القاعدة السادسة:
أنه لقائل أن يقول: لابد في هذا الباب من ضابط، يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات، إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز.
فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته. وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة، ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبه، ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس من التشبيه.
وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل.
وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: إن لله علما قديمًا أو قدرة قديمة، كان عندهم مشبهًا ممثلا؛ لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلا قديمًا، ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار. ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك.
ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الرب بصفاته قديم.
ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان.
ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلا عن أن تختص بالقدم.
وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلها ولا ربا، كما أن النبي محدث وصفاته محدثة، وليست صفاته نبيًا.
فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية.
والقرآن قد نفي مسمى المثل والكفء والنِّدّ ونحو ذلك.
ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف، ولا كفؤه ولا نده، فلا يدخل في النص.
وأما العقل، فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة.
وكذلك ـ أيضًا ـ يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلًا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه.
وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية، الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش، وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه.
فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبهًا، ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبهًا، كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله.
وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو، لكن هؤلاء يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولى القاضي أبى يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه. وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات.
والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه، كالأمر فيما أثبتوه، لا فرق.
وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم، والأجسام متماثلة.
والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع المقدمة الثانية، وتارة بمنع كل من المقدمتين، وتارة بالاستفصال.
ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود، أو بالمركب من الهُيولي والصورة ونحو ذلك، فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة، فهذا يبني على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر الفرد، وعلى أنه متماثل، وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك.
والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيمًا بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم، كإطلاق الرافضة النصب على من تولى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وبناء على أن من أحبهما فقد أبغض عليا رضي الله عنه ومن أبغضه فهو ناصبي.
وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى، ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفي ذلك، وبينا فساد قول من يقول بتماثلها.
وأيضًا، فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل، وذلك أنه إذا أثبت تماثل الأجسام، فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم.
وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم، وثبت امتناع الجسم، كان هذا وحده كافيًا في نفي ذلك، لا يحتاج نفي ذلك. إلى نفي مسمى التشبيه، لكن نفي التجسيم يكون مبنيًا على نفي هذا التشبيه بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسمًا، ثم يقال: والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع، وهذا ممتنع عليه.
لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدًا في نفي التشبيه على نفي التجسيم، فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلك آخر، سنتكلم عليه ـ إن شاء الله.
وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفي على مجرد نفي التشبيه لا يفيد؛ إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه ويفترقان من وجه، بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك، مما هو ـ سبحانه ـ مقدس عنه، فإن هذه طريقة صحيحة.
وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها، فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو ألا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه. وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد؛ ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته بشيء من المخلوقات.
فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه.
قيل: هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ـ سبحانه، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا، كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير، وقد سمى بعض المخلوقات حيًا سميعًا عليمًا بصيرًا. فإذا قيل: يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودًا حيًا عليما سميعًا بصيرًا. قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب ـ تعالى، فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا ولا إمكانًا، ولا نقصًا ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية.
وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم، أو السمع أو البصر، أو السميع أو البصير، أو القدرة أو القدير، والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال، كالوجود والحياة، والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذور أصلًا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود.
ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئًا، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفي القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل العام.
والمعاني التي يوصف بها الرب ـ تعالى ـ كالحياة، والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت، والحقيقة ونحو ذلك تجب لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة، وعلم ونحو ذلك.
والله ـ سبحانه ـ منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم.
وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام. وقد بسط هذا في مواضع كثيرة. وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينًا مقيدًا، وأن معنى اشتراك الموجودًات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا؛ لأن الموجودًات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضًا في هذا المقام، فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذرًا من ملزومات التشبيه، وتارة يتفطن أنه لابد من إثبات هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة.
ولكثرة الاشتباه في هذا المقام، وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودًات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟.
وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات؛ فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكى عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير.
وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة، ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.
وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك، فهذه الألفاظ كلها متواطئة.
فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها، فالمشكك نوع من المتواطئ العام، الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلًا في موارده أو متماثلاً.
وبينا أن المعدوم شيء ـ أيضًا ـ في العلم والذهن لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به.
وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودًات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة، فتتشابه بذلك وتختلف به.
وأما هذه الجملة المختصرة، فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها علم قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال.
والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة، فيما ينفي عن الرب وينزه عنه ـ كما يفعله كثير من المصنفين ـ خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة.
فصـــل
وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات، أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه، مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود، الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر وأنه الله.
فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسمًا أو متحيزًا، وذلك ممتنع، وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه:
أحدها: أن وصف الله ـ تعالى ـ بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معروف للمدلول ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفي، كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود.
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.
الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة.
الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفي شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي.
فمثبتة الصفات ـ كالحياة والعلم، والقدرة والكلام، والسمع والبصرـ إذا قالت لهم النفاة ـ كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، أو لأنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا. قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن. وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًا عالما قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل.
ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب، ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول، والإتيان والمجىء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك، إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم. قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإذا كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين.
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله ـ تعالى ـ بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا، لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة، لا تحق حقًا، ولا تبطل باطلاً.
ولهذا لم يذكر الله في كتابه، فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار، ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدع، الذي أنكره السلف والأئمة.
فصـــل
وأما في طرق الإثبات، فمعلوم ـ أيضًا ـ أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفي في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال، بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه.
كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن، والجوع والعطش، مع نفي التشبيه. وكما لو قال المفترى: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم،كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم. حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ـ عز وجل ـ عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
فإنه يقال لمن نفي ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت التشبيه وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر.
فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع.
قيل له أولا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن نفاه.
ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلابد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها.
وأيضًا، فلابد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفي، فإن الأمور المتماثلة في الجواز، والوجوب، والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض، في الجواز والوجوب والامتناع، فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي، ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله، كما أنه لابد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
فيقال: كلما نفي صفات الكمال الثابتة للّه فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم، علم امتناع العدم والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه.
فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه، ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه فلا يوجد إلا به.
وهو ـ سبحانه ـ غني عن كل ما سواه، فكل ما نافي غناه فهو منزه عنه، وهو سبحانه قدير قوي، فكل ما نافي قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو ـ سبحانه ـ حي قيوم، فكل ما نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه.
وبالجملة، فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفؤ، فإن إثبات الشيء نفي لضده، ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه.
فطرق العلم بنفي ما ينزه عنه الرب متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك، وفرقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه.
وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور، حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال: لا موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا.
ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات، أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
وقد تقدم أن ما ينفي عنه ـ سبحانه ـ النفي المتضمن للإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجودًات، وليس هذا مدحًا له؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقًا، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه، ينزه عنه الرب تبارك وتعالى.
والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك، فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسِّنَةُ ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، كذلك اللُّغُوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به، ونحو ذلك تتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه.
وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه، ليس مستغنيًا عنه بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب.
ولهذا كانت الملائكة صمدًا لا تأكل ولا تشرب، وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفي ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2]. والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، أو هي الأصل في هذا الباب.
وقال في حق المسيح وأمه: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75]. فجعل ذلك دليلًا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى.
والكبد والطحال، ونحو ذلك، هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو ـ سبحانه ـ موصوف بالعمل والفعل؛ إذ ذاك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر علي الفعل.
وهو ـ سبحانه ـ منزه عن الصاحبة والولد، وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن، هو مستلزم الضعف والعجز، الذي ينزه عنه ـ سبحانه، بخلاف الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم، فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك.
وأيضًا، فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع، من أنه ـ سبحانه ـ لا كفؤ له، ولا سمي له وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيعلم قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات، ولا الكواكب ولا الهواء، ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا أبدانهم، ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يعلم أن حقيقته عن مماثلات شيء من الموجودًات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر.
فإن الحقيقتين إذا تماثلتا، جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق، من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب والفناء، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين.
وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، أو يد كيدي ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه.
وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه.
فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته. والله أعلم.
القاعدة السابعة:
أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه [السمع] يعلم [بالعقل] أيضًا والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه; كما ذكر الله ذلك في غير موضع.
فإنه سبحانه وتعالى: بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك: ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه; كما بين أيضًا ما دل على نبوة أنبيائه; وما دل على المعاد وإمكانه.
فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها. ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها والأمثال المضروبة في القرآن هي [أقيسة عقلية] وقد بسط في غير هذا الموضع وهي أيضًا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضًا وكثير من أهل الكلام يسمي هذه [الأصول العقلية] لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق الذي هو النبي لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي تتوقف إثبات النبوة عليها. [فطائفة] تزعم: أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل و[طائفة] تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول, وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام, وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات, وإما بحدوث الأفعال القائمة بها, فيجعلون نفي أفعال الرب, ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها. ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم؛ لظنهم أن العقل عارض السمع وهو أصله فيجب تقديمه عليه والسمع, إما أن يؤول, وإما أن يفوض, وهم أيضًا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم؛ لما تقدم وهؤلاء يضلون من وجوه:
[منها]: ظنهم أن السمع بطريق الخبر, تارة وليس الأمر كذلك؛ بل القرآن بين من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر, فتكون هذه المطالب: شرعية عقلية.
[ومنها]: ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها, وهم مخطئون قطعًا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة, كما قد بسط في غير هذا الموضع.
[ومنها]: ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة وقد تكون باطلة.
[ومنها]: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل, ويكونون غالطين في ذلك؛ فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات؛ لا من المعقولات, وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع والمقصود هنا: أن من [صفات الله تعالى] ما قد يعلم بالعقل كما يعلم أنه عالم وأنه قادر وأنه حي؛ كما أرشد إلى ذلك قوله: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14]. وقد اتفق النظار من مثبتة الصفات: على أنه يعلم بالعقل عند المحققين أنه حي؛ عليم؛ قدير؛ مريد؛ وكذلك السمع؛ والبصر والكلام. يثبت بالعقل عند المحققين بل وكذلك الحب والرضا والغضب. يمكن إثباته بالعقل وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل كما أثبتته بذلك الأئمة: مثل أحمد بن حنبل وغيره. ومثل: عبد العالي المكي وعبد الله بن سعيد بن كلاب؛ بل