قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 01:00 AM   رقم المشاركة : 1
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم


توحيد الربوبية
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
وقال شيخ الإسلام أَحْمَدُ بن تَيْمية ـ قدسَ اللَّه روحه‏:‏
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
قاعدة أولية ‏:‏
وقال المؤلف - أيضًا- في حاشية له أخرى على هذه القاعدة -‏:‏وقال أبو محمد عبد اللّه بن أحمد الخليدي في كتابه ‏[‏شرح اعتقاد أهل السنة‏]‏ لأبي على الحسين بن أحمد الطبري، وهذا لعله ممن أدرك أحمد وغيره، قال الخليدي في معرفة اللّه‏:‏ وهي أول الفرض الذي لا يسع المسلم جهله، ولا تنفعه الطاعة- وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا - ما لم تكن معه معرفة وتقوى‏.‏ فالمسلم إذا نظر في مخلوقات اللّه تعالى وما خلق من عجائبه، مثل دوران الليل والنهار، والشمس والقمر، وتفكر في نفسه، وفي مبدئه ومنتهاه فتزيد معرفته بذلك‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات21‏]‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عرف نفسه عرف ربه‏)‏ ولسنا نقول‏:‏ إن اللّه يعرف بالمخلوقات، بل المخلوقات كلها تعرف باللّه، لكن معرفته تزيد بالنظر في مخلوقات اللّه‏.‏
وسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن رجل يقول‏:‏عرفت اللّه بالعقل والإلهام فقال‏:‏من قال‏:‏عرفت اللّه بالعقل والإلهام فهو مبتدع، عرفنا كل شيء باللّه‏.‏
وسئل ذو النون المصري‏:‏ بماذا عرفت ربك‏؟‏ فقال‏:‏ عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي‏!‏،وقال عبد اللّه بن رواحه‏:‏
واللّه لولا اللّه ما اهتدينا ** ولا تصدقنــا ولا صلينــا
إلى آخره‏.‏وكان هذا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه، فدل على صحة قول علمائنا‏:‏ إن اللّه يعرف باللّه، والأشياء كلها تعرف باللّه‏.‏ هذا آخر كلامه‏.‏
وهو متعلق بما قد كتبته هنا، وبما كتبته في الجزء الذي بعد هذا في تحرير أصل العلم والإيمان،والفرق بين المنهاج النبوي، والفلسفي، وما كتبته في شرح قصيدة القدر‏:‏ من أن أصل المعرفة فطري، وذكر الطريقة الكلامية والفلسفية‏.‏ وقال شيخ الإسلام الأنصاري في أول اعتقاد أهل السنة، وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة‏:‏ أول ما يجب على العبد معرفة اللّه؛ لحديث معاذ لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة اللّه،فإذا عرفوا اللّه -سبحانه- فأخبرهم أن اللّه افترض عليهم‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث رواه مسلم هكذا‏.‏ ورواه البخاري‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فاعلم أن معرفة اللّه وعبادته والإيمان به إنما يجب، ويسمع، ويلزم بالبلاغ، ويحصل بالتعريف‏)‏‏.‏
قلت‏:‏ قد روي عن ابن عباس أنه قيل له‏:‏ بماذا عرفت ربك‏؟‏ فقال‏:‏ من طلب دينه بالقياس، لم يزل دهره في التباس، ظاعنًا في الاعوجاج،زائغًا عن المنهاج،أعرفه بما عرف به نفسه،وأصفه بما وصف به نفسه اهـ‏.‏‏"‏
أن أصل العلم الإلهي، ومبدأه، ودليله الأول، عند الذين آمنوا‏:‏ هو الإيمان باللّه ورسوله، وعند الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ هو وحي اللّه إليه، كما قال خاتم الأنبياء‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللْه، وأن محمدا رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها‏)‏‏.‏
وقال اللّه تعالى له‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ِِِ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏50 ‏]‏، وقال‏{‏وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى‏}‏ ‏[‏ الضحى‏:‏ 7 ‏]‏ وقال ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ‏}‏ ‏[‏ يوسف‏:‏3‏]‏ فأخبر أنه كان قبله من الغافلين، وقال ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا‏}‏ ‏[‏ الشورى‏:‏ 52‏]‏‏.‏ وفي صحيح البخارى في خطبة عمر لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم ـ كلام معناه ـ‏:‏‏(‏إن اللّه هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوا به فإنكم‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏.‏
وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير‏.‏ كقوله‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 165 ‏]‏ وقوله ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏15‏]‏ وقوله‏:‏‏{‏وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ‏}‏ الآية ‏[‏طه‏:‏134‏]‏،وقوله‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا ِ‏}‏الآية ‏[‏القصص‏:‏ 59‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏8‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ‏}‏الآية ‏[‏الزمر‏:‏71‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ‏}‏ الآية ‏[‏الرحمن‏:‏33‏]‏‏.‏
ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على الأبواب، إذا جمعوا فيها أصناف العلم‏:‏ ابتدؤوها بأصل العلم والإيمان‏.‏ كما ابتدأ البخاري صحيحه ببدء الوحي ونزوله، فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولا، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به، فرتبه الترتيب الحقيقي‏.‏ وكذلك الإمام أبو محمد الدارمي صاحب ‏[‏المسند‏]‏ ابتدأ كتابه بدلائل النبوة، وذكر في ذلك طرفًا صالحًا‏.‏ وهذان الرجلان أفضل بكثير من مسلم، والترمذي ونحوهما، ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظم هذين ونحوهما؛ لأنهم فقهاء في الحديث أصولا وفروعا‏.‏
ولما كان أصل العلم والهدى هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة، كان ذكره طريق الهداية بالرسالة ـ التي هي القرآن، وما جاءت به الرسل ـ كثيرًا جدًا، كقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏2‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏138‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏9‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ‏.‏ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏3، 4 ‏]‏ وقوله‏:‏‏{‏كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏1‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى‏.‏ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏123، 124‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏.‏صِرَاطِ اللَّهِ‏}‏‏[‏الشورى‏:‏52، 53‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ‏}‏‏[‏آل عمران‏:‏101‏]‏
فيعلم أن آيات اللّه والرسول تمنع الكفر، وهذا كثير‏.‏وكذلك ذكره حصول الهداية،والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن،كقوله‏:‏ ‏{‏هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ‏.‏ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏2، 3‏]‏‏.‏ ثم ذم الذين كفروا، والذين نافقوا وقوله‏:‏‏{‏وَالْعَصْر‏.‏ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ‏.‏ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏‏[‏العصر‏:‏ 1‏:‏ 3‏]‏،وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ‏.‏ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏‏[‏التين‏:‏5، 6‏]‏
فحكم على النوع كله، والأمة الإنسانية جميعها، بالخسارة، والسفول إلى الغاية، إلا المؤمنين الصالحين‏.‏
وكذلك جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان،وأهل النار هم أهل الكفر،فيما شاء اللّه من الآيات، حتى صار ذلك معلوما علما شائعًا، متواترًا، اضطراريا من دين الرسول عند كل من بلغته رسالته‏.‏
وربط السعادة مع إصلاح العمل به في مثل قوله‏:‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏97‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏91‏]‏‏.‏
وأحبط الأعمال الصالحة بزواله، في مثل قوله‏:‏‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏93‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 117‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏32‏]‏، ونحو ذلك كثير‏.‏
وذكر حال جميع الأمم المهتدية أنهم كذلك، في قوله‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏62‏]‏
ولهذا أمر أهل العقل بتدبره، وأهل السمع بسمعه، فدعا فيه إلى التدبر، والتفكير، والتذكر، والعقل، والفهم، وإلى الاستماع، والإبصار، والإصغاء والتأثر بالوَجَل والبكاء وغير ذلك، وهذا باب واسع‏.‏
ولما كان الإقرار بالصانع فطريا - كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث - فإن الفطرة تتضمن الإقرار باللّه، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا اللّه، فإن الإله هو الذي يعرف ويعبد، وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع‏.‏
وكان المقصود بالدعوة‏:‏وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم،وحده لا شريك له،والعبادة أصلها عبادة القلب،المستتبع للجوارح،فإن القلب هو الملك،والأعضاء جنوده‏.‏ وهو المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد،وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد‏.‏ وإنما ذلك بعلمه،وحاله كان هذا الأصل الذي هو عبادة اللّه بمعرفته،ومحبته،هو أصل الدعوة في القرآن‏.‏فقال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏65‏]‏ وقال في صدر البقرة ـ بعد أن صنف الخلق ثلاثة أصناف‏:‏ مؤمن، وكافر، ومنافق ـ فقال بعد ذلك‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏21‏]‏ وذكر آلاءه التي تتضمن نعمته، وقدرته، ثم أتبع ذلك بتقريره النبوة بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏23‏]‏‏.‏
والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف، ويستعظمه حيث قررت الربوبية، ثم الرسالة، ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات، أولا من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقى السمعيات من النبوة كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرَّامية، والكُلاَّبية، والأشعرية‏.‏ ومن سلك هذه الطريق في إثبات الصانع أولا بناء على حدوث العالم، ثم إثبات صفاته نفيا وإثباتا بالقياس العقلي ـ على ما بينهم فيه من اتفاق واختلاف‏:‏ إما في المسائل، وإما في الدلائل ـ ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات، من المعاد، والثواب والعقاب، والخلافة والتفضيل، والإيمان بطريق مجمل‏.‏
وإنما عمدة الكلام عندهم، ومعظمه‏:‏ هو تلك القضايا التي يسمونها العقليات، وهي أصول دينهم‏.‏ وقد بنوها علي مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة، فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة‏.‏
وهم قسمان‏:‏
قسم بنوا على هذه العقليات القياسية الأصول العلمية، دون العملية؛ كالأشعرية‏.‏
/وقسم بنوا عليها الأصول العلمية والعملية، كالمعتزلة،حتى إن هؤلاء يأخذون القدر المشترك في الأفعال بين اللّه وبين عباده، فما حسن من اللّه حسن من العبد، وما قبح من العبد قبح من اللّه، ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال‏.‏
ولا شك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف؛ لكثرة بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامي، وردهم لما جاء به الكتاب والسنة‏.‏
والآخرون لما شاركوهم في بعض ذلك،لحقهم من الذم، والعيب، بقدر ما وافقوهم فيه، وهو موافقتهم في كثير من دلائلهم، التي يزعمون أنهم يقررون بها أصول الدين، والإيمان، وفي طائفة من مسائلهم التي يخالفون بها السنن والآثار، وما عليه أهل العقل والدين‏.‏
وليس الغرض هنا تفصيل أحوالهم، فإنا قد كتبنا فيه أشياء في غير هذا الموضع‏.‏ وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين، وفروعه ـ في الدلائل والمسائل ـ بأكمل المناهج‏.‏
والمتكلم يظن أنه بطريقته ـ التي انفرد بها- قد وافق طريقة القرآن، تارة في إثبات الربوبية، وتارة في إثبات الوحدانية، وتارة في إثبات النبوة، وتارة في إثبات المعاد، وهو مخطئ في كثير من ذلك، أو أكثره‏.‏ مثل هذا الموضع‏.‏
فإنه قد أخطأ المتكلم في ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه‏.‏
/منها‏:‏ أن إثبات الصانع في القرآن بنفس آياته، التي يستلزم العلم بها العلم به، كاستلزام العلم بالشعاع، العلم بالشمس، من غير احتياج إلى قياس كلي يقال فيه‏:‏ وكل محدَث فلابد له من محدِث، أو كل ممكن فلابد له من مرجح، أو كل حركة فلابد لها من علة غائية،أو فاعلية، ومن غير احتياج إلى أن يقال‏:‏ سبب الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث فقط - كما تقوله المعتزلة - أو الإمكان - كما يقوله الجمهور - حتى يرتبون عليه أن الثاني حال باقية مفتقر إلى الصانع، على القول الثاني الصحيح دون الأول، فإنى قد بسطت هذا الموضع في غير هذا المكان،وبينت ما هو الحق، من أن نفس الذوات المخلوقة مفتقرة إلى الصانع، وأن فقرها وحاجتها إليه وصف ذاتي لهذه الموجودات المخلوقة، كما أن الغنى وصف ذاتي للرب الخالق، وأنه لا علة لهذا الافتقار غير نفس الماهية، وعين الإنيةِ، كما أنه لا علة لغناه غير نفس ذاته‏.‏
فلك أن تقول‏:‏ لا علة لفقرها، وغناه؛ إذ ليس لكل أمر علة، فكما لا علة لوجوده، وغناه، لا علة لعدمها إذا لم يشأ كونها، ولا لفقرها إليه إذا شاء كونها، وإن شئت أن تقول‏:‏ علة هذا الفقر، وهذا الغني‏:‏ نفس الذات، وعين الحقيقة‏.‏
ويدل على ذلك أن الإنسان يعلم فقر نفسه، وحاجتها إلى خالقه، من غير أن يخطر بباله أنها ممكنة، والممكن الذي يقبل الوجود، والعدم، أو أنها محدثة والمحدث المسبوق بالعدم، بل قد يشك في قدمها، أو يعتقده، وهو يعلم فقرها، وحاجتها إلى بارئها، فلو لم يكن للفقر إلي الصانع علة إلا الإمكان أو /الحدوث، لما جاز العلم بالفقر إليه، حتى تعلم هذه العلة؛ إذ لا دليل عندهم على الحاجة إلى المؤثر إلا هذا‏.‏
وحينئذ، فالعلم بنفس الذوات المفتقرة، والإنيات المضطرة توجب العلم بحاجتها إلى بارئها، وفقرها إليه، ولهذا سماها اللّه آيات‏.‏ فهذان مقامان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنها مفتقرة إلى المؤثر الموجب أو المحدث لهاتين العلتين‏.‏
الثاني‏:‏ أن كل مفتقر إلى المؤثر‏:‏ الموجب، أو المحدث، فلابد له منه‏.‏ وهو كلام صحيح في نفسه، لكن ليس الطريق مفتقرا إليه، وفيه طول وعقبات، تبعد المقصود‏.‏
أمـا المقام الأول‏:‏ فالعلم بفقرها غير مفتقر إلى دليل على ذلك من إمكان أو حدوث‏.‏
وأما الثاني‏:‏ فإن كونها مفتقرة إليه غير مفتقر إلى أن يستدل عليه بقياس كلي‏:‏ من أن كل ممكن فلابد له من موجب، وكل محدث فلابد له من محدث؛ لأنها آية له يمتنع أن تكون دونه أو أن تكون غير آية له‏.‏
والقلب بفطرته يعلم ذلك، وإن لم يخطر بقلبه وصف الإمكان والحدوث‏.‏ والنكتة‏:‏ أن وصف الإمكان، والحدوث، لا يجب أن يعتبره القلب لا في فقر ذواتها، ولا في أنها آية لباريها، وإن كانا وصفين ثابتين‏.‏ وهما أيضا دليل صحيح، لكن أعيان الممكنات آية لعين خالقها الذي ليس كمثله شىء، بحيث لا يمكن أن يقع شركة فيه‏.‏
/وأما قولنا كل ممكن فله مرجح، وكل محدث فله محدث، فإنما يدل على محدث، ومرجح، وهو وصف كلي يقبل الشركة، ولهذا القياس العقلي لا يدل على تعيين وإنما يدل على الكلي المطلق فلابد إذًا من التعيين‏.‏ فالقياس دليل على وصفية مطلقة كلية‏.‏
وأيضا، فإذا استدل على الصانع بوصف إمكانها، أو حدوثها، أو هما جميعا،لم يفتقر ذلك إلى قياس كلي، بأن يقال‏:‏ وكل محدث فلابد له من محدث، أو كل ممكن فلابد له من مرجح، فضلا عن تقرير هاتين المقدمتين، بل علم القلب بافتقار هذا الممكن، وهذا المحدث، كعلمه بافتقار هذا الممكن، وهذا المحدث‏.‏ فليس العلم بحكم المعينات مستفادًا من العلم الكلي الشامل لها، بل قد يكون العلم بحكم المعين في العقل قبل العلم بالحكم الكلي العام‏.‏ كما أن العلم بأن العشرة ضعف الخمسة، ليس موقوفًا على العلم بأن كل عدد له نصفية، فهو ضعف نصفيه‏.‏
وعلى هذا جاء قوله‏:‏‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏35‏]‏ قال جبير ابن مطعم‏:‏ لما سمعتها أحسست بفؤادي قد تصدع‏.‏ وهو استفهام إنكار، يقول‏:‏أأوجدوا من غير مبدع‏؟‏ فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكوِّن، ويعلمون أنهم لم يكوِّنوا نفوسهم، وعلمهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة بنفسه، لا يحتاج أن يستدل عليه بأن كل كائن محدَث، أو كل ممكن لا يوجد بنفسه، ولا يوجد من غير موجِد، وإن كانت هذه القضية العامة، النوعية، صادقة، لكن العلم بتلك المعينة الخاصة، إن لم يكن سابقًا لها، فليس متأخرًا عنها، ولا دونها في الجلاء‏.‏
/وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع، وذكرت دعوة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أنه جاء بالطريق الفطرية كقولهم‏:‏‏{‏أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏10‏]‏ وقول موسى‏:‏ ‏{‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏65 ‏]‏ وقوله في القرآن‏:‏ ‏{‏اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏.‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا‏}‏‏[‏البقرة‏:‏21، 22‏]‏،بين أن نفس هذه الذوات آية لله،كما أشرنا إليه أولًا من غير حاجة إلى ذينك المقامين، ولما وبخهم بيَّن حاجتهم إلى الخالق بنفوسهم، من غير أن تحتاج إلى مقدمة كلية‏:‏ هم فيها وسائر أفرادها سواء، بل هم أوضح‏.‏ وهذا المعنى قررته مبسوطًا في غير هذا‏.‏
الوجه الثاني - في مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية -‏:‏ أن اللّه أمر بعبادته التي هي كمال النفوس، وصلاحها، وغايتها، ونهايتها، لم يقتصر على مجرد الإقرار به، كما هو غاية الطريقة الكلامية، فلا وافقوا لا في الوسائل، ولا في المقاصد، فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة، موصلة إلى عين المقصود، وتلك قياسية بعيدة، ولا توصل إلا إلى نوع المقصود، لا إلى عينه‏.‏
وأما المقاصد، فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له، فجمع بين قوتي الإنسان العلمية، والعملية‏:‏ الحسية، والحركية، الإرادية الإدراكية، والاعتمادية‏:‏ القولية، والعملية، حيث قال‏:‏ ‏{‏اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ‏}‏ فالعبادة لابد فيها من معرفته، والإنابة إليه، والتذلل له، والافتقار إليه، وهذا هو المقصود‏.‏ والطريقة الكلامية، إنما تفيد مجرد الإقرار، والاعتراف بوجوده‏.‏
/وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة كان وبالا على صاحبه، وشقاء له، كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏أشد الناس عذابًا يوم القيامة‏:‏ عالم لم ينفعه اللّه بعلمه‏)‏ كإبليس اللعين، فإنه معترف بربه، مُقِرٌّ بوجوده، لكن لما لم يعبده كان رأس الأشقياء، وكل من شقى فباتباعه له‏.‏ كما قال‏:‏‏{‏لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏‏[‏ص‏:‏58‏]‏
فلابد أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه، مع أنه معترف بالرب، مقر بوجوده، وإنما أبى واستكبر عن الطاعة، والعبادة، والقوة العلمية مع العملية بمنزلة الفاعل، والغاية؛ ولهذا قيل‏:‏العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر، والمراد بالعمل هنا‏:‏ عمل القلب الذي هو إنابته إلى اللّه، وخشيته له، حتى يكون عابدًا له‏.‏
فالرسل والكتب المنزلة أمرت بهذا وأوجبته، بل هو رأس الدعوة، ومقصودها، وأصلها، والطريقة السماعية العملية الصوتية المنحرفة توافق على المقصود العملي، لكن لا بعلم، بل بصوت مجرد أو بشعر مهيج، أو بوصف حب مجمل‏.‏ فكما أن الطريقة الكلامية فيها علم ناقص بلا عمل، فهذه الطريقة فيها عمل ناقص بلا علم، والطريقة النبوية، القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين‏.‏
ففاتحة دعوة الرسل‏:‏ الأمر بالعبادة‏.‏ قال تعالي‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏21‏]‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أمرت أن /أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا عبده ورسوله‏)‏ وذلك يتضمن الإقرار به، وعبادته وحده، فإن الإله هو المعبود، ولم يقل‏:‏حتى يشهدوا أن لا رب إلا اللّه، فإن اسم اللّه أدل على مقصود العبادة له، التي لها خلق الخلق، وبها أمروا‏.‏
وكذلك قوله لمعاذ‏:‏ ‏(‏إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه‏)‏ وقال نوح عليه السلام‏:‏ ‏{‏أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 3‏]‏ وكذلك الرسل في سورة الأعراف وغيرها‏.‏
وقال‏:‏‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏36‏]‏، وقال للرسل جميعًا‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏.‏وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏}‏‏[‏المؤمنون51، 52‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ‏.‏الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ‏}‏‏[‏سورة قريش‏]‏ وقال‏:‏‏{‏إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏91‏]‏ وقال‏:‏‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏.‏ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ‏.‏ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ‏}‏‏[‏الكافرون‏:‏1: 3‏]‏ وقال في الفاتحة‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏123‏]‏ وقال‏:‏‏{‏فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏65‏]‏ وقال‏:‏‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏5‏]‏‏.
‏/وقـال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ قدس اللّه روحه‏:‏
فصــل
في تمهيد الأوائل، وتقرير الدلائل
وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان، كما قد كتبته أولا في بيان أصل العلم الإلهي‏.‏ والذي أكتبه هنا‏:‏ بيان الفرق بين المنهاج النبوي، الإيماني، العلمي، الصلاحي، والمنهاج الصابئ الفلسفي، وما تشعب عنه من المنهاج الكلامي والعبادي، المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم‏.‏
وذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - دعوا الناس إلى عبادة اللّه أولا بالقلب واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته، وذكره‏.‏
فأصل علمهم وعملهم هو العلم باللّه،والعمل للّه، وذلك فطري كما قد قررته في غير هذا الموضع، في موضعين أو ثلاثة، وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا‏:‏ إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي،كقولنا‏:‏ إن الجسم/ لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي، فما يتصور أن تعرض عنه فطرة‏.‏ وبسط هذا له موضع غير هذا‏.‏
وإنما الغرض هنا‏:‏أن اللّه - سبحانه - لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات،فهو الأصل الجامع،فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه‏.‏ وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته‏.‏ وإذا حصل لهم ذلك، فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضر‏.‏
ثم من العلم به، تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده، تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك، قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي، والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والإيمان، وإما في السلامة عن الجهل والكفر‏.‏
وبهذا جاءت النصوص الإلهية، في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وضرب مثل المؤمن ـ وهو المقر بربه علمًا، وعملا ـ بالحي، والبصير، والسميع، والنور، والظل‏.‏
وضرب مثل الكافر بالميت،والأعمى، والأصم، والظلمة، والحرور‏.‏ وقالوا في الوسواس الخناس‏:‏ هو الذي إذا ذكر اللّه خنس، وإذا غفل عن ذكر اللّه وسوس‏.‏/ فتبين بذلك أن ذكر اللّه أصل لدفع الوسواس الذي هو مبدأ كل كفر وجهل، وفسق وظلم‏.‏ وقال اللّه تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ِ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏42‏]‏،وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏‏[‏النحل‏:‏99‏]‏، وقال‏:‏‏{‏وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏‏[‏آل عمران‏:‏101‏]‏ ونحو ذلك من النصوص‏.‏
وفي الدعاء الذي علمه الإمام أحمد لبعض أصحابه‏:‏ يا دليل الحيارى، دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين‏.‏ ولهذا كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على أن اللّه يسمى دليلا، ومنع ابن عقيل، وكثير من أصحاب الأشعري أن يسمي دليلا؛ لاعتقادهم أن الدليل هو ما يستدل به، وأن اللّه هو الدال، وهذا الذي قالوه بحسب ما غلب في عرف استعمالهم من الفرق بين الدال، والدليل‏.‏ وجوابه من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن الدليل معدول عن الدال، وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة، فكل دليل دال، وليس كل دال دليلًا، وليس هو من أسماء الآلات التي يفعل بها، فإن فعيل ليس من أبنية الآلات كمِفْعَل، ومِفْعَال‏.‏
وإنما سمي ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة باعتبار أنها تدل من يستدل بها، كما يخبر عنها بأنها تهدي، وترشد، وتعرف، وتعلم، وتقول، وتجيب، وتحكم، وتفتى، و تقص، وتشهد، وإن لم يكن لها في ذلك قصد وإرادة، ولا حس وإدراك كما هو مشهور في الكلام العربي وغيره‏.‏ فما ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له في كلام العرب‏.‏
/الثاني‏:‏ أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التي يفعل بها، فقد قال اللّه - تعالى - فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب‏:‏‏(‏فبي يسمع وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يسعى‏)‏ والمسلم يقول‏:‏ استعنت باللّه واعتصمت به‏.‏
وإذا كان ما سوى اللّه من الموجودات‏:‏ الأعيان، والصفات،يستدل بها،سواء كانت حية أو لم تكن، بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى، على أن الذي في الدعاء المأثور‏:‏ يا دليل الحياري دلني علي طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين، يقتضى أن تسميته دليلا باعتبار أنه دال لعباده، لا بمجرد أنه يستدل به، كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية، من الأعيان، والأقوال، والأفعال‏.‏
ومن أسمائه الهادي، وقد جاء - أيضا - البرهان؛ ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال‏:‏ عرفت الأشياء بربي،ولم أعرف ربي بالأشياء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏هو الدليل لي علي كل شىء، وإن كان كل شىء - لئلا يعذبني - عليه دليلا‏.‏ وقيل لابن عباس‏:‏ بماذا عرفت ربك‏؟‏ فقال‏:‏ من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، خارجًا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه‏.‏ فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف اللّه، وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام اللّه، وهو نور القرآن‏.‏
/وقال آخر للشيخ‏:‏
قالوا ائتنا ببراهين فقلت لهم ** أنى يقوم على البرهان برهان‏؟‏
وقال الشيخ العارف للمتكلم‏:‏ اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، فأجابه بأنه ضروري‏.‏
وقال الشيخ إسماعيل الكوراني للشيخ المتكلم‏:‏ أنتم تقولون‏:‏ إن اللّه يعرف بالدليل‏.‏ ونحن نقول‏:‏ إنه تعرف إلينا فعرفناه‏.‏ يعني‏:‏ أنه تعرف بنفسه، وبفضله‏.‏ مع أن كلام هذين الشيخين فيه إشارة إلى الطريقة العبادية،وقد تكلمت عليها في غير هذا الموضع‏.‏
فإذا كان الحق، الحي، القيوم، الذي هو رب كل شىء ومليكه،ومؤصل كل أصل، ومسبب كل سبب وعلة، هو الدليل والبرهان والأول والأصل، الذي يستدل به العبد، ويفزع إليه، ويرد جميع الأواخر إليه في العلم، كان ذلك سبيل الهدى وطريقه، كما أن الأعمال والحركات لما كان اللّه مصدرها، وإليه مرجعها كان المتوكل عليه في عمله، القائل أنه لا حول ولا قوة إلا باللّه مؤيدًا منصورًا‏.‏
فجماع الأمر‏:‏ أن اللّه هو الهادي وهو النصير،‏{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏31‏]‏‏.‏ وكل علم فلابد له من هداية، وكل عمل فلابد له من قوة‏.‏ فالواجب /أن يكون هو أصل كل هداية وعلم، وأصل كل نصرة وقوة، ولا يستهدي العبد إلا إياه، ولا يستنصر إلا إياه‏.‏
والعبد لما كان مخلوقًا مربوبا، مفطورًا، مصنوعا، عاد في علمه وعمله إلى خالقه، وفاطره، وربه، وصانعه، فصار ذلك ترتيبًا مطابقًا للحق، وتأليفًا موافقًا للحقيقة؛ إذ بناء الفرع على الأصل، وتقديم الأصل على الفرع هو الحق، فهذه الطريقة الصحيحة، الموافقة لفطرة اللّه وخلقته ولكتابه وسنته‏.‏
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلي صلاة الليل يقول‏:‏‏(‏اللّهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم‏)‏‏.‏
وأما الطريقة الفلسفية الكلامية، فإنهم ابتدؤوا بنفوسهم، فجعلوها هي الأصل الذي يفرعون عليه، والأساس الذي يبنون عليه، فتكلموا في إدراكهم للعلم‏:‏ أنه تارة يكون بالحس، وتارة بالعقل، وتارة بهما‏.‏
وجعلوا العلوم الحسية، والبديهية ونحوها،هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها‏.‏ ثم زعموا أنهم إنما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم، من الأمور الطبيعية والحسابية، والأخلاق، فجعلوا هذه الثلاثة هي الأصول/ التي يبنون عليها سائر العلوم، ولهذا يمثلون ذلك في أصول العلم والكلام، بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم لا يكون في مكانين، وأن الضدين ـ كالسواد والبياض ـ لا يجتمعان‏.‏
فهذان الفنان متفق عليهما‏.‏







آخر مواضيعه 0 اللغة العربية , معجم اللغة العربية , قواعد اللغة العربية
0 الدب القطبي , معلومات عن الدب القطبي , صور
0 فقر الدم , اسبابه , اعراضه
0 اعصار كاترينا
0 عندما بكى أبو بكر

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:03 AM   رقم المشاركة : 2
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما الأخلاق مثل‏:‏ استحسان العلم، والعدل، والعفة، والشجاعة، فجمهور الفلاسفة والمتكلمين، يجعلونها من الأصول، لكنها من الأصول العامة، ومنهم من لا يجعلها من الأصول، بل يجعلها من الفروع، التي تفتقر إلي دليل‏.‏ وهو قول غالب المتكلمة، المنتصرين للسنة في تأويل القدر، فكان الذي أصلوه واتفقوا عليه من المعارف، أمر قليل الفائدة، نزر الجدوى، وهو الأمور السفلية‏.‏
ثم إذا صعدوا من هذه المقدمات، والدلائل إلى الأمور العلوية فلهم طريقان‏:‏
أما المتكلمة المتبعون للنبوات، فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع العالم، والصفات التي بها تثبت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة، تلقوا منها السمعيات وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، وفروع ذلك‏.‏
وأما المتفلسفة، فهم في الغالب يتوسعون في الأمور الطبيعية ولوازمها، ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها‏.‏ ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب/ الوجود، وإلى العقول والنفوس‏.‏ ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداء من جهة أن الوجود لابد فيه من واجب‏.‏
وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل، والمقاصد‏.‏ أما المقاصد فإن حاصلها - بعد التعب الكثير، والسلامة - خير قليل، فهي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل‏.‏ ثم إنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا‏.‏
وأما الوسائل، فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات، ينقطع السالكون فيها كثيرا قبل الوصول، ومقدماتها في - الغالب - إما مشتبهة يقع النزاع فيها، وإما خفية لا يدركها إلا الأذكياء‏.‏
ولهذا لا يتفق منهم اثنان رئيسان على جميع مقدمات دليل إلا نادرًا، فكل رئيس من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين له طريقة في الاستدلال، تخالف طريقة الرئيس الآخر، بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما في طريقة الآخر، ويعتقد كل منهما أن اللّه لا يعرف إلا بطريقته، وإن كان جمهور أهل الملة، بل عامة السلف يخالفونه فيها‏.‏
مثال ذلك‏:‏ أن غالب المتكلمين يعتقدون أن اللّه لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم، ثم الاستدلال بذلك على محدثه، ثم لهم في إثبات حدوثه طرق‏:‏ فأكثرهم يستدلون بحدوث الأعراض، وهي صفات الأجسام‏.‏ ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم يعتقدون أن إثبات الصانع، والنبوة لا يمكن إلا بعد اعتقاد/ أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل، ونحو ذلك من الأصول التي يخالفهم فيها جمهور المسلمين‏.‏
وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث الأجسام بحدوث الحركات، يجعلون هذا هو الدليل على نفي ما دل عليه ظاهر السمعيات، من أن اللّه يجيء، وينزل ونحو ذلك‏.‏
والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو الدليل على أن اللّه ليس له صفة، لا علم ولا قدرة، ولا عزة، ولا رحمة، ولا غير ذلك؛ لأن ذلك - بزعمهم - أعراض تدل على حدوث الموصوف‏.‏
وأكثر المصنفين في الفلسفة - كابن سينا - يبتدئ بالمنطق، ثم الطبيعي والرياضي، أو لا يذكره‏.‏ ثم ينتقل إلى ما عنده من الإلهي‏.‏ وتجد المصنفين في الكلام يبتدؤون بمقدماته في الكلام‏:‏ في النظر والعلم، والدليل - وهو من جنس المنطق - ثم ينتقلون إلى حدوث العالم، وإثبات محدثه‏.‏
ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى‏:‏ الموجود، والمعدوم، وينظر في الوجود وأقسامه، كما قد يفعله الفيلسوف في أول العلم الإلهي‏.‏
فأما الأنبياء فأول دعوتهم‏:‏ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه‏.‏
/وقد اعترف الغزالي بأن طريق الصوفية هو الغاية؛ لأنهم يطهرون قلوبهم مما سوى اللّه، ويملؤونه بذكر اللّه، وهذا مبدأ دعوة الرسول، لكن الصوفي الذي ليس معه الأثارة النبوية مفصلة، يستفيد بها إيمانا مجملا، بخلاف صاحب الأثارة النبوية، فإن المعرفة عنده مفصلة‏.‏ فتدبر طرق العلم والعمل، ليتميز لك طريق أهل السنة والإيمان من طريق أهل البدعة والنفاق، وطريق العلم والعرفان، من طريق الجهل والنكران‏.‏
/وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس اللّه روحه‏:‏
فصــل
قد تكلم طائفة من المتكلمة، والمتفلسفة، والمتصوفة في قيام الممكنات والمحدثات، بالواجب القديم، وهذا المعنى حق، فإن اللّه رب كل شيء، ومليكه، لكن يستشهدون على ذلك بقوله‏:‏‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏88‏]‏ ويقولون‏:‏ إن معنى الآية‏:‏ أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك، أو هو عدم محض، ونفى صرف، وإنما له الوجود من جهة ربه، فهو هالك باعتبار ذاته، موجود بوجه ربه، أي من جهته هو موجود‏.‏
ثم منهم من قد يخرج منها إلى مذهب الجهمية‏:‏ الاتحادية، والحلولية، فيقول‏:‏ إن ذلك الوجه هو وجود الكائنات، ووجه اللّه هو وجوده، فيكون وجوده وجود الكائنات، لا يميز بين الوجود الواجب، والوجود الممكن - كما هو قول ابن عربي، وابن سَبْعِين ونحوهما - وهو لازم لمن جعل وجوده وجودًا مطلقًا، لا يتميز بحقيقة تخصه سواء جعله وجودًا مطلقا بشرط الإطلاق - كما يزعم ابن سينا ونحوه من المتفلسفة - أو جعله وجودًا مطلقا لا بشرط- كما يقوله الاتحادية‏.‏
/وهم يسلمون من القواعد العقلية - مما هو يعلم بضرورة العقل ما يوجب أن يكون الموجود - بشرط الإطلاق - إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان كالحيوان المطلق بشرط الإطلاق، والإنسان المطلق بشرط الإطلاق ونحو ذلك‏.‏ وأن المطلق لا بشرط، ليس له حقيقة، غير الوجود العيني، والذهني، ليس في الأعيان الموجودة وجود مطلق، سوى أعيانها، كما ليس في هذا الإنسان، وهذا الإنسان إنسان مطلق وراء هذا الإنسان، فيكون وجود الرب على الأول ذهني وعلى الثاني نفس وجود المخلوقات‏.‏
وقول الجهمية من المتقدمين، والمتأخرين، لا يخرج عن هذين القولين، وهو حقيقة التعطيل، لكن هم يثبتونه أيضا، فيجمعون بين النفي والإثبات، فيبقون في الحيرة؛ ولهذا يجعلون الحيرة منتهى المعرفة، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا مكذوبا عليه ‏(‏أعلَمكم باللّه أشدكم حيرة‏)‏ وأنه قال‏:‏ ‏(‏اللّهم زدني فيك تحيرًا‏)‏ ويجمعون بين النقيضين ملتزمين لذلك‏.‏
وهذا قول القرامطة الباطنية، والاتحادية، وهو لازم لقول الفلاسفة والمعتزلة، وإن لم يصرح هؤلاء بالتزامه؛ بخلاف الباطنية، والاتحادية من المتصوفة‏.‏ فإنهم يصرحون بالتزامه، ويذكرون ذلك عن الحلاج‏.‏
والمقصود هنا أن يقال‏:‏ أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق؛ فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان، وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
/ وأما كون المخلوق لا وجود له، إلا من الخالق ـ سبحانه ـ فهذا حق ـ ثم جميع الكائنات، هو خالقها، وربها، ومليكها، لا يكون شيء إلا بقدرته، ومشيئته وخلقه، هو خالق كل شيء سبحانه وتعالى‏.‏
لكن الكلام هنا في تفسير الآية بهذا، فإن المعاني تنقسم إلى حق وباطل‏.‏
فالباطل‏:‏ لا يجوز أن يفسر به كلام الله‏.‏
والحق‏:‏ إن كان هو الذي دل عليه القرآن فسر به، وإلا فليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة، كالمناسبة التي بين الرؤيا والتعبير، وإن كانت خارجة عن وجوه دلالة اللفظ، كما تفعله القرامطة والباطنية؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية‏.‏ فلابد أن يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بحيث قد دل على المعنى به، لا يكتفي في ذلك بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى؛ إذ الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها لا يحصي عددها إلا الله‏.‏ وهذا عند من يعتبر المناسبة بين اللفظ والمعنى كقول طائفة من أهل الكلام والبيان، وأما عند من لا يعتبر المناسبة فكل لفظ يصلح وضعه لكل معنى، لاسيما إذا علم أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه، فحمله على غير ذلك لمجرد المناسبة كذب على الله‏.‏
ثم إن كان مخالفًا لما علم من الشريعة، فهو دأب القرامطة، وإن لم يكن مخالفًا فهو حال كثير من جهال الوعاظ، والمتصوفة الذين يقولون بإشارات لا يدل اللفظ /عليها نصا ولا قياسا، وأما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دل اللفظ عليه، ويجعلون المعنى المشار إليه مفهوما من جهة القياس والاعتبار فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس، والاعتبار، وهذا حق إذا كان قياسا صحيحا لا فاسدا، واعتبارًا مستقيمًا، لا منحرفًا‏.‏
وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية فنقول‏:‏ تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عمن قاله من السلف، والمفسرين، من أن المعنى‏:‏ كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه‏.‏ هو أحسن من ذلك التفسير المحدث، بل لا يجوز تفسير الآية بذلك التفسير المحدث، وهذا يبين بوجوه، بعضها يشير إلى الرجحان، وبعضها يشير إلى البطلان‏.‏
الأول‏:‏ أنه لم يقل‏:‏ كل شيء هالك إلا من جهته، إلا من وجهه، ولكن قال‏:‏ إلا وجهه‏.‏ وهذا يقتضي أن ثم أشياء تهلك إلا وجهه‏.‏ فإن أريد بوجهه وجوده، اقتضى أن كل ما سوي وجوده هالك، فيقتضي أن تكون المخلوقات هالكة‏.‏ وليس الأمر كذلك‏.‏ وهو أيضا على قول الاتحادية‏.‏ فإنه عندهم ما ثم إلا وجود واحد، فلا يصح أن قال‏:‏ كل ما سوي وجوده هالك؛ إذ ما ثم شيء يخبر عنه بأنه سوى وجوده، إذ أصل مذهبهم نفي السوى، والغير في نفس الأمر‏.‏
وهذا يتم بالوجه الثاني‏:‏ وهو أنه إذا قيل‏:‏ المراد بالهالك‏:‏ الممكن الذي لا وجود له من جهته، فيكون المعنى‏:‏ كل شيء ليس وجوده من نفسه إلا هو‏.‏
قيل‏:‏ استعمال لفظ الهالك في الشيء الموجود المخلوق لأجل أن وجوده من ربه لا من نفسه، لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا‏.‏
/والقرآن قد فرق في اسم الهلاك بين شيء وشيء‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏195‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏26‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏24‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ‏}‏‏[‏مريم‏:‏74‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 58‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏48، 49‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏17‏]‏ وقالت الملائكة‏:‏‏{‏إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏31‏]‏ وقال‏:‏ ‏{أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏16، 17‏]‏‏.‏
فهذه الآيات تقتضي أن الهلاك استحالة، وفساد في الشيء الموجود، كما سنبينه، لا أنه يعني أنه ليس وجوده من نفسه؛ إذ جميع المخلوقات تشترك في هذا‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن يقال‏:‏ على هذا التقدير‏:‏ يكون المعنى‏:‏ أن كل ما سواه ممكن قابل للعدم، ليس وجوده من نفسه، وهذا المعنى ليس هو الذي يقصدونه، وإنما مقصودهم أن كل ما سواه فوجوده منه، وبين المعنيين فرق واضح، فإن الخبر عن الشيء بأنه ممكن قابل العدم، ليس وجوده من نفسه غير الخبر عنه، بأنه موجود وإن وجوده من الله‏.‏
/الوجه الرابع‏:‏ أن يقال‏:‏ إذا كان المراد أن كل ما سواه ممكن، والضمير عائد إلى واجب الوجود ـ إلى الله الذي خلق الكائنات ـ كان هذا من باب إيضاح الواضح، فإنه من المعلوم أن كل ما سوى واجب الوجود فهو ممكن، وأن كل ما هو مخلوق له فهو ممكن‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أن يقال‏:‏ اسم الوجه في الكتاب والسنة، إنما يذكر في سياق العبادة له والعمل له، والتوجه إليه، فهو مذكور في تقرير ألوهيته، وعبادته وطاعته، لا في تقرير وحدانية كونه خالقًا وربًا، وذلك المعنى هو العلة الغائية، وهذا هو العلة الفاعلىة، والعلة الغائية، هي المقصودة التي هي أعلى وأشرف بل هي علة فاعلىة للعلة الفاعلىة، ولهذا قدمت في مثل قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ وفي مثل قوله‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏123‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى
وَلَسَوْفَ يَرضي‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 19‏:‏ 21‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏8، 9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏ 52‏]‏‏.‏
وإذا كان كذلك، كان حمل اسم الوجه في هذه الآية على ما يدل عليه في سائر الآيات أولى من حمله على ما يدل عليه لفظ الوجه في شيء من الكتاب والسنة، بل هذا هو الواجب دون ذاك؛ لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب، والكتاب قد ورد بغيره حيث ذكر‏.‏
الوجه السادس‏:‏ أن اسم الهلاك يراد به الفساد، وخروجه عما يقصد به/ويراد، وهذا مناسب لما لا يكون لله، فإنه فاسد لا ينتفع به في الحقيقة، بل هو خارج عما يجب قصده وإرادته‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏26‏]‏ أخبر أنهم يهلكون أنفسهم بنهيهم عن الرسول، وننأيهم عنه، معلوم أن من نأى عن اتباع الرسول، ونهي غيره عنه ـ وهو الكافر ـ فإن هلاكه بكفره هو حصول العذاب المكروه له، دون النعيم المقصود‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏167‏]‏‏.‏ وقال‏:‏
/ وقال ـ قدس الله روحه‏:‏
فصـل‏:‏
ثم يقال‏:‏ هذا ـ أيضًا ـ يقتضي أن كلا منهما ليس واجبًا بنفسه غنيًا قيومًا، بل مفتقرًا إلى غيره في ذاته وصفاته، كما كان مفتقرًا إليه في مفعولاته؛ وذلك أنه إذا كان كل منهما مفتقرًا إلى الآخر في مفعولاته، عاجزًا عن الانفراد بها؛ إذ الاشتراك مستلزم لذلك، كما تقدم، فإما أن يكون قابلًا للقدرة على الاستقلال بحيث يمكن ذلك فيه، أولا يمكن‏.‏
والثاني‏:‏ ممتنع؛ لأنه لو امتنع أن يكون الشيء مقدورًا ممكنًا لواحد، لامتنع أن يكون مقدورًا ممكنا لاثنين، فإنَّ حال الشيء في كونه مقدورًا ممكنًا، لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده‏.‏ فإذا امتنع أن يكون مفعولا مقدورًا لواحد، امتنع أن يكون مفعولا مقدورًا لاثنين‏.‏ وإذا جاز أن يكون مفعولًا مقدورًا عليه لاثنين وهو ممكن، جاز أن يكون ـ أيضا ـ لواحد، وهذا بيِّن إذا كان الإمكان والامتناع لمعنى في الممكن ـ المفعول المقدور عليه ـ إذ صفات ذاته، لا تختلف في الحال‏.‏
وكذلك إذا كان لمعنى في القادر، فإن القدرة القائمة باثنين، لا تمتنع/ أن تقوم بواحد، بل إمكان ذلك معلوم ببديهة العقل، بل من المعلوم ببديهة العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها، كلما كان محلها متحدًا مجتمعًا، كان أكمل لها من أن يكون متعددًا متفرقا‏.‏
ولهذا كان الاجتماع والاشتراك في الخلق، بأن يوجب لها من القوة والقدرة مالا يحصل لها إذا تفرقت وانفردت، وإن كانت إحداها باقية، بل الأشخاص والأعضاء وغيرها من الأجسام المتفرقة قد قام بكل منها قدرة، فإذا قدر اتحادها واجتماعها، كانت تلك القدرة أقوى وأكمل؛ لأنه حصل لها من الاتحاد والاجتماع بحسب الإمكان ما لم يكن حين الافتراق والتعداد‏.‏
وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين ـ إذا قدر أن ذينك الاثنين كانا شيئًا واحدًا ـ تكون القدرة أكمل، فكيف لا تكون مساوية للقدرة القائمة بمحلين‏؟‏ وإذا كان من المعلوم أن المحلَّين المتباينين اللذين قام بهما قدرتان، إذا قدر أنهما محل واحد، وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة بذلك بل تزيد، علم أن المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين ـ إذا قدر أنهما بعينهما ـ قادر واحد قد قام به ما قام بهما، لم ينقص بذلك بل يزيد، فعلم أنه يمكن أن يكون كل منهما قابلا للقدرة على الاستقلال، وأن ذلك ممكن فيه‏.‏
فتبين أنه من الممكن في المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما قادرًا عليه، بل من الممكن أن يكونا شيئًا واحدًا قادرًا عليه، فتبين أن كلا منهما يمكن أن يكون أكمل مما هو عليه، وأن يكون بصفة أخرى‏.‏
/إذا كان يمكن في كل منهما أن تتغير ذاته، وصفاته‏.‏
ومعلوم أنه هو لا يمكن أن يكمل نفسه وحده، ويغيرها إذ التقدير‏:‏ أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل عنه، فأن يكون عاجزًا عن تكميل نفسه وتغييرها أولى‏.‏
وإذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل، وهو لا يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه، بل يكون فيه إمكان وافتقار إلى غيره، والتقدير‏:‏ أنه واجب الوجود بنفسه غير واجب الوجود بنفسه فيكون واجبا ممكنا‏.‏
وهذا تناقض؛ إذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية في حقيقة ذاته وصفاته، لا يكون في شيء من ذاته وصفاته مفتقرًا إلى غيره؛ إذ ذلك كله داخل في مسمى ذاته، بل ويجب ألا يكون مفتقرًا إلى غيره في شيء من أفعاله ومفعولاته‏.‏
فإن أفعاله القائمة به داخلة في مسمى نفسه، وافتقاره إلى غيره في بعض المفعولات يوجب افتقاره في فعله، وصفته القائمة به؛ إذ مفعوله صدر عن ذلك، فلو كانت ذاته كاملة غنية لم تفتقر إلى غيره في فعلها، فافتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه دليل عدم غناه، وعلى حاجـته إلى الغير، وذلك هو الإمكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه‏.‏
ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين، والغني عن الغير من خصائص رب العالمين كان الاستقلال بالفعل من خصائص/ رب العالمين، وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين، فليس في المخلوقات ما هو مستقل بشيء من المفعولات، وليس فيها ما هو وحده علة قائمة، وليس فيها ما هو مستغنيًا عن الشريك في شيء من المفعولات، بل لا يكون في العالم شيء موجود عن بعض الأسباب، إلا بمشاركة سبب آخر له‏.‏
فيكون ـ وإن سمى علة ـ علة مقتضية سببية، لا علة تامة، ويكون كل منهما شرطا للآخر، كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه من الفعل، فكل ما في المخلوق ـ مما يسمى علة أو سببا، أو قادرًا، أو فاعلا، أو مدبرًا ـ فله شريك هو له كالشرط وله معارض هو له مانع وضد، وقد قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 49‏]‏ والزوج يراد به النظير المماثل، والضد المخالف، وهو الند‏.‏
فما من مخلوق إلا له شريك، وند‏.‏
والرب ـ سبحانه ـ وحده هو الذي لا شريك له، ولا ند، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‏.‏
ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا، ولا ربا مطلقًا، ونحو ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الاستقلال، والانفراد بالمفعول المصنوع، وليس ذلك إلا لله وحده؛ ولهذا ـ وإن نازع بعض الناس في كون العلة تكون ذات أوصاف، وادعى أن العلة لا تكون إلا ذات وصف واحد ـ فإن أكثر الناس خالفوا في ذلك، وقالوا‏:‏ يجوز أن تكون ذات أوصاف، بل قيل‏:‏ لا تكون في المخلوق/ علة ذات وصف واحد أو ليس في المخلوق ما يكون وحده علة، ولا يكون في المخلوق علة، إلا ما كان مركبًا من أمرين فصاعدًا‏.‏
فليس في المخلوق واحد يصدر عنه شيء، فضلا عن أن يقال‏:‏ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، بل لا يصدر من المخلوق شيء إلا عن اثنين فصاعدًا، وأما الواحد الذي يفعل وحده فليس إلا الله‏.‏
فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له، والوحدانية مستلزمة للكمال، والكمال مستلزم لها، والاشتراك مستلزم للنقصان، والنقصان مستلزم له‏.‏
وكذلك الوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير، والقيام بنفسه، ووجوبه بنفسه، وهذه الأمور ـ من الغنى، والوجوب بالنفس والقيام بالنفس ـ مستلزمة للوحدانية، والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير، والإمكان بالنفس، وعدم القيام بالنفس‏.‏
وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام بالنفس مستلزم للاشتراك، وهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها، وهي من دلائل إمكان المخلوقات المشهودات، وفقرها وأنها من بدئه، فهى من أدلة إثبات الصانع؛ لأن ما فيها من الافتراق والتعداد، والاشتراك يوجب افتقارها وإمكانها، والممكن المفتقر لابد له من واجب غني بنفسه، وإلا لم يوجد‏.‏
ولو فرض تسلسل الممكنات المفتقرات فهي بمجموعها ممكنة، والممكن قد علم /بالاضطرار أنه يفتقر في وجوده إلى غيره، فكل ما يعلم أنه ممكن فقير، فإنه يعلم أنه فقير أيضا في وجوده إلى غيره، فلابد من غني بنفسه واجب الوجود بنفسه، وإلا لم يوجد ما هو فقير ممكن بحال‏.‏
وهذه المعاني تدل على توحيد الربوبية، وعلى توحيد الإلهية، وهو التوحيد الواجب الكامل، الذي جاء به القرآن، لوجوه‏:‏
قد ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا الموضع، مثل أن المتحركات لابد لها من حركة إرادية، ولابد للإرادة من مراد لنفسه، وذلك هو الإله، والمخلوق يمتنع أن يكون مرادًا لنفسه، كما يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه، فإذا امتنع أن يكون فاعلان بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسهما‏.‏
وأيضًا، فالإله الذي هو المراد لنفسه ـ إن لم يكن ربا ـ امتنع أن يكون معبودًا لنفسه، ومن لا يكون ربا خالقا لا يكون مدعوا مطلوبا منه، مرادًا لغيره، فلأن لا يكون معبودًا مرادًا لنفسه من باب الأولى فإثبات الإلهية يوجب إثبات الربوبية، ونفي الربوبية يوجب نفي الإلهية؛ إذ الإلهية هي الغاية، وهي مستلزمة للبداية كاستلزام العلة الغائية للفاعلىة‏.‏
وكل واحد من وحدانية الربوبية والإلهية ـ وإن كان معلوما بالفطرة الضرورية البديهية، وبالشرعية النبوية الإلهية ـ فهو ـ أيضا ـ معلوم بالأمثال الضرورية، التي هي المقاييس العقلية‏.‏
لكن المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية، / وهذا مما لم ينازع في أصله أحد من بني آدم، وإنما نازعوا في بعض تفاصيله، كنزاع المجوس والثنوية والطبيعية والقدرية، وأمثالهم من ضلال المتفلسفة، والمعتزلة، ومن يدخل فيهم، وأما توحيد الإلهية فهو الشرك العام الغالب، الذي دخل من أقرَّ أنه لا خالق إلا الله، ولا رب غيره من أصناف المشركين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏106‏]‏، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع‏.‏
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ رحمه الله‏:‏
فصل‏:‏
قاعدة قد كتبت ما يتعلق بها في الكراس الذي قبل هذا‏.‏
أصل الإثبات والنفي، والحب والبغض‏:‏ هو شعور النفس بالوجود والعدم والملاءمة والمنافرة‏.‏ فإذا شعرت بثبوت ذات شيء، أو صفاته، اعتقدت ثبوته، وصدقت بذلك‏.‏ ثم إن كانت صفات كمال اعتقدت إجلاله وإكرامه صدَّقت ومدحته، وأثنت عليه‏.‏
وإذا شعرت بانتفائه، أو انتفاء صفات الكمال عنه، اعتقدت انتفاء ذلك‏.‏
وإن لم تشعر لا بثبوت، ولا انتفاء، لم تعتقد واحدًا منهما، ولم تصدق ولم تكذب، وربما اعتقدت الانتفاء إذا لم تشعر بالثبوت، وإن لم تشعر أيضا بالعدم‏.‏
وبين الشعور بالعدم، وعدم الشعور بالوجود فرقان بين، وهي منزلة الجهل الذي يؤتي منها أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه، والذي من جهل شيئا عاداه‏.‏
/ ثم إذا اعتقدت الانتفاء كذبت بالثبوت، وذمته، وطعنت فيه، هذا إذا كان ما استشعرت وجوده أو عدمه محمودًا، وأما إن كان مذمومًا، كان الأمر بالعكس، وكذلك إذا شعرت بما يلائمها أحبته وأرادته، وإن شعرت بما ينافيها أبغضته وكرهته، وإن لم تشعر بواحد منهما، أو شعرت بما ليس بملائم ولا مناف، فلا محبة ولا بغضة، وربما أبغضت ما لم يكن منافيًا إذ لم يكن ملائما‏.‏
وبين الشعور بالمنافي، وعدم الشعور بالملائم، فرق بين، لكن هذا محمود فإن ما لم يلائم الإنسان، فلا فائدة له فيه ولا منفعة، فيكون الميل إليه من باب العبث، والمضرة‏.‏
فينبغي الإعراض عنه؛ لأنه لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه فالميل إليه مضرة، ثم يتبع الحب للشخص، أو العمل الصلاة عليه، والثناء عليه‏.‏ كما يتبع البغض اللعنة له، والطعن عليه، وما لم يكن محبوبا، ولا مبغضًا، لا يتبعه ثناء ولا دعاء، ولا طعن ولا لعن‏.‏
ولما كان ـ في نفس الأمر ـ وجود محبوب مألوه، كان أصل السعادة الإيمان بذلك، وأصل الإيمان قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع، إذ لا ملاءمة لأرواح العباد، أتم من ملاءمة إلهها الذي هو الله الذي لا إله إلا هو‏.‏
ولما كان الإيمان جامعًا لهذين المعنيين، وكان تعبير من عبر عنه بمجرد/ التصديق ناقصا، قاصرًا، انقسم الأمة إلى ثلاث فرق‏:‏
فالجامعون، حققوا كلا معنييه، من القول التصديقي، والعمل الإرادي‏.‏ وفريقان فقدوا أحد المعنيين‏:‏
فالكلاميون، غالب نظرهم وقولهم في الثبوت، والانتفاء والوجود والعدم والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر‏.‏
والصوفيون، غالب طلبهم وعملهم في المحبة، والبغضة، والإرادة، والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة‏.‏
وأما أهل العلم والإيمان، فجامعون بين الأمرين، بين التصديق العلمي، والعمل الحبي‏.‏ ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا من أفتى منحرفة المتكلمة والمتصوفة، وحصلوا ما فات كل واحدة منهما من النقص، فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان‏:‏
إحداهما‏:‏ القول بلا علم ـ إن كان متكلما ـ والعمل بلا علم ـ إن كان متصوفا ـ وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية، المخالفة للكتاب والسنة‏.‏
والثاني‏:‏ فوَّت المتكلم العمل، وفوَّتَ المتصوف القول والكلام‏.‏
وأهل السنة الباطنة والظاهرة كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر‏.‏ وهؤلاء هم المسلمون حقًا، / الباقون على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏.‏
فإن منحرفة أهل الكلام فيهم شبه اليهود، ومنحرفة أهل التصوف فيهم شبه النصارى؛ ولهذا غلب على الأولىن جانب الحروف وما يدل عليه من العلم والاعتقاد، وعلى الأخرىن جانب الأصوات، وما يثيره من الوجد والحركة‏.‏
ومن تمام ذلك أن الله أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن‏.‏
وهذه الطرق الثلاثة هي النافعة في العلم والعمل، وتشبه ما يذكره أهل المنطق من البرهان والخطابة والجدل‏.‏ بقي الشعر والسفسطة ـ التي هي الكذب المموه ـ فنفي الله ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏إلى آخر السورة ‏[‏الشعراء‏:‏221‏:‏ 224‏]‏، فذكر الأفاكين، وهم المسفسطون، وذكر الشعراء‏.‏
وكذلك أبو بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب لما قال له‏:‏ يا خليفة رسول الله، تألَّف الناس، فأخذ بلحيته وقال‏:‏ يابن الخطاب، أجبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، علام أتألفهم‏؟‏ أعلى حديث مفترى، أم على شعر مفتعل‏؟‏ فذكرالحديث المفترى، والشعر المفتعل، كما ذكر الله الأفاكين والشعراء، وكان الإفك في القوة الخبرية‏.‏ والشعر في القوة العملية الطلبية، فتلك ضلال وهذه غواية‏.‏
/ ولهذا يقترن أحدهما بالآخر كثيرًا في مثل المليين من الرهبان، وفاسدي الفقراء وغيرهم، ثم لما كان الشعر مستفادًا من الشعور ـ فهو يفيد إشعار النفس بما يحركها، وإن لم يكن صدقًا، بل يورث محبة، أو نفرة أو رغبة أو رهبة، لما فيه من التخييل، وهذا خاصة الشعر ـ فلذلك وصفهم بأنهم يتبعهم الغوون‏.‏
والغيُّ‏:‏ اتباع الشهوات؛ لأنه يحرك الناس حركة الشهوة، والنفرة والفرح، والحزن بلا علم، وهذا هو الغي، بخلاف الإفك، فإن فيه إضلالا في العلم بحيث يوجب اعتقاد الشيء، على خلاف ما هو به‏.‏ وإذا كانت النفس تتحرك تارة عن تصديق وإيمان، وتارة عن شعر‏.‏ والثاني مذموم إلا ما استثنى منه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏69‏]‏، فالذكر خلاف الشعر، فإنه حق وعلم، يذكره القلب، وذاك شعر يحرك النفس فقط‏.‏
ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة، الاعتياض بسماع القصائد والأشعار، عن سماع القرآن والذكر؛ فإنه يعطيهم مجرد حركة حب أو غيره، من غير أن يكون ذلك تابعًا لعلم وتصديق؛ ولهذا يؤثره من يؤثره على سماع القرآن، ويعتل بأن القرآن حق نزل من حق، والنفوس تحب الباطل؛ وذلك لأن القول الصدق والحق يعطي علمًا واعتقادًا بجملة القلب، والنفوس المبطلة لا تحب الحق‏.‏
ولهذا أثره باطل، يتفشى من النفس، فإنه فرع لا أصل له، ولكن له تأثير في النفس من جهة التحريك، والإزعاج والتأثير، لا من جهة التصديق والعلم/ والمعرفة؛ ولهذا يسمون القول حاديًا؛ لأنه يحدو النفوس، أي يبعثها، ويسوقها كما يحدو حادي العيس‏.‏
وأما الحكمة والموعظة الحسنة، والجدل الأحسن، فإنه يعطي التصديق والعمل، فهو نافع منفعة عظيمة‏.‏
وإنما قلت‏:‏ إن هذه الثلاثة تشبه من بعض الوجوه الأقيسة الثلاثة، التي هي‏:‏ البرهانية، والخطابية، والجدلية، وليست هي، بل أكمل من وجوه كثيرة لوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن التي في القرآن تجمع نوعي العلم، والعمل، والخبر والطلب على أكمل الوجوه، بخلاف الأقيسة المنطقية‏.‏
وذلك أن القياس العقلي المنطقي إنما فائدته مجرد التصديق في القضايا الخبرية، سواء تبع ذلك عمل أو لم يتبعه، فإن كانت مواد القياس يقينية كان برهانًا، سواء كانت مشهورة، أو مسلمة، أو لم تكن، وهو يفيد اليقين، وإن كانت مشهورة، أو مقبولة سمي خطابة، سواء كانت يقينية أو لم تكن، وذلك يفيد الاعتقاد والتصديق الذي هو بين اليقين والظن، ليس أنه يفيد الظن دون اليقين، إذ ليس في كونها مشهورة ما يمنع أن تكون يقينية مفيدة لليقين‏.‏
وفرق بين مالا يجب أن يفيد اليقين، وما يمنع إفادة اليقين‏.‏ فالمشهورة ـ من حيث هي مشهورة ـ تفيد التصديق، والإقناع، والاعتقاد‏.‏ ثم إن عرف أنها / يقينية أفادت اليقين أيضا، وإن عرف أنها غير يقينية لم تفد إلا الظن، وإن لم تشعر النفس بواحد منهما بقي اعتقادًا مجردًا، لا يثبت له اليقين، ولا ينفي عنه‏.‏
وأما الحكمة في القرآن، فهي معرفة الحق وقوله والعمل به، كما كتبت تفسيرها في غير هذا الموضع‏.‏
والموعظة الحسنة تجمع التصديق بالخبر والطاعة للأمر؛ ولهذا يجيء الوعظ في القرآن مرادًا به الأمر والنهي بترغيب وترهيب، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏66‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏17‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً َ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏66‏]‏، أي‏:‏ يتعظون بها فينتبهون، وينزجرون‏.‏
وكذلك الجدل الأحسن، يجمع الجدل للتصديق، وللطاعة‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر ـ بأن يقال‏:‏ الناس ثلاثة أقسام‏:‏ إما أن يعترف بالحق ويتبعه، فهذا صاحب الحكمة، وإما أن يعترف به، لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى يعمل، وإما ألا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال في مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن‏:‏ حصلت منفعته بغاية الإمكان، كدفع الصائل‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن كلام الله لا يشتمل إلا على حق يقين، لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان، بكون المقدمة مشهورة، أو مسلمة غير / يقينية، بل إذا ضرب الله مثلا مشتملا على مقدمة مشهورة، أو مسلمة، فلابد وأن تكون يقينية‏.‏ فأما الاكتفاء بمجرد تسليم المنازع من غير أن تكون المقدمة صادقة، أو بمجرد كونها مشهورة، وإن لم تكن صادقة، فمثل هذه المقدمة لا يشتمل عليها كلام الله، الذي كله حق وصدق، وهو أصدق الكلام، وأحسن الحديث‏.‏
فصاحب الحكمة يدعى بالمقدمات الصادقة، سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن؛ لما فيه من أدرك الدق، واتباع الحق‏.‏
وصاحب الموعظة يدعي من المقدمات الصادقة بالمشهورة؛ لأنه قد لا يفهم الخفية من الحق، ولا ينازع في المشهورة‏.‏
وصاحب الجدل يدعى بما يسلمه من المقدمات الصادقة، مشهورة كانت أو لم تكن؛ إذ قد لا ينقاد إلى ما لا يسلمه، سواء كان جليًا أو خفيًا، وينقاد لما يسلمه، سواء كان جليًا أو خفيًا، فهذا هذا‏.‏
وليس الأمر كما يتوهمه الجهال الضلال من الكفار المتفلسفة، وبعض المتكلمة، من كون القرآن جاء بالطريقة الخطابية، وعري عن البرهانية، أو اشتمل على قليل منها بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة البرهانية، وتكون تارة خطابية، وتارة جدلية مع كونها برهانية‏.‏
والأقيسة العقلية ـ التي اشتمل عليها القرآن ـ هي الغاية في دعوة الخلق إلى الله، كما قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏89‏]‏، في أول سبحان وآخرها، وسورة الكهف، والمثل هو القياس؛ ولهذا اشتمل القرآن / على خلاصة الطرق الصحيحة، التي توجد في كلام جميع العقلاء من المتكلمة، والمتفلسفة، وغيرهم‏.‏ ونزه الله عما يوجد في كلامهم من الطرق الفاسدة، ويوجد فيه من الطرق الصحيحة ما لا يوجد في كلام البشر بحال‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ أن هنا نكتة ينبغي التفطن لها، فإنها نافعة، وذلك أن المقدمة المذكورة في القياس الذي هو مثل لها وصف ذاتي، ووصف إضافي‏:‏
فالوصف الذاتي لها‏:‏ أن تكون مطابقة، فتكون صدقا، أو لا تكون مطابقة فتكون كذبا، وجميع المقدمات المذكورة في أمثال القرآن هي صدق، والحمد لله رب العالمين‏.‏
وأما الوصف الإضافي‏:‏ فكونها معلومة عند زيد، أو مظنونة، أو مسلمة أو غير مسلمة، فهذا أمر لا ينضبط‏.‏ فرب مقدمة هي يقينية عند شخص قد علمها وهي مجهولة، فضلا عن أن تكون مظنونة عند من لم يعلمها، فكون المقدمة يقينية، أو غير يقينية، أو مشهورة، أو غير مشهورة، أو مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية وإضافية لها، تعرض بحسب شعور الإنسان بها‏.‏
ولهذا تنقلب المظنونة، بل المجهولة في حقه يقينية معلومة، والممنوعة مسلمة، بل والمسلمة ممنوعة‏.‏ والقرآن كلام الله الذي أنذر به جميع الخلق، لم يخاطب به واحدًا بعينه حتى يخاطب بما هو عنده يقيني من المقدمات، أو مشهور، أو مسلم‏.‏
فمقدمات الأمثال فيه اعتبر فيها الصفة الذاتية وهي كونها صدقا، وحقا/يجب قبوله، وأما جهة التصديق فتتعدد وتتنوع؛ إذ قد يكون لهذا من طرق التصديق بتلك المقدمة ما ليس لعمرو، مثل أن يكون هذا يعلمها بالإحساس والروية، وهذا يعلمها بالسماع والتواتر كآيات الرسول وقصة أهل الفيل، وغير ذلك‏.‏
فما كان جهة تصديقه عاما للناس، أمكن ذكره جهة التصديق به، كآيات الربوبية المعلومة بالإحساس دائمًا، وما كان جهة تصديقه متنوعًا، أحيل كل قوم على الطريق التي يصدقون بها‏.‏
وقد يقال في مثل هذا‏:‏ ‏{‏ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏125‏]‏، فإن مخاطبة المعين قد يعلم بها ما هو عنده يقيني أو مشهور من اليقين، أو مسلم منه‏.‏
وبهذا يتبين لك أن تقسيم المنطقيين لمقدمات القياس إلى المستيقن والمشهور والمسلم، ليس ذلك وصفا لازما للقضية، بل هو بحسب ما اتفق للمصدق بها، وربما انقلب الأمر عنده، ويظهر لك من هذا أن ما يشهدون عليه أنه ليس بيقيني، أو ليس مشهورًا، وليس بمسلم، ليست الشهادة صحيحة؛ إذ سلب ذلك إنما يصح في حق قوم معينين، لا في حق جميع البشر‏.‏
وكذلك الشهادة عليه بأنه يقيني، أو مشهور، أو مسلم، إنما هو في حق من ثبت له هذا الوصف‏.‏
وأيضا، القياس حق ثابت لا يتبدل، وما يقوله هؤلاء يتغير ويتبدل / ولا يستمر، اللهم إلا في الأمور التي قضت سنة الله باشتراك الناس فيها، من الحسابيات، والطبيعيات‏.‏
وهذان الفنان ليسا مقصود الدعوة النبوية، ولا معرفتهما شرطًا في السعادة، ولا محصلًا لها، وإنما المقصود الفن الإلهي‏.‏ ومقدمات القياس فيه هي من القسم الأول، الذي تختلف فيه أحكام المقدمات، بالنسب، والإضافة‏.‏ فتدبر هذا فإنه خالص نافع عظيم القدر‏.‏
يوضح هذا الفصل أن القرآن ـ وإن كان كلام الله ـ فإن الله أضافه إلى الرسول، المبلغ له من الملك، والبشر، فأضافه إلى الملك في قوله‏:‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 12‏:‏ 21‏]‏، فهذا جبرائيل‏.‏ فإن هذه صفاته، لا صفات محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم قال‏:‏‏{‏وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏22‏]‏، أضافه إلينا، امتنانا علىنا بأنه صاحبنا، كما قال‏:‏ ‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏1، 2‏]‏‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 23، 24‏]‏ فهو محمد، أي‏:‏ بمتهم، وعلى القراءة الأخرى‏:‏ ببخيل‏.‏ وزعم بعض المتفلسفة أنه جبرائيل أيضا، وهو العقل الفاعل الفائض، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، فإن صفات جبرائيل تقدمت، وإنما هذا وصف محمد، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏25‏]‏ لما أثبت أنه قول/ الملك، نفي أن يكون قول الشيطان‏.‏ كما قال في الشعراء‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 221‏:‏ 223‏]‏‏.‏
وأضافه إلى الرسول البشري في قوله‏:‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 38‏:‏ 43‏]‏ فنفي عنه أن يكون قول شاعر، أو كاهن، وهما من البشر‏.‏ كما ذكر في آخرالشعراء‏:‏ أن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم؛ كالكهنة، الذين يلقون إليهم السمع، وأن الشعراء يتبعهم الغاوون‏.‏
فهذان الصنفان اللذان قد يشتبهان بالرسول من البشر، لما نفاهما علم أن الرسول الكريم هو المصطفي من البشر، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس، كما أنه في سورة التكوير لما كان الشيطان قد يشبه بالملك ـ فنفي أن يكون قول شيطان رجيم ـ علم أن الرسول المذكور هو المصطفي من الملائكة‏.‏
وفي إضافته إلى هذا الرسول تارة، وإلى هذا تارة، دليل على أنه إضافة بلاغ وأداء، لا إضافة إحداث لشيء منه أو إنشاء، كما يقوله بعض المبتدعة الأشعرية، من أن حروفه ابتداء جبرائيل، أو محمد، مضاهاة منهم في نصف قولهم لمن قال‏:‏ إنه قول البشر، من مشركي العرب، ممن يزعم أنه أنشأه / بفضله، وقوة نفسه، ومن المتفلسفة الذين يزعمون أن المعاني والحروف تأليفه، لكنها فاضت عليه، كما يفيض العلم على غيره من العلماء‏.‏
فالكاهن مستمد من الشياطين ‏{‏وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏224‏]‏ وكلاهما في لفظه وزن‏.‏ هذا سجع وهذا نظم، وكلاهما له معان من وحي الشياطين‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏همزه الموتة، ونفثه الشعر، ونفخه الكبر‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏25‏]‏‏:‏ ينفي الأمرين، كما أنه في السورة الأخرى قال‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ‏. ‏وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 41، 42‏]‏ وكذلك قال في الشعراء‏:‏ ‏{‏وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏210‏]‏ مطلقا‏.‏
ثم ذكر علامة من تنزل عليه الشياطين‏:‏ بأنه أفاك أثيم، وأن الشعراء يتبعهم الغاوون‏.‏ فظاهر القرآن ليس فيه أن الشعراء تتنزل عليهم الشياطين، إلا إذا كان أحدهم كذابا أثيما، فالكذاب‏:‏ في قوله، وخبره‏.‏ والأثيم‏:‏ في فعله وأمره‏.‏
وذاك ـ والله أعلم ـ لأن الشعر يكون من الشيطان تارة، ويكون من النفس أخرى‏.‏ كما أنه إذا كان حقًا يكون من روح القدس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما دعا لحسان بن ثابت‏:‏ ‏(‏اللهم أيده بروح القدس‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏اهجهم ـ أو هاجهم ـ وجبرائيل معك‏)‏ فلما نفي قِسمَ الشيطانِ نفي قسم النفس، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏224‏]‏ والغي اتباع الشهوات، التي هي هوى النفوس‏.‏
/ولهذا قال أبو حيان ما كان من نفسك فأحبته نفسك لنفسك، فهو من نفسك فانهها
عنه، وما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك، فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه، فهذا والله أعلم ـ لأن الكلام نوعان‏:‏ خبر، وإنشاء‏.‏
والكاهن يخبر بالغيوب، مخلطًا فيه الصدق بالكذب، لا يأتون بالحق محضًا، وإذا ألقى الشيطان في أمنية أحدهم شيئا في القلب، لم ينسخ منه بل أكثرهم كاذبون‏.‏ كما قال تعالى، وكما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكهان لما قال‏:‏ ‏(‏إنهم يزيدون في الكلمة مائة كذبة‏)‏ بخلاف الرسول، والنبي، والمحدَّثِ، كما في قراءة ابن عباس وغيره‏:‏ ‏(‏فإن الله ينسخ ما يلقى الشيطان‏)‏‏.‏
والقراءة العامة ليس فيها المحدَّث؛ إذ يجوز أن يقر على بعض الخطأ، ويدخل الشيطان في أمنيته بعض ما يلقيه فلا ينسخ، بخلاف الرسول والنبي، فإنه لابد من نسخ ما يلقي الشيطان، وأن يحكم الله آياته؛ لأنه حق، والمحدَّث مأمور بأن يعرض ما يحدَّثه على ما جاء به الرسول‏.‏
ولهذا ألقى الشيطان لعمر وهو محدَّث، في قصة الحديبية، وقصة موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة اختلافه وحكيم بن حزام في سورة الفرقان، فأزاله عنه نور النبوة‏.‏
/ وأما الشاعر فشأنه التحريك للنفوس، فهو من باب الأمر الخاص المرغب؛ فلهذا قيل فيهم‏:‏ ‏{‏يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 224‏]‏، فضررهم في الأعمال لا في الاعتقادات، وأولئك ضررهم في الاعتقادات ويتبعها الأعمال؛ ولهذا قال‏:‏‏{‏أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 7‏]‏
ومعنى الكهانة والشعر‏:‏ موجود في كثير من المتفلسفة، والمتصوفة، والمتكلمة، والمتفقهة، والعامة، والمتفقرة، الخارجين عن الشريعة الذين يتكلمون بالغيوب عن كهانة، ويحركون النفوس بالشعر ونحوه وهم من أتباع المتنبئين الكذابين لهم مادة من الشياطين‏.‏ كما قد رأيناه كثيرًا في أنواع من هذه الطوائف وغيرها، لمن نور الله صدره، وقف في قلبه من نوره‏.







آخر مواضيعه 0 وسائل الحوار في المنتديات لكل مسلم
0 سوء الخاتمة
0 رمضان فضائل واحكام
0 الى كل المشاركين في المنتدى
0 أبو هريرة

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:04 AM   رقم المشاركة : 3
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
فصــل
ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة‏:‏ إما مجردة، وإما منحرفة إلى يهودية أو نصرانية، من أهل المنطق والقياس، الطالبين للعلم والكلام، ومن أهل العمل والوجد، الطالبين للمعرفة، والحال، أهل الحروف، وأهل الأصوات سلكوا في أصل العلم الإلهي طريقين‏:‏ كل منهم سلك طريقا‏.‏ وقد يسلك بعضهم هذا في وقت، وهذا في وقت، وربما جمع بعضهم بين الطريقين‏.‏
وأكثرهم لا يعلمون أن الله إليه طريق إلا أحد هذين، كما يذكره جماعات‏:‏مثل ابن الخطيب، ومن نحا نحوه، بل مثل أبي حامد، لما حصر الطرق في الكلام، والفلسفة، الذي هو النظر، والقياس، أو في التصوف والعبادة، الذي هو العمل والوجد، ولم يذكر غير هؤلاء الأصناف الثلاثة‏.‏ بل أبو حامد لما ذكر في المنقذ من الضلال، والمفصح بالأحوال، أحواله في طرق العلم، وأحوال العالم، وذكر أن أول ما عرض له ما يعترض طريقهم- وهو السفسطة بشبهها المعروفة- وذكر أنه أعضل به هذا الداء قريباً من شهرين، هو فيهما على مذهب السفسطة، بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، حتى شفى/ الله عنه ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها، على أمن وتبين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكبر المعارف قال‏:‏ فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة‏.‏ ثم قال‏:‏ انحصرت طرق الطالبين عندي في أربع فرق‏:‏
المتكلمون‏:‏ وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر‏.‏
والباطنية‏:‏ وهم يدعون أنهم أصحاب التعلم، والمخصصون بالاقتباس من الإمام المعصوم‏.‏
والفلاسفة‏:‏ وهم يدعون أنهم أصحاب المنطق والبرهان‏.‏
والصوفية‏:‏ ويدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المكاشفة، والمشاهدة‏.‏
فقلت في نفسي‏:‏ الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طريق الحق، فإن سد الحق عنهم فلا يبقي في درك الحق مطمع‏.‏ ثم ذكر أن مقصود الكلام وفائدته‏:‏ الذب عن السنة بالجدل، لا تحقيق الحقائق، وأن ما عليه الباطنية باطل، وأن الفلسفة بعضها حق، وبعضها كفر، والحق منها لا يفي بالمقصود‏.‏
ثم ذكر أنه أقبل بهمته على طريق الصوفية، وعلم أنها لا تحصل إلا بعلم/ وعمل، فابتدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم، مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد، حتى طلع على كنه مقاصدهم العلمية‏.‏
ثم إنه علم يقينا أنهم أصحاب أحوال، لا أصحاب أقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصله، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع، بل بالذوق والسلوك‏.‏
قال‏:‏ وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها،والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية، والعقلية إيمان يقيني بالله، وبالنبوة وباليوم الآخر‏.‏
وهذه الأصول الثلاثة - من الإيمان - كانت قد رسخت في نفسي بالله لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب، لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى‏.‏ وذكر أنه تخلى عشر سنين‏.‏ إلى أن قال‏:‏ انكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به‏:‏ أني علمت يقينا، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم، وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا‏.‏
/فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من مشكاة نور النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به‏.‏
وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريق طهارتها‏؟‏ وهي أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحها استغراق القلب بذكر الله‏.‏
قلت‏:‏ يستفاد من كلامه أن أساس الطريق‏:‏ هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كما قررته غير مرة‏.‏ وهذا أول الإسلام، الذي جعله هو النهاية، وبينت الفرق بين طريق الأنبياء، وطريق الفلاسفة والمتكلمين، لكن هو لم يعرف طريقة أهل السنة والحديث، من العارفين، فلهذا لم يذكرها، وهي الطريقة المحمدية المحضة، الشاهدة على جميع الطرق‏.‏
والسهروردي الحلبي، المقتول، سلك النظر والتأله جميعا، لكن هذا صابئي محض، فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ما وافق فلسفته، بخلاف ذينك وأمثالهما‏.‏
ثم منهم من لا يعرف إلا طريقة النظر والقياس ابتداء، كجمهور المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، والأشعرية، وبعض الحنبلية‏.‏
ومنهم من لا يعرف ابتداء إلا طريقة الرياضة، والتجرد والتصوف، ككثير من الصوفية والفقراء الذين وقعوا في الاتحاد، والتأله المطلق، مثل‏:‏ عبد الله الفارسي، والعفيف التلمساني ونحوهما‏.‏ ومنهم من قد يجمع كالصدر القوْنَوِي ونحوه‏.‏
/والغالب عليهم عالم التوهم‏.‏ فتارة يتوهمون ما له حقيقة، وتارة يتوهمون ما لا حقيقة له، كتوهم إلهية البشر، وتوهم النصاري، وتوهم المنتظر، وتوهم الغوث المقيم بمكة أنه بواسطته يدبر أمر السماء والأرض، ولهذا يقول التلمساني‏:‏ ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل‏.‏
ولهذا أصيب صاحب الخلوة بثلاث توهمات‏:‏
أحدها‏:‏ أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعداداً‏.‏
والثاني‏:‏ أن يتوهم في شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض‏.‏
والثالث‏:‏ أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب، وأكثر اعتماده على القوة الوهمية، فقد تعمل الأوهام أعمالا لكنها باطلة، كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية، نظراً أو عملاً، بل سلكوا الصابئية‏.‏
ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه‏:‏ أكثر الأحمدية، واليونسية، والحريرية، وكثير من العدوية، وأصحاب الأوحد الكرماني، وخلق كثير من المتصوفة والمتفقرة بأرض المشرق؛ ولهذا تغلب عليهم الإباحة، فلا يؤمنون بواجبات الشريعة ومحرماتها‏.‏ وهم إذا تألهوا في تألهٍ مطلقٍ، لا يعرفون من هو إلههم بالمعرفة القلبية، وإن حققه عارفوهم الزنادقة، جعلوه الوجود المطلق‏.‏
ومنهم من يتأله الصالحين من البشر، وقبورهم ونحو ذلك‏.‏
فتارة يضاهئون المشركين، وتارة يضاهئون النصارى، وتارة يضاهئون/ الصابئين، وتارة يضاهئون المعطلة الفرعونية، ونحوهم من الدهرية، وهم من الصابئين، لكن كفار في الأصل‏.‏ والخالص منهم يعبد الله وحده، لكن أكثر ما يعبده بغير الشريعة القرآنية المحمدية، فهم منحرفون، إما عن شهادة أن لا إله إلا الله، وإما عن شهادة أن محمداً رسول الله، وقد كتبته في غير هذا‏.‏
وكل واحد من طريقي النظر والتجرد طريق فيه منفعة عظيمة، وفائدة جسيمة، بل كل منهما واجب لابد منه، ولا تتم السعادة إلا به، والقرآن كله يدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر، وإلى التزكية والزهد والعبادة‏.‏
وقد ذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية، والقوة الإرادية العملية في غير موضع، كقوله‏:‏‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏33‏]‏، فالهدى كمال العلم، ودين الحق كمال العمل، كقوله‏:‏‏{‏أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏45‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ِِِِ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏22‏]‏ وقوله‏:‏‏{‏آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏‏[‏التين‏:‏6‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏10‏]‏، وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدى محمد‏)‏، لكن النظر النافع أن يكون في دليل، فإن النظر في غير دليل لا يفيد العلم بالمدلول عليه، والدليل هو الموصل إلى المطلوب، والمرشد إلى المقصود، والدليل التام هو الرسالة، والصنائع‏.‏
وكذلك العبادة التامة فعل ما أمر به العبد وما جاءت به الرسل، وقد وقع/ الخطأ في الطريقين، من حيث‏:‏ أخذ كل منهما أو مجموعهما، مجرداً في الابتداء عن الإيمان بالله، وبرسول‏.‏‏.‏
بل اقتصر فيهما على مجرد ما يحصله نظر القلب، وذوقه الموافق لما جاءت به الرسل تارة، والمخالف لما جاءت به أخرى، في مجرد النظر العقلي، ومجرد العبادات العقلية، أو الصعود عن ذلك إلى النظر الملي، والعبادات الملية، والواجب أنه لابد في كل واحد من النظر والعمل، من أن يوجد فيه العقلي، والملي، والشرعي، فلما قصروا وقع كل من الفريقين، إما في الضلال، وإما في الغواية، وإما فيهما‏.‏
وحاصلهم‏:‏ إما الجهل البسيط، أو الكفر البسيط، أو الجهل المركب، أو الكفر المركب، مع الجهل والظلم‏.‏
وذلك أن طريقة أهل النظر والقياس‏:‏ مدارها على مقدمة لابد منها في كل قياس يسلكه الآدميون، وهي مقدمة كلية جامعة، تتناول المطلوب، وتتناول غيره، بمعنى أنها لا تمنع غيره من الدخول، وإن لم يكن له وجود في الخارج، فهي لا تتناول المطلوب لخاصيته، بل بالقدر المشترك بينه وبين غيره، والمطلوب بها هو الله ـ تعالى ـ فلم يصلوا إليه إلا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره، من القضايا الإيجابية، والسلبية‏.‏
والمشترك بينه وبين غيره لا يعرف بخصوصه أصلا، فلم يعرفوا الله،/ بل لما اعتقدوا فيه القدر المشترك صاروا مشركين به، وحكموا على القدر المشترك بأحكام سلبية، أو إيجابية، فإنها تصح في الجملة ؛ لأن ما انتفى عن المعنى العام المشترك انتفى عن الخاص المميز، وليس ما انتفى عن الخاص المميز انتفى عن العام، فما نفيته عن الحيوان أو عن النبي، انتفى عن الإنسان والرسول‏.‏ وليس ما نفيته عن الإنسان أو الرسول انتفى عن الحيوان أو النبي‏.‏
ولهذا كان قوله‏:‏‏(‏لا نبي بعدي‏)‏ ينفي الرسول،وكذلك ما ثبت للمعنى المشترك بصفة العموم ثبت للخاص، وما ثبت له بصفة الإطلاق لم يجب أن يثبت للخاص، فإذا ثبت حكم لكل نبي دخل فيه الرسول‏.‏ وأما إذا ثبت للنبي مطلقًا لم يجب أن يثبت للرسول، وقد تتألف من مجموع القضايا السلبية والإيجابية أمور لا تصدق إلا عليه، ولا يصح أن يوصف بها غيره، كما إذا وصف نبي بمجموع صفات، لا توجد في غيره‏.‏
لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه، وأما عينه فلا يعرف بمجموع تلك القضايا الكلية، فلا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب، والعدم، إذا كان القياس صحيحا‏.‏
ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في القرآن ـ وهي المقاييس العقلية ـ دالة على النفي في مثل قوله‏:‏‏{‏ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏الروم‏:‏28‏]‏، ومثل قوله‏:‏‏{‏وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ‏}‏الآيات ‏[‏النحل‏:‏76‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ‏}‏الآية ‏[‏الحج‏:‏73‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونََ‏}‏ الآية ‏[‏الإسراء‏:‏42‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏91‏]‏، وأمثال ذلك من الأمثال ـ وهي القياسات ـ التي مضمونها نفي الملزوم لانتفاء لازمه، أو نحو ذلك‏.‏
ولهذا كان الغالب على أهل القياس، من أهل الفلسفة، و الكلام، في جانب الربوبية إنما هي المعارف السلبية‏.‏ ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل من القياس، بل تعدوا ذلك، فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد، مثل نفي الصفات النبوية، الخبرية، بل ونفى الفلاسفة والمعتزلة للصفات التي يثبتها متكلمو أهل الإثبات، ويسمونها الصفات العقلية؛ لإثباتهم إياها بالقياس العقلي‏.‏
ومعلوم أن العقل لا ينفي بالقياس إلا القدر المشترك، الذي هو مدلول القضية الكلية التي لابد منها في القياس، مثل أن ينفي الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم، والقدر المشترك في المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى، فينفون المعنى المشترك المطلق، على صفات الحق وصفات الخلق ـ تبعاً لانتفاء ما يختص به الخلق ـ فيعطلون، كما أن أهل التمثيل يثبتون ما يختص به الخلق ـ تبعاً للقدر المشترك ـ وكلاهما قياس خطأ‏.‏
ففي هذه الصفات، بل وفي الذوات ثلاث اعتبارات‏:‏
أحدها‏:‏ ما تختص به ذات الرب وصفاته‏.‏
والثاني‏:‏ ما يختص به المخلوق وصفاته‏.‏
/والثالث‏:‏ المعنى المطلق الجامع‏.‏
فاستعمال القياس الجامع في نفي الأول خطأ، وكذلك استعماله في إثبات الثاني‏.‏ وأما استعماله في إثبات الثالث، فيحتاج إلى إدراك العقل لثبوت المعنى الجامع الكلي، وهذا أصل القياس والدليل، فإن لم يعرف العقل بنفسه - أو بواسطة قياس آخر- ثبوت هذا، وإلا لم يستقم القياس‏.‏
وكذلك في معارفهم الثبوتية لا يأتون إلا بمعانٍ مطلقة مجملة‏.‏ مثل ثبوت الوجود، ووجوب الوجود، أو كونه رباً أو صانعاً أو أوَّلاً، أو مبدأ أو قديما، ونحو ذلك من المعاني الكلية، التي لا يعلم بها خصوص الرب تعالى، إذ القياس لا يدل على الخصوص، فإنه إذا استدل بأن كل ممكن فلابد له من موجب وبأن كل محدَث فلابد له من محدِث، كان مدلول هذا القياس أمراً عاماً، وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع‏.‏
وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد، فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل لا إله إلا الله إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرد ‏[‏الله، الله‏]‏ ويعتقدون أن ذلك أفضل وأكمل، كما فعله كثير منهم، وربما اقتصر بعضهم على ‏[‏هُوْ، هُوْ‏]‏ أو على قوله‏:‏‏[‏لا هو إلا هو‏]‏ ؛ لأن هذا الذكر المبتدع الذي هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقاً، ليس فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم‏.‏
فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه لا وجود إلا هو، كما يصرح به بعضهم ويقول‏:‏ لا هو إلا هو، أو لا موجود إلا هو، وهذا عند الاتحادية/ أجود من قول‏:‏ ‏[‏لاإله إلا الله‏]‏؛ لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعوني القرمطي، حتى يقول بعضهم‏:‏ ‏[‏لا إله إلا الله‏]‏ ذكر العابدين، و‏[‏الله، الله‏]‏ ذكر العارفين، و ‏[‏هو‏]‏ ذكر المحققين، ويجعل ذكره ‏[‏يا من لا هو إلا هو‏]‏، وإذا قال‏:‏ الله، الله إنما يفيد مجرد ثبوته، فقد ينضم إلى ذلك نفي غيره لا نفي إلهية غيره، فيقع صاحبه في وحدة الوجود وربما انتفى شهود القلب للسوي إذا كان في مقام الفناء فهذا قريب، أما اعتقاد أن وجود الكائنات هي هو، فهذا هو الضلال‏.‏
ويضمون إلى ذلك نوعا من التصفية، مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام والشراب والرياسة والخلوة، وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة، والعبادة المطلقة، فيصلون أيضا إلى تأله مطلق، ومعرفة مطلقة بثبوت الرب ووجوده ونحو ذلك، من نحو ما يصل إليه أرباب القياس‏.‏
ثم قد تتوارى هذه المعرفة والعلم بملابسة الأمور الطبيعية، من الطعام، والاجتماع بالناس، فإن سببها إنما هو ذلك التجرد، فإذا زال زال، ولهذا قيل‏:‏كل حال أعطاكه الجوع فإنه يذهب بالشبع، كما قد تتوارى معرفة الأولى المطلقة بغفلة القلب عن تلك المقاييس النظرية، ولا ريب أن القياس يفضي إلى معرفة بحسب مقتضاه، وأن الرياضة والتأله يفضي إلى معرفة بحسب مقتضاه، لكن معرفة مطلقة بسبب قد يثبت وقد يزول، وكثيراً ما يفضي إلى الاتحاد والحلول والإباحة، وذلك لأنهم يجردون التأله عما لابد منه من صالح البشر، فإذا احتاجوا إليها أعرضوا عن التأله‏.‏
فهم إما آلهة عند نفوسهم، وإما زنادقة أو فساق، ولهذا حدثني الشيخ/ الصالح يوسف من أصحابنا أنه رآني في المنام وأنا أخاطبهم
والمعرفة الحاصلة بذلك هي المعرفة التي تصلح حال العبد وتجب عليه،لكن قد يحصل مع صدق الطلب ـ بواسطة القياس، أو بواسطة الوجد ـ وصول إلى الرسالة فيتلقى حينئذ من الرسالة ما يصلح حاله،ويعرفه المعرفة التامة والعلم النافع الواجب عليه ـ وهي الطريق الشرعية النبوية التي ذكرناها أولا ـ وقد لا يحصل ذلك فيقع كثير منهم في الاستغناء عن النبوة، اعتقادا أو حالا بالإعراض عما جاءت به، فيفوته من الإيمان والعلم والمعرفة ـ التي جاء بها الرسول ـ ما يضل بفواته في الدنيا عن الهدى، ويشقى به الشقاء الأكبر، كحال الكافرين بالرسول وإن آمنوا بوجود الرب، من اليهود والنصارى والصابئين، فإن في المسلمين من ينافق في الرسول، كما كفر هؤلاء به ظاهراً، وهذا النفاق كثير جداً، قديما وحديثا‏.‏
وقد تنعقد في قلبه مقاييس فاسدة، ومواجيد فاسدة، يحكم بمقتضاها في الربوبية أحكاماً فاسدة مثل‏:‏ أحكام المنحرفة إلى صابئية، أو يهودية أو نصرانية، من الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة، الذين انحرفوا إما إلى تعطيل للصفات وتكذيب بها، وإما إلى تمثيل لها وتشبيه، وإما إلى اعتقاد أن الرب هو الوجود المطلق الذي لا يتميز، وأن عين / الوجود هو عين الخالق،وأنه ليس وراء السموات والأرض شيء آخر، وإنما هذه الأشياء كلها مراتب للصفات، وأن الربوبية والإلهية مراتب ذهنية شكوكية‏.‏ وأما في الحقيقة‏:‏ فليس إلا عين ذاته، فالمحجوبون يرون المراتب والمكاشف ما ترى إلا عين الحق‏.‏
ويحسبون ـ ويحسب كثير بسببهم ـ أن هذا التوحيد هو توحيد الصديقين، الذين عرفوا الله، وقالوا‏:‏
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل **
كما يحسب المتكلم الزائغ أن توحيده - الذي هو نفي الصفات - هو توحيد الأنبياء، والصديقين، الذين عرفوا الله ؛ ولهذا يقع في هؤلاء الشركُ كثيرا، حتى يسجد بعضهم لبعض، كما يقع في القسم الآخر تحريم الحلال من العقود، والعبادات المباحة‏.‏
فاقتسم الفريقان‏:‏ ما ذم الله به المشركين، من الشرك، وتحريم الحلال‏.‏‏.‏‏.‏ وهكذا يوجد كثيراً في هؤلاء المشبهة للنصارى‏.‏ وظهر في الآخرين من الآصار، والأغلال، وجحود الحق، وقسوة القلوب ما يوجد كثيرا في هؤلاء المشبهة لليهود‏.‏
هذا في غير الغالية منهم، وأما الغالية من الصنفين، فعندهم أن معرفتهم وحالهم فوق معرفة الأنبياء وحالهم‏.‏ كما يقول التلمساني‏:‏ القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله‏.‏
/وكما يزعم الفارابي‏:‏ أن الفيلسوف أكمل من النبي،وإنما خاصة النبي جودة التخييل للحقائق، إلي أنواع من الزندقة والكفر، يلتحقون فيها بالإسماعيلية، والنصيرية، والقرامطة، والباطنية، ويتبعون فرعون، والنمروذ وأمثالهما من الكافرين بالنبوات، أو النبوة والربوبية‏.‏
وهذا كثير جداً في هؤلاء وهؤلاء، وسبب ذلك عدم أصل في قلوبهم، وهو الإيمان بالله، والرسول‏.‏ فإن هذا الأصل إن لم يصحب الناظر، والمريد، والطالب، في كل مقام، وإلا خسر خسرانا مبينا، وحاجته إليه كحاجة البدن إلى الغذاء، أو الحياة إلى الروح‏.‏
فالإنسان بدون الحياة والغذاء لا يتقوم أبداً، ولا يمكنه أن يَعلم، ولا أن يُعلم‏.‏
كذلك الإنسان بدون الإيمان بالله ورسوله لا يمكنه أن ينال معرفة الله، ولا الهداية إليه، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذباً، وهو حال الكافرين بالله ورسوله، ومع الإيمان بالله ورسوله إذا نظر، واستدل، كان نظره في دليل وبرهان - وهو ثبوت الربوبية، والنبوة - وإذا تجرد وتصفى، كان معه من الإيمان ما يذوقه بذلك ويجده‏.‏
ثم هذا النظر، وهذا الذوق يجتلب له ما وراء ذلك من أنواع المعالم الربانية، والمواجيد الإلهية‏.‏ والعلم والوجد متلازمان‏.‏
وذلك، أن الأنبياء والمرسلين عرفوا الله بالوحي المعرفة التي هي معرفة، وعبدوه العبادة التي هي حق له بحسب ما منحهم الله تعالى‏.‏
وهم درجات في ذلك، لكن عرفوا من خصوص الربوبية ما لا يقوم به/ مجرد القياس النظري، ولا يناله مجرد الذوق الإرادي، ثم أخبروا عن ذلك‏.‏
ولابد في الوصف والإخبار من أن يذكر المسمى الموصوف بالأسماء والأوصاف المتواطئة التي فيها اشتراك وتمييز عن المخلوقات بما يقطع الشركة؛ لأن القصد بالإخبار، والوصف، تعريف المخاطبين، والمخاطبون لا يعرفون الخصوصيات، التي هي خصوص ذات الله، و صفاته‏.‏
فلو أخبروا بذلك وحده مجرداً لم يعرفوا شيئا، بل ربما أنكروا ذلك‏.‏ فإذا خوطبوا بالمعاني المشتركة، وأزيل مفسدة الاشتراك بما يقطع التماثل، كقوله‏:‏‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏،‏{‏وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏4‏]‏،ونحو ذلك كانوا أحد رجلين‏:‏
إما رجل مؤمن، آمن بمعاني تلك الصفات على الوجه المطلق الجملي وأثبتها لله على وجه يليق به، ويختص به، لا يشركه فيه مخلوق، فهذا غاية الممكن في حال هؤلاء‏.‏
وإما رجل قذف اللّه في قلبه من نوره وهدايته الخاصة ما أشهده شيئا من الخصوصيات، التي هي أعيان تلك الأسماء والصفات، فيعلم ذلك لا بمجرد القياس، ولا بمجرد الوجد بل بشهود علمي مطابق لما أخبرت به الرسل، وتدله على صحة شهوده موافقته لما أنبأت به الرسل، ويحصل له نصيب من النبوة، فإن النبوة انقطعت بكمالها، وأما وجود بعض أجزائها فلم ينقطع‏.‏ ولابد أن يكون في بعض الأمور محجوبا عن أن يشهد ما شهده النبي، فيصدقه فيه، لشهوده بعض ما أخبر به النبي، ويبقى ما شهده محققا عنده لثبوت ما لم يشهده، وهذه حال الصديقين مع الأنبياء‏.‏
/وذلك نظير من وصف له ملك مدينة، بأنواع من الصفات، فقدم حتى رأى بعض شؤونه التي دلته على صدق المخبر فيما لم يشهد‏.‏ ولست أجعل مجرد هذه الشهادة مصدقة، فإن المخبر قد يصدق في بعض، ويخطئ في بعض،وإنما ذلك بواسطة إخبار المخبر - أي رسول الله - وشهوده منه ما يوجب له امتناع الكذب عليه، كما يذكر في غير هذا الموضع‏.‏
فإن قلت‏:‏ فمن أين له ابتداء صحة الإيمان بالله ورسوله، حتى يصير ذلك أصلا يبني عليه، وينتقل معه إلى ما بعده‏؟‏ فأهل القياس والوجد إنما تعبوا التعب الطويل ـ في تقرير هذا الأصل ـ في نفوسهم، ولهذا يسمي المتكلمون كل ما يقرر الربوبية والنبوة‏:‏ العقليات والنظريات، ويسميها أولئك‏:‏ الذوقيات، والوجديات، ورأوا أن ما لا يتم معرفة الله ورسوله إلا به فمعرفته متقدمة على ذلك، وإلا لزم الدور‏.‏ فسموا تلك عقليات، والعقليات لا تنال إلا بالقياس العقلي المنطقي‏.‏
قلت‏:‏ جواب هذا من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ المعارضة بالمثل، فإن سالك سبيل النظر القياسي، أو الإرادة الذوقية، من أين له ابتداء أن سلوك هذا الطريق يحصل له علما، ومعرفة، ليس معه ابتداء إلا مجرد إخبار مخبر بأنه سلك هذا الطريق فوصل، أو خاطر يقع في قلبه سلوك هذا الطريق، إما مجوزا للوصول أو متحريا أو غير ذلك، أو سلوكا ابتداء بلا انتهاء، وليس ذلك مختصا بالعلم الإلهي، بل كل العلوم لابد للسالك فيها ابتداء من مصادرات يأخذها مسلمة إلى أن تتبرهن فيما بعد‏.‏
/إذا لو كان كل طالب العلم حين يطلبه قد نال ذلك العلم، لم يكن طالبا له، والطريق التي يسلكها قد يعلم أنها تفضي به إلى العلم‏.‏
لكن الكلام في أول الأوائل، ودليل الأدلة، وأصل الأصول‏.‏ فإنه لو كان حين ينظر فيه يعلم أنه دليل مفض لم يمكن ذلك حتى يعلم ارتباطه بالمدلول، فإن الدليل إن لم يستلزم المدلول لم يكن دليلاً‏.‏
والعلم بالاستلزام موقوف على العلم بالملزوم واللازم،فلا يعلم أنه دليل على المدلول المعين،حتى يعلم ثبوت المدلول المعين، ويعلم أنه ملزوم له، وإذا علم ذلك استغنى عن الاستدلال به على ثبوته، وإنما يفيده التذكير به، لا ابتداء العلم به، وإنما يقع الاشتباه هنا؛ لأنه كثيراً ما يعرف الإنسان ثبوت شيء، ثم يطلب الطريق إلى معرفة صفاته، ومشاهدة ذاته، إما بالحس، وإما بالقلب، فيسلك طريقا يعلم أنها موصلة إلى ذلك المطلوب ؛ لأنه قد علم أن تلك الطريق مستلزم لذلك المطلوب الذي علم ثبوته قبل ذلك‏.‏
كمن طلب أن يحج إلى الكعبة، التي قد علم وجودها، فيسلك الطريق التي يعلم أنها تفضي إلى الكعبة، لإخبار الناس له بذلك، أو يستدل بمن يعلم أنه عارف بتلك الطريق، فسلوكه للطريق بنفسه بعد علمه أنها طريق ـ المقصود ـ بإخبار الواصلين، أو سلوكه بدليل خريت ـ يهديه في كل منزلة ـ لا يكون إلا بعد العلم بثبوت المطلوب، وثبوت أن هذا طريق ودليل‏.‏
وهكذا حال الطالبين لمعرفة الله، والمريدين له، والسائرين إليه، قد عرفوا /وجوده أولا وهم يطلبون معرفة صفاته، أو مشاهدة قلوبهم له في الدنيا‏.‏ فيسلكون الطريق الموصلة إلى ذلك بالإيمان والقرآن‏.‏
فالإيمان‏:‏ نظير سلوك الرجل الطريق التي وصفها له السالكون، فإنهم متفقون على ذلك‏.‏
والقرآن‏:‏ تصديق الرسل فيما تخبر به، وهو نظير اتباع الدليل منزلة منزلة، ولابد في طريق الله منهما‏.‏
وأما الشيء الذي لم يعلم العقل ثبوته أولا، إذا سلك طريقا يفضي إلى العلم به - فلا يسلكها ابتداء إلا بطريق التقليد والمصادرة - كسائر مبادئ العلوم - فإذا كان لابد في الطريقة القياسية، والعملية، من تقليد في الأول ـ في سلوكه فيما لم يعلم أنه طريق، وأنه مفض إلى المطلوب ـ أو أن المطلوب موجود، فالطريقة الإيمانية ـ إذا فرض أنها كذلك ـ لم يقدح ذلك فيها، بل تكون هي أحق، لوجوه كثيرة‏.‏
ونذكر بعضها إن شاء الله‏.‏
بل لا طريق إلا هي أو ما يفضي إليها، أو يقترن بها فهي شرط قطعاً في درك المطلوب، وما سواها ليس بشرط، بل يحصل المطلوب دونه وقد يضر بحصول المطلوب فلا يحصل، أو يحصل نقيضه وهو الشقاء الأعظم على التقديرين، فتلك الطريق مفضية قطعاً ولا فساد فيها، وما سواها يعتريه الفساد كثيراً، وهو لا يوصل وحده، بل لابد من الطريقة الإيمانية‏.‏
/الوجه الثاني في الجواب‏:‏ أن الطريقة القياسية، والرياضية، إذا سلكها الرجل وأفضت به إلى المعرفة - إن أفضت - علم حينئذ أنه سلك طريقا صحيحا وأن مطلوبه قد حصل، وأما قبل ذلك فهو لا يعرف، فأدني أحوال الإيمانية - ولا دناءة فيها - أن تكون كذلك‏.‏ فإنه إذا أخذ الإيمان بالله ورسله مسلما، ونظر في موجبه،وعمل بمقتضاه، حصل له بأدني سعي مطلوبه من معرفة الله، وأن الطريق التي سلكها صحيحة، فإن نفس تصديق الرسول فيما أخبر به عن ربه وطاعته، يقرر عنده علماً يقينياً بصحة ذلك أبلغ بكثير مما ذكر أولا‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن الإقرار بالله قسمان‏:‏ فطري، وإيماني‏.‏ فالفطري‏:‏ ـ وهو الاعتراف بوجود الصانع - ثابت في الفطرة‏.‏ كما قرره الله في كتابه في مواضع وقد بسطت القول فيه في غير هذا الموضع‏.‏ فلا يحتاج هذا إلى دليل، بل هو أرسخ المعارف، وأثبت العلوم، وأصل الأصول‏.‏
وأما الإقرار بالرسول، فبأدني نظر فيما جاء به، أو في حاله، أو في آياته، أو نحو ذلك من شؤونه يحصل العلم بالنبوة، أقوى بكثير مما يحصل المطالب القياسية، والوجدية، في الأمور الإلهية‏.‏ ثم إذا قوي النظر في أحواله حصل من اليقين الضروري الذي لا يمكن دفعه ما يكون أصلا راسخا‏.‏ وبسط هذا مذكور في غير هذا الموضع؛ إذ المقصود هنا بيان خطأ من سلك طريق القياس، أو الرياضة، دون الإيمان ابتداء‏.‏ وأما تقرير طريقة الإيمان فشأنه عظيم، أعظم مما كتبته هنا‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ أنا نخاطب المسلمين المتسمين بالإيمان، الذين غرض أحدهم/ معرفة الله الخاصة، التي يمتاز بها العلماء والعارفون عن العامة، فيسلك بعضهم طريقة أهل القياس المبتدع، والفلاسفة والمتكلمين، وبعضهم طريقة أهل الرياضة والإرادة المبتدعة، من المتفلسفة والمتصوفه، معرضا عما جاء به الرسول في تفاصيل هذه الأمور، فإن هؤلاء إذا كانوا عالمين بصدق الرسول - المبلغ عن ربه، الهادي إليه، الداعي إليه، الذي أكمل له الدين، وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء - كيف يدعون الاستدلال بما جاء به، والاقتداء به، إلى ما ذكر من الطريقين‏؟‏
الوجه الخامس‏:‏ أن أكثر من سلك الطريقين المنحرفين، لم يعتقد أن هناك طريقا ثالثا- كما يذكره رجال من فضلاء العالم الغالطين في القواعد الكبار - فهم ينتقلون من مادة فلسفية صابئية، إلى مادة إرادية نصرانية، إلى مادة كلامية يهودية‏.‏
وأهل فلسفتهم يوما مع ذوي إرادتهم، ويوما مع ذوي كلامهم، وهم متهوكون في هذه المجارات‏.‏
والطريقة الإيمانية النبوية المحمدية، الدينية السنية الأثرية، لا يهتدون إليها، ولا يعرفونها ولا يظنون أنها طريقة إلى مطلوبهم، ولا تفضي إلى مقصودهم، وذلك لعدم وجود من يسلكها في اعتقادهم، أو كبتوا نفوسهم عنها ظلما، فلضلالهم عنها أو غوايتهم وجهلهم بها، أو ظلمهم أنفسهم، أعرضوا عنها‏.‏
فإن قلت‏:‏ فالقرآن يأمر بالنظر في الآيات‏.‏
/قلت‏:‏ النظر لا ريب في صحته في الجملة، وأنه إذا كان في دليل أفضى إلى العلم بالمدلول، وإذا كان في آيات الله أفضى إلى الإيمان به، الذي هو رأس العبادة، كما أن العبادة والإرادة لا ريب في صحتها في الجملة، وأنها إذا كانت على منهاج الأنبياء أفضت إلى رضوان الله، لكن عليك أن تفرق بين الآيات وبين القياس، كما قد بيناه في غير هذا الموضع‏.‏
فإن الآية هي العلامة‏.‏ وهي ما تستلزم بنفسها لما هي آية عليه، من غير توسط حد أوسط، ينتظم به قياس مشتمل على مقدمة كلية، كالشعاع فإنه آية الشمس، وكذلك النبات للمطر في الأرض القفر، والدخان للنار، وإن لم ينعقد في النفس قياس، بل العقل يعلم تلازمهما بنفسه، فيعلم من ثبوت الآية ثبوت لازمها، والعلم بالتلازم قد يكون فطريا، وقد لا يكون‏.‏
الوجه السادس‏:‏ أن تينك الطريقين ليستا باطلا محضا، بل يفضي كل منهما إلى حق ما، لكن ليس هو الحق الواجب، وكثيراً ما يقترن معه الباطل فلا يحصل بكل منهما بمجرده أداء الواجب ولا اجتناب المحرم، و لا تحصلان المقصود الذي فيه سعادة العبد من نجاته ونعيمه، بعد مبعث الرسول‏.‏
أما الطريقة النظرية القياسية، فإنه لابد فيها من الاستدلال بالممكن على الواجب، أو المحدَث على المحدِث، أو بالحركة على المحرِّك، وذلك يعطي فاعلا عظيما من حيث الجملة‏.‏
وكذلك الطريقة الرياضية الذوقية تعطي انقياد القلب وخضوعه إلى الصانع/ المطلق، وكل منهما لابد فيها من علم اضطراري يضطر القلب إليه؛ إذ القلب لا يحصل له علم إلا من جنس الاضطراري ابتداء بتوسط الضروري، فإن النظر يبنى على مقدمات تنتهي إلى ما هو من جنس الضروري، إما بتوسط الحس أو مجرداً عن الحس‏.‏
فالطريق القياسية تفيد العلم بتوسط مقدمات ضرورية، مثل أن يقال‏:‏ الوجود المعلوم إما ممكن، وإما واجب، والممكن لا يوجد إلا بواجب‏.‏ فثبت وجود الواجب على التقديرين‏.‏
ومثل أن يقال‏:‏ العالم محدَث أو كثير منه محدث‏.‏ والثاني ضروري، والأول يستدل عليه‏.‏ ثم يقال‏:‏ وكل محدَث فله محدِث‏.‏
أو يقال‏:‏ لا شك أن ثم وجودًا، وهو إما قديم، وإما محدَث، والمحدث لابد له من قديم، فثبت وجود القديم على التقديرين‏.‏
كما يقال‏:‏ لا ريب أن ثم وجودًا، وهو إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب فثبت وجود الواجب على التقديرين‏.‏
وقد يقال أيضا‏:‏ لا ريب أن ثم وجودا، وهو إما مصنوع، أو غير مصنوع، أو مخلوق أو غير مخلوق، أو مفطور أو غير مفطور، والمصنوع أو المخلوق أو المفطور، لابد له من صانع وخالق وفاطر، فثبت وجود ما ليس بمصنوع ولا مفطور ولا مخلوق على التقديرين‏.‏
/فهذه الوجوه وما يشبهها تدل على وجود واجب قديم ليس بمصنوع، لكن الشأن في تعيينه، فإن عامة الدهرية يقولون‏:‏ هذا هو العالم أو شيء قائم به‏.‏ ثم إن افتقار الممكن إلى الواجب، والمحدث إلى القديم، والمصنوع إلى الصانع، مقدمة ضرورية؛ وإن كان طائفة من النظار يستدلون على هذه المقدمة، وعلى أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، والجمهور على الاكتفاء بالضرورة فيهما‏.‏
والطريق العبادية تفيد العلم بتوسط الرياضة وصفاء النفس، فإنه حينئذ يحصل للقلب علم ضروري،كما قال الشيخ إسماعيل الكوراني لعز الدين بن عبد السلام لما جاء إليه يطلب علم المعرفة ـ وقد سلك الطريقة الكلامية ـ فقال‏:‏أنتم تقولون‏:‏ إن الله يعرف بالدليل، ونحن نقول‏:‏ عرَّفنا نفسه فعرفناه‏.‏ وكما قال نجم الدين الكبرى لابن الخطيب، ورفيقه المعتزلي وقد سألاه عن علم اليقين، فقال‏:‏ هو واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها‏.‏ فأجابهما‏:‏ بأن علم اليقين عندنا هو موجود بالضرورة لا بالنظر، وهو جواب حسن‏.‏
فإن العلم الضروري هو الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه الانفكاك عنه‏.‏ فالقائس إن لم يحصل له العلم الضروري ابتداء، وإلا فلابد أن يبني نظره وقياسه على مقدمات ضرورية، ثم حينئذ يحصل له العلم‏.‏
ولهذا قال طائفة منهم ـ أبو المعالي الجويني إن جميع العلوم ضرورية /باعتباراتها بعد وجود النظر الصحيح في الدليل تحصل العلم ضرورة، لكن منها ما هو ضروري عند تصور طرفي القضية، ومنها ما هو ضروري بعد تأمل ونظر، ومنها ما هو ضروري بعد النظر في دليل ذي مقدمتين، أو مقدمات‏.‏
فقال الشيخ العارف‏:‏ نحن نجد العلم وجدا ضرورياً بالطريق التي نسلكها من تزكية النفس، وإصلاح القلب الذي هو حامل العلم وداعيه فكل منهما يفيض الله العلم على قلبه، وينزله على فؤاده، ولكن أحدهما بتحصيل العلم المقارن للعلم المطلوب،الذي هو المقدمات، والآخر بإصلاح طالب العلم الذي يريد أن يكون عالماً ـ وهو القلب ـ بمنزلة من يخطب امرأة، فتارة تجمَّل لها وتَعَرَّض حتى رأته فرغبت فيه وخطبته، وتارة بأن أرسل إليها من تأنس إليه وتطيعه، فخطبها له فأجابت، فكان سعي الأول وعمله في إصلاح نفسه وتعرضه لها حتى ترغب، وكان سعي الثاني في تحصيل الرسول المطاع حتى تجيب‏.‏ وبمنزلة من يصيد صيدًا‏.‏
لكن مجرد النظر والعمل مجتمعين ومنفردين، لا يحصلان إلا أمراً مجملاً، كما هو الواقع، وذلك صحيح‏.‏ فإن ثبوت الأمر المجمل حق، فإن ضما إلى ذلك ما يعلم بنور الرسالة من الأمر المفصل حصل الإيمان النافع، وزال ما يخاف من سوء عاقبة ذينك الطريقين‏.‏
وهذه حال من تحيز من أهل النظر الكلامي، والعمل العبادي إلى اتباع الرسول والإيمان به، فقبل منه وأخذ عنه‏.‏
/وإن لم يضم أحدهما إلى ذلك ما جاء به الرسول، فإما أن يضم ضده، أو لا يضم شيئاً، فإن ضم إلى ذلك ضد ما جاء به الرسول وقع في التكذيب، وهو الكفر المركب، وإن لم يضم إليه شيء بقى في الكفر البسيط، سواء كان في ريب، أو في إعراض وغفلة‏.‏
فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أولا، فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان بها، كما قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏28‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏136‏]‏، لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة‏.‏ فلهذا قرن التكذيب بالغفلة وإن تصور ما جاء به الرسول وانصرف فهو معرض عنه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى‏.‏ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى‏}‏‏[‏طه‏:‏123،124‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا‏}‏‏[‏النساء‏:‏61‏]‏،وكما قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏170‏]‏
وإن كان مع ذلك لا حظ له، لا مصدق ولا مكذب، ولا محب ولا مبغض، فهو في ريب منه، كما أخبر بذلك عن حال كثير من الكفار، منافق وغيره، كما قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونََ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏45‏]‏، وكما قال موسى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ‏.‏قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ‏.‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏‏[‏إبراهيم‏:‏9‏:‏ 11‏]‏‏.‏
فأخبر ـ سبحانه ـ عن مناظرة الكفار للرسل في الربوبية أولا،فإنهم في شك من الله الذي يدعونهم إليه،وفي النبوة ثانيا بقولهم‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏10‏]‏،وهذا بحث كفار الفلاسفة بعينه،وإن كان مكذباً له فهو التكذيب،والتكذيب أخص من الكفر، فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر‏.‏وليس كل كافر مكذباً، بل قد يكون مرتابا، إن كان ناظراً فيه أو معرضاً عنه بعد أن لم يكن ناظرا فيه، وقد يكون غافلا عنه لم يتصوره بحال، لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه‏.‏
وكل واحد من الأمرين في أن يضم إلى المعرفة المجملة، إما تكذيب، وإما كفر بلا تكذيب واقع كثيراً في سالكي الطريقين، النظر في القياس المجرد، والعمل بالعبادة المجردة‏.‏
مثال ذلك‏:‏ أن كثيراً من النظار أثبت واجب الوجود، أو صانع العالم، وذهبوا في تعيينه وصفاته مذاهب يضيق هذا الموضع عن تفصيلها ـ معروفة/ في كتب المقالات، من أهل ملتنا، وغير أهل ملتنا ـ مقالات الإسلاميين المصلين، ومقالات غيرهم‏.‏ وكثير من العباد المتأخرين أثبت أيضا ذلك إثباتا مجملا، وتوهموا فيه أنواعا من التوهمات الكفرية، الذي يصفها عارفوهم‏.‏
فمنهم من توهمه الوجود المطلق، المشترك بين الموجودات، كالإنسان المطلق مع أعيانه وأفراده، فإذا تعين الوجود لم يكن إياه؛ إذ المطلق ليس هو المعين، كما يقوله الصدر القونوي‏.‏
ومنهم من توهم أن وجود الممكنات هو عين وجوده الفائض عليها‏.‏ كما يذكره صاحب الفصوص
ومنهم يتوهمه جملة الوجود، وكل معين فهو جزء منه، كالبحر مع أمواجه، وأعضاء الإنسان مع الإنسان‏.‏ فليس هو ما يختص بكل معين، لكنه مجموع الكائنات، كالعفيف التلمساني، وعبد الله الفارسي البلياني، ويقولون‏:‏ إن كل موجود فهو مرتبة من مراتب الوجود، أو مظهر من مظاهره، بمنزلة أمواج البحر معه، وأعضاء الإنسان معه، وأجزاء الهوى مع الهواء، أو بمنزلة هذا الإنسان وهذا الحيوان مع الحيوان المطلق والإنسان المطلق‏.‏
ويقول شاعرهم ابن إسرائيل‏:‏
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ** ويفهم هذا السر من هو ذائــق
وقال‏:‏
وتلتذ إن مرت على جسدي يـدي ** لأني في التحقيق لست سواكم
/ولهذا ليس عندهم للإنسان غاية وراء نفسه، وإنما غايته أن ينكشف الغطاء عن نفسه، فيري أن نفسه هي الحق، وكان قبل ذلك محجوبا عنها، فلما شاهد الحقيقة رأى أنه هو كما قال ابن إسرائيل‏:‏
ما بال عيسك لا يقــر قرارهــا ** إلا في ظلك لا تني منتقـــــــلا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ** إلا إليـــك إذا بلغــت المنــــزلا
وكما يقول بعضهم‏:‏
وفـي كــل شـيء لــه آيـة ** تــدل علـى أنـــه عيـنـه
والله يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏8‏]‏، ويقول‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ‏}‏‏[‏الانشقاق‏:‏6‏]‏،ويقول‏:‏ ‏{‏ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الأنعام62‏]‏، ويقول‏:‏ ‏{‏إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏156‏]‏، ونحو ذلك‏.‏وقال التلمساني ـ وكان راسخ القدم في هذه الزندقة التي أسموا بها التوحيد والحقيقة-‏:‏
توهمت قدما أن ليلـــى تبرقعـت ** وأن حجــــاباً دونهــا يمنــع اللثمــا
فلاحت،فلا والله ما كان حجبها ** سوى أن طرفي كان عن حبها أعمى
وله شعر كثير في هذا الفن‏:‏
هي الجوهر الصرف القديم وإن بدا ** لـهـا خبـث أتيت بـه فهـو حـادث
/حلفت لهم ما كان منها غير ذاتها ** فقـالـوا اتئد فيـهـا فـإنـك حـانـث
ولـه‏:‏
وقل لحبيبك مت وجداً وذب طربا ** فيها وقل لزوال العقل لا تزل
واصمت إلى أن تراهـا فيك ناطقـة ** فإن وجـدت لسانا قائلا فقــل
ولهذا يصلون إلى مقام لا يعتقدون فيه إيجاب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإنما يرون الإيجاب والتحريم للمحجوبين عندهم، الذين لم يشهدوا أنه هو حقيقة الكون، فمن العابد ومن المعبود ومن الآمر ومن المأمور‏؟‏ كما قال صاحب الفتوحات في أولها‏:‏
الرب حـق والعبــــد حق **