قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 01:44 AM   رقم المشاركة : 11
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا‏)‏‏.‏
وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا ولى غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلا وضلالا وكان قد رد بدعة ببدعة‏.‏ حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس‏:‏ من أعادها فهو مبتدع‏.‏ وهذا أظهر القولين، لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة‏.‏ ولهذا كان أصح قولي العلماء‏:‏ أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله، والمحبوس وذووا الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته‏.‏
وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلاً بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فعمرو وعمار لما أجنبا وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء، وأبو ذر لما كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء‏.‏
والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء ـ وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى ‏{‏حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏‏.‏ هو الحبل ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏إنما هو سواد الليل وبياض النهار‏)‏ ولم يأمرهم بالقضاء، والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات، والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصاروا يصلون إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ‏.‏
وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل يثبت؛ وقيل لا يثبت؛ وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ‏.‏ والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 165‏]‏‏.‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين‏)‏‏.‏
فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا‏.
فصل
أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن ذلك حق يجزم به المسلمون ويقطعون به ولا يرتابون، وكل ما علمه المسلم جزم به فهو يقطع به، وإن كان الله قادرًا على تغييره، فالمسلم يقطع بما يراه ويسمعه، ويقطع بأن الله قادرعلى ما يشاء، وإذا قال المسلم‏:‏ أنا أقطع بذلك؛ فليس مراده إن الله لا يقدر على تغييره، بل من قال‏:‏ إن الله لا يقدر على مثل إماتة الخلق وإحيائهم من قبورهم وعلى تسيير الجبال وتبديل الأرض غير الأرض فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل‏.‏
والذين يكرهون لفظ القطع من أصحاب أبي عمرو بن مرزوق هم قوم أحدثوا ذلك من عندهم، ولم يكن هذا الشيخ ينكرهذا، ولكن أصل هذا أنهم كانوا يستثنون في الإيمان، كما نقل ذلك عن السلف فيقول أحدهم‏:‏ أنا مؤمن إن شاء الله، ويستثنون في أعمال البر فيقول أحدهم‏:‏ صليت إن شاء الله؛ ومراد السلف من ذلك الاستثناء إما لكونه لا يقطع بأنه فعل الواجب كما أمرالله ورسوله، فيشك في قبول الله لذلك فاستثنى ذلك، أو للشك في العاقبة، أو يستثنى لأن الأمور جميعًا إنما تكون بمشيئة الله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 27‏]‏ مع أن الله علم بأنهم يدخلون لا شك في ذلك، أو لئلا يزكي أحدهم نفسه‏.‏
وكان أولئك يمتنعون عن القطع في مثل هذه الأمور؛ ثم جاء بعدهم قوم جهال، فكرهوا لفظ القطع في كل شيء، ورووا في ذلك أحاديث مكذوبة، وكل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، أو واحد من علماء المسلمين، أنه كره لفظ القطع في الأمور المجزوم بها، فقد كذب عليه وصار الواحد من هؤلاء يظن أنه إذا أقر بهذه الكلمة فقد أقر بأمر عظيم في الدين، وهذا جهل وضلال من هؤلاء الجهال لم يسبقهم إلى هذا أحد من طوائف المسلمين، ولا كان شيخهم أبو عمرو بن مرزوق، ولا أصحابه في حياته، ولا خيار أصحابه بعد موته يمتنعون من هذا اللفظ مطلقًا؛ بل إنما فعل هذا طائفة من جهالهم‏.‏
كما أن طائفة أخرى زعموا أن من سب الصحابة لا يقبل الله توبته وإن تاب، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏سب أصحابي ذنب لا يغفر‏)‏ وهذا الحديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة، وهو مخالف للقرآن؛ لأن الله قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏ هذا في حق من لم يتب وقال في حق التائبين‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏ فثبت بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن كل من تاب تاب الله عليه‏.‏
ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين وقال‏:‏ هو ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو معلم، أو مفتر وتاب تاب الله عليه‏.‏
وقد كان طائفة يسبون النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الحرب ثم أسلموا وحسن إسلامهم وقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم‏:‏ أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب بن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد وكان يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول‏:‏ أنا كنت أعلمه القرآن، ثم تاب وأسلم وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك‏.‏ وإذا قيل‏:‏ سب الصحابة حق لآدمي‏.‏ قيل‏:‏ المستحل لسبهم كالرافضي يعتقد ذلك دينا، كما يعتقد الكافر سب النبي صلى الله عليه وسلم دينا‏.‏ فإذا تاب وصار يحبهم، ويثني عليهم، ويدعو لهم محا الله سيئاته بالحسنات‏.‏ ومن ظلم إنسانا فقذفه أو اغتابه أو شتمه ثم تاب قبل الله توبته‏.‏ لكن إن عرف المظلوم مكنه من أخذ حقه، وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد‏:‏ أصحهما أنه لا يعلمه أني اغتبتك وقد قيل‏:‏ بل يحسن إليه في غيبته كما أساء إليه في غيبته؛ كما قال الحسن البصري‏:‏ كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته‏.‏ فإذا كان الرجل قد سب الصحابة أو غير الصحابة وتاب، فإنه يحسن إليهم بالدعاء لهم والثناء عليهم بقدر ما أساء إليهم والحسنات يذهبن السيئات‏.‏ كما أن الكافر الذي كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول‏:‏ أنه كذاب إذا تاب وشهد أن محمدًا رسول الله الصادق المصدوق، وصار يحبه، ويثني عليه، ويصلي عليه كانت حسناته ماحية لسيئاته، والله تعالى يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 1‏:‏ 3‏]‏ وصلى الله على محمد وصحبه وسلم‏.‏
سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه
هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا‏؟‏ فإن قيل بالجواز‏:‏ فما وجهه‏؟‏ وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض المسائل‏.‏
وإذا قيل بالجواز‏:‏ فهل يجب ذلك‏؟‏ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه‏؟‏ وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع‏؟‏ وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفًا به‏؟‏ وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا‏؟‏
وإذا قيل بالوجوب‏:‏ فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك ـ وقد كان عليه السلام حريصًا على هدى أمته‏؟‏ والله أعلم‏.‏
فأجاب‏:‏ الحمد لله رب العالمين
‏[‏أما المسألة الأولى‏]‏ فقول السائل ـ هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا‏؟‏ ـ سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة‏.‏
فإن المسائل التي هي من أصول الدين _ التي تستحق أن تسمى أصول الدين _ أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه‏:‏ لا يجوز أن يقال‏:‏ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام؛ بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين؛ وأنها مما يحتاج إليه الدين، ثم نفى نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين‏:‏
إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعا‏.‏ وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول، أو جاهل بمايعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بهما جميعا‏.‏
فإن جهله بالأول‏:‏ يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه‏.‏
وجهله بالثاني‏:‏ يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات‏.‏
وجهله بالأمرين‏:‏ يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس‏:‏ حذاقهم؛ فضلا عن عامتهم‏.‏
وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولاً أو قولاً وعملاً كمسائل التوحيد، والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد‏.‏ أو دلائل هذه المسائل‏.‏
‏[‏أما القسم الأول‏]‏‏:‏ فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته، واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر‏.‏ إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه‏.‏ وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد، وتمام الواجب، والمستحب‏.‏
والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته، ويزكينا، ويعلمنا الكتاب والحكمة‏.‏ الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضى لنا بالإسلام دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ‏{‏مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 111‏]‏
وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله، وسمعه، ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏10‏]‏ وإن كان ذلك كثيرًا في كثير من المتفلسفة، والمتكلمة، وجهال أهل الحديث، والمتفقهة، والمتصوفة‏.‏
‏[‏وأما القسم الثاني‏]‏‏:‏ وهو دلائل هذه المسائل الأصولية، فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين، والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق‏.‏ فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر معقولات محضة‏.‏ فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما؛ بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم‏:‏ أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد؛ بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها ـ أهل العلم والإيمان ـ من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره‏.‏
ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي قال فيها‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏27‏]‏ فإن الأمثال المضروبة هي ‏[‏الأقيسة العقلية‏]‏ سواء كانت قياس شمول، أو قياس تمثيل‏.‏ ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية‏.‏ وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمى الله آيتي موسى برهانين‏.‏
ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي تستوي أفراده؛ فإن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها ـ ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى يقين بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة، والاضطراب؛ لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها‏.‏
ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلاً أو شمولاً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏60‏]‏ مثل أن نعلم أن كل كمال ثبت للممكن، أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه‏:‏ وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم فالواجب القديم أولى به‏.‏ وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق _ المربوب المعلول المدبر فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره ـ فهو أحق به منه‏.‏ وأن كل نقص وعيب في نفسه ـ وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن شيء ما من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات ـ فإنه يجب نفيه عن الرب تبارك وتعالى بطريق الأولى‏.‏ وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود، أما الأمور العدمية فالممكن بها أحق ونحو ذلك‏.‏
ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب، كما استعمل نحوها الإمام أحمد‏.‏ ومن قبله، وبعده من أئمة أهل الإسلام، وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير ‏[‏أصول الدين‏]‏ من مسائل التوحيد والصفات، والمعاد ونحو ذلك‏.‏
ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد؛ والعلم به تابع للعلم بإمكانه، فإن الممتنع لا يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه أتم بيان؛ ولم يسلك في ذلك ما يسلكه ‏[‏طوائف من أهل الكلام‏]‏ حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني، فيقولون‏:‏ هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال، فإن الشأن في هذه المقدمة، فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال‏.‏ والمحال هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره، والإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع‏.‏ وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي؛ بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع‏.‏ ولا معلوم الإمكان الخارجي وهذا هو الإمكان الذهني‏.‏
فالله سبحانه وتعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا‏.‏ إذ يمكن أن يكون الشي ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن امتناعه؛ بخلاف الإمكان الخارجي‏.‏ فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعًا‏.‏ والإنسان يعلم الإمكان الخارجي‏:‏ تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه، فإن وجود الشئ دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه‏.‏
ثم إنه إذا بين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك‏.‏
فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 99‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 33‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 57‏]‏ فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان، والقدرة من ذلك‏.‏
وكذلك استدلالة على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏ ولهذا قال بعد ذلك‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ‏}‏ الآية ‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏‏.‏
وكذلك ما ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 78، 79‏]‏ الآيات‏.‏ فإن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏78‏]‏ قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏78‏]‏ وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي‏:‏ أي لا أحد يحي العظام وهي رميم‏.‏ فإن كونها رميما يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة والرطوبة، ولتفرق أجزائها، واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من الشبهات‏.‏ والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحي العظام وهي رميم، فلا أحد يحييها؛ ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الأحياء‏.‏
وبين سبحانه إمكانه من وجوه ببيان إنكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه، فقال‏:‏ ‏{‏يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 79‏]‏ وقد أنشأها من التراب ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 79‏]‏ ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء واستحال‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 80‏]‏ فبين أنه أخرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب، وذلك أبلغ في المنافاة لأن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة؛ فالرطوبة تقبل من الانفعال مالا تقبله اليبوسة‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 81‏]‏ وهذه مقدمة معلومة بالبديهة، ولهذا جاء فيها باستفهام التقرير الدال على أن ذلك مستقر معلوم عند المخاطب كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 33‏]‏ ثم بين قدرته العامة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 82‏]‏‏.‏
وفي هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار، وبيان الأدلة القطعية على المطالب الدينية ما ليس هذاموضعه، وإنما الغرض التنبيه‏.‏
وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة ـ التي جعلوها جوهر الابن ـ منه، وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة، والنفوس الفلكية التسعة‏:‏ التي هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض‏؟‏ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور، والنفوس بمنزلة الإناث، ويجعلون ذلك آباءهم، وأمهاتهم، وآلهتهم وأربابهم القريبة، وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة؛ لكن أكثرهم يجعلون النفس الفلكية عرضا لا جوهرا قائما بنفسه، وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم‏:‏ الذين جعلوا له بنين وبنات‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏151، 152‏]‏ وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول، أو العقول والنفوس ‏[‏هي الملائكة‏]‏ وهي متولدة عن الله فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 57‏:‏ 60‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 62‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 16‏:‏ 19‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 19 ‏:‏22‏]‏ أي جائرة وغير ذلك في القرآن‏.‏
فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فيكف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم‏؟‏‏!‏ وتستخفون من إضافته إليكم مع أنه واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك، وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم‏.‏
وكذلك قوله في التوحيد‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 28‏]‏ أي كخيفة بعضكم بعضا كما في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏12‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏11‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 54‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 84‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏ فإن المراد في هذا كله من نوع واحد‏.‏ فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه فيما له حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره، بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرًا، فكيف ترضون لي أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكًا لي‏:‏ يدعى ويعبد ـ كما أدعى وأعبد ـ كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ـ وهذا باب واسع عظيم جدًا ليس هذا موضعه‏.‏
وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن، والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين‏.‏ وأماما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين؛ وإن أدخله فيه مثل ‏[‏المسائل‏]‏ ‏[‏والدلائل‏]‏ الفاسدة‏:‏ مثل نفي الصفات، والقدر، ونحو ذلك من المسائل‏.‏
ومثل ‏[‏الاستدلال‏]‏ على حدوث العالم بحدوث ‏[‏الإعراض‏]‏ التي هي صفات الأجسام القائمة بها‏:‏ إما الأكوان، وإما غيرها، وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل‏:‏ من إثبات ‏[‏الأعراض‏]‏ التي هي الصفات أولا‏.‏ أو إثبات ‏[‏بعضها‏]‏ كالأكوان التي هي الحركة، والسكون، والإجتماع، والافتراق، ‏[‏وإثبات حدوثها‏]‏ ثانيا بإبطال ظهورها بعد الكمون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ـ ثم إثبات ‏[‏امتناع خلو الجسم‏]‏ ثالثا؛ إما عن كل جنس من أجناس الأعراض‏:‏ بإثبات أن الجسم قابل لها، وإن القابل للشيء لا يخلو عنه، وعن ضده؛ وإما عن الأكوان ـ وإثبات ‏[‏امتناع حوادث لا أول لها‏]‏رابعا، وهو مبني على مقدمتين‏:‏
‏[‏إحداهما‏]‏‏:‏ إن الجسم لا يخلو عن ‏[‏الأعراض‏]‏ التي هي الصفات‏.‏ ‏[‏والثانية‏]‏‏:‏ أن ما لا يخلو عن ‏[‏الصفات‏]‏ التي هي الأعراض فهو محدث لأن الصفات التي هي الأعراض لا تكون إلا محدثة، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان، وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى‏.‏
فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمد صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق ‏[‏أهل الكلام‏]‏ كالأشعري وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم‏.‏
بل المحققون على أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقا‏.‏ ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين له لازم؛ إما أن يطلع على ضعفها ويقابل بينها وبين أدلة القائلين يقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة‏.‏ كما هو حال طوائف منهم‏.‏
وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل؛ كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار، والتزم أبو الهذيل لأجلها انقطاع حركات أهل الجنة‏.‏ والتزم قوم لاجلهاـ كالأشعري وغيره ـ أن الماء والهواء والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك‏.‏ والتزم قوم لأجلها، وأجل غيرها‏:‏ أن جميع ‏[‏الأعراض‏]‏ كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها‏.‏ فقالوا‏:‏ صفات ‏[‏الأجسام‏]‏ أعراض أي أنها تعرض وتزول فلا تبقى بحال بخلاف صفات الله فإنها باقية‏.‏ وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا‏:‏ هذه مخالفة للمعلوم بالحس‏.‏
والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات الرب مطلقًا، أو نفي بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده‏.‏ والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضا في غاية الفساد والضلال‏.‏ ولهذا التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه‏.‏ إلى أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة، ومن اتبعهم أصل دينهم‏.‏
فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين؛ ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده‏.‏
وأما الدين الذي قال الله فيه‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 21‏]‏ فذاك له أصول وفروع بحسبه‏.‏
وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الإسم فيه إجمال وإبهام ـ لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات ـ تبين أن الذي هو عند الله، ورسوله، وعباده المؤمنين أصول الدين؛ فهو موروث عن الرسول‏.‏ وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل كما أن لازم الحق حق‏.‏
وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف، والأئمة بذم الكلام وأهله؛ إذ ذلك يتناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة، أو استدل على المقالات الباطلة‏.‏ فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكما ودليلا فهو من أهل العلم والإيمان والله يقول الحق وهو يهدي السبيل‏.‏
وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه ـ إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة ـ كمخاطبة العجم‏:‏ من الروم، والفرس، والترك بلغتهم وعرفهم‏.‏ فإن هذا جائز حسن للحاجة‏.‏
وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ـ وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة، لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها ـ ‏(‏يا أم خالد هذا سنا‏)‏ والسنا بلسان الحبشة الحسن ‏.‏لأنها كانت من أهل هذه اللغة‏.‏ وكذلك يترجم القرآن، والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم، وكلامهم بلغتهم، ويترجمها بالعربية‏.‏ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له، ويكتب له ذلك حيث لم يأمن من اليهود عليه‏.‏
فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ ‏[‏الجوهر‏]‏ و‏[‏العرض‏]‏ و‏[‏الجسم‏]‏ وغير ذلك؛ بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات‏.‏ كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع فقال‏:‏ هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه‏.‏
فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق؛ بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ‏:‏ نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل؛ من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم‏.‏ وهذا من مثارات الشبهة‏.‏
فإنه لا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين، أنه علق بمسمى لفظ ‏[‏الجوهر‏]‏ و‏[‏الجسم‏]‏ و‏[‏التحيز‏]‏ و‏[‏العرض‏]‏ ونحو ذلك شيء من أصول الدين لا الدلائل ولا المسائل؛ والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها‏.‏ تارة لاختلاف الوضع‏.‏ وتارة لاختلافهم في المعنى الذي هو مدلول اللفظ كمن يقول ‏[‏الجسم‏]‏ هو المؤلف، ثم يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه‏؟‏ أو الجوهران فصاعدا‏؟‏ أو الستة‏؟‏ أو الثمانية‏؟‏ أو غير ذلك‏؟‏ ومن يقول هو الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه، وأنه مركب من المادة والصورة، ومن يقول هو الموجود، أو الموجود القائم بنفسه؛ وأن الموجود لا يكون إلا كذلك‏.‏
والسلف والأئمة ـ الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين في دلائله، وفي مسائله نفيا وإثباتا‏.‏ فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء، وما خالفه‏.‏ فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏ وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم‏.‏ وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب، والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم‏.‏ ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف‏.‏ وأما قول السائل فإن قيل بالجواز‏:‏ فما وجهه، وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض المسائل‏؟‏ فيقال‏:‏ قد تقدم الاستفسار والتفصيل في جواب السؤال، وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله فلا يجوز أن ينهى عنها بحال، بخلاف ما سمى أصول الدين وليس هو أصولا في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل‏.‏ أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله‏.‏
وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور‏.‏
منها القول على الله بلا علم، كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏33‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 36‏]‏
ومنها أن يقال عليه غير الحق كقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏169‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏ ومنها الجدل بغير علم كقوله‏:‏ ‏{‏هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏66‏]‏ ومنها الجدل في الحق بعد ظهوره كقوله‏:‏ ‏{‏يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 6‏]‏‏.‏
ومنها الجدل بالباطل كقوله‏:‏ ‏{‏وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 5‏]‏‏.‏ ومنها الجدل في آياته كقوله‏:‏ ‏{‏وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 4‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 35‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏56‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 35‏]‏ ونحو ذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 16‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 13‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 8‏]‏‏.‏
ومن الأمور التي نهى الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف كقوله‏:‏ ‏{‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 103، 106‏]‏‏.‏ قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 159‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏30‏:‏ 32‏]‏‏.‏
وقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 14‏]‏ وفي مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 118، 119‏]‏ وفي مثل قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 176‏]‏‏.‏ وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توافق كتاب الله كالحديث المشهور عنه الذي روى مسلم بعضه عن عبدالله بن عمرو، وسائره معروف في مسند أحمد، وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ـ وهم يتناظرون في القدر ـ ورجل يقول‏:‏ ألم يقل الله كذا، ورجل يقول‏:‏ ألم يقل الله كذا فكأنما فقىء وجهه حب الرمان فقال‏:‏ ‏(‏أبهذا أمرتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا، لا ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه‏)‏ هذا الحديث أو نحوه‏.‏







آخر مواضيعه 0 كيف اعبد الله تعالى , لماذا اعبد الله
0 وصف جنات النعيم والطريق الموصل إليها
0 وسائل الحوار في المنتديات لكل مسلم
0 الدعوى الى الله
0 اعصار كاترينا

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:45 AM   رقم المشاركة : 12
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وكذلك قوله‏:‏ ‏(‏المرآء في القرآن كفر‏)‏ وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏7‏]‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم‏)‏‏.‏
وأما أن يكون الكتاب أو السنة نهي عن معرفة المسائل التي يدخل فيما يستحق أن يكون من أصول دين الله فهذا لا يكون اللهم إلا أن ننهى عن بعض ذلك في بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل‏.‏ كقول عبد الله بن مسعود‏:‏ ‏[‏ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم‏]‏ وكقول علي‏:‏ رضي الله عنه ‏[‏حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله‏]‏‏.‏ أو مثل قول حق يستلزم فسادا أعظم من تركه فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان‏)‏ رواه مسلم‏.‏
وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب‏؟‏ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه‏.‏
فيقال‏:‏ لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب، والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك ـ مما أوجبه الله على المؤمنين ـ فهو واجب على الكفاية منهم‏.‏
وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، ومعرفتهم، وحاجتهم وما أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم، أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي، والمحدث، والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك‏.‏
وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع‏؟‏ فيقال‏:‏ الصواب في ذلك التفصيل‏.‏ فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعا، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد‏.‏ فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأئمتها‏.‏
ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرًا ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات، وتكون في الحقيقة من الأغلوطات فضلًا عن أن تكون من الظنيات؛ حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرًا ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع آخر، بل منهم من غاية كلامه كذلك؛ وحتى قد يدعى كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر‏.‏ وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك، كقوله‏:‏ ‏{‏اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 98‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 19‏]‏ وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به‏.‏
وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏16‏]‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏)‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة ـ من هذه المسائل الدقيقة ـ قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين؛ لا شرعي، ولا غيره لم يجب علي مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين؛ بل ذلك هو الذي يقدر عليه، لا سيما إذا كان مطابقا للحق‏.‏ فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه‏.‏
لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب، أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر، والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 123، 124‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية‏.‏
وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء وفي رواية ولا تختلف به الآراء وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏1، 2‏]‏ من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم‏)‏‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏وقال تعالى‏:‏ ‏{‏المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 1، 3‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 155‏:‏ 157‏]‏‏.‏
فذكر سبحانه أنه سيجزي الصادف عن آياته مطلقًا ـ سواء كان مكذبًا أو لم يكن ـ سوء العذاب بما كانوا يصدفون يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر‏.‏ سواء اعتقد كذبه، أو استكبر عن الإيمان به، أو أعرض عنه اتباعًا لما يهواه، أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر‏.‏ وقد يكون كافرًا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به‏.‏
ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله وإن كان له نظر، وجدل، واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك، جعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 26‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 83‏:‏ 85‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 35‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 56‏]‏ والسلطان هو الحجة المنزلة من عند الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 35‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 156 ،157‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 23‏]‏‏.‏
وقد طالب سبحانه من اتخذ دينا بقوله‏:‏ ‏{‏اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 4‏]‏‏.‏
فالكتاب الكتاب، والأثارة كما قال من قال من السلف هي الرواية والإسناد‏.‏ وقالوا‏:‏ هي الخط أيضًا‏.‏ إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط؛ وذلك لأن الأثارة من الأثرة؛ فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيد بالخط فيكون كل ذلك من آثاره‏.‏
وقال تعالى في نعت المنافقين‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 60‏:‏ 63‏]‏‏.‏
وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بيد الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو ‏[‏عقليات‏]‏ من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار‏.‏
فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله، فهوالظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد؛ بخلاف المجتهد في طاعة الله، ورسوله باطنا وظاهرًا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله؛ فهذا مغفور له خطؤه‏.‏
كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏‏.‏ وقد ثبت في صحيح مسلم أن الله قال قد فعلت، وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك‏.‏
فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطؤا‏.‏
وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق ـ والحال هذه ـ فيقال‏:‏ هذه العبارة وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا وإثباتا فينبغي أن يعرف أن الخلاف المحقق فيها نوعان‏:‏
‏[‏أحدهما‏]‏‏:‏ ما اتفق الناس على جوازه، ووقوعه، وإنما تنازعوا في إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق‏.‏
‏[‏والثاني‏]‏‏:‏ ما اتفقوا على أنه لا يطاق؛ لكن تنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه‏.‏ فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان على أنه لا يطاق، وتنازعوا في وقوع الأمر به فليس كذلك‏.‏
‏[‏فالنوع الأول‏]‏‏:‏ كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في ‏[‏استطاعة العبد‏]‏ وهي قدرته، وطاقته‏.‏ هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله، أو يجب أن تكون متقدمة على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه‏؟‏
فمن قال بالأول لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف ما لا يطيقه إذا لم يكن عنده قدرة إلا مع الفعل‏.‏ ولهذا كان الصواب الذي عليه محققوا المتكلمين، وأهل الفقه، والحديث، والتصوف، وغيرهم ما دل عليه القرآن، وهو أن ‏[‏الاستطاعة‏]‏ التي هي مناط الأمر والنهي وهي المصححة للفعل لا يجب أن تقارن الفعل‏.‏ وأما ‏[‏الاستطاعة‏]‏ التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له‏.‏
‏[‏فالأولى‏]‏‏:‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين‏:‏ ‏(‏صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب‏)‏ ومعلوم أن الحج والصلاة تجب على المستطيع سواء فعل، أو لم يفعل‏.‏ فعلم أن هذه الاستطاعة لا تجب أن تكون مع الفعل‏.‏
‏[‏والثانية‏]‏‏:‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 100، 101‏]‏‏.‏ على قول من يفسر الاستطاعة بهذه، وأما على تفسير السلف والجمهور، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم‏.‏ فنفوسهم لا تستطيع إرادته؛ وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه وهذه حال من صده هواه ورأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة، واتباعها، فقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك وهذه ‏[‏الاستطاعة‏]‏ هي المقارنة للفعل الموجبة له‏.‏
وأما ‏[‏الأولى‏]‏ فلولا وجودها لم يثبت التكليف بقوله‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 42‏]‏ وأمثال ذلك، فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنزل إلى الرسول فهم من هذا القسم‏.‏
وكذلك أيضا تنازعهم في ‏[‏المأمور به‏]‏ الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون، فمن الناس من يقول أن هذا غير مقدور عليه‏.‏
كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله، وخبره، وكتابه بأنه لا يكون‏.‏ وذلك لاتفاق الفريقين على أن خلاف المعلوم لا يكون ممكنا، ولا مقدورا عليه‏.‏ وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس‏.‏ وقالوا‏:‏ هذا منقوض عليهم بقدرة الله تعالى وقالوا‏:‏ أن الله يعلمه على ما هو عليه فيعلمه ممكنا مقدورا للعبد؛ غير واقع، ولا كائن لعدم إرادة العبد له، أو لبغضه إياه، ونحو ذلك، لا لعجزه عنه، وهذا النزاع يزول بتنويع القدرة عليه كما تقدم، فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل، وإن كان مقدورا ‏[‏القدرة المصححة للفعل‏]‏ التي هي مناط الأمر والنهي‏.‏
‏[‏وأما النوع الثاني‏]‏ فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا يطيق الأعمى، والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران، فمثل هذا النوع قد اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة‏.‏ وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلا، حتى نازع بعضهم في ‏[‏الممتنع لذاته‏]‏ كالجمع بين الضدين والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة العقل مع أن ذلك لم يرد في الشريعة‏؟‏ ومن غلا فزعم وقوع هذه الضرب في الشريعة ـ كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن ـ بأنه لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف‏.‏ بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار ـ المستلزم لموته على الكفرـ وأنه أسمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه الإيمان حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 85‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 91‏]‏‏.‏
والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل المأمور به وتارة إلى جواز الأمر‏.‏ ومن هنا شبه من شبه من المتكلمين على الناس حيث جعل القسمين قسما واحدا، وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقا لوقوع بعض الأقسام التي لا يجعلها عامة المسلمين من باب ما لا يطاق‏.‏ والنزاع فيها لا يتعلق بمسائل الأمر والنهي؛ وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر‏.‏
ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذي اتفق المسلمون على أنه غير مقدور عليه، وقاس أحد النوعين بالآخر‏.‏ وذلك من ‏[‏الأقيسة‏]‏ التي اتفق المسلمون؛ بل وسائر أهل الملل؛ بل وسائر العقلاء على بطلانها ـ فإن من قاس الصحيح المأمور بالأفعال ـ كقوله‏:‏ إن القدرة مع الفعل أو أن الله علم أنه لا يفعل ـ على العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع بين ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلا ودينا وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية وإخوانهم الجبرية، وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام‏.‏ كإطلاق القول‏:‏ بأن الناس مجبورون على أفعالهم، وقد اتفق سلف الأمة، وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه، وإن قصد به الرد على القدرية الذين لا يقرون بأن الله خالق أفعال العباد، ولا بأنه شاء الكائنات‏.‏ وقالوا هذا رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد والباطل بالباطل؛ ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما يبين ردهم لذلك‏.‏
وأما إذا فصل مقصود القائل، وبين بالعبارة التي لا يشتبه فيها الحق بالباطل‏.‏ ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل؛ كان هذا من الفرقان؛ وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفتهم الأئمة بأنهم مختلفون في كتاب الله مخالفون لكتاب الله متفقون على ترك كتاب الله، وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم‏.‏
ولهذا كان يدخل عندهم المجبرة في مسمى القدرية المذمومين لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعنى الذي ذمت به القدرية، ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في ‏[‏كتاب السنة‏]‏ فقال‏:‏ ‏[‏الرد على القدرية، وقولهم‏:‏ أن الله أجبر العباد على المعاصي‏]‏‏.‏ ثم روى عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد قال‏:‏ سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر؛ فقال الزبيدي‏:‏ أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب‏.‏ وقال الأوزاعي‏:‏ ما أعرف للجبر أصلا في القرآن ولا في السنة؛ فأهاب أن أقول ذلك؛ ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق‏.‏
فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة‏.‏
أما ‏[‏الزبيدي‏]‏ فمحمد بن الوليد صاحب الزهري فإنه قال‏:‏ أمر الله اعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، فنفى الجبر، وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه‏.‏ كما تقول الفقهاء في ‏[‏باب النكاح‏]‏ هل تجبر المرأة على النكاح أو لا تجبر‏؟‏ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع‏؟‏ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره‏.‏ فقال‏:‏ الله أعظم من أن يجبر أو يعضل؛ لأن الله سبحانه قادر على أن يجعل العبد محبا راضيا لما يفعله، ومبغضا وكارها لما يتركه‏.‏ كما هو الواقع، فلا يكون العبد مجبورا على ما يختاره ويرضاه ويريده وهي‏:‏ ‏[‏أفعاله الاختيارية‏]‏ ولا يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه ولا يريده وهي ‏[‏تروكه الاختيارية‏]‏‏.‏
وأما ‏[‏الأوزاعي‏]‏ فإنه منع من اطلاق هذا اللفظ، وإن عنى به هذا المعنى حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة؛ فيفضي إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل‏.‏ وذلك لا يسوغ‏.‏ وإن قيل‏:‏ أنه أريد به معنى صحيح‏.‏
قال الخلال‏:‏ أنبأنا المروذي قال سمعت بعض المشيخة يقول‏:‏ سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول‏:‏ أنكر سفيان الثوري الجبر، وقال‏:‏ الله تعالى جبل العباد‏.‏ قال المروذي‏:‏ أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس ـ يعني قوله الذي في صحيح مسلم ـ ‏(‏إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة‏.‏ فقال‏:‏ أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليهما‏.‏ فقال‏:‏ بل خلقين جبلت عليهما فقال‏:‏ الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى‏)‏‏.‏ ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق الأفعال بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 19‏:‏ 21‏]‏ فأخبر تعالى أنه خلق الإنسان على هذه الصفة‏.‏
وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي؛ لأن الزبيدي نفى الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحًا، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل،كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتاب ‏[‏السنة‏]‏ فقال‏:‏ ثنا محمد بن بكار ثنا أبو معشر حدثنا يعلى عن محمد بن كعب، أنه قال‏:‏ إنما سمى الجبار؛ لأنه يجبر الخلق على ما أراد‏.‏ فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المحتمل المشتبه زال المحذور، وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرًا في المحتمل المعنى الفاسد خشية أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعًا‏.‏
وهكذا يقال في نفي الطاقة على المأمور؛ فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور‏.‏ وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة‏:‏ قال الخلال‏:‏ أنبأنا الميموني قال‏:‏ سمعت أبا عبد الله ـ يعنى أحمد بن حنبل ـ يناظر خالد بن خداش ـ يعني في القدر ـ فذكروا رجلا، فقال أبو عبد الله‏:‏ إنما أكره من هذا أن يقول‏:‏ أجبر الله‏.‏ وقال‏:‏ أنبأنا المروذي، قلت لأبى عبد الله‏:‏ رجل يقول‏:‏ إن الله أجبر العباد‏.‏ فقال‏:‏ هكذا لا تقل‏.‏ وأنكر هذا، وقال‏:‏ يضل من يشاء ويهدي من يشاء‏.‏
وقال‏:‏ أنبأنا المروذي قال‏:‏ كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري وقال‏:‏ إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري‏:‏ إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء فقال‏:‏ إن الله جبر العباد على ما أراد‏.‏أراد بذلك إثبات القدر، فوضع أحمد بن علي كتابًا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله، فأخبرته بالقصة فقال‏:‏ ويضع كتابًا‏.‏ وأنكر عليهما جميعًا، على بن رجاء حين قال‏:‏ جبر العباد، وعلى القدري الذي قال‏:‏ لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي في وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي‏:‏ يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال‏:‏ جبر العباد‏.‏ فقلت لأبي عبد الله فما الجواب في هذه المسألة‏؟‏ قال‏:‏ يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء‏.‏
قال المروذي في هذه المسألة‏:‏ إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال‏:‏ لم يجبر، وعلى من رد عليه‏:‏ جبر، فقال أبوعبد الله‏:‏ كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال‏:‏ يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثه، وأنكر على من رد بشىء من جنس الكلام، إذا لم يكن له فيها إمام مقدم‏.‏ قال المروذي‏:‏ فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبر ومعه مشيخة، وكتاب من أهل عكبر، فأدخلت أحمد بن عليٍّ على أبى عبد الله‏.‏ فقال‏:‏ يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب، ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبر، وأستغفر الله عز وجل‏.‏ فقال أبو عبد الله لي‏:‏ ينبغي أن تقبلوا منه، فرجعوا إليه‏.‏
وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعنى الحق ـ الذي يسمونه جبرًا ـ ينافى الأمر والنهي، حتى جعله القدرية منافيًا للأمر والنهي مطلقًا‏.‏
وجعله طائفة من الجبرية منافيًا لحسن الفعل وقبحه، وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به المعلوم بالعقل، ومن المعلوم أنه لا ينافى ذلك، إلا كما ينافيه بمعنى كون الفعل ملائمًا للفاعل ونافعًا له، وكونه منافيًا للفاعل وضارًا له‏.
سئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ‏:‏
ما الذي يجب على المكلف اعتقاده‏؟‏ وما الذي يجب عليه علمه‏؟‏ وما هو العلم المرغب فيه‏؟‏ وما هو اليقين‏؟‏ وكيف يحصل‏؟‏ وما العلم بالله‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله رب العالمين، أما قوله‏:‏ ما الذي يجب على المكلف اعتقاده‏.‏ فهذا فيه إجمال وتفصيل‏.‏
أما الإجمال، فإنه يجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما أمر به الرسول ونهى، بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به‏.‏ فلا بد من تصديقه فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر‏.‏
وأما التفصيل، فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به وأمر به، وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به، ولم يمكنه العلم بذلك، فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلًا، وهو داخل في إقراره بالمجمل العام، ثم إن قال خلاف ذلك متأولًا كان مخطئًا يغفر له خطؤه، إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان؛ ولهذا يجب على العلماء من الاعتقاد ما لا يجب على آحاد العامة، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ بدار جهل، وأما ما علم ثبوته بمجرد القياس العقلي دون الرسالة، فهذا لا يعاقب إن لم يعتقده‏.‏
وأما قول طائفة من أهل الكلام‏:‏ إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها، ويكفر تاركها بخلاف ما ثبت بالسمع، فإنهم تارة ينفونه، وتارة يتأولونه، أو يفوضون معناه، وتارة يثبتونه، لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقًا بالصفات العقلية، فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها؛ إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة، وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر، لا بمجرد الأدلة العقلية‏.‏
وأما قوله‏:‏ ما الذي يجب عليه علمه‏؟‏ فهذا أيضا يتنوع، فإنه يجب على كل مكلف أن يعلم ما أمر الله به، فيعلم ما أمر بالإيمان به، وما أمر بعلمه، بحيث لو كان له ما تجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة، ولو كان له ما يحج به لوجب عليه تعلم علم الحج، وكذلك أمثال ذلك‏!‏‏.‏
ويجب على عموم الأمة علم جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يضيع من العلم الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته شيء، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين فرض على الكفاية؛ إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين‏.‏
وأما ‏[‏العلم المرغب فيه جملة‏]‏ فهو العلم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته، لكن يرغب كل شخص في العلم الذي هو إليه أحوج، وهو له أنفع، وهذا يتنوع، فرغبة عموم الناس في معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم، وكل شخص منهم يرغب في كل ما يحتاج إليه من ذلك، ومن وقعت في قلبه شبهة، فقد تكون رغبته في عمل ينافيها أنفع من غير ذلك‏.‏
وأما اليقين فهو طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه، وهو معنى ما يقولون‏:‏ ‏[‏ماء يقن‏]‏ إذا استقر عن الحركة‏.‏ وضد اليقين الريب، وهو نوع من الحركة والاضطراب، يقال‏:‏ رابني يريبني، ومنه في الحديث‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف، فقال‏:‏ ‏[‏لا يريبه أحد‏]‏‏.‏
ثم اليقين ينتظم منه أمران‏:‏ علم القلب، وعمل القلب‏.‏ فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر، ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه، ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه، وقد لا يصحبه العمل بذلك؛ إما لغفلة القلب عن هذا العلم، والغفلة هي ضد العلم التام، وإن لم يكن ضدًا لأصل العلم، وإما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب، وإما لغير ذلك‏.‏
وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏سلوا الله اليقين والعافية، فما أعطى أحد بعد اليقين شيئًا خيرًا من العافية، فسلوهما الله‏)‏ فأهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا، بخلاف غيرهم، فإن الابتلاء قد يذهب إيمانه أو ينقصه‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 24‏]‏، ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏، فهذه حال هؤلاء‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9-12‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ‏}‏ الآيتين ‏[‏المدثر‏:‏ 31، 32‏]‏‏.‏







آخر مواضيعه 0 أبي بن كعب
0 عندما بكى أبو بكر
0 حصن المسلم , أذكار الكتاب والسنة
0 الدعوى الى الله
0 اشجان في وداع رمضان

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:47 AM   رقم المشاركة : 13
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما كيف يحصل اليقين‏؟‏ فبثلاثة أشياء‏:‏
أحدها‏:‏ تدبر القرآن‏.‏
والثاني‏:‏ تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق، التي تبين أنه حق‏.‏
والثالث‏:‏ العمل بموجب العلم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 53‏]‏، والضمير عائد على القرآن، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ الآية ‏[‏فصلت‏:‏ 52، 53‏]‏‏.‏
وأما قول طائفة من المتفلسفة ـ ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة ـ‏:‏ أن الضمير عائد إلى الله، وأن المراد ذكر طريق من عرفه بالاستدلال بالعقل، فتفسير الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة، وهو مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها‏.‏
فبين ـ سبحانه ـ أنه يرى الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة، مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية؛ لأنه ـ سبحانه ـ لم يدل عباده بالقرآن بمجرد الخبر، كما يظنه طوائف من أهل الكلام، يظنون أن دلالة القرآن إنما هو بطريق الخبر، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر الذي هو الرسول، والعلم بصدقه موقوف على إثبات الصانع، والعلم بما يجب ويجوز ويمتنع عليه، والعلم بجواز بعثة الرسل، والعلم بالآيات الدالة على صدقهم، ويسمون هذه الأصول العقليات؛ لأن السمع عندهم موقوف عليها، وهذا غلط عظيم، وهو من أعظم ضلال طوائف من أهل الكلام والبدع‏.‏
فإن الله ـ سبحانه ـ بين في كتابه كل ما يحتاج إليه في أصول الدين، قرر فيه التوحيد، والنبوة، والمعاد بالبراهين التي لا ينتهي إلى تحقيقها نظر، خلاف المتكلمين من المسلمين والفلاسفة وأتباعهم، واحتج فيه بالأمثال الصمدية، التي هي المقاييس العقلية المفيدة لليقين، وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع‏.‏
وأما الآيات المشهودة، فإن ما يشهد، وما يعلم بالتواتر من عقوبات مكذبي الرسل ومن عصاهم، ومن نصر الرسل وأتباعهم على الوجه الذي وقع، وما علم من إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجعل العاقبة له، وانتقامه من أهل معصيته وجعل الدائرة عليهم فيه عبرة تبين أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وغير ذلك، مما يوافق القرآن‏.‏
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏2‏]‏‏.‏
فهذا بين الاعتبار في أصول الدين، وإن كان قد تناول الاعتبار في فروعه، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏آل عمران: 13‏]‏‏.‏
وأما العمل، فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره ومخالفته تضعفه، بل قد تذهبه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 110‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا‏}‏ الآيات ‏[‏النساء‏:‏66‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏ 15، 16‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏الحديد‏:‏28‏]‏‏.‏
وأما العلم فيراد به في الأصل نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ العلم به نفسه، وبما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى‏.‏ وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة؛ فإنه لابد أن يعلم أن الله يثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته، كما شهد به القرآن والعيان‏.‏ وهذا معنى قول أبي حبان التيمي ـ أحد أتباع التابعين ـ العلماء ثلاثة‏:‏
عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله وبأمر الله‏.‏ فالعالم بالله الذي يخشى الله، والعالم بأمر الله الذي يعرف الحلال والحرام‏.‏
وقال رجل للشعبي‏:‏ أيها العالم، فقال‏:‏ إنما العالم من يخشى الله‏.‏ وقال ـ عبد الله ابن مسعود‏:‏ كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلًا‏.‏
والنوع الثاني‏:‏ يراد بالعلم بالله‏:‏ العلم بالأحكام الشرعية، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترخص في شيء، فبلغه أن أقوامًا تنزهوا عنه، فقال‏:‏ ‏(‏ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها‏!‏ والله إني لأعلمكم بالله، وأخشاكم له‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده‏)‏ فجعل العلم به هو العلم بحدوده‏.‏
وقريب من ذلك قول بعض التابعين في صفة أمير المؤمنين على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ حيث قال‏:‏ إن كان الله في صدري لعظيمًا، وإن كنت بذات الله لعليمًا، أراد بذلك أحكام الله‏.‏
فإن لفظ الذات في لغتهم لم يكن كلفظ الذات في اصطلاح المتأخرين، بل يراد به ما يضاف إلى الله، كما قال خبيب ـ رضي الله عنه‏:‏
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال شلو ممزع
ومنه الحديث‏:‏ ‏(‏لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلها في ذات الله‏)‏‏.‏
ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏1‏]‏، ‏{‏وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏6‏]‏ ونحو ذلك‏.‏ فإن ذات تأنيث ذو، وهو يستعمل مضافًا يتوصل به إلى الوصف بالأجناس، فإذا كان الموصوف مذكرًا قيل‏:‏ ذو كذا؛ وإن كان مؤنثًا قيل‏:‏ ذات كذا، كما يقال‏:‏ ذات سوار‏.‏ فإن قيل‏:‏ أصيب فلان في ذات الله فالمعنى في جهته ووجهته، أي فيما أمر به وأحبه، ولأجله‏.‏
ثم إن الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال في النفس أيضًا‏:‏ إنها ذات علم وقدرة وكلام ونحو ذلك،حذفوا الإضافة وعرفوها فقالوا‏:‏ الذات الموصوفة، أي النفس الموصوفة، فإذا قال هؤلاء المؤكدون‏:‏ ‏[‏الذات‏]‏، فإنما يعنون به النفس الحقيقية، التي لها وصف ولها صفات‏.‏
والصفة والوصف تارة يراد به الكلام الذي يوصف به الموصوف، كقول الصحابي في ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1‏]‏ أحبها؛ لأنها صفة الرحمن، وتارة يراد به المعاني التي دل عليها الكلام، كالعلم والقدرة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه، وتقول‏:‏ إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف‏.‏ والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصفة والوصف، فيجعلون الوصف هو القول، والصفة المعنى القائم بالموصوف‏.‏
وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل كالوعد والعدة، والوزن والزنة، وأنه يراد به تارة هذا، وتارة هذا‏.‏
ولما كان أولئك الجهمية ينفون أن يكون الله وصف قائم به علم أو قدرة، أو إرادة أو كلام ـ وقد أثبتها المسلمون ـ صاروا يقولون‏:‏ هؤلاء أثبتوا صفات زائدة على الذات‏.‏ وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا الإطلاق، ويقولون‏:‏ الصفات زائدة على الذات التي وصفوا ـ لها صفات ووصف ـ فيشعرون الناس أن هناك ذاتًا متميزة عن الصفات، وأن لها صفات متميزة عن الذات، ويشنع نفاة الصفات بشناعات ليس هذا موضعها، وقد بينا فسادها في غير هذا الموضع‏.‏
والتحقيق أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلا، ولا يمكن وجود ذات خالية عن الصفات‏.‏ فدعوى المدعي وجود حي عليم قدير بصير بلا حياة ولا علم ولا قدرة، كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حيًا عليمًا قديرًا‏.‏ بل دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث، عرى عن جميع الصفات، ممتنع في صريح العقل‏.‏
ولكن الجهمية المعتزلة وغيرهم؛ لما أثبتوا ذاتًا مجردة عن الصفات صار مناظرهم يقول‏:‏ أنا أثبت الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات، أي لا أقتصر على مجرد إثبات ذات بلا صفات‏.‏ ولم يعن بذلك أنه في الخارج ذات ثابتة بنفسها، ولا مع ذلك صفات هي زائدة على هذه الذات متميزة عن الذات؛ ولهذا كان من الناس من يقول‏:‏ الصفات غير الذات، كما يقوله المعتزلة، والكرامية، ثم المعتزلة تنفيها، والكرامية تثبتها‏.‏
ومنهم من يقول‏:‏ الصفة لا هي الموصوف ولا هي غيره، كما يقوله طوائف من الصفاتية، كأبي الحسن الأشعري وغيره‏.‏
ومنهم من يقول كما قالت الأئمة‏:‏ لا نقول الصفة هي الموصوف، ولا نقول‏:‏ هي غيره؛ لأنا لا نقول‏:‏ لا هي هو، ولا هي غيره؛ فإن لفظ الغير فيه إجمال، قد يراد به المباين للشيء أو ما قارن أحدهما الآخر، وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان، ويراد بالغيران‏:‏ ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر‏.‏
وعلى الأول‏:‏ فليست الصفة غير الموصوف، ولا بعض الجملة غيرها‏.‏
وعلى الثاني‏:‏ فالصفة غير الموصوف، وبعض الجملة غيرها‏.‏
فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ الغير على الصفة نفيًا أو إثباتًا؛ لما في ذلك من الإجمال والتلبيس، حيث صار الجهمي يقول‏:‏القرآن هو الله أو غير الله، فتارة يعارضونه بعلمه فيقولون‏:‏ علم الله هو الله أو غيره، إن كان ممن يثبت العلم، أو لا يمكنه نفيه‏.‏
وتارة يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين‏:‏ النفي والإثبات، لما فيه من التلبيس، بل يستفصل السائل فيقال له‏:‏ إن أردت بالغير ما يباين الموصوف فالصفة لا تباينه، فليست غيره، وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف على سبيل الإجمال، وإن لم يكن هو، فهو غير بهذا الاعتبار، والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد‏.‏
فصــل
ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف، وأرباب العمل والصوت، عن القرآن والإيمان، تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة، يجعلون العقل وحده أصل علمهم، و يفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له‏.‏
والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن‏.‏
وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل‏.‏
ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها، ممن لم يعلم صدقه، وكلا الطرفين مذموم‏.‏
بل العقل شرط في معرفة العلوم،وكمال وصلاح الأعمال،وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك، لكنه غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار‏.‏
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية، كانت الأقوال، والأفعال مع عدمه‏:‏ أمورًا حيوانية، قد يكون فيها محبة، ووجد، وذوق كما قد يحصل للبهيمة‏.‏
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة‏.‏
والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها، وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقا، وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال، وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم‏.‏
وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث، تارة بعزل العقل عن محل ولايته، وتارة بمعارضة السنن به‏.‏
فهذا الانحراف الذي بين الحرفية والصوتية في العقل التمييزي بمنزلة الانحراف الذي بينهم في الوجد القلبي، فإن الصوتية صدقوا وعظموه، وأسرفوا فيه، حتى جعلوه هو الميزان، وهو الغاية، كما يفعل أولئك في العقل، والحرفية أعرضت عن ذلك، وطعنت فيه ولم تعده من صفات الكمال‏.‏
وسبب ذلك‏:‏ أن أهل الحرف لما كان مطلوبهم العلم، وبابه هو العقل، وأهل الصوت لما كان مطلوبهم العمل وبابه الحب، صار كل فريق يعظم ما يتعلق به، ويذم الآخر، مع أنه لابد من علم، وعمل؛ عقل علمي، وعمل ذهني، وحب، تمييز، وحركة‏.‏ قال‏:‏ وحال حرف، وصوت، وكلاهما إذا كان موزونًا بالكتاب والسنة كان هو الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم‏.‏
قال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
فصـــل
وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين، وفرعه، وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏ وقال في الآية المشروعة في خطبة الحاجة‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 70، 71‏]‏‏.‏
وفي الخطبة‏:‏ ‏(‏من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا‏)‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 52‏]‏، ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُوَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 13، 14‏]‏‏.‏
وكذلك علق الأمور بمحبة الله ورسوله، كقوله‏:‏ ‏{‏ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 24‏]‏، وبرضا الله ورسوله، كقوله‏:‏ ‏{‏ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏ وتحكيم الله ورسوله، كقوله‏:‏ ‏{‏ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 48‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 61‏]‏، وأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، فقال‏:‏ ‏{‏أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏59‏]‏، وجعل المغانم لله والرسول،فقال‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏1‏]‏ ونظائر هذا متعددة‏.‏
فتعليق الأمور من المحبة والبغضة، والموالاة والمعاداة، والنصرة والخذلان، والموافقة والمخالفة، والرضا والغضب، والعطاء والمنع، بما يخالف هذه الأصول المنزلة من عند الله مما هو ‏[‏أخص منها‏]‏ أو ‏[‏أعم منها‏]‏ أو ‏[‏أعم من وجه وأخص من وجه‏]‏‏.‏
فالأعم‏:‏ ما عليه المتفلسفة، ومن اتبعهم ـ من ضلال المتكلمة والمتصوفة والممالك المؤسسة على ذلك، كملك الترك وغيرهم، في تسويغ التدين بغير ما جاء به محمد رسول الله‏.‏ وإن عظم محمدًا وجعل دينه أفضل الأديان، وكذلك من سوغ النجاة والسعادة بعد مبعثه بغير شريعته‏.‏
والأعم من وجه الأخص من وجه‏:‏ مثل الأنساب، والقبائل، والأجناس العربية، والفارسية، والرومية، والتركية أو الأمصار والبلاد‏.‏
والأخص مطلقًا الانتساب إلى جنس معين من أجناس بعض شرائع الدين كالتجند للمجاهدين، والفقه للعلماء، والفقر والتصوف للعباد‏.‏ أو الانتساب إلى بعض فرق هذه الطوائف كإمام معين، أو شيخ، أو ملك، أو متكلم من رؤوس المتكلمين، أو مقالة، أو فعل تتميز به طائفة، أو شعار هذه الفرق من اللباس من عمائم أو غيرها، كما يتعصب قوم للخرقة، أو اللبسة، يعنون الخرقة الشاملة للفقهاء، والفقراء، أو المختصة بأحد هذين أو بعض طوائف أحد هؤلاء أو لباس التجند، أو نحو ذلك، كل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة بين الأمة وأهلها، خارجون عن السنة والجماعة، داخلون في البدع والفرقة، بل دين الله تعالى أن يكون رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو المطاع أمره، ونهيه، المتبوع في محبته ومعصيته، ورضاه، وسخطه، و عطائه، ومنعه، وموالاته، ومعاداته، ونصره وخذلانه‏.‏
ويعطى كل شخص أو نوع من أنواع العالم من الحقوق ما أعطاهم إياه الرسول، فالمقرب من قربه، والمقصي من أقصاه، والمتوسط من وسط، ويحب من هذه الأمور أعيانها وصفاتها، ما يحبه الله ورسوله منها، ويكره منها ما كره الله ورسوله منها، ويترك منها ـ لا محبوبًا ولا مكروها ـ ما تركه الله، ورسوله كذلك ـ لا محبوبًا ولا مكروهًا‏.‏
ويؤمر منها بما أمر الله به ورسوله، وينهي عما نهى الله عنه ورسوله، ويباح منها ما أباحه الله ورسوله، ويعفي عما عفا الله عنه ورسوله، ويفضل منها ما فضله الله ورسوله، ويقدم ما قدمه الله ورسوله‏.‏ ويؤخر ما أخره الله ورسوله، ويرد ما تنوزع منها إلى الله ورسوله، فما وضح اتبع، وما اشتبه بين فيه‏.‏
وما كان منها من الاجتهاديات المتنازع فيها التي أقرها الله ورسوله، كاجتهاد الصحابة في تأخير العصر عن وقتها يوم قريظة، أو فعلها في وقتها، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين، وكما قطع بعضهم نخل بني النضير، وبعضهم لم يقطع، فأقر الله الأمرين‏.‏ وكما ذكر الله عن داود وسليمان‏:‏ أنهما حكما في الحرث، ففهم الحكومة أحدهما، وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به، وكما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر‏)‏‏.‏
فما وسعه الله ورسوله وسع، وما عفى عنه ورسوله عفى عنه‏.‏ وما اتفق عليه المسلمون من إيجاب، أو تحريم، أو استحباب، أو إباحة، أو عفو بعضهم لبعض عما أخطأ فيه، وإقرار بعضهم لبعض فيما اجتهدوا به ـ فهو مما أمر الله به ورسوله؛ فإن الله ورسوله أمر بالجماعة، ونهى عن الفرقة‏.‏
ودل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، على ما هو مسطور في مواضعه‏.‏
وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ قدس الله روحه ‏:‏
عن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏تفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة‏)‏‏.‏ ما الفرق‏؟‏ وما معتقد كل فرقة من هذه الصنوف‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند؛ كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ولفظه‏:‏ ‏(‏افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة‏)‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏على ثلاث وسبعين ملة‏)‏ وفي رواية قالوا‏:‏ يا رسول الله، من الفرقة الناجية‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي‏)‏‏.‏ وفي رواية قال‏:‏ ‏(‏هي الجماعة، يد الله على الجماعة‏)‏‏.‏
ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم‏.‏
وأما الفرق الباقية، فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة‏.‏ وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع‏.‏ فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة‏.‏
وأما تعيين هذه الفرق، فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة‏.‏‏.‏‏.‏‏[‏هنا كلمة لم تظهر بالأصل‏]‏ هي إحدى الثنتين والسبعين لابد له من دليل، فإن الله حرم القول بلا علم عمومًا، وحرم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏33‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 168، 169‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 36‏]‏، وأيضًا، فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة ـ كما يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك ـ كان من أهل البدع والضلال والتفرق‏.‏
وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها وأهل معرفة بمعانيها واتباعًا لها، تصديقًا وعملا وحبًا وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عادها، الذين يروون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه‏.‏
وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم‏.‏
وجماع الشر الجهل والظلم، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا‏}‏ إلى آخر السورة ‏[‏الأحزاب‏:‏ 72، 73‏]‏‏.‏ وذكر التوبة لعلمه سبحانه وتعالى أنه لابد لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبين له من الحق ما كان جاهلًا به، و يرجع عن عمل كان ظالمًا فيه‏.‏
وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏257‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏1‏]‏‏.‏
ومما ينبغي أيضًا أن يعرف‏:‏ أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة‏.‏
ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محمودًا فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد بالباطل باطلًا بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة‏.‏
ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ‏.‏ والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك‏.‏
ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى موافقه وعادي مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات‏.‏
ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع ‏[‏الخوارج‏]‏ المارقون‏.‏ وقد صح الحديث في الخوارج عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري منها غير وجه‏.‏
وقد قاتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين على بن أبي طالب، فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين؛ إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف‏:‏ صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال‏.‏
فالخوارج لما فارقوا جماعة المسلمين وكفّروهم واستحلوا قتالهم، جاءت السنة بما جاء فيهم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة‏)‏‏.‏
وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى قِسْمَة النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يامحمد، اعدل؛ فإنك لم تعدل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد خبت وخسرت إن لم أعدل‏)‏ فقال له بعض أصحابه‏:‏ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال‏:‏ ‏(‏إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم‏)‏ الحديث‏.‏
فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه‏.‏
وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك ـ وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين ـ قالا‏:‏ أصول البدع أربعة‏:‏ الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة‏.‏
فقيل لابن المبارك‏:‏ والجهمية‏؟‏ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد‏.‏ وكان يقول‏:‏ إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية‏.‏ وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا‏:‏ إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة‏.‏
وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم‏:‏ بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، فعلى قول هؤلاء‏:‏ يكون كل طائفة من ‏[‏المبتدعة الخمسة‏]‏ اثنا عشر فرقة، وعلى قول الأولين‏:‏ يكون كل طائفة من ‏[‏المبتدعة الأربعة‏]‏ ثمانية عشر فرقة‏.‏
وهذا يبني على أصل آخر، وهو‏:‏ تكفير أهل البدع‏.‏ فمن أخرج الجهمية منهم لم يكفرهم؛ فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله‏:‏ ‏(‏هم في النار‏)‏ مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏10‏]‏‏.‏
ومن أدخلهم فيهم فهم على قولين‏:‏
منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المستأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلمين‏.‏
وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير‏[‏المرجئة‏]‏ و‏[‏الشيعة‏]‏ المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع ـ من هؤلاء وغيرهم ـ خلافًا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم‏.‏ وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة‏.‏
ومنهم من لم يكفر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي،قالوا‏:‏فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب،فكذلك لا يكفرون أحدًا ببدعة‏.‏
والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير ‏[‏الجهمية المحضة‏]‏، الذين ينكرون الصفات، وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى، ولا يباين الخلق، ولا له علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر ولا حياة، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لايرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات‏.‏
وأما الخوارج والروافض، ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره‏.‏
وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفروهم، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال‏.‏
وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا؛ فإن الله منذ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة، صار الناس ثلاثة أصناف‏:‏ مؤمن به، وكافر به مظهر الكفر، ومنافق مستخف بالكفر؛ ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتين في الكفار، وبضع عشرة آية في المنافقين‏.‏
وقد ذكر الله الكفار والمنافقين في غير موضع من القرآن، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏14‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 15‏]‏، وعطفهم على الكفار ليميزهم عنهم بإظهار الإسلام، وإلا فهم في الباطن شر من الكفار، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 145‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 84‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 53، 54‏]‏‏.‏
وإذا كان كذلك، فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة‏.‏ وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا‏.‏ وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق؛ ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم‏.‏
ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًِا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولا مغفورًا له خطؤه ، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين‏.‏
والأصل الثاني‏:‏ أن المقالة تكون كفرًا، كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع؛ فإنها جحد لما هو الرب تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله‏.‏
وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه‏:‏
أحدها‏:‏ أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جدًا مشهورة وإنما يردونها بالتحريف‏.‏
الثاني‏:‏ أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع‏.‏ فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله، فأصل الكفر الإنكار لله‏.‏
الثالث‏:‏ أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها، لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان، حتى يظن أن الحق معهم، لما يوردونه من الشبهات‏.‏ ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا، وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفارًا قطعًا، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه‏.‏
وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة‏:‏ أن الإيمان يتفاضل ويتبعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏)‏ وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك‏.‏
وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويـرون اتبـاع الكـتاب دون السـنة التـي تخالف ظاهر الكتاب ـ وإن كانت متواترة ـ ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم‏:‏ ‏(‏يقتلون أهل الإسلام وَيَدعون أهل الأوثان‏)‏‏.‏ ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهما، وكفروا أهل صفين ـ الطائفتين ـ في نحو ذلك من المقالات الخبيثة‏.‏
وأصل قول الرافضة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على عَلِيٍّ نصًا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم وبدلوا الدين، وغيروا الشريعة، وظلموا واعتدوا، بل كفروا إلا نفرًا قليلًا‏:‏ إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون‏:‏ إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين‏.‏ وقد يقولون‏:‏ بل آمنوا ثم كفروا‏.‏
وأكثرهم يكفر من خالف قولهم، ويسمون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة، أسوأ حالاً من مدائن المشركين والنصارى؛ ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين‏.‏ ومعاداتهم ومحاربتهم، كما عرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين‏.‏
ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة؛ ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السنى إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم‏:‏ أنا سني، فإنما معناه‏:‏ لست رافضيًا‏.‏
ولا ريب أنهم شر من الخوارج، لكن الخوارج كان لهم في مبدأ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيلية ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق، والروافض معروفون بالكذب‏.‏ والخوارج مرقوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام‏.‏







آخر مواضيعه 0 خربشات مستغرب
0 اقطف من ثمار رمضان
0 الحجامة , ما هي الحجامة , فوائد الحجامة
0 فتاوى رمضان , فتاوى الصيام . 211 فتوى
0 ذاقت الموت في معتقل اخوانها(قصة محزنة جدا).

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:48 AM   رقم المشاركة : 14
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما النصارى، فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح‏:‏ ‏{‏وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏50‏]‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏29‏]‏‏.‏
وأما المؤمنون، فكما نعتهم الله به في قوله‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 156، 157‏]‏‏.‏ وهذا باب يطول وصفه‏.‏
وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق‏.‏ فهم في ‏[‏باب أسماء الله وآياته وصفاته‏]‏ وسط بين ‏[‏أهل التعطيل‏]‏ الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين ‏[‏أهل التمثيل‏]‏ الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات‏.‏
فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل‏.‏
وهم في ‏[‏باب خلقه وأمره‏]‏ وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ول