(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثالث

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 01:38 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

سأل ‏[‏في المطبوعة‏:‏ ‏[‏سُئِل‏]‏ وهو خطأ - وكذلك ‏[‏أحدَ‏]‏ بالنصب، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه‏]‏ شيْخَ الإسلام ـ رحمه الله ـ أَحَدُ قضاة واسط أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له وأهل بيته‏.‏
فأجابـــه‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا‏.‏
أما بعد‏:‏ فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة ـ أهل السنة والجماعة ـ وهو‏:‏ الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر؛ خيره وشره‏.‏
ومن الإيمان بالله‏:‏ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏
فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه ـ سبحانه ـ لا سَمَيَّ له، ولا كُفْوَ له، ولا نِدَّ له، ولا يقاس بخلقه ـ سبحانه وتعالى ـ فإنه ـ سبحانه ـ أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا من خلقه‏.‏
ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال ـ سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 180‏:‏ 182‏]‏، فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب‏.‏
وهو ـ سبحانه ـ قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين‏.‏
وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد‏}‏ ‏[‏سورة الإخلاص‏]‏‏.‏
وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه، حيث يقول‏:‏ ‏{‏اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح‏.‏ وقوله ـ سبحانه ـ‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 58‏]‏‏.‏
وقوله ـ سبحانه ـ‏:‏ ‏{‏هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 3‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 85‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 58‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 39‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 125‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 195‏]‏، ‏{‏وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 9‏]‏، ‏{‏فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 7‏]‏، ‏{‏إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 222‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 14‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏، ‏{‏وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 34‏]‏،‏{‏وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 156‏]‏، ‏{‏كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏، ‏{‏وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107‏]‏، ‏{‏فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 64‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏ 8‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 93‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 28‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 55‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 64‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 3‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 210‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 158‏]‏، ‏{‏كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 21، 22‏]‏، ‏{‏وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 25‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 27‏]‏، ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 88‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏، ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 48‏]‏، ‏{‏وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 13، 14‏]‏، ‏{‏وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 39‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 118‏]‏، ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 80‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 46‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 14‏]‏،‏{‏الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 218-220‏]‏‏{‏وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 105‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 13‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 54‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 50‏]‏وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا‏}‏الطارق‏:‏ 15، 16‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 149‏]‏، ‏{‏وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 22‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 8‏]‏وقوله عن إبليس‏:‏ ‏{‏فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 78‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏، ‏{‏وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌِ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 22‏]‏، ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 165‏]‏، ‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 111‏]‏، ‏{‏يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 1، 2‏]‏، ‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 91، 92‏]‏، ‏{‏فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 74‏]‏، ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 33‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏، ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ في ستة مواضع‏:‏ في سورة الأعراف قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏، وقال في سورة يونس ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏، وقال في سورة الرعد‏:‏ ‏{‏اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 2‏]‏، وقال في سورة طه‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏ وقال في سورة الفرقان‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 59‏]‏،وقال في سورة الم السجدة‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏ وقال في سورة الحديد‏:‏ ‏{‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 55‏]‏، ‏{‏بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 158‏]‏، ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 10‏]‏، ‏{‏يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 36، 37‏]‏‏{‏أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 16، 17‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 7‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏، ‏{‏إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 46‏]‏، ‏{‏إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 128‏]‏، ‏{‏وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 46‏]‏، ‏{‏كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 78‏]‏، ‏{‏وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 122‏]‏، ‏{‏وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏، ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 115‏]‏، ‏{‏وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 164‏]‏، ‏{‏مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏، ‏{‏وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 143‏]‏، ‏{‏وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم52‏]‏، ‏{‏وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 10‏]‏، ‏{‏وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 22‏]‏، ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 74‏]‏، ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 65‏]‏‏.‏
‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 6‏]‏،‏{‏وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 75‏]‏، ‏{‏يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 15‏]‏، ‏{‏وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 27‏]‏، ‏{‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 76‏]‏‏.‏
وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 551‏]‏، ‏{‏لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 21‏]‏، ‏{‏وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 101-103‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 22، 23‏]‏، ‏{‏عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 35‏]‏، ‏{‏لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 26‏]‏، ‏{‏لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 35‏]‏‏.‏
وهذا الباب في كتاب الله ـ تعالى ـ كثير، من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق‏.
فَصــل
في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
فالسنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه، وما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم به ربه ـ عز وجل ـ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك‏.‏
مثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب ‏[‏في المطبوعة‏:‏ ‏(‏فأستجب‏)‏، والصواب ما أثبتناه‏]‏ له‏؟‏ من يسألني فأعطيه‏؟‏ من يستغفرني فأغفر له‏؟‏‏)‏ متفق عليه‏.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته‏)‏ الحديث متفق عليه‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة‏)‏ متفق عليه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب‏)‏ حديث حسن‏.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول‏:‏ هل من مزيد ‏؟‏ حتى يضع رب العزة فيها رجله ـ وفي رواية‏:‏ عليها قدمه ـ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول‏:‏ قط قط‏)‏ متفق عليه‏.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ يا آدم، فيقول‏:‏ لبيك وسعديك‏.‏ فينادي بصوت‏:‏ إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار‏)‏ متفق عليه، وقوله‏:‏‏)‏ ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان‏)‏‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض‏:‏ ‏(‏ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض،اغفر لنا حوْبَنا ‏[‏وقوله‏:‏ ‏(‏حوبنا‏)‏‏:‏ أي‏:‏ إثمنا‏]‏ وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ‏)‏ حديث حسن‏.‏ رواه أبو داود وغيره‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء‏)‏ حديث صحيح‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏والعرش فوق الماء والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه‏)‏ حديث حسن رواه أبو داود وغيره‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية‏:‏ ‏(‏أين الله‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ في السماء‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏من أنا‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ أنت رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أعتقها فإنها مؤمنة‏)‏ رواه مسلم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏أفضل الإيمان‏:‏ أن تعلم أن الله معك حيثما كنت‏)‏ حديث حسن‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبْصُقْ قبل وجهه، ولا عن يمينه، فإن الله قبل وجهه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه‏)‏‏.‏ متفق عليه‏.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين واغنني من الفقر‏)‏ رواه مسلم‏.‏
وقوله ـ لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكرـ‏:‏ ‏(‏أيها الناس،ارْبعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائالا، إنما تدعون سميعًا قريالا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏ متفق عليه ‏[‏قوله‏:‏ ‏(‏اربعُوا‏)‏‏:‏ أي‏:‏ ارفقوا‏]‏
وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، فافعلوا‏)‏ متفق عليه‏.‏
إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به‏.‏
فإن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم‏.‏
فهم وسط في باب صفات الله ـ سبحانه وتعالى ـ بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة‏.‏
وهم وسط في باب أفعال الله ـ تعالى ـ بين القدرية والجبرية‏.‏
وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، من القدرية وغيرهم‏.‏
وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية‏.‏
وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض، والخوارج‏.‏
فصــل
وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله‏:‏ الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه ـ سبحانه ـ فوق سمواته علىُّ عرشه، على على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏‏.‏
وليس معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ‏}‏ أنه مختلط بالخلق؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، هو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته‏.‏
وكل هذا الكلام الذي ذكره الله ـ سبحانه ـ من أنه فوق العرش، وأنه معنا ـ حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله‏:‏ ‏{‏فى السَّمَاءِ‏}‏ أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السموات والأرض، وهو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏25‏]‏‏.‏
فصــل
وقد دخل في ذلك‏:‏ الإيمان بأنه قريب من خلقه، مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏‏.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة ـ لما رفعوا أصواتهم بالذكر ـ‏:‏ ‏(‏أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائالا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏ وما ذكر في الكتاب والسنة ـ من قربه ومعيته ـ لا ينافى ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه ـ سبحانه ـ ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه قريبٌ في علوه‏.‏
فصــل
ومن الإيمان بالله وكتبه‏:‏ الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود،وأن الله تعالى تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله ـ تعالى ـ حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا‏.‏
وهو كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف‏.‏
فصــل
وقد دخل ـ أيضًا ـ فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله‏:‏ الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه ـ سبحانه ـ وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة، كما يشاء الله ـ سبحانه وتعالى‏.‏
فصــل
ومن الإيمان باليوم الآخر‏:‏ الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، وبنعيمه‏.‏
فأما الفتنة، فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل‏:‏ من ربك‏؟‏ وما دينك‏؟‏ ومن نبيك‏؟‏ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن‏:‏ الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيىِ، وأما المرتاب فيقول‏:‏ هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق‏.‏
ثم بعد هذه الفتنة، إما نعيم، وإما عذاب، إلى أن تقوم القيامة الكبرى‏.‏ فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غُرْلاً، وتَدْنُو منهم الشمس، ويلجمهم العرق‏.‏
وتنصب الموازين، فتوزن فيها أعمال العباد، ‏{‏فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏102، 103‏]‏‏.‏
وتنشر الدواوين ـ وهي صحائف الأعمال ـ فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما قال ـ سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏13، 14‏]‏‏.‏
ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة‏.‏
وأما الكفار، فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها‏.‏
وفي عرصة القيامة الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا‏.‏
والصراط منصوب على متن جهنم ـ وهو الجسر الذي بين الجنة والنار ـ يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشى مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فليقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة‏.‏
فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة‏.‏
وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته‏.‏
وله صلى الله عليه وسلم ـ في القيامة ـ ثلاث شفاعات‏:‏
أما الشفاعة الأولى‏:‏ فيشفع في أهل الموقف، حتى يقضي بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء، آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم عن الشفاعة، حتى تنتهي إليه‏.‏
وأما الشفاعة الثانية‏:‏ فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له‏.‏
وأما الشفاعة الثالثة‏:‏ فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين، والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله ـ تعالى ـ من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة‏.‏
وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثورة عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفى ويكفي، فمن ابتغاه وجده‏.‏
وتؤمن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ بالقدر؛ خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين‏:‏
فالدرجة الأولى‏:‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال‏.‏
ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق‏:‏ ‏(‏فأول ما خلق الله القلم قال له‏:‏ اكتب قال‏:‏ ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة‏)‏ فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏70‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏22‏]‏‏.‏
وهذا التقدير ـ التابع لعلمه سبحانه ـ يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء‏.‏ وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له‏:‏ اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكره اليوم قليل‏.‏
وأما الدرجة الثانية‏:‏ فهو مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ـ سبحانه ـ لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه ـ سبحانه وتعالى ـ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات‏.‏
فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ـ سبحانه ـ لا خالق غيره ولا رب سواه‏.‏
ومع ذلك، فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته‏.‏
وهو ـ سبحانه ـ يحب المتقين، والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد‏.‏
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏28، 29‏]‏‏.‏
وهذه الدرجة من القدر، يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها‏.‏
فصــل
ومن أصول أهل السنة‏:‏ أن الدين والإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية‏.‏
وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ في آية القصاص‏:‏ ‏{‏ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏9، 10‏]‏‏.‏
ولا يسلبون الفاسق المِلِّيّ ‏[‏المِلِّي‏:‏ نسبة إلى أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى‏]‏ اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار، كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏92‏]‏‏.‏
وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏2‏]‏، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهْبةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن‏)‏‏.‏ ‏[‏قوله‏:‏ ‏(‏لا ينتهب نهبة‏)‏‏:‏ النهب‏:‏ الغارة والسلب، أي‏:‏لا يختلس شيئًا له قيمة عالية‏]‏
ويقولون‏:‏ هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم‏.‏
فصــل
ومن أصول أهل السنة والجماعة‏:‏ سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏10‏]‏‏.‏
وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏(‏لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهالا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه‏)‏‏.‏ ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع، من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح ـ وهو صلح الحديبية ـ وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر ـ وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ـ‏:‏ ‏(‏اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏)‏، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة‏.‏
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، كالعشرة، وكثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة‏.‏
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ـ رضي الله عنهم ـ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ـ رضي الله عنهما ـ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر ـ أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة ـ مسألة عثمان وعلي ـ ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة‏.‏
وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله‏.‏
ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غَدِير خُمّ‏:‏ ‏(‏أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي‏)‏، وقال ـ أيضًا ـ للعباس عمه ـ وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم ـ فقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي‏)‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم‏)‏‏.‏
ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة ـ رضي الله عنها ـ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية‏.‏
والصديقة بنت الصديق ـ رضي الله عنهما ـ التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏‏.‏
ويتبرؤون من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، و يمسكون عما شجر بين الصحابة‏.‏
ويقولون‏:‏ إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون‏.‏
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنهم خير القرون‏)‏ وأن المد من أحدهم إذا تصدق به، كان أفضل من جبل أحد ذهالا ممن بعدهم‏.‏
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم‏؟‏
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح‏.‏
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى‏.‏
ومن أصول أهل السنة والجماعة‏:‏ التصديق بكرامات ‏[‏في المطبوعة‏:‏ ‏[‏بكرمات‏]‏ والصواب ما أثبتناه‏]‏ الأولياء، وما يجرى الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة‏.‏
فصــل
ثم من طريقة أهل السنة والجماعة‏:‏اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال‏:‏ ‏(‏عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة‏)‏‏.‏
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدى محمد صلى الله عليه وسلم على هدى كل أحد، وبهذا سموا‏:‏ أهل الكتاب والسنة‏.‏
وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هى الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين، والإجماع هو الأصل الثالث الذى يعتمد عليه فى العلم والدين‏.‏
وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين، والإجماع الذى ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة‏.
فصل
ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة‏.‏ ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا، ويحافظون على الجماعات‏.‏
ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا‏)‏، وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر‏)‏‏.‏
ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا‏)‏‏.‏
ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخُيَلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالى الأخلاق، وينهون عن سفسافها وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره، فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة‏.‏
وطريقتهم هي دين الإسلام، الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي‏)‏ ، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم‏.‏وهم الطائفة المنصورة، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة‏)‏‏.‏
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب‏.‏ والله أعلم‏.‏
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا‏.‏
قال ــ رحمه الله تعالى ‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ‏.‏الرحمن الرحيم‏.‏مالك يوم الدين‏.‏
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له، ولا معين‏.‏
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الذي أرسله إلى الخلق أجمعين‏.‏صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين‏.‏
أما بعد‏:‏ فقد سئلت غير مرة، أن أكتب ما حضرنى ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة، المعقودة للمناظرة، في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان، من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد‏.‏ لما سعى إليه قوم من الجهمية،والاتحادية، والرافضة، وغيرهم من ذوى الأحقاد‏.‏
فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة ـ قضاة المذاهب الأربعة ـ وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشائخ، ممن له حرمة وبه اعتداد‏.‏ وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة‏.‏
فقال لى‏:‏ هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك، وعما كتبت به إلى الديار المصرية، من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال‏:‏ وأن أجمع القضاة والفقهاء ، وتتباحثون في ذلك‏.‏
فقلت‏:‏ أما الاعتقاد، فلا يؤخذ عنى ولا عمن هو أكبر منى، بل يؤخذ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، مثل صحيح البخاري، ومسلم‏.‏
وأما الكتب، فما كتبت إلى أحد كتابًا ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألنى من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغنى أنه زور على كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير، أستاذ دار السلطان، يتضمن ذكر عقيدة محرفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب‏.‏
وكان يرد عليَّ من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره، فأجيبه بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة‏.‏
فقال‏:‏ نريد أن تكتب لنا عقيدتك‏.‏
فقلت‏:‏ اكتبوا‏.‏ فأمر الشيخ كمال الدين أن يكتب، فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر، ومسائل الإيمان والوعيد، والإمامة والتفضيل‏.‏
وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة‏:‏ الإيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود‏.‏
والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة، وأحبها ورضيها، ونهي عن المعصية وكرهها، والعبد فاعل حقيقة،والله خالق فعله،وأن الإيمان والدين قول وعمل، يزيد وينقص،وألا نكفر أحدًا من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدًا، وأن الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة،ومن قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ‏[‏أزرى بالمهاجرين والأنصار‏:‏ أي قلل من شأنهم وعابهم‏]‏ وذكرت هذا أو نحوه؛ فإني الآن قد بعد عهدي، ولم أحفظ لفظ ما أمليته، لكنه كتب إذ ذاك‏.‏
ثم قلت للأمير والحاضرين‏:‏ أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون على، كما قد كذبوا علىَّ غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي، ربما يقولون‏:‏ كتم بعضه، أو داهن وداري، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام‏.‏
وقلت قبل حضورها كلامًا قد بعد عهدي به، وغضبت غضبًا شديدًا، لكني أذكر أني قلت‏:‏ أنا أعلم أن أقوامًا كذبوا على وقالوا للسلطان أشياء، وتكلمت بكلام احتجت إليه، مثل أن قلت‏:‏ من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيرى‏؟‏ ومن الذي أوضح دلائله وبينه‏؟‏ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال حين تخلى عنه كل أحد، ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه، وقمت مظهرًا لحجته مجاهدًا عنه، مرغبًا فيه‏؟‏
فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام في فكيف يصنعون بغيري‏؟‏ ‏!‏ ولو أن يهوديًا طلب من السلطان الإنصاف، لوجب عليه أن ينصفه، وأنا قد أعفو عن حقى وقد لا أعفو، بل قد أطلب الإنصاف منه، وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون؛ ليوافقوا على افترائهم، وقلت كلامًا أطول من هذا الجنس، لكن بعد عهدي به‏.‏
فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محيي الدين بأن يكتب ذلك‏.‏
وقلت ـ أيضًا ‏:‏ كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه، وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده، لكننى قلت ـ أيضًا ـ بعد حضورها وقراءتها‏:‏ ما ذكرت فيها فصلًا إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف، ثم أرسلت من أحضرها، ومعها كراريس بخطى من المنزل، فحضرت ‏[‏العقيدة الواسطية‏]‏‏.‏
وقلت لهم‏:‏ هذه كان سبب كتابتها أنه قدم عليَّ من أرض واسط بعض قضاة نواحيها ـ شيخ يقال له‏:‏ رضى الدين الواسطى من أصحاب الشافعي ـ قدم علينا حاجًا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد، وفي دولة التتر من غلبة الجهل، والظلم،ودروس الدين والعلم، وسألنى أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك، وقلت‏:‏ قد كتب الناس عقائد متعددة، فخذ بعض عقائد أئمة السنة‏.‏ فألح في السؤال، وقال‏:‏ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت،فكتبت له هذه العقيدة، وأنا قاعد بعد العصر، وقد انتشرت بها نسخ كثيرة في مصر والعراق، وغيرهما‏.‏
فأشار الأمير بألا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعة الحاضرون يسمعونها، ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء‏.‏والأمير ـ أيضًا‏:‏ يسأل عن مواضع فيها، وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين، من الخلاف والهوى، ما قد علم الناس بعضه ، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك‏.‏
ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس؛ فإنه كثير لا ينضبط، لكن أكتب ملخص ما حضرنى في ذلك، مع بعد العهد بذلك، ومع أنه كان يجرى رفع أصوات ولغط لا ينضبط‏.‏
فكان مما اعترض عليَّ بعضهم ـ لما ذكر في أولها، ومن الإيمان بالله‏:‏ الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل ـ فقال‏:‏ ما المراد بالتحريف والتعطيل‏؟‏ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل، الذي أثبته أهل التأويل، الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبًا، وإما جوازًا‏.‏
فقلت‏:‏ تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله ـ تعالى ـ في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى،مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 164‏]‏‏.‏ أي جَرَّحَهُ بأظافير الحكمة تجريحًا‏.‏ ومثل تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم من الجهمية والرافضة والقدرية، وغيرهم فسكت وفي نفسه ما فيها‏.‏
وذكرت في غير هذا المجلس أنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات؛ لأنه لفظ له عدة معان، كما بينته في موضعه من القواعد‏.‏
فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين، من أهل الأصول والفقه، وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف؛ لأن من المعانى التي قد تسمى تأويلًا ما هو صحيح، منقول عن بعض السلف، فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته، فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف، فليس من التحريف‏.‏
وقلت له ـ أيضًا‏:‏ ذكرت في النفي التمثيل، ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏، وكان أحب إلى من لفظ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح، كما قد يعنى به معنى فاسد‏.‏
ولما ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك؛ لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه، ولكن لم يتوجه له ما يقوله، وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها، فلم يتمكن لعلمه بالجواب‏.‏
ولما ذكرت آية الكرسى ـ أظنه سأل الأمير عن قولنا‏:‏ لا يقربه شيطان حتى يصبح ـ فذكرت حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر، وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه، وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم، ويطنبون في هذا، ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك‏.‏
فقلت‏:‏ قولى‏:‏ من غير تكييف ولا تمثيل ينفي كل باطل، وإنما اخترت هذين الاسمين؛ لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة، ومالك، وابن عيينة وغيرهم ـ المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول‏:‏ الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة‏.‏
فاتفق هؤلاء السلف على أن التكييف غير معلوم لنا،فنفيت ذلك اتباعًا لسلف الأمة‏.‏
وهو ـ أيضًا ـ منفي بالنص، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته‏.‏وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، كما قد قررت ذلك في قاعدة مفردة، ذكرتها في التأويل والمعنى، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله‏.‏
وكذلك التمثيل، منفي بالنص، والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه، ونفي التكييف؛ إذ كُنْه البارى غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطأبي الذي نقل أنه مذهب السلف، وهو إجراء آيات الصفات، وأحاديث الصفات على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها؛ إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف‏.‏
فقال أحد كبار المخالفين‏:‏ فحينئذ يجوز أن يقال‏:‏ هو جسم لا كالأجسام، فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين‏:‏ إنما قيل‏:‏إنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم، حتى يلزم هذا السؤال‏.‏
وأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا، فجعل يزيد في المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم، فقلت‏:‏ ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقلت في صدرها‏:‏ ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل‏.‏
ثم قلت‏:‏ وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك،إلى أن قلت‏:‏ إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح، التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم‏.‏
فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية،وبين أهل التمثيل المشبهة‏.‏
ولما رأى هذا الحاكم العدل ممالأتهم، وتعصبهم، ورأي قلة العارف الناصر، وخافهم قال‏:‏ أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول‏:‏ هذا اعتقاد أحمد، يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه، فإن هذا مذهب متبوع، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم‏.‏
فقلت‏:‏ ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏
وقلت مرات‏:‏ قد أمهلت كل من خالفنى في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة ـ التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال‏:‏ ‏(‏خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏)‏ ـ يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك، وعلىَّ أن آتى بنقول جميع الطوائف ـ عن القرون الثلاثة، توافق ما ذكرته ـ من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم‏.‏
وقلت ـ أيضًا ـ في غير هذا المجلس‏:‏ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ لما انتهي إليه من السنة، ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكثر مما انتهي إلى غيره، وابتلى بالمحنة، والرد على أهل البدع، أكثر من غيره، كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة ـ العلماء الصلحاء ـ قال‏:‏ المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل‏.‏ يعني‏:‏ أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان، وإظهار الحق، ودفع الباطل ما ليس لبعض‏.‏
ولما جاء فيها‏:‏ وما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم ربه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل العلم بالقبول‏.‏ ولما جاء حديث أبي سعيد ـ المتفق عليه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله يوم القيامة‏:‏ ‏(‏يا آدم، فيقول‏:‏ لبيك وسعديك، فينادى بصوت‏:‏ إن الله يأمرك أن تبعث بعثًا إلى النار‏)‏ الحديث ـ سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم‏.‏ هو في الصحيحين، ولم يخالف في ذلك أحد، واحتاج المنازع إلى الإقرار به، ووافق الجماعة على ذلك‏.‏
وطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت؛ لأن ذلك طلب منه‏.‏
فقلت‏:‏ هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه، أن صوت القارئين، ومداد الصحف قديم أزلي ـ كما نقله مجد الدين ابن الخطيب وغيره ـ كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد، ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم‏.‏
وأخرجت كراسًا قد أحضرته مع العقيدة، فيه ألفاظ أحمد، مما ذكره الشيخ أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذى من كلام الإمام أحمد،وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه‏:‏ أن من قال‏:‏ لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي‏.‏ ومن قال‏:‏ غير مخلوق، فهو مبتدع‏.‏
قلت‏:‏ وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث‏.‏وقال‏:‏ إنه يقول به‏.‏قلت‏:‏ فكيف بمن يقول‏:‏ لفظى قديم‏؟‏ فكيف بمن يقول‏:‏ صوتي غير مخلوق‏؟‏ فكيف بمن يقول‏:‏ صوتي قديم‏؟‏
ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين تكلم الله بصوت، وبين صوت العبد ـ كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره من أئمة السنة‏.‏
.‏







من مواضيع : الغريب 0 الوابل الصيب من الكلم الطيب
0 العين , عين الانسان , امراض العيون , الرمد ,
0 How To Become A Muslim
0 رمضان فضائل واحكام
0 اخطاء وسلوكيات مرفوضة في شهر رمضان


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:40 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فقال ابن الوكيل‏:‏ هذا نص الشافعي، وراجعه في ذلك مرارا، فلما اجتمعنا في المجلس الثاني، ذكر لابن الوكيل أن ابن درباس ‏[‏هو أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بـن عبدوس الكردي، قاضي الديار المصرية، ولد سنة 615 هـ تقريبًا، توفي سنة 650 هـ‏]‏ نقل في كتاب الانتصار عن الشافعي مثل ما نقلت، فلما كان في المجلس الثالث، أعاد ابن الوكيل الكلام في ذلك‏.‏
فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين ابن الوكيل‏:‏ قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقى الدين‏:‏ إنه من قال‏:‏ إن حرفًا من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مرارًا، فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبًا شديدًا، ورفع صوته‏.‏ وقال‏:‏ هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية، الذين يقولون‏:‏ إن حروف القرآن مخلوقة مثل إمام الحرمين وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا‏.‏
فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك، وقال‏:‏ ما قلت ذلك، وإنما قلت‏:‏ إن من أنكر حرفًا من القرآن فقد كفر، فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا‏:‏ ما قلت إلا كذا وكذا، وقالوا‏:‏ ما ينبغى لك أن تقول قولًا وترجع عنه‏.‏وقال بعضهم‏:‏ ما قال هذا‏.‏فلما حرفوا، قال‏:‏ ما سمعناه قال هذا، حتى قال نائب السلطان‏:‏ واحد يكذب، وآخر يشهد، والشيخ كمال الدين مغضب‏.‏فالتفت إلى قاضى القضاة نجم الدين الشافعي يستصرخه للانتصار على ابن الوكيل، حيث كفر أصحابه‏.‏فقال القاضى نجم الدين‏:‏ ما سمعت هذا، فغضب الشيخ كمال الدين، وقال كلاما لم أضبط لفظه، إلا أن معناه‏:‏ أن هذا غضاضة على الشافعي، وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون، ولا ينتصر لهم‏.‏
ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين، واستثبت غيري ممن حضر، هل سمع منه في حقه شيئًا‏؟‏ فقالوا‏:‏ لا‏.‏لكن القاضى اعتقد أن التعيير لأجله، ولكونه قاضي المذهب، ولم ينتصر لأصحابه، وأن الشيخ كمال الدين قصده بذلك، فغضب قاضي القضاة نجم الدين‏.‏ وقال‏:‏ اشهدوا على أني عزلت نفسي، وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم، والاستحقاق، وعفته عن التكلم في أعراض الجماعة، ويستشهد بنائب السلطان في ذلك‏.‏ وقلت له كلامًا مضمونه تعظيمه واستحقاقه لدوام المباشرة في هذه الحال‏.‏
ولما جاءت مسألة القرآن ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله‏.‏ غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود، وطلبوا تفسير ذلك‏.‏
فقلت‏:‏ أما هذا القول، فهو المأثور الثابت عن السلف،مثل ما نقله عمرو بن دينار، قال‏:‏ أدركت الناس منذ سبعين سنة، يقولون‏:‏ الله الخالق، وما سواه مخلوق إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود‏.‏
وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والصحابة والتابعين، كالحافظ أبي الفضل ابن ناصر، والحافظ أبي عبد الله المقدسي‏.‏ وأما معناه‏:‏ فإن قولهم‏:‏ منه بدأ، أي‏:‏ هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقول الجهمية‏:‏ إنه خلق في الهوى أو غيره، أو بدأ من عند غيره‏.‏وأما إليه يعود‏:‏ فإنه يسري به في آخر الزمان، من المصاحف والصدور،فلا يبقى في الصدر منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف، ووافق على ذلك غالب الحاضرين، وسكت المنازعون‏.‏
وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس، بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادرى، التي فيها أن القرآن كلام الله، خرج منه، فتوقف في هذا اللفظ‏.‏ فقلت‏:‏ هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه‏)‏ يعني‏:‏ القرآن، وقال خباب بن الأرت‏:‏ يا هنتاه، تقرب إلى الله بما استطعت، فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه‏.‏
وقال أبو بكر الصديق ـ لمـا قرأ قرآن مُسَيْلَمة الكذاب‏:‏ إن هذا الكـلام لم يخرج من إلٍّ ـ يعنى رب‏.‏
وجاء فيها‏:‏ ومن الإيمان به‏:‏ الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن ـ الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم ـ هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فتمعض بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة‏.‏
ثم إنه سلَّم ذلك لمَّا بين له أن المجاز يصح نفيه، وهذا لا يصح نفيه، ولما بين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم، وشعر الشعراء المضاف إليهم، هو كلامهم حقيقة، فلا يكون نسبة القرآن إلى الله بأقل من ذلك‏.‏
فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن، وأن الله تكلم حقيقة، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره‏.‏
ولما ذكر فيها‏:‏ أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، استحسنوا هذا الكلام وعظموه، وأخذ أكبر الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام، كابن الوكيل وغيره، وأظهر الفرح بهذا التلخيص، وقال‏:‏ إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة، وشفيت الصدور ويذكر أشياء من هذا النمط‏.‏
ولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر، وتفصيله ونظمه، استحسنوا ذلك وعظموه‏.‏
وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر وأنه على درجتين، إلى غير ذلك مما فيها من القواعد الجليلة‏.‏
وكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملِّىّ، وفي الإيمان، لكن اعترضه على ذلك بما سأذكره‏.‏
وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون، بعد انقضاء قراءة جميعها، والبحث فيها عن أربعة أسئلة‏:‏
الأول‏:‏ قولنا‏:‏ ومن أصول الفرقة الناجية‏:‏ أن الإيمان والدين قول وعمل، يزيد وينقص، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح‏.‏
قالوا‏:‏ فإذا قيل‏:‏ إن هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك،مثل أصحابنا المتكلمين،الذين يقولون‏:‏ إن الإيمان هو التصديق، ومن يقول‏:‏ الإيمان هو التصديق والإقرار، وإذا لم يكونوا من الناجحين، لزم أن يكونوا هالكين‏.‏
وأما الأسئلة الثلاثة ـ وهي التي كانت عمدتهم ـ فأوردوها على قولنا، وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله‏:‏ الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة،من أنه ـ سبحانه ـ فوق سمواته على عرشه،علىٌّ على خلقه، وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏‏.‏وليس معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ‏}‏‏:‏ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وغير المسافر، وهو ـ سبحانه ـ فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معانى ربوبيته‏.‏وكل هذا الكلام الذي ذكره الله ـ تعالى ـ من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان على الظنون الكاذبة‏.‏
السؤال الثاني‏:‏ قال بعضهم‏:‏نقر باللفظ الوارد، مثل حديث العباس، حديث الأوعال، والله فوق العرش،ولا نقول‏:‏فوق السموات،ولا نقول‏:‏ على العرش‏.‏ وقالوا أيضًا‏:‏ نقول‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏ طه‏:‏ 5‏]‏ ولا نقول‏:‏ الله على العرش استوى، ولا نقول‏:‏ مستو، وأعادوا هذا المعنى مرارا، أي أن اللفظ الذي ورد، يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه، ولا يفهم له معنى أصلا‏.‏ ولا يقال‏:‏ إنه يدل على صفة الله أصلا، ونبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني، كما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏
السؤال الثالث‏:‏ قالوا‏:‏ التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء، بكون القمر في السماء‏.‏
السؤال الرابع‏:‏ قالوا‏:‏ قولك حق على حقيقته، الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا يفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها،ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة‏.‏
فأجبتهم عن الأسئلة ، بأن قولى‏:‏ اعتقاد الفرقة الناجية‏:‏ هي الفرقة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالنجاة، حيث قال‏:‏ ‏(‏تفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي‏)‏‏.‏
فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال‏:‏ الإيمان يزيد وينقص، وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك‏.‏
ثم قلت لهم‏:‏ وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت، وذو الحسنات الماحية، والمغفور له وغير ذلك، فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال‏:‏ من صمت نجا‏.‏
وأما السؤال الثاني‏:‏ فأجبتهم أولًا بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل لفظ‏:‏ فوق السموات، ولفظ‏:‏ على العرش، وفوق العرش، وقلت‏:‏ اكتبوا الجواب، فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة‏:‏ قد طال المجلس اليوم، فيؤخر هذا إلى مجلس آخر، وتكتبون أنتم الجواب، وتحضرونه في ذلك المجلس‏.‏
فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب؛ لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب، ليستعدوا لأنفسهم، ويطالعوا، ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم؛ ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك‏.‏
وقد أظهر الله من قيام الحجة، وبيان المحجة، ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث في المجلس الثاني، وأخذوا في تلك الأيام يتأملونها، ويتأملون ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد، مثل‏:‏ ‏[‏المسألة الحموية في الاستواء‏]‏، والصفات الخبرية وغيرها‏.
فصــل
فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب، وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضرًا ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي ‏[‏هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد صفي الدين الهــندي، الفقيه الشافعي الأصولي، ولد بالهند سنة 446 هـ، صنف في أصول الدين‏:‏ ‏[‏الفائق‏]‏ وفي أصول الفقه‏:‏ ‏[‏النهاية‏]‏، و‏[‏الزبدة‏]‏ في علم الكلام‏]‏، وقالوا‏:‏ هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، وبحثوا فيما بينهم، واتفقوا وتواطؤوا، وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه؛ لأن المجلس الأول أتاهم بغتة، وإن كان ـ أيضًا ـ بغتة للمخاطب، الذي هو المسؤول والمجيب والمناظر‏.‏
فلما اجتمعنا ـ وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة، الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم ـ حمدت الله بخطبة الحاجة ـ خطبة ابن مسعود رضي الله عنه ـ ثم قلت‏:‏ إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفرقة والاختلاف‏.‏
وقال لنا في القرآن‏:‏ ‏{‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 103‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 159 ‏]‏، وقال‏:‏‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏‏.‏
وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد،وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفنى بعد ذلك كشفت له الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة، التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلامًا، وللحرب كلامًا‏.‏
وقلت‏:‏ لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا‏:‏ أنا حنبلي، ويقول هذا‏:‏ أنا أشعري، ويجري بينهم تفرق وفتن، واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها‏.‏
وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته، وأحضرت كتاب تبيين كذب المفتري، فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري ـ رحمه الله ـ تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ـ رحمه الله‏.‏
وقلت‏:‏ لم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه‏:‏ الإبانة‏.‏
فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة، سأل الأمير عن معنى المعتزلة، فقلت‏:‏ كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملِّيّ، وهو أول اختلاف حدث في الملة، هل هو كافر أو مؤمن‏؟‏ فقالت الخوارج‏:‏ إنه كافر‏.‏ وقالت الجماعة‏:‏ إنه مؤمن‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ نقول‏:‏ هو فاسق، لا مؤمن ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه ـ رحمه الله تعالى ـ فسموا معتزلة‏.‏
وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه‏:‏ ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمى المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك، وكان أول من قالها عمرو بن عبيد، ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل، هكذا قال، وذكر نحوًا من هذا‏.‏
فغضبت عليه وقلت‏:‏ أخطأت، وهذا كذب مخالف للإجماع‏.‏ وقلت له‏:‏ لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب‏؟‏
ثم قلت‏:‏ الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون، وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير، في زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري، في أوائل المائة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام، ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد‏.‏
فقال‏:‏ هذا ذكره الشهرستاني في كتاب الملل والنحل‏.‏ فقلت‏:‏ الشهرستاني ذكر ذلك في اسم المتكلمين، لم سموا متكلمين‏؟‏ لم يذكره في اسم المعتزلة، والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة، وأنكر الحاضرون عليه، وقالوا‏:‏ غلطت‏.‏ وقلت في ضمن كلامي‏:‏ أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها‏.‏
وأيضًا، فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين، فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم، قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء‏:‏ إنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام‏.‏
وقلت‏:‏ أنا وغيري‏:‏ إنما هو واصل بن عطاء، أي‏:‏ لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض، قلت‏:‏ وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما كان قرينه‏.‏
وقد روى أن واصلًا تكلم مرة بكلام، فقال عمرو بن عبيد‏:‏ لو بعث نبى ما كان يتكلم بأحسن من هذا، وفصاحته مشهورة، حتى قيل‏:‏ إنه كان ألثغ، وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له‏:‏ أمر الأمير أن يحفر بئر‏.‏فقال‏:‏ أوعز القائد أن يقلب قليب في الجادة‏.‏
ولما انتهي الكلام إلى ما قاله الأشعري، قال الشيخ المقدم فيهم‏:‏ لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر، ومن أكبر أئمة الإسلام، لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء‏.‏
فقلت‏:‏ أما هذا فحق، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى موسى ـ عليه السلام ـ أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى ـ عليه السلام ـ أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى على بن أبي طالب أناس هو بريء منهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين، من هو بريء منهم‏.‏
وذكر في كلامه أنه انتسب إلى أحمد ناس من الحشوية والمشبهة، ونحو هذا الكلام‏.‏
فقلت‏:‏ المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف، الأكراد كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية‏.‏قلت‏:‏ وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم‏.‏
وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية، وتكلمت على لفظ الحشوية ـ ما أدرى جوابًا عن سؤال الأمير أو غيره، أو عن غير جواب ـ فقلت‏:‏ هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة؛ فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور، وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين، يقولون هذا من حشو الناس، كما يقال هذا من جمهورهم‏.‏
وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، وقال‏:‏ كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه حشويا فالمعتزلة سموا الجماعة حشوا كما تسميهم الرافضة الجمهور‏.‏
وقلت لا أدري ـ في المجلس الأول أو الثاني ـ أول من قال أن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي‏.‏
وقلت لهذا الشيخ‏:‏ من في أصحاب الإمام أحمد رحمه الله حشوي بالمعنى الذي تريده ‏؟‏ الأثرم، أبو داود، المروذى، الخلال، أبو بكر عبدالعزيز، أبو الحسن التميمي، ابن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل‏؟‏ ورفعت صوتي وقلت‏:‏ سمهم، قل لي منهم، من هم‏؟‏
أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة، وتندرس معالم الدين‏؟‏ كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون‏:‏ إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين، وأن الصوت والمداد قديم أزلي، من قال هذا‏؟‏ وفي أي كتاب وجد هذا عنهم‏؟‏ قل لي‏؟‏‏!‏
وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه، والمقدمة التي نقلها عنهم؛ وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ؛ من أنه كبير الجماعة وشيخهم وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه، وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه فإنه لم يكن حاضرا في المجلس الأول، وإنما أحضروه في الثاني انتصارًا به‏.‏
وحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس أنه اجتمع به وقال له‏:‏ أخبرني عن هذا المجلس، فقال‏:‏ ما لفلان ذنب ولا لي فإن الأمير سأل عن شيء فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر ‏.‏
وقال‏:‏ قلت لهم أنتم ما لكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل، وأنتم تنصرون قول التأويل، وهما قولان للأشعري‏.‏
وقال أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها، وفيها قول ترك التأويل‏.‏
قال الحاكي لي‏:‏ فقلت له‏:‏ بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس ـ لما أشهد الجماعة على انفسهم بالموافقة ـ لا تكتبوا عني نفيًا ولا إثباتًا فلم ذاك‏؟‏ فقال‏:‏ لوجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول‏.‏
والثاني‏:‏ لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم، فسكت عن الطائفتين‏.‏
وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأي بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال وأعظمه لفظ الحقيقة، فقرءوه عليه، فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدلالة اللفظ، فحسنته ومدحته عليه وقلت‏:‏ لا ريب ان الله حي حقيقة؛ عليم حقيقة؛ سميع حقيقة؛ بصير حقيقة وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف؛ ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريب أن الله موجود؛ والمخلوق موجود؛ ولفظ الوجود سواء كان مقولاً عليهما بطريق الاشتراك اللفظي فقط أو بطريق التواطئ المتضمن للاشتراك لفظًا ومعنى أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطئ‏.‏
فعلى كل قول‏:‏ فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجود حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور، ولم أرجح في ذلك المقام قولًا من هذه الثلاثة على الآخر لأن غرضي تحصل على كل مقصودي‏.‏
وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين إتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته، فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس وخافوا انتصار الخصوم فيه وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته أو لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم‏.‏
فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك وقامت عليه الحجة وبان أنه مذهب السلف‏:‏ أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق حتى قال لي بعض الأكابر من الحنفية ـ وقد اجتمع بي ـ لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت على ذلك لا انقطع النزاع‏.‏
ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة‏.‏
فقلت‏:‏ لا والله، ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضًا‏:‏ هذا اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثا أو إجماعا سلفيا، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين، والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية‏.‏ وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية ـ لأبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعي وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكى عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل له في كلامه وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان ليس للأشعري قولان‏.‏
فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التي سمى بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب، والممكن، على الأقوال الثلاثة‏:‏ تنازع كبيران، هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطئ‏؟‏
فقال أحدهما‏:‏ هو متواطئ، وقال الآخر‏:‏ هو مشترك؛ لئلا يلزم التركيب‏.‏
وقال هذا‏:‏ قد ذكر فخر دين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا‏؟‏ فمن قال أن وجود كل شيء عين ماهيته، قال‏:‏ إنه مقول بالاشتراك ومن قال أن وجوده قدر زائد على ماهيته قال أنه مقول بالتواطئ‏.‏
فأخذ الأول يرجح قول من يقول‏:‏ أن الوجود زائد على الماهية؛ لينصر أنه مقول بالتواطئ‏.‏
فقال الثاني‏:‏ ليس مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته؛ فأنكر الأول ذلك‏.‏
فقلت‏:‏ أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته؛ وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وكل منهما أصاب من وجه، فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطئ، كما قد قررته في غير هذا الموضع وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين‏.‏
وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه‏:‏ فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب، فإنا وإن قلنا أن وجود الشيء عين ماهيته لا يجب أن يكون الاسم مقولا عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظى فقط كما في جميع أسماء الأجناس فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطئ وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في الذهن ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة وهي جمهور الأسماء الموجودة في الغالب وهي أسماء الأجناس اللغوية وهو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا أو فقهيا أو لم يكن بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة‏.‏
وطلب بعضهم إعادة قراءة الاحاديث المذكورة في العقيدة ليطعن في بعضها، فعرفت مقصوده، فقلت‏:‏ كأنك قد استعددت للطعن في حديث الأوعال حديث العباس بن عبد المطلب ـ وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي الدين عبد العظيم من قول البخاري في تأريخه عبد الله بن عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف فقلت هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه والترمذى وغيرهم فهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر‏.‏
فقال‏:‏ أليس مداره على ابن عميرة، وقد قال البخاري‏:‏ لا يعرف له سماع من الأحنف‏؟‏
فقلت‏:‏ قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة؛ في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قلت والإثبات مقدم على النفي، والبخاري انما نفي معرفة سماعه من الأحنف لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته‏.‏
ووافق الجماعة على ذلك، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه، وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة ولكن لها تعلق بما أجبت به في مسائل ولها تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة، فأحضر بعض أكابرهم كتاب الاسماء والصفات للبيهقي رحمه الله تعالى فقال‏:‏ هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، فقلت‏:‏ لعلك تعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 115‏]‏‏.‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ قد قال مجاهد والشافعي يعنى قبلة الله، فقلت‏:‏ نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما ، وهذا حق، وليست هذه الآية من آيات الصفات‏.‏
ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال ‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 115‏]‏‏.‏ والمشرق والمغرب الجهات‏.‏
والوجه هو الجهة؛ يقال‏:‏ أي وجه تريده‏؟‏ أي أي جهة، وأنا أريد هذا الوجه أي هذه الجهة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا‏}‏ ‏[‏البقرة 148‏]‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 115‏]‏ أي تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم وصلى الله على محمد‏.‏
نقل الشيخ علم الدين ‏:‏
أن الشيخ قدس الله روحه قال‏:‏
في مجلس نائب السلطنة الأفرم لما سأله عن اعتقاده، وكان الشيخ أحضر عقيدته ‏[‏الواسطية‏]‏ قال هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام فقرئت في المجلس‏.‏
ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال‏:‏ كان سبب كتابتها أن بعض قضاة واسط من أهل الخير والدين شكى ما الناس فيه ببلادهم في دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة، فقلت له‏:‏ قد كتب الناس عقائد أئمة السنة، فألح في السؤال وقال‏:‏ ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت‏.‏
فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر، فأشار الأمير لكاتبه فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، فاعترض بعضهم على قولي فيها‏:‏ ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل‏.‏ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إما وجوبًا وإما جوازًا‏.‏
فقلت‏:‏ إنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف، لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد‏.‏
فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين من أهل الأصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف‏.‏
وقلت لهم ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏
وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا، ويعرضون بما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك‏.‏
فقلت‏:‏ قولي من غير تكييف ولا تمثيل ينفي كل باطل، وإنما اخترت هذين الاسمين لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف، كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول‏:‏ ‏[‏الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة‏]‏ فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا، فنفيت ذلك اتباعا لسلف الأمة‏.‏
وهو أيضًا منفي بالنص، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته غير معلومة، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في ‏[‏التأويل والمعنى‏]‏ والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله‏.‏
وكذلك التمثيل منفي بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف إذ كنه الباري غير معلوم للبشر‏.‏
وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو‏:‏ ‏[‏إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها إذ الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا اثبات تكييف‏]‏‏.‏
فقال أحد كبراء المخالفين فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام، فقلت له‏:‏ أنا وبعض الفضلاء إنما قيل‏:‏ أنه يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا‏.‏ وأول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي‏.‏
وأما قولنا‏:‏ فهم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم‏.‏ فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، فقيل لي‏:‏ أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد وأرادوا قطع النزاع لكونه مذهبًا متبوعًا‏.‏
فقلت‏:‏ ما خرجت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، وقلت‏:‏ قد أمهلت من خالفنى في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك، وعلي أن آتى بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث وغيرهم‏.‏
ثم طلب المنازع الكلام في ‏[‏مسألة الحرف والصوت‏]‏ فقلت‏:‏ هذا الذي يُحكى عن أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلى كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد، ولا أحد من علماء المسلمين‏.‏
وأخرجت كراسًا وفيه ما ذكره أبو بكر الخلال في ‏[‏كتاب السنة‏]‏ عن الإمام أحمد وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذي من كلام أحمد وكلام أئمة زمانه في أن من قال‏:‏ لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال‏:‏ غير مخلوق فهو مبتدع، قلت‏:‏ فكيف بمن يقول لفظي أزلي‏؟‏‏!‏ فكيف بمن يقول صوتي قديم‏؟‏‏!‏
فقال المنازع‏:‏ أنه انتسب إلى أحمد أناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام، فقلت‏:‏ المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، فهؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم مالا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية، وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم والكرامية المجسمة كلهم حنفية‏.‏
وقلت له‏:‏ من في أصحابنا حشوي بالمعنى الذي تريده‏؟‏‏!‏ الأثرم؛ أبو داود؛ المروزي؛ الخلال؛ أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي؛ ابن حامد؛ القاضي أبو يعلى؛ أبو الخطاب؛ ابن عقيل؛ ورفعت صوتي وقلت‏:‏ سمهم، قل لي من منهم‏؟‏ ‏!‏
أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة، وتندرس معالم الدين، كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون‏:‏ القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين، وأن الصوت والمداد قديم أزلي، من قال هذا‏؟‏ وفي أي كتاب وجد عنهم هذا‏؟‏ قل لى‏.‏ وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه والمقدمة التي نقلها عنهم‏.‏
ولما جاءت مسألة القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق، منه بدء وإليه يعود، نازع بعضهم في كونه منه بدا وإليه يعود، وطلبوا تفسير ذلك، فقلت‏:‏ أما هذا القول فهو المأثور والثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال‏:‏ أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدا وإليه يعود‏.‏
ومعنى منه بدا أي هو المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقوله الجهمية انه خلق في الهواء أو غيره وبدأ من غيره، وأما إليه يعود فإنه يسري به في آخر فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف‏.‏
ووافق على ذلك غالب الحاضرين فقلت‏:‏ هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه يعني القرآن، وقال خباب بن الأرت‏:‏ يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه‏.‏
وقلت‏:‏ وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة؛ بل إذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا، فامتعض بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تكلم به حقيقة، ثم أنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه، وأن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة‏.‏
ولما ذكرت فيها أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغا استحسنوا هذا الكلام وعظموه، وذكرت ما أجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، وليس معنى قوله ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏‏.‏ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة؛ وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق؛ بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان‏.‏
ولما ذكرت أن جميع أسماء الله التي يسمى بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن تنازع كبيران، هل هو مقول بالاشتراك‏؟‏ أو بالتواطئ‏؟‏ فقال أحدهما‏:‏ هو متواطئ وقال آخر‏:‏ هو مشترك لئلا يلزم التركيب وقال هذا قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا‏؟‏‏!‏ فمن قال إن وجود كل شيء عين ماهيته قال أنه مقول بالاشتراك؛ ومن قال أن وجوده قدر زائد على ماهيته قال أنه مقول بالتواطئ، فأخذ الأول يرجح قول من يقول أن الوجود زائد على الماهية لينصر أنه مقول بالتواطئ، فقال الثاني مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته، فأنكر الاول ذلك فقلت أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وكل منهما أصاب من وجه فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطئ كما قد قررته في غير هذا الموضع‏.‏
وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عين وجود ماهيته فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب، فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته لا يجب أن يكون الاسم مقولا عليه وعلى غيره بالاشتراك اللفظي فقط كما في جميع أسماء الأجناس، فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطئ وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد اذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في الذهن ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة وهي جمهور الاسماء الموجودة في اللغات وهي أسماء الاجناس اللغوية وهو الاسم المعلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقًا، وسواء كان جنسًا منطقيًا أو فقهيًا أو لم يكن، بل اسم الجنس في اللغة تدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة ، قال الذهبى‏:‏ ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد‏.‏

وكتب عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
من أخيه عبد الله بن تيمية إلى الشيخ الإمام العالم الفاضل الصدر الكبير زين الدين _ ـ زينه الله تعالى بحلية أوليائه وأكرمه في الدنيا والآخرة بكرامة أصفيائه وجعل له البشرى بالنصر الأكبر على أعدائه وأوزعه شكر النعماء خصوصا أفضل نعمائه بما من الله به سبحانه من النصر العزيز للإسلام وللسنة وأهلها على حزب الشيطان وأوليائه ـ أما بعد فإنى أحمد اليك الله الذي لا اله إلا هو وهو للحمد أهل وأصلي على نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأعرفه بما من الله سبحانه علينا وعلى المسلمين أجمعين بالنصر الأكبر والفتح المبين، وهو وإن كانت العقول تعجز عن دركه على التفضيل والألسن عن وصفه عن التكميل لكن نذكر منه ما يسر الله سبحانه ملخصا خاليا عن التطويل‏.‏
وهو أنه لما كان يوم الاثنين ثامن من رجب جمع نائب السلطان القضاة الأربعة ونوابهم والمفتين والمشايخ نجم الدين؛ وشمس الدين؛ وتقي الدين؛ وجمال الدين؛ وجلال الدين نائب نجم الدين؛ وشمس الدين بن العز نائب شمس الدين؛ وعز الدين نائب تقي الدين؛ ونجم الدين نائب جمال الدين؛ والشيخ كمال الدين بن الزملكاني؛ والشيخ كمال الدين بن الشرشي؛ وابن الوكيل من الشافعية؛ والشيخ برهان الدين بن عبدالحق من الحنفية؛ والشيخ شمس الدين الحريرى من المالكية؛ والشيخ شهاب الدين المجد من الشافعية؛ والشيخ محمد بن قوام؛ والشيخ محمد بن إبراهيم الأرموي؛ ثم سأل نائب السلطان عن الاعتقاد فقال ليس الاعتقاد لي ولا لمن هو أكبر مني بل الاعتقاد يؤخذ عن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف الأمة يؤخذ من كتاب الله تعالى ومن أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث المعروفة وما ثبت عن سلف الأمة، فقال الأمير نريد أن تكتب لنا صورة الاعتقاد، فقال الشيخ‏:‏ إذا قلت الساعة شيئًا من حفظي قد يقول الكذابون قد كتم بعضه أو داهن بل أنا أحضر ما كتبته قبل هذا المجلس بسنين متعددة قبل مجيء التتار، فأحضرت الواسطية وسبب تسميتها بذلك أن الذي طلبها من الشيخ رجل من قضاة واسط من أصحاب الشافعي قدم حاجًا من نحو عشر سنين ـ وكان فيه صلاح كبير وديانة كبيرة ـ فالتمس من الشيخ أن يكتب له عقيدة، فقال له الشيخ‏:‏ الناس قد كتبوا في هذا الباب شيئًا كثيرًا فخذ بعض عقائد أهل السنة، فقال‏:‏ أحب أن تكتب لي أنت، فكتب له وهو قاعد في مجلسه بعد العصر هذه العقيدة‏.‏
ذكر الشيخ للأمير معنى هذا الكلام ثم قرئت على الحاضرين من أولها إلى آخرها كلمه كلمة وبحث في مواضع منها وفيهم من في قلبه من الشيخ ما لا يعلمه الا الله، وكان ظنهم أنهم اذا تكلموا معه في هذا الكتاب أظهروا أنه يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة وأوردوا ثلاثة أسئلة في ثلاث مواضع وهي تسميتها باعتقاد أهل الفرقة الناجية؛ وقول استوى حقيقة؛ وقول فوق السموات‏.‏
فقال الشيخ للكاتب الذي أقعده نائب السلطان وهو الشيخ كمال الدين بن الزملكاني اكتب جوابها ـ وكان المجلس قد طال من الضحى إلى قريب العصر ـ فأشاروا بتأخير ذلك إلى مجلس ثان وهو يوم الجمعة ثانى عشر رجب، فاجتمعوا هم وحضر معهم الصفي الهندي، وحضرت أنا المجلس الثاني وما علمت بالمجلس الأول حين حضروا وقد كانوا بحثوا في تلك الآيام بالفصوص وطالعوه واتفقوا على أنهم لا يبقوا ممكنا، فلما حضرت بعد صلاة الجمعة واستقر المجلس أثنى الناس على الصفي الهندي وقال جماعة منهم هو شيخ الجماعة وكبيرهم في هذا وعليه اشتغل الناس في هذا الفن واتفقوا على أنه يتكلم مع الشيخ وحده فإذا فرغ تكلم واحد بعد واحد‏.‏
فخطب الشيخ فحمد الله وأثنى عليه بخطبة ابن مسعود رضي الله عنه ثم قال‏:‏ إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والإئتلاف ونهي عن الفرقة والاختلاف، وربنا واحد ورسولنا واحد وكتابنا واحد وديننا واحد، وأصول الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحل فيها الافتراق لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 103‏]‏‏.‏ ويقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 159‏]‏‏.‏ وهذا الباب قد تنازع الناس فيه ويقول هذا أنا حنبلي ويقول هذا أنا أشعري، وقد أحضرت كتب الأشعري وكتب أكابر أصحابه مثل كتب أبي بكر بن الباقلاني، وأحضرت أيضًا من نقل مذاهب السلف من المالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث وشيوخ الصوفية وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبي حنيفة مثل محمد بن الحسن والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين، وقرأ فصل مما ذكره الحافظ ابن عساكر في كتابه ‏[‏الإبانة‏]‏ وأنه يقول بقول الإمام أحمد، وأحضر كتاب التمهيد للقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأحضر النقول عن مالك وأكابر أصحابه مثل ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وغيرهما من كبار أصحاب مالك بتصريحهم أن الله مستو بذاته على العرش، وقال‏:‏ أما الذي أذكره فهو مذهب السلف وأحضر ألفاظهم وألفاظ من نقل مذاهبهم من الطوائف الأربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية، وأذكر موافقة ذلك من الكتاب والسنة، وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل، وإن كان الله تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك فالحمد لله رب العالمين وان خالف مخالف لذلك كان في كلام الآخر ما أقوله وأكشف الأسرار وأهتك الأستار وأبين ما يحتاج إليه بيانه واجتمع بالسلطان، وأقول له كلاما آخر وكان يومًا عظيمًا مشهودًا بين فيه للحاضرين من البحث والنقل أمر عظيم وبحث عن أشياء خارجة عن العقيدة الواسطية لما أحضر لهم جوابه في مسألة القرآن ومسألة الاستواء لما سئل عنها قديما من نحو اثني عشر سنة، وقرأ عليهم من ذلك الجواب، وسألوه عن ألفاظ في المسألة الحموية وأوردوا عليه جميع ما في أنفسهم من الأجوبة وقالوا هذا سؤالنا وما بقي في أنفسنا شيء، فلما أجاب الشيخ عن أسئلتهم وافقوه وانفصل المجلس على ذلك، وكان قال لهم كل من خالف شيئًا مما قلته فليكتب بخطه خلافه ولينقل فيما خالف في ذلك عن السلف أو يكتب كل شخص عقيدة وتعرض هذه العقائد على ولاة الأمور ويعرف أيها الموافق للكتاب والسنة، وقال أيضًا‏:‏ من جاء بحرف واحد عن السلف بخلاف ما ذكرت فأنا أصير إليه وأنا أحضر نقل جميع الطوائف أنهم ذكروا مذهب السلف كما وضعته، وأنا موافق السلف ومناظر على ذلك، وجميع أئمة الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والصوفية موافقون ما أقوله‏.‏
وسألوه عن الظاهر، هل هو موافق‏؟‏ أم لا‏؟‏ فقال‏:‏ هذا ليس في العقيدة وأنا أتبرع بالجواب عن أكثر من حكى مذهب السلف كالخطابي وأبي بكر الخطيب والبغوي وأبي بكر وأبي القاسم التميمي وأبي الحسن الأشعري وابن الباقلاني وأبي عثمان الصابوني وأبي عمر بن عبد البر والقاضي أبي يعلى والسيف الآمدي وغيرهم في نفي الكيفية والتشبيه عنها، وأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذي فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وقد نقل طائفة أن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد، قال‏:‏ والجمع بين النقلين أن الظاهر لفظ مشترك، فالظاهر الذي لا يليق إلا بالمخلوق غير مراد، وأما الظاهر اللائق بجلال الله تعالى وعظمته فهو مراد أنه هو المراد في أسماء الله تعالى وصفاته مثل الحي والعليم والقدير والسميع والبصير وجرت بحوث دقيقة لا يفهمها إلا قليل من الناس، وبين أن الله تعالى فوق عرشه على الوجه الذي يليق بجلاله، ولا أقول فوقه كالمخلوق على المخلوق كما تقوله المشبهة، ولا يقال أنه لا فوق السموات ولا على العرش رب كما تقوله المعطلة الجهمية، بل يقال أنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه‏.‏
وتكلم على لفظ الجهة وأنه معنى مشترك، وعلى لفظ الحقيقة‏.
وسئل عن مسألة القرآن والصوت
فأجاب بالتفصيل، وكان أجاب به قديمًا فقال‏:‏ من قال‏:‏ إن صوت العبد بالقرآن ومداد المصحف قديم فهو مخطئ ضال، ولم يقل بهذا أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ولا غيرهم، وما نقل عنهم أنهم يقولون ليس القرآن إلا الصوت المسموع من القارئ والمداد الذي في المصحف وهو مع ذلك قديم فهذا كذب مفترى‏.‏
ما قاله أحمد وأحضر نصوص الإمام أحمد وأصحابه وأصحاب مالك والشافعي والأشعري وغيرهم‏:‏ أن من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع فكيف بمن يقول صوتي به غير مخلوق‏!‏‏!‏ أو يقول صوتي به قديم‏!‏ وحرر الكلام فيها، وأن إطلاق القول بنفي الحرف بدعة لم يتلكم به الإمام أحمد ولا غيره من الأئمة المتبوعين، بل مذهب السلف أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه والكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا وأن الله تكلم بصوت وذكر حديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي في الصحيحين، فأخذ نائب المالكي يقول‏:‏ أنت تقول إن الله ينادي بصوت‏؟‏ فقال له الشيخ‏:‏ هكذا قال نبيك إن كنت مؤمنا به وهكذا قال محمد بن عبدالله إن كان رسولا عندك، وجعل نائب السلطان كلما ذكر حديثا وعزاه إلى الصحيحين يقول لهم‏:‏ هكذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون‏:‏ نعم، فيقول‏:‏ فمن قال بقول النبي صلى الله عليه وسلم أي شيء يقال له‏؟‏‏!‏ وقال له كل شيء قلته من عندك قلته، فقال‏:‏ بل أنقله جميعا عن نبي الأمة صلى الله عليه وسلم، وأبين أن طوائف الإسلام تنقله عن السلف كما نقلته، وأن أئمة الإسلام عليه وأنا أناظر عليه وأعلم كل من يخالفني بمذهبه‏.‏ وانزعج الشيخ انزاعاجا عظيما على نائب المالكي والصفي الهندي، وأسكتهما سكوتًا لم يتكلما بعده بما يذكر، وجزئيات الأمور لا يتسع لها هذا الورق، وبعد المجلس حمل بعض الشافعية النقل من تفسير القرطبي بأن السلف لم ينكر أحد منهم أن الله تعالى استوى على العرش حقيقة وأنهم لا يقولون بنفي ولا ينطقون إلا بما أخبرت به رسله، وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات وإنما جهلوا كيفية الاستواء وأنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك رحمه الله‏:‏ الاستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فقال المالكي‏:‏ ما كنا نعرف هذا‏.‏
وبعد المجلس حصل من ابن الوكيل وغيره من الكذب والأختلاق والتناقض بما عليه الحال ما لا يوصف، فجميع ما يرد اليك مما يناقض ما ذكرت من الأكإذيب والأختلاقات فتعلم ذلك، ولم ندر إلى الأن كيف وقع الأمر في مصر إلا ما في كتاب السلطان‏:‏ أنه بلغنا أن الشيخ فلانا كتب عقيدة يدعو إليها وأن بعض الناس أنكرها فليعقد له مجلس لذلك، ولتطالع ما يقع، وتكشف أنت ذلك كشفا شافيا، وتعرفنا به والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى الشيخ الإمام الكبير العالم الفاضل قرة العين عز الدين أفضل السلام وكذلك كل فرد من الأهل والأصحاب والمعارف والسلام
قال الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة‏:‏
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وآله وسلم تسليما أما بعد‏:‏
قد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين العالمين الناسكين القدوتين أيدهما الله وسائر الأخوان بروح منه وكتب في قلوبهم الإيمان وأدخلهم مدخل صدق وأخرجهم مخرج صدق وجعلهم ممن ينصر به السلطان سلطان العلم والحجة والبيان والبرهان وسلطان القدرة والنصر بالسنان والأعوان وجعلهم من أوليائه المتقين وجنده الغالبين لمن ناواهم من الأقران ومن أئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والأيقان والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والأعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان الذي يخلص الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أنه لابد من الفتنة لكل من الداعي إلى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان قال الله تعالى ‏{‏الم‏.‏ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ‏.‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَإذبِينَ‏.‏ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏1‏:‏ 4‏]‏‏.‏ فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب؛ وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكإذب، وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 14، 15‏]‏‏.‏ وأخبر في كتابه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة الذي يعبد الله فيها على حرف وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏11‏]‏، وقال تعالى‏:‏ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ‏}‏ ‏[‏محمد 31‏]‏
وأخبر ـ سبحانه ـ أنه عند وجود المرتدين؛ فلابد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين، فقال‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏45‏]‏‏.‏
وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلا بِإذنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلا أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144-148‏]‏‏.‏
فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر، والشكر، كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيرًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لايقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له‏.‏ إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فَصَبر كان خيرًا له‏)‏‏.‏ والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير موضع من كتابه‏.‏
ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال، وكل واحد من السراء والضراء في حقه يفضي إلى قبيح المآل، فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظ الإيمان، والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان‏.‏
فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله‏.‏
والله هو المسؤول أن يثبتكم، وسائر المؤمنين، بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم عليكم نعمه الباطنة والظاهرة، وينصر دينه وكتابه، وعباده المؤمنين على الكافرين، والمنافقين الذي أمرنا بجهادهم والأغلاظ عليهم في كتابه المبين‏.‏
وأنتم فأبشروا من أنواع الخير والسرور بما لم يخطر في الصدور‏.‏ وشأن هذه ‏[‏القضية‏]‏ وما يتعلق بها أكبر مما يظنه من لا يراعى إلا جزئيات الأمور؛ ولهذا كان فيما خاطبت به أمين الرسول علاء الدين الطيبرسي إن قلت‏:‏ هذه ‏[‏القضية‏]‏ ليس الحق فيها لي بل لله ولرسوله وللمؤمنين من شرق الأرض إلى مغربها، وأنا لا يمكنني أن أبدل الدين، ولا أنكس راية المسلمين‏.‏ ولا أرتد عن دين الإسلام لأجل فلان، وفلان‏.‏
نعم يمكنني ألا أنتصر لنفسي، ولا أجازي من أساء إليَّ وافترى عليَّ، ولا أطلب حظي، ولا أقصد إيذاء أحد بحقي، وهذا كله مبذول مني ولله الحمد، ونفسي طيبة بذلك، وكنت قد قلت له‏:‏ الضرر في هذه ‏[‏القضية‏]‏ ليس عليَّ، بل عليكم، فإن الذين أثاروها من أعداء الإسلام الذين يبغضونه، ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه، ويختارون انتصار أعدائه من التتار ونحوهم‏.‏
وهم دبَّروا عليكم حيلة يفسدون بها ملتكم ودولتكم، وقد ذهب بعضهم إلى بلدان التتار، وبعضهم مقيم بالشام وغيره، ولهذه القضية أسرار لا يمكنني أن إذكرها، ولا أسمِّي من دخل في ذلك حتى تشاوروا نائب السلطان، فإن إذن في ذلك ذكرت لك ذلك، وإلا فلا يقال ذلك له، وما أقوله فاكشفوه أنتم، فاستعجب من ذلك وقال‏:‏ يا مولانا، إلا تسمى لي أنت أحدًا‏؟‏ فقلت‏:‏ وأنا لا أفعل ذلك، فإن هذا لا يصلح‏.‏
.‏







من مواضيع : الغريب 0 الكذب , اسباب الكذب . حكم الكذب
0 النساء والذهاب الى المساجد
0 قصة للعبرة _ توبة الفضيل بن عياض
0 المعاشرة الزوجية , رسالة الى كل زوج وزوجة
0 كن من اهل الجنة


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:41 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم قصدوا فساد دينكم، ودنياكم، وجعلوني إمامًا تسترًا، لعلمهم بأني أواليكم، وأسعى في صلاح دينكم ودنياكم، وسوف ـ إن شاء الله ـ ينكشف الأمر‏.‏
قلت له‏:‏ وإلا فأنا على أي شيء أخاف‏!‏ إن قتلت كنت من أفضل الشهداء‏!‏ وكان عليَّ الرحمة والرضوان إلى يوم القيامة‏!‏ وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا، والعذاب في الآخرة‏!‏ ليعلم كل من يؤمن بالله ورسوله أني إن قتلت لأجل دين الله، وإن حبست فالحبس في حقي من أعظم نعم الله عليَّ، ووالله ما أطيق أن أشكر نعمة الله على في هذا الحبس، وليس لي ما أخاف الناس عليه‏!‏ لا أقطاعي ‏!‏ ولا مدرستي‏!‏ ولا مالي‏!‏ ولا رياستي وجاهي‏.‏
وإنما الخوف عليكم إذا ذهب ما أنتم فيه من الرياسة والمال، وفسد دينكم الذي تنالون به سعادة الدنيا والآخرة، وهذا كان مقصود العدو الذي أثار هذه الفتنة‏.‏
وقلت‏:‏ هؤلاء الذين بمصر من الأمراء ، والقضاة، والمشائخ ، إخواني وأصحابي ، أنا ما أسأت إلى أحد منهم قط، وما زلت محسنًا إليهم، فأي شيء بيني وبينهم‏؟‏‏!‏ ولكن لَبَّس عليهم المنافقون أعداء الإسلام‏.‏ وأنا أقول لكم - لكن لم يتفق أني قلت هذا له‏:‏ إن في المؤمنين من يسمع كلام المنافقين ويطيعهم، وإن لم يكن منافقًا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 74‏]‏، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ولا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ إذاهُمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 48‏]‏
والنفاق له شعب ودعائم، كما أن للإيمان شعبًا ودعائم، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏آية المنافق ثلاث‏:‏ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان‏)‏‏.‏ وفيهما أيضا أنه قال‏:‏ ‏(‏أربع م