منهم بمنزلة الولد‏.‏ وهذا يبطل دعوى من يدعي مثل ذلك في المسيح وغيره، ومن يقول‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏18‏]‏، ومن يقول‏:‏ الفلسفة هي التشبه بالإله، فإن الولد يكون من جنس والده ويكون نظيرًا له، وإن كان فرعًا له، ولهذا كان هؤلاء القائلون بهذه المعاني من أعظم الخلق قولاً بالتشبيه والتمثيل، وجعل الأنداد له والعدل والتسوية؛ ولهذا كانت الفلاسفة الذين يقولون بصدور العقول والنفوس عنه على وجه التولد والتعليل يجعلونها له أندادًا، ويتخذونها آلهة وأربابًا، بل قد لا يعبدون إلا إياها، ولا يدعون سواها، ويجعلونها هي المبدعة لما سواها مما تحتها‏.‏
فالحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، و‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏1، 2‏]‏
‏[‏بهامش الأصل هنا متروك محل خمسة أسطر‏.‏ قال في المسودة‏:‏ يتلوه الوريقة، ولم نجدها‏]
فإن هؤلاء جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، و‏[‏الجن‏] ‏قد قيل‏:‏ إنه يعم الملائكة، كما قيل في قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏158‏]‏، وإن كان قد قيل في سبب ذلك‏:‏ زعم بعض مشركي العرب أن الله صاهر إلى الجن فولدت الملائكة، فقد كانوا يعبدون الملائكة أيضًا، كما عبدتها الصابئة الفلاسفة، كما قال تعالى ‏:‏‏{‏وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏19‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏40 ،41‏]‏ ، يعني‏:‏ أن الملائكة لم تأمرهم بذلك؛ وإنما أمرتهم بذلك الجن؛ ليكونوا عابدين للشياطين التي تتمثل لهم ، كما يكون للأصنام شياطين‏.‏
وكما تنزل الشياطين على بعض من يعبد الكواكب ويرصدها، حتى تنزل عليه صورة فتخاطبه، وهو شيطان من الشياطين‏.‏
ولهذا قال تعالى ‏:‏‏{‏أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏60-62‏]‏،
وقال ‏:‏‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏50‏]‏، فهم وإن لم يقصدوا عبادة الشيطان وموالاته، ولكنهم في الحقيقة يعبدونه ويوالونه‏.‏
فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المبتدعة مؤمنون بقليل مما جاءت به الرسل في أمر الملائكة، في صفتهم وأقدارهم‏.‏
وذلك، أن هؤلاء القوم إنما سلكوا سبيل الاستدلال بالحركات الفلكية والقياس على نفوسهم، مع ما جحدوه وجهلوه من خلق الله وإبداعه‏.‏
وسبب ذلك‏:‏ ما ذكره طائفة ممن جمع أخبارهم‏:‏ أن أساطينهم الأوائل، كفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام، ويتلقون عن لقمان الحكيم، ومن بعده من أصحاب داود وسليمان، وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء، ولم يكن عنده من العلم بأثارة الأنبياء ما عند سلفه‏.‏ وكان عنده قدر يسير من الصابئية الصحيحة، فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية، وصارت قانونًا مشى عليه أتباعه، واتفق أنه قد يتكلم في طبائع الأجسام، أو في صورة المنطق أحيانًا بكلام صحيح‏.‏
وأما الأولون، فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع بمنزلة مبتدعة المتكلمين في المسلمين، مثل‏:‏ أبي الهذيل، وهشام بن الحكم، ونحوهما، ممن وضع مذهبًا / في ‏[‏أبواب أصول الدين‏]‏ فاتبعه على ذلك طائفة؛ إذ كان أئمة المسلمين ـ مثل مالك، وحماد بن زيد، والثوري، ونحوهم ـ إنما تكلموا بما جاءت به الرسالة وفيه الهدى والشفاء، فمن لم يكن له علم بطريق المسلمين، يعتاض عنه بما عند هؤلاء، وهذا سبب ظهور البدع في كل أمة، وهو خفاء سنن المرسلين فيهم، وبذلك يقع الهلاك‏.‏
ولهذا كانوا يقولون‏:‏ الاعتصام بالسنة نجاة، قال مالك ـ رحمه الله‏:‏ السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك‏.‏ وهذا حق‏.‏ فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين‏.‏ واتباع السنة هو اتباع الرسالة التي جاءت من عند الله، فتابعها بمنزلة من ركب مع نوح السفينة باطنًا وظاهرًا‏.‏ والمتخلف عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح ـ عليه السلام ـ وركوب السفينة معه‏.‏
وهكذا إذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلال وكفر، وجد القرآن والسنة كاشفين لأحوالهم، مبينين لحقهم، مميزين بين حق ذلك وباطله‏.‏ والصحابة كانوا أعلم الخلق بذلك، كما كانوا أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود‏:‏ من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ،كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله / لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم
فأخبر عنهم بكمال بر القلوب، مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين، كما يقال‏:‏ من العجائب فقيه صوفي، وعالم زاهد ونحو ذلك‏.‏ فإن أهل برّ القلوب وحسن الإرادة وصلاح المقاصد يحمدون على سلامة قلوبهم من الإرادات المذمومة، ويقترن بهم كثيرًا عدم المعرفة، وإدراك حقائق أحوال الخلق التي توجب الذم للشر والنهي عنه، والجهاد في سبيل الله، وأهل التعمق في العلوم قد يدركون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في أنواع الغى والضلالات، وأصحاب محمد كانوا أبر الخلق قلوبًا وأعمقهم علماً‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 عندما بكى أبو بكر
0 وداع الحبيب
0 ذاقت الموت في معتقل اخوانها(قصة محزنة جدا).
0 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي
0 وصف جنات النعيم والطريق الموصل إليها


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 04:50 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

ثم إن أكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن بتعمقهم التكلف المذموم من المتكلمين والمتعبدين، وهو القول والعمل بلا علم، وطلب ما لا يدرك‏.‏ وأصحاب محمد كانوا ـ مع أنهم أكمل الناس علمًا نافعًا وعملاً صالحًا ـ أقل الناس تكلفًا، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف، ما يهدي الله بها أمة، وهذا من منن الله على هذه الأمة‏.‏ وتجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات، ما هو من أعظم الفضول المبتدعة، والآراء المخترعة، لم يكن لهم في ذلك سلف إلا رعونات النفوس المتلقاة ممن ساء قصده في الدين‏.‏
/ويروى أن الله ـ سبحانه ـ قال للمسيح‏:‏ إني سأخلق أمة أفضلها على كل أمة، وليس لها علم ولا حلم، فقال المسيح‏:‏ أي رب، كيف تفضلهم على جميع الأمم، وليس لهم علم ولا حلم‏؟‏ قال‏:‏ أهبهم من علمي وحلمي، وهذا من خواص متابعة الرسول‏.‏ فأيهم كان له أتبع كان في ذلك أكمل، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏28 ،29‏[‏‏.‏
وكذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر‏:‏ ‏(‏مثلنا ومثل الأمم قبلنا، كالذي استأجر أجراء، فقال‏:‏ من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط‏؟‏ فعملت اليهود‏.‏ ثم قال‏:‏ من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط قيراط‏؟‏ فعملت النصارى‏.‏ ثم قال‏:‏ من يعمل لي إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين‏؟‏ فعملت المسلمون، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا نحن أكثر عملاً وأقل أجرًا‏.‏ قال‏:‏ فهل ظلمتكم من حقكم شيئًا‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ فهو فضلي أوتيه من أشاء‏)‏‏.‏
فدل الكتاب والسنة على أن الله يؤتي أتباع هذا الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل الكتابين قبلهم، فكيف بمن هو دونهم من الصابئة‏؟‏ دع مبتدعة الصابئة من المتفلسفة ونحوهم‏.‏
/ ومن المعلوم أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه، فلهم من فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم، كما قال بعض السلف أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل‏.‏
فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان، أو اليد والسِّنَان‏[السِّنان‏:‏ الرُّمْح]‏، وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام‏.‏
والمقصود التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله‏:‏ أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعرف واجب الوجود والنفس الناطقة والعلوم، والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث، فهو ـ إن كان من المؤمنين بالرسل ـ فهو جاهل، فيه شعبة قوية من شعب النفاق، وإلا فهو منافق خالص من الذين ‏:‏‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏13‏]‏ وقد يكون من ‏:‏‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏35‏]‏، ومن ‏{‏وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏16‏]‏‏.‏
وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه ـ وإن كان ذلك ظاهرًا بالفطرة لكل سليم الفطرة ـ فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم / بالحقائق وأقومهم قولاً وحالاً، لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك، وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق‏.‏
ولايقال‏:‏ هذه الفطرة يغيرها ما يوجد في المنتسبين إلى السنة والحديث من تفريط وعدوان، لأنه يقال‏:‏ إن ذلك في غيرهم أكثر والواجب مقابلة الجملة بالجملة في المحمود والمذموم، هذه هي المقابلة العادلة‏.‏
وإنما غيَّر الفطرة قلة المعرفة بالحديث والسنة واتباع ذلك،مع ما يوجد في المخالفين لها من نوع تحقيق لبعض العلم، وإحسان لبعض العمل، فيكون ذلك شبهة في قبول غيره، وترجيح صاحبه، ولا غرض لنا في ذكر الأشخاص، وقد ذكر أبو محمد ابن قتيبة في أول كتاب [‏مختلف الحديث‏]‏ وغيره من العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من الأمور المبينة لما ذكرناه‏.‏
وإنما المقصود ذكر نفس الطريقة العلمية والعملية، التي تعرف بحقائق الأمور الخبرية النظرية، و توصل إلى حقائق الأمور الإرادية العملية، فمتى كان غير الرسول قادرًا على علم بذلك أو بيان له أو محبة لإفادة ذلك، فالرسول أعلم بذلك وأحرص على الهدى، وأقدر على بيانه منه، وكذلك أصحابه من بعده وأتباعهم‏.‏
وهذه صفات الكمال والعلم والإرادة والإحسان والقدرة عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة‏:‏
/ (‏اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب‏)‏‏.‏
فعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نستخير الله بعلمه، فيعلّمنا من علمه ما نعلم به الخير، ونستقدره بقدرته، فيجعلنا قادرين؛ إذ الاستفعال هو طلب الفعل، كما قال في الحديث الصحيح‏:‏
يقول الله تعالى‏:‏ ‏(‏يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم ضالُّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم‏)‏‏.‏
فاستهداء الله طلب أن يهدينا، واستطعامه طلب أن يطعمنا، هذا قوت القلوب، وهذا قوت الأجسام، وكذلك استخارته بعلمه واستقداره بقدرته‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏وأسألك من فضلك العظيم‏)‏، فهذا السؤال من جوده ومَنِّه، وعطائه وإحسانه الذي يكون بمشيئته ورحمته وحنانه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏(‏فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم‏)‏ ولم يقل‏:‏ إني لا أرحم نفسي؛ لأنه في مقام الاستخارة يريد الخير لنفسه ويطلب ذلك، لكنه لا يعلمه ولا يقدر عليه، إن لم يعلّمه الله إياه ويقدره عليه‏.‏
فإذا كان الرسول أعلم الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية، وأحب الخلق للتعليم والهداية والإفادة، وأقدر الخلق على البيان والعبارة، امتنع أن يكون من هو دونه أفاد خواصه معرفة الحقائق أعظم مما أفادها الرسول لخواصه،/فامتنع أن يكون عند أحد من الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث‏.‏
وإذا لم يكن في الطوائف من هو أعلم بالحقائق وأبين لها منه، وجب أن يكون كل ما يذمون به من جهل بعضهم هو في طائفة المخالف الذام لهم أكثر، فيكون الذام لهم جاهلا ظالمًا، فيه شعبة نفاق، إذا كان مؤمنًا‏.‏ وهذا هو المقصود‏.‏
ثم إن هذا الذي بيناه مشهود بالقلب، أعلم ذلك في كل أحد ممن أعرف مفصلاً‏.‏
وهذه جملة يمكن تفصيلها من وجوه كثيرة، لكن ليس هذا موضعه‏.
فصــل
وأما قول من قال‏:‏ إن الحشوية على ضربين، أحدهما‏:‏ لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم، والآخر‏:‏ تستر بمذهب السلف‏.‏ ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه، دون التشبيه والتجسيم، وكذا جميع المبتدعة يزعمون هذا فيهم كما قال القائل‏:‏
وكل يدعي وصلاً لليلى ** وليلى لا تقر لهم بذاكا
فهذا الكلام فيه حق وباطل ‏.‏
فمن الحق الذي فيه‏:‏ ذم من يمثل الله بمخلوقاته، ويجعل صفاته من جنس صفاتهم، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏
‏[‏الإخلاص‏:‏4‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏65‏]
وقد بسطنا القول في ذلك، وذكرنا الدلالات العقلية التي دل عليها كتاب الله في نفي ذلك، وبينا منه ما لم يذكره النفاة الذين يتسمون بالتنزيه، ولا يوجد في كتبهم، ولا يسمع من أئمتهم، بل عامة حججهم التي يذكرونها حجج ضعيفة؛ لأنهم يقصدون إثبات حق وباطل، فلا يقوم على ذلك حجة مطردة /سليمة عن الفساد، بخلاف من اقتصد في قوله وتحرى القول السديد؛ فإن الله يصلح عمله، كما قال تعالى ‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏70، 71‏]‏‏.‏
وفيه من الحق الإشارة إلى الرد على من انتحل مذهب السلف مع الجهل بمقالهم، أو المخالفة لهم بزيادة أو نقصان‏.‏ فتمثيل الله بخلقه والكذب على السلف من الأمور المنكرة، سواء سمى ذلك حشوًا أو لم يسم، وهذا يتناول كثيرًا من غالية المثبتة الذين يروون أحاديث موضوعة في الصفات مثل حديث‏[‏عَرَق الخيل]‏ و‏[‏نزوله عشية عَرَفَة على الجمل الأورق حتى يصافح المشاة ويعانق الركبان‏]‏، و‏[‏تجلّيه لنبيه في الأرض‏]، أو‏[‏رؤيته له على كرسي بين السماء والأرض‏]‏، أو[‏رؤيته إياه في الطواف‏] أو‏ [‏في بعض سكك المدينة‏]‏، إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة‏.‏
فقد رأيت من ذلك أمورًا من أعظم المنكرات والكفران، وأحضر لي غير واحد من الناس من الأجزاء والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على الله وعلى رسوله‏.‏ وقد وضع لتلك الأحاديث أسانيد، حتى إن منهم من عمد إلى كتاب صنفه الشيخ أبو الفرج المقدسي، فيما يمتحن به السُّنِّي من البدعي‏.‏ فجعل ذلك الكتاب مما أوحاه الله إلى نبيه ليلة المعراج، وأمره أن يمتحن به الناس، فمن أقرَّ به فهو سني، ومن لم يقر به فهو بدعي، وزادوا فيه على الشيخ أبي الفرج أشياء لم يقلها هو ولا عاقل، والناس المشهورون قد يقول أحدهم من المسائل / والدلائل ما هو حق أو فيه شبهة حق، فإذا أخذ الجهال ذلك فغيروه صار فيه من الضلال ما هو من أعظم الإفك والمحال‏.‏
والمقصود أن كلامه فيه حق وفيه من الباطل أمور‏:‏
أحدها‏:‏ قوله‏:‏ لا يتحاشى من الحشو والتجسيم ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، والذي مدحه زين وذمه شين هو الله‏.‏ والأسماء التي يتعلق بها المدح والذم من الدين، لا تكون إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه، ودل عليها الكتاب والسنة أو الإجماع، كالمؤمن، والكافر والعالم، والجاهل، والمقتصد، والملحد‏.‏
فأما هذه الألفاظ الثلاثة فليست في كتاب الله، ولا في حديث عن رسول الله، ولا نطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها لا نفيًا ولا إثباتًا‏.‏
وأول من ابتدع الذم بها‏[‏المعتزلة‏] ‏الذين فارقوا جماعة المسلمين، فاتباع سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة ترك للقول السديد الواجب في الدين، واتباع لسبيل المبتدعة الضالين، وليس فيها ما يوجد عن بعض السلف ذمه إلا لفظ ‏[‏التشبيه]‏، فلو اقتصر عليه لكان له قدوة من السلف الصالح، ولو ذكر الأسماء التي نفاها الله في القرآن ـ مثل لفظ‏ [‏الكفء، والند، والسمى‏] ‏وقال‏:‏ منهم من لا يتحاشى من التمثيل ونحوه ـ لكان قد ذم بقول نفاه الله في كتابه، ودل القرآن على ذم قائله ثم ينظر‏:‏ هل قائله موصوف بما وصفه به من الذم أم لا‏؟‏
/فأما الأسماء التي لم يدل الشرع على ذم أهلها ولا مدحهم، فيحتاج فيها إلى مقامين‏:‏
أحدهما‏:‏ بيان المراد بها‏.‏ والثاني‏:‏ بيان أن أولئك مذمومون في الشريعة‏.‏
والمعترض عليه له أن يمنع المقامين، فيقول‏:‏ لا نسلم أن الذين عنيتهم داخلون في هذه الأسماء التي ذممتها، ولم يقم دليل شرعي على ذمها، وإن دخلوا فيها، فلا نسلم أن كل من دخل في هذه الأسماء فهو مذموم في الشرع‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أن هذا الضرب الذي قلت‏:‏‏ [‏إنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم] ‏إما أن تدخل فيه مثبتة الصفات الخبرية التي دل عليها الكتاب والسنة، أو لا تدخلهم، فإن أدخلتهم كنت ذامًا لكل من أثبت الصفات الخبرية، ومعلوم أن هذا مذهب عامة السلف، ومذهب أئمة الدين‏.‏
بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد بن كلاب، وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه،؛ كأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني‏ [‏هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهْران الإسفرائيني، الأصولي الشافعي، الملقب ركن الدين، صاحب المصنفات الباهرة، له الجامع في أصول الدين و أدب الجدل و مسائل الدرر وغيرها، توفى بنيسابور سنة 814هـ]‏، وأبي بكر ابن فُورَك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي ابن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء‏.‏ فما من هؤلاء إلا من / يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله ـ تعالى ـ وعماد المذهب عنهم‏:‏ إثبات كل صفة في القرآن، وأما الصفات التي في الحديث، فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها‏.‏
فإذا كنت تذم جميع أهل الإثبات من سلفك وغيرهم، لم يبق معك إلا الجهمية ـ من المعتزلة ـ ومن وافقهم على نفي الصفات الخبرية ـ من متأخري الأشعرية ونحوهم ـ ولم تذكر حجة تعتمد‏.‏
فأي ذم لقوم في أنهم لا يتحاشون مما عليه سلف الأمة وأئمتها وأئمة الذام لهم‏؟‏
وإن لم تدخل في اسم الحشوية من يثبت الصفات الخبرية، لم ينفعك هذا الكلام، بل قد ذكرت أنت في غير هذا الموضع هذا القول‏.‏
وإذا كان الكلام لا يخرج به الإنسان عن أن يذم نفسه، أو يذم سلفه ـ الذين يقر هو بإمامتهم، وأنهم أفضل ممن اتبعهم ـ كان هو المذموم بهذا الذم على التقديرين، وكان له نصيب من الخوارج الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأولهم‏:‏ ‏(‏لقد خبت وخسرت، إن لم أعدل‏)‏ يقول‏:‏ إذا كنت مقرًا بأني رسول الله، وأنت تزعم أني أظلم، فأنت خائب خاسر‏.‏ وهكذا من ذم من يقر بأنهم خيار الأمة وأفضلها، وأن طائفته إنما تلقت العلم والإيمان منهم، هوخائب خاسر في هذا الذم، وهذه حال الرافضة في ذم الصحابة‏.‏
/الوجه الثالث‏:‏ قوله‏:‏‏ [‏والآخر يتستر بمذهب السلف]‏، إن أردت بالتستر الاستخفاء بمذهب السلف، فيقال‏:‏ ليس مذهب السلف مما يتستر به إلا في بلاد أهل البدع، مثل بلاد الرافضة والخوارج ،فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم إيمانه واستنانه، كما كتم مؤمن آل فرعون إيمانه، وكما كان كثير من المؤمنين يكتم إيمانه حين كانوا في دار الحرب‏.‏
فإن كان هؤلاء في بلد أنت لك فيه سلطان ـ وقد تستروا بمذهب السلف ـ فقد ذممت نفسك، حيث كنت من طائفة يستر مذهب السلف عندهم، وإن كنت من المستضعفين المستترين بمذهب السلف فلا معنى لذم نفسك، وإن لم تكن منهم ولا من الملأ، فلا وجه لذم قوم بلفظ التستر‏.‏
وإن أردت بالتستر‏:‏ أنهم يجتنون به، ويتقون به غيرهم، ويتظاهرون به، حتى إذا خوطب أحدهم قال‏:‏ أنا على مذهب السلف ـ وهذا الذي أراده، والله أعلم ـ فيقال له‏:‏ لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا، فإن كان موافقًا له باطنًا وظاهرًا، فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقًا له في الظاهر فقط دون الباطن، فهو بمنزلة المنافق فتقبل منه علانيته وتُوكَل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن نُنَقِّب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم‏.‏
/ وأما قوله ‏:‏ مذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه‏.‏
فيقال له‏:‏ لفظ التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسيم ألفاظ قد دخلها الاشتراك، بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم، وكل طائفة تعني بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرهم‏.‏
فالجهمية من المعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه‏:‏ نفى جميع الصفات، وبالتجسيم والتشبيه‏:‏ إثبات شيء منها، حتى إن من قال‏: [‏إن الله يرى‏]‏، أو ‏[‏إن له علمًا‏]‏، فهو عندهم مشبه مجسم‏.‏
وكثير من المتكلمة الصفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه‏:‏ نفي الصفات الخبرية أو بعضها، وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها‏.‏
والفلاسفة تعني بالتوحيد ما تعنيه المعتزلة وزيادة، حتى يقولون‏:‏ ليس له إلا صفة سلبية أو إضافية، أو مركبة منهما‏.‏
والاتحادية تعني بالتوحيد‏:‏ أنه هو الوجود المطلق، ولغير هؤلاء فيه اصطلاحات أخرى‏.‏
وأما التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، فليس هو متضمنًا شيئًا من هذه الاصطلاحات، بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده، لا يشركوا /به شيئًا، فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها ـ هذا في العمل‏.‏ وفي القول‏:‏ هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله‏.‏
فإن كنت تعني أن مذهب السلف هو التوحيد بالمعنى الذي جاء به الكتاب والسنة، فهذا حق، وأهل الصفات الخبرية لا يخالفون هذا‏.‏
وإن عنيت أن مذهب السلف هو التوحيد والتنزيه الذي يعنيه بعض الطوائف، فهذا يعلم بطلانه كل من تأمل أقوال السلف الثابتة عنهم، الموجودة في كتب آثارهم، فليس في كلام أحد من السلف كلمة توافق ما تختص به هذه الطوائف، ولا كلمة تنفي الصفات الخبرية‏.‏
ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم، فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم، وإن كان إنما يعرف بالاستدلال المحض بأن يكون كل من رأى قولاً عنده هو الصواب قال‏:‏ هذا قول السلف؛ لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب، فهذا هو الذي يجرئ المبتدعة على أن يزعم كل منهم أنه على مذهب السلف، فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم، بل بدعواه‏:‏ أن قوله هو الحق‏.‏
وأما أهل الحديث، فإنما يذكرون مذهب السلف بالنقول المتواترة،/يذكرون من نقل مذهبهم من علماء الإسلام، وتارة يروون نفس قولهم في هذا الباب، كما سلكناه في جواب الاستفتاء‏.‏
فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ذكرنا طريقين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم، ومن روى ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة‏.‏
والثاني‏:‏ أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة، ومن أهل الحديث والتصوف، وأهل الكلام، كالأشعري وغيره‏.‏
فصار مذهب السلف منقولاً بإجماع الطوائف وبالتواتر، لم نثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا، كما يفعل أهل البدع‏.‏
ثم لفظ[‏التجسيم]‏لا يوجد في كلام أحد من السلف ـ لا نفيًا ولا إثباتًا ـ فكيف يحل أن يقال‏:‏ مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته، بلا ذكر لذلك اللفظ ولا لمعناه عنهم‏؟‏‏!‏‏.‏
وكذلك لفظ ‏[‏التوحيد‏]‏ـ بمعنى‏:‏ نفي شيء من الصفات ـ لايوجد في كلام أحد من السلف‏.‏
وكذلك لفظ التنزيه ـ بمعني نفي شيء من الصفات الخبرية ـ لا يوجد في كلام أحد من السلف‏.‏
/ نعم، لفظ ‏[‏التشبيه] ‏موجود في كلام بعضهم وتفسيره معه، كما قد كتبناه عنهم، وأنهم أرادوا بالتشبيه‏:‏ تمثيل الله بخلقه، دون نفي الصفات التي في القرآن والحديث‏.‏
وأيضًا، فهذا الكلام لو كان حقًا في نفسه لم يكن مذكورًا بحجة تتبع، وإنما هو مجرد دعوى على وجه الخصومة التي لا يعجز عنها من يستجيز ويستحسن أن يتكلم بلا علم ولا عدل‏.‏
ثم إنه يدل على قلة الخبرة بمقالات الناس من أهل السنة والبدعة؛ فإنه قال‏: [‏وكذا جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف‏]‏، فليس الأمر كذلك، بل الطوائف المشهورة بالبدعة ـ كالخوارج والروافض ـ لا يدعون أنهم على مذهب السلف، بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف‏.‏ فالرافضة تطعن في أبي بكر، وعمر، وعامة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وسائر أئمة الإسلام، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف‏؟‏ ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبًا وافتراء‏.‏
وكذلك الخوارج، قد كَفَّروا عثمان، وعليًا، وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف‏؟‏
الوجه الرابع‏:‏ أن هذا الاسم ليس له ذكر في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين، ولا من أئمة المسلمين، ولا شيخ أو عالم /مقبول عند عموم الأمة‏.‏ فإذا لم يكن ذلك لم يكن في الذم به لا نص ولا إجماع، ولا ما يصلح تقليده للعامة، فإذا كان الذم بلا مستند للمجتهد ولا للمقلدين عمومًا كان في غاية الفساد والظلم؛ إذ لو ذم به بعض من يصلح لبعض العامة تقليده لم يكن له أن يحتج به؛ إذ المقلد الآخر لمن يصلح له تقليده لا يذم به‏.‏
ثم مثل أبى محمد وأمثاله لم يكن يستحل أن يتكلم في كثير من فروع الفقه بالتقليد، فكيف يجوز له التكلم في أصول الدين بالتقليد‏؟‏
والنكتة‏:‏ أن الذام به إما مجتهد، وإما مقلد‏.‏ أما المجتهد، فلا بد له من نص أو إجماع، أو دليل يستنبط من ذلك، فإن الذم والحمد من الأحكام الشرعية، وقد قدمنا بيان ذلك، وذكرنا أن الحمد والذم، والحب والبغض، والوعد والوعيد، والموالاة والمعاداة، ونحو ذلك من أحكام الدين، لا يصلح إلا بالأسماء التي أنزل الله بها سلطانه، فأما تعليق ذلك بأسماء مبتدعة فلا يجوز، بل ذلك من باب شرع دين لم يأذن به الله، وأنه لابد من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله‏.‏
والمعتزلة ـ أيضًا ـ تفسق من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعن في كثير منهم وفيما رَوَوْه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم، بل تكفر ـ أيضًا ـ من يخالف أصولهم التي انتحلوها من السلف والخلف، فلهم من الطعن في علماء / السلف وفي علمهم ما ليس لأهل السنة والجماعة، وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم ـ وإن كانوا يقررون خلافة الخلفاء الأربعة، ويعظمون من أئمة الإسلام وجمهورهم ما لا يعظمه أولئك ـ فلهم من القدح في كثير منهم ما ليس هذا موضعه و‏[‏للنظَّام] ‏من القدح في الصحابة ما ليس هذا موضعه‏.‏
وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصير وعدوان، وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية الصواب في خلافها ـ فإن ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم ضل به ضلالاً كبيرًا‏.‏
فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف ـ بين أهل السنة والجماعة ـ العامة بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف، بل أشهر الطوائف بالبدعة‏:‏ الرافضة، حتى إن العامة لا تعرف من شعائر البدع إلا الرفض‏.‏ والسني في اصطلاحهم‏:‏ من لا يكون رافضيًا؛ وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن، وأكثر قدحًا في سلف الأمة وأئمتها، وطعنًا في جمهور الأمة من جميع الطوائف، فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة‏.‏
فَعُلِمَ أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف؛ ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك‏ [‏هو أبو محمد عبدوس بن عبد الله بن محمد بن مالك، الحافظ الكبير، سمع من قتيبة بن سعيد وإسحاق ابن راهويه وغيرهما، وتوفي سنة 282هـ وقيل‏:‏ سنة 283هـ ]‏‏: ‏أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
/ وأما متكلمة أهل الإثبات من الكُلاَّبية، والكُرَّامية، والأشعرية، مع الفقهاء والصوفية، وأهل الحديث، فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف، بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل من كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم وله أَتْبَع‏.‏ وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها، وقلة ابتداعها‏.‏
أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع، فهذا باطل قطعًا، فإن ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم‏.‏
يوضح ذلك‏:‏ أن كثيرًا من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف ـ في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث ـ يقولون‏:‏ مذهب السلف‏:‏ أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وأما المتكلمون من أصحابنا، فمذهبهم كيت وكيت، وكذلك يقولون‏:‏ مذهب السلف‏:‏ أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لاتتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبًا وإما جوازًا ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم‏.‏
أفلا عاقل يعتبر، ومغرور يزدجر، أن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يحدث مقالة تخرج عنهم‏؟‏ أليس هذا صريحًا أن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه، وعلمه المتأخرون‏؟‏‏!‏ وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين‏.‏
/ وأيضًا، فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة، كما يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي وغيرهم، ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد، فلا يثبتون على دين واحد، وتغلب عليهم الشكوك وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة‏.‏
وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق‏ [‏أمهر وأعلم‏] ‏وأعلم من السلف، ويقولون‏:‏ طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم، فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، وغايتهم عندهم‏:‏ أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط‏.‏
ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض، فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسلف ـ كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج ـ ولا تفسيقًا لهم ـ كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم ـ كان تجهيلاً لهم وتخطئة وتضليلاً، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقاً فزَعْمًا‏:‏ أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة‏.‏
ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خير قرون هذه الأمة ـ في الأعمال والأقوال، والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها ـ القرن الأول، ثم / الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل‏.‏ هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأضله الله على عِلْم، كما قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه‏:‏ من كان منكم مُسْتَنَّا فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم‏.‏ وقال غيره‏:‏ عليكم بآثار من سلف فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفى، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه‏.‏
هذا، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏‏ (‏لا يأتي زمان إلا والذي بعده شَرٌّ منه حتى تلقوا ربكم‏)‏، فكيف يحدث لنا زمان فيه الخير في أعظم المعلومات وهو معرفة الله تعالى ‏؟‏ هذا لا يكون أبدًا‏.‏
وما أحسن ما قال الشافعي ـ رحمه الله ـ في رسالته‏:‏ هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا‏!‏
وأيضًا، فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية ـ كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله‏:‏ كيف تدعون طريقة السلف، وغاية ما عند السلف‏:‏ أن يكونوا / موافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ فإن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان، هو ما استفادوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم، الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي قال الله فيه‏:‏‏{‏هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 28،29‏]‏،
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏164‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الشورى52 ،53‏]‏‏.‏
وأبو محمد وأمثاله قد سلكوا مسلك الملاحدة، الذين يقولون‏:‏ إن الرسول لم يبين الحق في باب التوحيد، ولا بين للناس ما هو الأمر عليه في نفسه، بل أظهر للناس خلاف الحق، والحق‏:‏ إما كتمه وإما أنه كان غير عالم به‏.‏
فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة، ومن سلك سبيلهم من المخالفين لما جاء به الرسول في الأمور العلمية، كالتوحيد والمعاد وغير ذلك، يقولون‏:‏ إن الرسول أحكم الأمور العملية المتعلقة بالأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية، / وأتى بشريعة عملية هي أفضل شرائع العالم، ويعترفون بأنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموسه ولا أكمل منه، فإنهم رأوا حسن سياسته للعالم وما أقامه من سنن العدل، ومحاه من الظلم‏.‏
وأما الأمور العلمية التي أخبر بها ـ من صفات الرب وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والجنة والنار ـ فلما رأوها تخالف ما هم عليه صاروا في الرسول فريقين‏:‏
فغلاتهم يقولون‏:‏ إنه لم يكن يعرف هذه المعارف، وإنما كان كماله في الأمور العملية‏:‏ العبادات والأخلاق، وأما الأمور العلمية، فالفلاسفة أعلم بها منه، بل ومن غيره من الأنبياء‏.‏ وهؤلاء يقولون‏:‏ إن عليًا كان فيلسوفًا، وأنه كان أعلم بالعلميات من الرسول، وأن هارون كان فيلسوفًا، وكان أعلم بالعلميات من موسى‏.‏
وكثير منهم يعظم فرعون، ويسمونه أفلاطون القبطي، ويدعون أن صاحب مدين الذي تزوج موسى ابنته ـ الذي يقول بعض الناس‏:‏ إنه شعيب ـ يقول هؤلاء‏:‏ إنه أفلاطون أستاذ أرسطو، ويقولون‏:‏ إن أرسطو هو الخضر ـ إلى أمثال هذا الكلام الذي فيه من الجهل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال‏.‏
أقل ما فيه جهلهم بتواريخ الأنبياء، فإن أرسطو باتفاقهم كان وزيرًا / للإسكندر بن فيلبس المقدوني، الذي تؤرخ به اليهود والنصارى التاريخ الرومي، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة ‏.‏
وقد يظنون أن هذا هو‏: ‏‏[‏ذو القرنين‏] المذكور في القرآن، وأن أرسطو كان وزيرًا لذي القرنين، المذكور في القرآن، وهذا جهل‏.‏ فإن هذا الإسكندر بن فيلبس لم يصل إلى بلاد الترك، ولم يبن السَّدّ، وإنما وصل إلى بلاد الفرس‏.‏
وذو القرنين المذكور في القرآن وصل إلى شرق الأرض وغربها، وكان متقدمًا على هذا، يقال‏:‏ إن اسمه الإسكندر بن دارا، وكان موحدًا مؤمنًا، وذاك مشركًا، كان يعبد هو وقومه الكواكب والأصنام، ويعانون السحر، كما كان أرسطو وقومه من اليونان مشركين يعبدون الأصنام، ويعانون السحر، ولهم في ذلك مصنفات، وأخبارهم مشهورة، وآثارهم ظاهرة بذلك، فأين هذا من هذا‏؟‏‏!‏
والمقصود هنا بيان ما يقوله هؤلاء الفلاسفة الباطنية فيما جاء به الرسول‏.‏
والفريق الثاني منهم، يقولون‏:‏ إن الرسول كان يعلم الحق الثابت في نفس الأمر في التوحيد والمعاد، ويعرف أن الرب ليس له صفة ثبوتية، وأنه لا يرى ولا يتكلم، وأن الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وأن الأبدان لا تقوم، وأنه ليس لله ملائكة هم أحياء ناطقون ينزلون بالوحي / من عنده ويصعدون إليه، ولكن يقول بما عليه هؤلاء الباطنية في الباطن، لكن ما كان يمكنه إظهار ذلك للعامة؛ لأن هذا إذا ظهر لم تقبله عقولهم وقلوبهم بل ينكرونه وينفرون منه، فأظهر لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به في دينهم، وإن كان في ذلك تلبيس عليهم وتجهيل لهم، واعتقادهم الأمر على خلاف ما هو عليه، لما في ذلك من المصلحة لهم‏.‏
ويجعلون أئمة الباطنية، كبني عبيد بن ميمون القدَّاح الذين ادعوا أنهم من ولد محمد ابن إسماعيل بن جعفر، ولم يكونوا من أولاده، بل كان جدهم يهوديًا ربيبيًا لمجوسي، وأظهروا التشيع‏.‏ ولم يكونوا في الحقيقة على دين واحد من الشيعة لا الإمامية، ولا الزيدية، بل ولا الغالية الذين يعتقدون إلهية علي، أو نبوته، بل كانوا شرًا من هؤلاء كلهم‏.‏
ولهذا كثر تصانيف علماء المسلمين في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وكثر غزو المسلمين لهم‏.‏ وقصصهم معروفة‏.‏ وابن سينا وأهل بيته كانوا من أتباع هؤلاء على عهد حاكمهم المصري؛ ولهذا دخل ابن سينا في الفلسفة‏.‏
وهؤلاء يجعلون محمد بن إسماعيل هو الإمام المكتوم، وأنه نسخ شرع محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويقولون‏:‏ إن هؤلاء الإسماعيلية كانوا أئمة معصومين، بل قد يقولون‏:‏ إنهم أفضل من الأنبياء، وقد يقولون‏:‏ إنهم آلهة يعبدون‏.‏
ولهذا أرسل الحاكم غلامه [‏هشتكير] ‏الدرزي إلى وادي تيم الله بن ثعلبة / بالشام، فأضل أهل تلك الناحية وبقاياه فيهم إلى اليوم يقولون بإلهية الحاكم وقد أخرجهم عن دين الإسلام، فلا يرون الصلوات الخمس، و لا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت الحرام، ولا تحريم ما حرمه الله ورسوله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر وغير ذلك‏.‏
وهؤلاء يدعون المستجيب لهم أولاً إلى التشيع، والتزام ما توجبه الرافضة وتحريم ما يحرمونه، ثم بعد هذا ينقلونه درجة بعد درجة حتى ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام، وأن المقصود هو معرفة أسرارهم، وهو العلم الذي به تكمل النفس، كما تقوله الفلاسفة الملاحدة، فمن حصل له هذا العلم وصل إلى الغاية، وسقطت عنه العبادات التي تجب على العامة، كالصلوات الخمس، وصيام رمضان، وحج البيت، وحلت له المحرمات التي لا تحل لغيره‏.‏
فهؤلاء يجعلون الرسول صلى الله عليه وسلم ـ إذا عظموه وقالوا‏:‏ كان كاملاً في العلم ـ من جنس رؤوسهم الملاحدة، وأنه كان يظهر للعامة خلاف ما يبطنه للخاصة‏.‏ وقد بينا من فساد أقوالهم في غير هذا الموضع ما لا يناسبه هذا المقام‏.‏
فإن المقصود هنا أن هؤلاء النفاة للعلو وللصفات الخبرية، كصاحب اللمعة وأمثاله يقولون في الرسول من جنس قول هؤلاء‏:‏ إن الذي أظهره ليس هو الحق الثابت في نفس الأمر؛ لأن ذلك ما كان يمكنه إظهاره للعامة، فإذا / كانوا يقولون هذا في الرسول نفسه فكيف قولهم في أتباعه من سلف الأمة من الصحابة والتابعين‏.‏
ومن كان هذا أصل قوله في الرسول والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كان مخالفًا لهم لا موافقًا، لا سيما إذا أظهر النفي الذي كان الرسول وخواص أصحابه عنده يبطنونه ولا يظهرونه، فإنه يكون مخالفًا لهم أيضًا‏.‏
وهذا المسلك يراه عامة النفاة، كابن رشد الحفيد وغيره‏.‏ وفي كلام أبي حامد الغزالي من هذا قطعة كبيرة‏.‏ وابن عقيل وأمثاله قد يقولون أحيانًا هذا، لكن ابن عقيل الغالب عليه إذا خرج عن السنة أن يميل إلى التجهم والاعتزال في أول أمره، بخلاف آخر ما كان عليه، فقد خرج إلى السنة المحضة‏.‏
وأبو حامد يميل إلى الفلسفة، لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية؛ ولهذا رد عليه علماء المسلمين، حتى أخص أصحابه أبى بكر بن العربي، فإنه قال‏:‏ شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر‏.‏ وقد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه، ورد عليه العلماء المذكورون قبل ‏.
فصــل
ثم قال المعترض‏:‏ قال أبو الفرج ابن الجوزي في الرد على الحنابلة‏:‏ إنهم أثبتوا لله ـ سبحانه ـ عينًا، وصورة، ويمينًا، وشمالاً، ووجهًا زائدًا على الذات، وجبهة، وصدرًا، ويدين، ورجلين، وأصابع، وخنصرًا، وفخذًا، وساقًا، وقدمًا، وجنبًا، وحِقْوًا ‏[الحِقْو‏:‏ هو الكشح والإزار، أو هو معقده] ‏وخلفًا، وأمامًا، وصعودًا، ونزولاً، وهرولة، وعجبًا، لقد كملوا هيئة البدن‏!‏ وقالوا‏:‏ يحمل على ظاهره، وليست بجوارح، ومثل هؤلاء لا يحدثون، فإنهم يكابرون العقول، وكأنهم يحدثون الأطفال‏.‏
قلت‏:‏ الكلام على هذا فيه أنواع‏:‏
الأول‏:‏ بيان مافيه من التعصب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية‏.‏
الثاني‏:‏ بيان أنه رد بلا حجة ولا دليل أصلاً‏.‏
الثالث‏:‏ بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل‏.‏
أما أولا‏:‏ فإن هذا المصنف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنفه / في الرد على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما رد به ـ فيما ادعاه ـ على بعضهم، وقصد أبا عبد الله بن حامد والقاضي أبا يعلى وشيخه أبا الحسن بن الزاغوني ومن تبعهم، وإلا فجنس الحنابلة لم يتعرض أبو الفرج للرد عليهم، ولا حكى عنهم ما أنكره، بل هو يحتج في مخالفته لهؤلاء بكلام كثير من الحنبلية، كما يذكره من كلام التميميين، مثل‏:‏ رزق الله التميمي‏ [هو أبو محمد عبد الوهاب بن عبد العزيز بن يزيد البغدادي، الشيخ الإمام الواعظ، كان فقيه الحنابلة، ولد سنة 400هـ، وتوفى سنة 488هـ]‏، وأبي الوفا بن عقيل، ورزق الله كان يميل إلى طريقة سلفه، كجده أبي الحسن التميمي، وعمه أبي الفضل التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى ـ هو صاحب أبي الحسن التميمي ـ وقد ذكر عنه أنه قال‏:‏ لقد خرِئ [تَغَوَّط‏]‏ القاضي أبو يعلى على الحنابلة خَريَةً لا يغسلها الماء‏.‏
وسنتكلم على هذا بما ييسره الله، متحرين للكلام بعلم وعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمازال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم، ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعًا‏.‏ ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعهم في مسائل الدِّق، وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها، ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعًا وافتراقًا، لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار؛ لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبينة ـ لما تنازع فيه الناس ـ ما ليس لغيره‏.‏ وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة واتباع سبيل السلف الطيب؛ ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة ـ فقهائها ومتكلمتها وصوفيتها ـ ينتحلونه‏.‏
/ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمر لابد منه في العالم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن هذا لابد من وقوعه، وأنه لما سأل ربه ألا يلقي بأسهم بينهم منع ذلك، فلابد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لابد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة، كما أنه لابد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة‏.‏
ولهذا لماكان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة، كان منتحلاً للإمام أحمد، ذاكرًا أنه مقتد به متبع سبيله‏.‏ وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف، حتى إن أبا بكر عبد العزيز يذكر من حجج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكر من حجج أصحابه؛ لأنه كان عنده من متكلمة أصحابه‏.‏
وكان من أعظم المائلين إليهم التميميون؛ أبو الحسن التميمي، وابنه، وابن ابنه، ونحوهم، وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر ابن الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور؛ ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد ـ لما ذكر اعتقاده ـ اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي‏.‏ وله في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه، ولم يذكر فيه ألفاظه، وإنما ذكر جمل الاعتقاد بلفظ نفسه، وجعل يقول‏:‏ ‏[‏وكان أبوعبد الله‏]‏‏.‏وهو بمنزلة من يصنف / كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده، فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة‏.‏ ومن المعلوم أن أحدهم يقول‏:‏ حكم الله كذا، أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفهمه، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده‏.‏
فهذا ـ أيضًا ـ من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم؛ ولهذا قد تختلف الرواية في النقل عن الأئمة، كما يختلف بعض أهل الحديث في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم، فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة، ولا أمران متناقضان في الحقيقة إلا وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمعصوم، فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين، وأمرين متناقضين ولم يشعر بالتناقض‏.‏
لكن إذا كان في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاج إلى تمييز ومعرفة ـ وقد تختلف الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض والناقلون لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف كثير ـ لم يستنكر وقوع نحو من هذا في غيره، بل هو أولى بذلك؛ لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره؛ لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يعرف سبيله وهو حجته على عباده، /فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله في ذلك، وذهب هداه، وعميت سبيله؛ إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه، بل هذا الرسول آخر الرسل، وأمته خير الأمم؛ ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أن أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات، بل له من الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنف‏.‏ فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس يثبتون تارة، وينفون أخرى في مواضع كثيرة من الصفات، كما هو حال أبي الوفاء ابن عقيل وأبي حامد الغزالي‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن باب الإثبات ليس مختصًا بالحنبلية، ولا فيهم من الغلو ما ليس في غيرهم، بل من استقرأ مذاهب الناس وجد في كل طائفة من الغلاة في النفي والإثبات ما لا يوجد مثله في الحنبلية، ووجد من مال منهم إلى نفي باطل أو إثبات باطل، / فإنه لا يسرف إسراف غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات، بل تجد في الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجد مثله في الحنبلية‏.‏ وإنما وقع الاعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دب إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة في النفي والإثبات؛ إذ أصل السنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء‏.‏
وكان علم الإمام أحمد وأتباعه، له من الكمال والتمام، على الوجه المشهور بين الخاص والعام،ممن له بالسنة وأهلها نوع إلمام، وأما أهل الجهل والضلال، الذين لا يعرفون ما بعث الله به الرسول، ولا يميزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول، وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة، فأولئك جاهلون قدر الرسول والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن، فهم بمقادير الأئمة المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين؛ إذ كانوا أشبه بمن شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان، وهم في هذه الأحوال إلى الكفر أقرب منهم للإيمان‏.‏
تجد أحدهم يتكلم في أصول الدين وفروعه بكلام مَنْ كأنه لم ينشأ في دار الإسلام، ولاسمع ما عليه أهل العلم والإيمان، ولا عرف حال سلف هذه الأمة، وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصالحة، ولا عرف مما بعث الله به نبيه ما يدله على الفرق بين الهدى والضلال، والغي والرشاد







من مواضيع : الغريب 0 هل استفدت من رمضان
0 البيوت تهدم
0 نتيجة وحصاد العصيان
0 ما الذي أبكى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى سقط مغشياً عليه
0 كتاب الصيام ,شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 04:52 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

/ وتجد وقيعة هؤلاء في‏ [‏أئمة السنة وهداة الأمة] ‏من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من المنافقين في أبي بكر، وعمر، وأعيان المهاجرين والأنصار، ووقيعة اليهود والنصارى ومن تبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقيعة الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين، وقد ذكر الله في كتابه من كلام الكفار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرة للمعتبر، وبينة للمستبصر، وموعظة للمتهوك‏ [‏المتحيِّر‏] ‏المتحير‏.‏
وتجد عامة أهل الكلام ومن أعرض عن جادة السلف ـ إلا من عصم الله ـ يعظمون أئمة الاتحاد، بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد ، ويتكلفون لها محامل غير ما قصدوه، ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشهادة بالإمامة والولاية لهم، وأنهم أهل الحقائق، ما الله به عليم‏.‏
هذا ابن عربي يصرح في فصوصه‏:‏ أن الولاية أعظم من النبوة، بل أكمل من الرسالة، ومن كلامه‏:‏
مقام النبوة في برزخ ** فُوَيْقَ الرسول ودون الولي
وبعض أصحابه يتأول ذلك بأن ولاية النبي أفضل من نبوته، وكذلك ولاية الرسول أفضل من رسالته، أو يجعلون ولايته حاله مع الله، ورسالته حاله مع الخلق وهذا من بليغ الجهل‏.‏
فإن الرسول إذا خاطب الخلق، وبلغهم الرسالة لم يفارق الولاية، بل هو ولي / الله في تلك الحال، كما هو ولي الله في سائر أحواله، فإنه ولي الله ليس عدوًا له في شيء من أحواله، وليس حاله في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلى ودعا الله وناجاه‏.‏
وأيضًا، فما يقول هذا المتكلف في قول هذا المعظم‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم لبنة من فضة، وهو لبنتان من ذهب وفضة، ويزعم أن لبنة محمد صلى الله عليه وسلم هي العلم الظاهر، ولبنتاه الذهب‏:‏ علم الباطن، والفضة‏:‏ علم الظاهر، وأنه يتلقى ذلك بلا واسطة، ويصرح في فصوصه‏:‏ أن رتبة الولاية أعظم من رتبة النبوة؛ لأن الولي يأخذ بلا واسطة والنبي بواسطة، فالفضيلة التي زعم أنه امتاز بها على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عنده مما شاركه فيه‏.‏
وبالجملة، فهو لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في شيء، فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو متابعه فيه في الظاهر، كما يوافق المجتهد المجتهد والرسول الرسول، فليس عنده من اتباع الرسول والتلقي عنه شيء أصلاً، لا في الحقائق الخبرية، ولا في الحقائق الشرعية‏.‏
وأيضًا، فإنه لم يرض أن يكون معه كموسى مع عيسى، وكالعالم مع العالم في الشرع الذي وافقه فيه، بل ادعى أنه يأخذ ما أقره عليه من الشرع من الله في الباطن، فيكون أخذه للشرع عن الله أعظم من أخذ الرسول‏.‏
/ وأما ما ادعى امتيازه به عنه وافتقار الرسول إليه ـ وهو موضع اللبنة الذهبية ـ فزعم أنه يأخذه عن المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول‏.‏
فهذا كما ترى في حال هذا الرجل، وتعظيم بعض المتأخرين له‏.‏
وصرح الغزالي بأن قتل من ادعي أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوة، أحب إليه من قتل مائة كافر؛ لأن ضرر هذا في الدين أعظم‏.‏
ولا نطيل الكلام في هذا المقام؛ لأنه ليس المقصود هنا‏.‏
وأيضًا، فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم شرعية سمعية، لا تطلق بمجرد الرأي، فهم في الامتناع من هذه الأسماء أحق بالعذر ممن امتنع من تسمية صفاته أعراضًا‏.‏
وذلك أن الصفات التي لنا منها ما هو عرَض كالعلم والقدرة، ومنها ما هو جسم وجوهر قائم بنفسه، كالوجه واليد، وتسمية هذه جوارح وأعضاء أخص من تسميتها أجسامًا؛ لما في ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع والتصرف، وجواز التفريق والبعضية‏.‏
/الوجه الرابع‏:‏ أن هذا السؤال لا يختص بهؤلاء، بل إثبات جنس هذه الصفات قد اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، من أهل الفقه والحديث والتصوف والمعرفة وأئمة أهل الكلام من الكُلاَّبيَّة والكُرّامية والأشعرية، كل هؤلاء يثبتون لله صفة الوجه واليد ونحو ذلك‏.‏
وقد ذكر الأشعري في كتاب المقالات أن هذا مذهب أهل الحديث، وقال‏:‏ إنه به يقول‏.‏
فقال في جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث‏:‏ جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث‏:‏ الإقرار بكذا وكذا، وأن الله على عرشه استوى، وأن له يدين بلا كيف، كما قال‏:‏ ‏{‏خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏75‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏64‏]‏، وأن له عينين بلا كيف، كما قال‏:‏ ‏{‏تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏14‏]‏، وأن له وجهًا، كما قال‏:‏ ‏{‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن ‏:‏27‏]
وقد قدمنا فيما تقدم أن جميع أئمة الطوائف هم من أهل الإثبات، وما من شيء ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود في الحنبلية ـ سواء كان الصواب فيه مع المثبت أو مع النافي، أو كان فيه تفصيل ـ إلا وذلك موجود فيما شاء الله /من أهل الحديث والصوفية، والمالكية، والشافعية، والحنفية ونحوهم، بل هو موجود في الطوائف التي لا تنتحل السنة والجماعة، والحديث، ولا مذهب السلف، مثل الشيعة وغيرهم، ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجد في هذه الطوائف‏.‏
وكذلك في أهل الكتابين ـ أهل التوراة والإنجيل ـ توجد هذه المذاهب المتقابلة في النفي والإثبات، وكذلك الصابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابل في النفي والإثبات، حتى إن منهم من يثبت ما لا يثبته كثير من متكلمة الصفاتية، ولكن جنس الإثبات على المتبعين للرسل أغلب، من الذين آمنوا واليهود والنصارى والصابئة المهتدين‏.‏ وجنس النفي على غير المتبعين للرسل أغلب، من المشركين والصابئة المبتدعة‏.‏
وقد ذكرنا ـ في غير هذا الجواب ـ مذهب سلف الأمة وأئمتها بألفاظها وألفاظ من نقل ذلك من جميع الطوائف، بحيث لا يبقى لأحد من الطوائف اختصاص بالإثبات‏.‏
ومن ذلك ما ذكره شيخ الحرمين أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، في كتابه الذي سماه [‏الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، إلزامًا لذوي البدع والفضول‏]‏، وكان من أئمة الشافعية، ذكر فيه من كلام الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري ـ صاحب الصحيح ـ / وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم‏.‏
وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام، وذكر أنه اقتصر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها، من جودة الحفظ والبصيرة، والفطنة والمعرفة بالكتاب، والسنة، والإجماع والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ، والمنسوخ، والمنقول، والمعقول، والصحيح، والمدخول في الصدق، والصلابة، وظهور الأمانة، والديانة، ممن سواهم‏.‏
قال‏:‏ وإن قصر واحد منهم في سبب منها، جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم، فإن غيرهم من الأئمة ـ وإن كانوا في منصب الإمامة ـ لكن أخلَّوا ببعض ما أشرت إليه مجملاً من شرائطها؛ إذ ليس هذا موضعًا لبيانها‏.‏
قال‏:‏ ووجه ثالث لابد من أن نبين فيه، فنقول‏:‏ إن في النقل عن هؤلاء إلزامًا للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه، أو يبدعه، أو يكفره، فانتحال مذهبه ـ مع مخالفته / له في العقيدة ـ مستنكر ـ والله ـ شرعًا وطبعًا، فمن قال‏:‏ أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له ‏:‏ هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد؛ إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد‏.‏ ومن قال‏:‏ أنا حنبلي في الفروع، معتزلي في الأصول، قلنا‏:‏ قد ضللت إذًا عن سواء السبيل فيما تزعمه؛ إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد‏.‏
قال‏:‏وقد افتتن ـ أيضًا ـ خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية،وهذه ـ والله ـ سُبَّة وعار، وفلتة تعود بالوبال والنكال، وسوء الدار على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار، فإن مذهبهم ما رويناه‏:‏ من تكفيرهم الجهمية، والمعتزلة والقدرية والواقفية وتكفيرهم اللفظية‏.‏
وبسط الكلام في مسألة اللفظ إلى أن قال‏:‏ فأما غير ما ذكرناه من الأئمة، فلم ينتحل أحد مذهبهم فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم‏.‏
قال‏:‏ فإن قيل‏:‏ فهلا اقتصرتم إذاً على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل اختياره من أصحاب الحديث، وهم الأئمة؛ الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد، إذ لا نرى أحدًا ينتحل مذهب الأوزاعي والليث وسائرهم ‏؟‏
قلنا‏:‏ لأن من ذكرناه من الأئمة ـ سوى هؤلاء ـ أرباب المذاهب في الجملة، إذ كانوا قدوة في عصرهم، ثم اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب الأئمة المعتبرة‏.‏ وذلك أن ابن عيينة كان قدوة، ولكن لم يصنف في / الذي كان يختاره من الأحكام، وإنما صنف أصحابه، وهم الشافعي، وأحمد، وإسحاق، فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم‏.‏
وأما الليث بن سعد، فلم يقم أصحابه بمذهبه، قال الشافعي‏:‏ لم يرزق الأصحاب إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري لا يخطئهما، فاندرج مذهبه تحت مذهبهما‏.‏
وأما الأوزاعي، فلا نرى له في أعم المسائل قولاً إلا ويوافق قول مالك، أو قول الثوري أو قول الشافعي فاندرج اختياره ـ أيضًا ـ تحت اختيار هؤلاء‏.‏ وكذلك اختيار إسحاق يندرج تحت مذهب أحمد لتوافقهما‏.‏
قال‏:‏ فإن قيل‏:‏ فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة‏؟‏ قلت‏:‏ من التعليقة للشيخ أبي حامد الإسفرائيني، التي هي ديوان الشرائع، وأم البدائع في بيان الأحكام، ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحجج العظام، في المختلف والمؤتلف‏.‏
قال‏:‏ وأما اختيار أبي زُرْعَة، وأبي حاتم في الصلاة والأحكام ـ مما قرأته وسمعته من مجموعيهما ـ فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور‏.‏ وأما البخاري فلم أر له اختيارًا، ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول‏:‏ استنبط البخاري في الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحاق‏.‏
فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سميناهم، دون غيرهم؛ إذ هم أرباب / المذاهب في الجملة، ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط الإمامة، وليس من سواهم في درجتهم، وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرهم‏.‏
ثم ذكر بعد ذلك الفصل الثاني عشر‏:‏ في ذكر خلاصة تحوي مناصيص الأئمة بعد أن أفرد لكل منهم فصلاً قال‏:‏ لما تتبعت أصول ما صح لي روايته، فعثرت فيها بما قد ذكرت من عقائد الأئمة، فرتبتها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتها، وافتتحت كل ‏[‏فصل‏]‏ بنيف من المحامد، يكون لإمامتهم إحدى الشواهد، داعية إلى اتباعهم، ووجوب وفاقهم، و تحريم خلافهم وشقاقهم، فإن اتباع من ذكرناه من الأئمة في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذي يبلغنا عن الصحابة والتابعين؛ إذ لا يسع مسلمًا خلافه، ولا يعذر فيه، فإن الحق لا يخرج عنهم؛ لأنهم الأدلاء، وأرباب مذاهب هذه الأمة، والصدور والسادة، والعلـماء القـادة، أولـو الــدين والــديانة، والصــدق والأمانة، والعــلم الوافر،والاجتهاد الظاهر؛ ولهذا المعنى اقتدوا بهم في الفروع، فجعلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله، حتى صاروا أرباب المذاهب في المشارق والمغارب، فليرضوا كذلك بهم في الأصول فيما بينهم وبين ربهم وبما نصوا عليه ودعوا إليه‏.‏
قال‏:‏ فإنا نعلم قطعًا أنهم أعرف قطعًا بما صح من معتقد رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، لجودة معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة، ولقرب عصرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما بيناه في أول الكتاب‏.‏
/ قال‏:‏ ثم أردت ـ ووافق مرادي سؤال بعض الإخوان ـ أن أذكر خلاصة مناصيصهم متضمنة بعض ألفاظهم، فإنها أقرب إلى الحفظ، وهي اللباب لما ينطوي عليه الكتاب، فاستعنت بمن عليه التكلان، وقلت‏:‏ إن الذي آثرناه من مناصيصهم يجمعه فصلان‏:‏ أحدهما‏:‏ في بيان السنة وفضلها‏.‏ والثاني ‏:‏في هجران البدعة وأهلها‏.‏
أما الفصل الأول‏:‏ فاعلم أن‏ [‏السنة] ‏طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسنن بسلوكها وإصابتها‏.‏ وهي أقسام ثلاثة ‏:‏أقوال، وأعمال، وعقائد‏.‏ فالأقوال‏:‏ نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة‏.‏ والأفعال‏:‏ مثل سنن الصلاة والصيام والصدقات المذكورة، ونحو السير المرضية، والآداب المحكية ، فهذان القسمان في عداد التأكيد والاستحباب، واكتساب الأجر والثواب‏.‏ والقسم الثالث‏:‏ سنة العقائد، وهي من الإيمان إحدى القواعد‏.‏
قال‏:‏ وها أنذا أذكر ـ بعون الله ـ خلاصة ما نقلته عنهم مفرقًا، وأضيف إليه ما دُوِّن في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقًا، وأرتبها مرشحة، وببعض مناصيصهم موشحة، بأوجز لفظ على قدر وسعي، ليسهل حفظه على من يريد أن يعي، فأقول‏:‏
ليعلم المستن أن سنة العقائد على ثلاثة أضرب‏:‏ ضرب يتعلق بأسماء الله، وذاته، وصفاته، وضرب يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومعجزاته، وضرب يتعلق بأهل الإسلام في أولاهم وأخراهم‏.‏
/ أما الضرب الأول‏:‏ فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسول أصحابه، فيما رواه الثقات، وصححه النقاد الأثبات ودل القرآن المبين، والحديث الصحيح المتين على ثبوتها ‏.‏
قال ـ رحمه الله تعالى ـ وهي أن الله ـ تعالى ـ أول لم يزل، وآخر لا يزال، أحد قديم وصمد كريم، عليم حليم عليٌّ عظيم، رفيع مجـيد وله بطش شديـد، وهـو يبدئ ويعيد، فعال لما يريد، قوي قدير، منيع نصير، ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏، إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس، والوجه، والعين، والقدم، واليدين، والعلم، والنظر، والسمع، والبصر، والإرادة، والمشيئة، والرضى، والغضب، والمحبة، والضحك، والعجب، والاستحياء، والغيرة، والكراهة، والسخط، والقبض، والبسط، والقرب، والدنو، والفوقية والعلو، والكلام، والسلام، والقول، والنداء، والتجلي، واللقاء، والنزول، والصعود، والاستواء، وأنه ـ تعالى ـ في السماء، وأنه على عرشه بائن من خلقه‏.‏
قال مالك‏:‏ إن الله في السماء وعلمه في كل مكان، وقال عبد الله بن المبارك‏:‏ نعرف ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية‏:‏ إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض، وقال سفيان الثوري‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏ قال‏:‏ علمه‏.‏ قال الشافعي‏:‏ إنه على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، قال أحمد‏:‏ إنه مستوٍ على العرش عالم بكل مكان‏.‏ وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وإنه يأتي يوم القيامة كيف شاء، / وإنه يعلو على كرسيه، والإيمان بالعرش والكرسي، وما ورد فيهما من الآيات والأخبار‏.‏
وأن الكلم الطيب يصعد إليه، وتعرج الملائكة والروح إليه، وأنه خلق آدم بيديه، وخلق القلم وجنة عدن وشجرة طوبى بيديه،وكتب التوراة بيديه، وأن كلتا يديه يمين، وقال ابن عمر‏:‏ خلق الله بيديه أربعة أشياء‏:‏ آدم، والعرش، والقلم، وجنة عدن، وقال لسائر الخلق‏:‏ كن فكان،وأنه يتكلم بالوحي كيف يشاء، قالت عائشة ـ رضي الله عنها‏:‏ لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بِوَحْيٍ يُتْلَى‏.‏
وأن القرآن كلام الله بجميع جهاته منزل غير مخلوق، ولا حَرْفٌ منه مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، قال عبد الله بن المبارك‏:‏ من كفر بحرف من القرآن فقد كفر، ومن قال‏:‏ لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر، وأن الكتب المنزلة على الرسل مائة وأربعة كتب كلام الله غير مخلوق، قال أحمد‏:‏ وما في اللوح المحفوظ وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما يقرأ وكيفما يوصف، فهو كلام الله غير مخلوق، قال البخاري‏:‏ وأقول‏:‏ في المصحف قرآن، وفي صدور الرجال قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر‏.‏
قال‏:‏ وذكر الشافعي المعتقد بالدلائل، فقال‏:‏ لله أسماء وصفات جاء بها / كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها ـ إلى أن قال ـ نحو إخبار الله ـ سبحانه ـ إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله‏:‏‏{‏بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ‏}‏‏]‏المائدة‏:‏64‏]‏، وأن له يمينًا بقوله‏:‏ ‏{‏وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏، وأن له وجهًا لقوله‏:‏‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏‏[‏القصص‏:‏88‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 27‏]‏، وأن له قدمًا لقوله‏:‏ ‏(‏حتى يضع الرب فيها قدمه‏)‏‏.‏ يعني‏:‏ جهنم‏.‏
وأنه يضحك من عبده المؤمن لقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله‏:‏ ‏(‏إنه لقى الله وهو يضحك إليه‏)‏، وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنه ليس بأعور، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر الدجال فقال‏:‏‏(‏إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور‏)‏، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم،كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له إصبعًا لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن‏)‏‏.‏
قال‏:‏ وسوى ما نقله الشافعي أحاديث جاءت في الصحاح والمسانيد، وتلقتها الأمة بالقبول والتصديق، نحو ما في الصحيح من حديث الذات، وقوله‏:‏ ‏(‏لا شخص أغير من الله‏)‏، وقوله‏: ‏‏(‏أتعجبون من غيرة سعد‏؟‏ والله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏ليس أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله،من أجل ذلك حرم /الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏)‏ ، وقوله‏:‏ ‏(‏يد الله ملأى‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏بيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏إن الله يقبضُ يوم القيامة الأرضين، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول‏:‏ أنا الملك‏)‏‏.‏
ونحوه قوله‏:‏ ‏(‏ثلاث حثيات من حثيات الرب‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه‏)‏، وقوله في حديث أبي رزِين‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، فما يفعل ربنا بنا إذا لقيناه‏؟‏ قال‏:‏‏(‏تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء، فينضح قبلكم، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة‏)‏‏.‏ أخرجه أحمد في المسند‏.‏
وحديث‏:‏ القبضة التي يخرج بها من النار قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا،فيلقيهم في نهر من أنهار الجنة يقال له‏:‏ نهر الحياة‏.‏‏[‏وقوله حُمَمًا‏:‏ أي مثل الفَحْمَة سوادًا‏]‏.‏
ونحو الحديث‏:‏ ‏(‏رأيت ربي في أحسن صورة‏)‏، ونحو قوله‏:‏‏(‏خلق آدم على صورته‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه‏)‏، وقوله‏: ‏‏(‏كلم أباك كفاحًا‏)‏، وقوله‏:‏‏ (‏ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكًا‏)‏
وفي حديث المعراج في الصحيح‏:‏ ‏(‏ثم دنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏كتب كتابًا، فهو عنده فوق العرش‏:‏ / إن رحمتي سبقت غضبي‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لا تزال جهنم يلقي فيها، وتقول‏:‏ هل من مزيد‏؟‏ حتى يضع رب العزة فيها قدمه ـ وفي رواية‏:‏ رجله ـ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول‏:‏ قَد قَدِ وفي رواية‏:‏ قَطِ قَطِ ـ بعزتك‏)‏‏.‏
ونحو قوله‏:‏ ‏(‏فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول‏:‏ أنا ربكم، فيقولون‏:‏ أنت ربنا‏)‏، وقوله‏: ‏‏(‏يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ‏:‏ أنا الملك، أنا الديان‏)‏‏.‏
إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا اعتقادنا فيها، وفي الآي الواردة في الصفات‏:‏ أنا نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ولانتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نُعْمل رأينا وفكرنا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونَكِل علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم‏.‏
روينا عن إسحاق أنه قال‏:‏ لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام ولا بإرادة، إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل، ولا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب ـ عز وجل ـ فأما أن يدرك أحد من بني آدم تلك الصفات فلا يدركه أحد ـ الحديث إلى آخره‏.‏
/ وكما روينا عن مالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث، وأحمد بن حنبل، أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول‏:‏ أمِرُّوها كما جاءت‏.‏
وكما روى عن محمد بن الحسن ـ صاحب أبي حنيفة ـ أنه قال في الأحاديث التي جاءت‏:‏ ‏(‏إن الله يهبط إلى السماء الدنيا‏)‏ ونحو هذا من الأحاديث‏:‏ إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها، ولا نفسرها‏.‏ انتهى كلام الكرجي ـ رحمه الله تعالى‏.‏
والعجب أن هؤلاء المتكلمين، إذا احتج عليهم بما في الآيات والأحاديث من الصفات قال‏:‏ قالت الحنابلة‏:‏ إن الله، كذا وكذا، بما فيه تشنيع وترويج لباطلهم، والحنابلة اقتفوا أثر السلف، وساروا بسيرهم، ووقفوا بوقوفهم، بخلاف غيرهم، والله الموفق‏.‏
النوع الثاني‏:‏ أن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم، فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين، وأهل الكتاب، لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه، والباطل الذي معهم، فقد قال الله ـ عز وجل ـ لنبيه / صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏\{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ ا