(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثاني

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 01:22 AM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية، وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتابًا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء، ولم يكن القصد به ـ والله ـ واحدًا بعينه، وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين، فعلىنا أن نعينه في الدين والدنيا، بما هو اللائق به، وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إليَّ الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم‏.‏
/ وقد كتبت في ذلك كتابًا ربما يرسل إلى الشيخ، وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل، والله ـ تعالى ـ يعلم ـ وكفى به عليما ـ لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى، السالكين إليه من أعظم الواجبات ـ وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين ـ لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق، وتهتك أستارها، ولكن الشيخ ـ أحسن الله تعالى إليه ـ يعلم أن مقصود الدعوة النبوية، بل المقصود بخلق الخلق، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل‏:‏ أن يكون الدين كله لله، هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏45، 46‏]‏، وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏108‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏52، 53‏]‏‏.‏ وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد ـ الذيأنزل اللّه تعالى به الكتب، وبعث به الرسل ـ بالاتحاد الذي سموه توحيدًا، وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق‏.‏
وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه، لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من ‏[‏الفتوحات‏]‏، والكنة، والمحكم المربوط والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك‏.‏ ولم نكن بَعْدُ اطلعنا على / حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علىنا‏.‏
فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية، والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء، وجب البيان‏.‏
وكذلك كتب إلينا ـ من أطراف الشام ـ رجال سالكون أهل صدق وطلب، أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم‏.‏
والشيخ ـ أيده الله تعالى بنور قلبه، وذكاء نفسه وحقق قصده من نصحه للإسلام وأهله، ولإخوانه السالكين ـ يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة‏.‏
وهؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر، لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار، وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين، وذلك أن القسمة رباعية، فإن كل واحد من الاتحاد والحلول، إما معين في شخص وإما مطلق‏.‏
أما الاتحاد والحلول المعين، كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشائخ من جهال الفقراء والصوفية، فإنهم يقولون به في معين، إما بالاتحاد كاتحاد الماء واللبن، وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط، وإما بالحلول وهو قول النسطورية، وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول الملكانية‏.‏
/ وأما الحلول المطلق وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء، فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية، وكانوا يكفرونهم بذلك‏.‏
وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام، فما علمت أحدا سبقهم إليه إلا من أنكر وجود الصانع، مثل فرعون والقرامطة ـ وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق، وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض، هي نفس وجود المخلوقات، فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره، ولا أنه رب العالمين، ولا أنه غني، وما سواه فقير‏.‏
لكن تفرقوا على ثلاثة طرق، وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم؛ لأنه أمر مبهم‏.‏
الأول‏:‏ أن يقولوا‏:‏ إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية، حتى ذوات الحيوان، والنبات والمعادن، والحركات والسكنات، وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات، فوجودها وجود الحق، وذواتها ليست ذوات الحق، ويفرقون بين الوجود والثبوت، فما كنت به فى ثبوتك ظهرت به في وجودك‏.‏
ويقولون‏:‏ إن الله ـ سبحانه ـ لم يعط أحدًا شيئا، ولا أغنى أحدًا، ولا أسعده ولا أشقاه، وإنما وجوده فاض على الذوات، فلا تحمد إلا نفسك، و لا تذم إلا نفسك‏.‏
/ ويقولون‏:‏ إن هذا هو سر القدر، وأن الله ـ تعالى ـ إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجًا عن نفسه المقدسة‏.‏
ويقولون‏:‏ إن الله ـ تعالى ـ لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله ـ سبحانه ـ فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد، وأنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه؛ لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به الرسل‏.‏
ويقولون‏:‏ إنهم لم يعبدوا غير الله، ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى، وأن عبّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه، وأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏23‏]‏ معنى حكم، لا معنى أمر، فما عبد غير الله في كل معبود، فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع‏.‏
ويقولون‏:‏ إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية، فيدعى إلى الغاية، وإن قوم نوح قالوا‏:‏ ‏{‏لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏23‏]‏؛ لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم؛ لأن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه، وينكره من أنكره، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، وأن العارف منهم يعرف من عبدَ وفي أي صورة ظهر حتى عبد‏.‏
فإن الجاهل يقول‏:‏ هذا حجر وشجر، والعارف يقول‏:‏ هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فإن النصارى إنما كفروا؛ لأنهم خصصوا، وإن / عبّاد الأصنام ما أخطؤوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كل شيء‏.‏
والله يعبد ـ أيضا ـ كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام، وهو غذاؤها بالوجود، وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه، وهو خليل كل شيء بهذا المعنى، ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة، وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أمورًا عدمية‏.‏
ويقولون‏:‏ من أسمائه الحسنى‏:‏ العلى، عن ماذا وما ثم إلا هو‏؟‏ وعلى ماذا وما ثم غيره‏؟‏ فالمسمى محدثات وهي العلىة لذاتها وليست إلا هو، وما نكح سوى نفسه، وما ذبح سوى نفسه، والمتكلم هو عين المستمع‏.‏
وأن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه وأن موسى كان أوسع في العلم، فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله، وأن أعلى ما عبد الهوى، وأن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله، وفرعون كان عندهم من أعظم العارفين، وقد صدقه السحرة في قوله‏:‏ ‏{‏ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏24‏]‏، وفي قوله‏:‏ ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏38‏]‏‏.‏
وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين، وأقول‏:‏ إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون، المنكر لوجود الخالق الصانع، حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون، ويقولون‏:‏ نحن على قول فرعون‏.‏
/ وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص، والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات ‏{‏رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏10‏]‏
والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص، المضاف إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه جاء به‏:‏ وهو ما إذا فهمه المسلم علم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين، وجميع الأولياء والصالحين، بل جميع عوام أهل الملل، من اليهود والنصارى والصابئين‏:‏ يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله‏؟‏
ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور، الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ربهم ورب آبائهم الأولين، رب المشرق والمغرب‏.‏
ولا يقول أحد منهم‏:‏ إنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات، كما يقوله هؤلاء، حتى إنهم يقولون‏:‏ لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله، وهذا مركب من أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏أن المعدوم شيء ثابت في العدم ـ كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة ـ وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب السنة والإجماع‏.‏ وكثير من متكلمة أهل الإثبات ـ كالقاضي أبي بكر ـ كفر من يقول بهذا‏.‏
/وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها ـ وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ ـ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى‏.‏ فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة‏:‏ أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي‏.‏
ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏1‏:‏ 5‏]‏ فذكر المراتب الأربع‏:‏ وهي الوجود العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن الله تعالى علمه، ولهذا ذكر التعليم بالقلم، فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة‏.‏
وهذا القول ـ أعني قول من يقول‏:‏ إن المعدوم شيء ثابت في نفسه، خارج عن علم الله ـ تعالى ـ وإن كان باطلا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن عربي وافق أصحابه، وهو أحد أصلى مذهبه الذي في الفصوص‏.‏
والأصل الثاني‏:‏ أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق، ليس غيره ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية، لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام، وأحسن كلاما في مواضع كثيرة، فإنه يفرق بين الظاهر / والمظاهر، فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشائخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم، فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله‏.‏
وأما صاحبه ـ الصدر الرومي ـ فإنه كان متفلسفا، فهو أبعد عن الشريعة والإسلام؛ ولهذا كان الفاجر التلمساني ـ الملقب بالعفيف ـ يقول‏:‏ كان شيخي القديم متروحنًا متفلسفًا، والآخر فيلسوفا متروحنا ـ يعني الصدر الرومي ـ فإنه كان قد أخذ عنه، ولم يدرك ابن عربي في كتاب مفتاح غيب الجمع والوجود، وغيره يقول‏:‏ إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين، كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين، والجسم المطلق والجسم المعين، والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقا، لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة‏.‏
فحقيقة قوله‏:‏ إنه ليس لله ـ سبحانه ـ وجود أصلا، ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات؛ ولهذا يقول هو وشيخه‏:‏ إن الله تعالى لا يرى أصلا، وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير، والبول والعذرة، عين وجوده ـ تعالى الله عما يقولون‏.‏
وأما الفاجر التلمساني، فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر، فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربي، ولا يفرق بين المطلق والمعين / كما يفرق الرومي، ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وإن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبا، فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر‏.‏
ولهذا كان يستحل جميع المحرمات، حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول‏:‏ البنت والأم والأجنبية شيء واحد، ليس في ذلك حرام علىنا، وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا‏:‏ حرام، فقلنا‏:‏ حرام عليكم‏.‏
وكان يقول‏:‏ القرآن كله شرك ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا‏.‏
وكان يقول‏:‏ أنا ما أمسك شريعة واحدة، وإذا أحسن القول يقول‏:‏القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى، وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له‏.‏
وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء، وشعره في صناعة الشعر جيد، ولكنه كما قيل‏:‏ ‏(‏لَحْمُ خِنْزِير في طَبَق صيني‏)‏ وصنف للنصيرية عقيدة، وحقيقة أمرهم أن الحق بمنزلة البحر، وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه‏.‏
وأما ابن سبعين، فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضا بوحدة الوجود، وأنه ما ثم غير، وكذلك ابن الفارض في آخر نظم السلوك، لكن لم يصرح‏:‏ هل يقول بمثل قول التلمساني، أو قول الرومي، أو قول ابن عربي‏؟‏ وهو إلى كلام التلمساني أقرب، لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي / ما كفره أحد قط مثل التلمساني، وآخر يقال له‏:‏ البلياني من مشايخ شيراز‏.‏ ومن شعره‏:‏
وفــي كل شيء لـه آيــة ** تــدل علـى أنـه عينه
وأيضا‏:‏
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ** ويفهم هذا السر من هو ذائقـــه
وأيضا‏:‏
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ** لأني في التحقيق لست سواكم
وأيضا‏:‏
ما بال عيسك لا يقر قرارهــــا ** وإلام ظلك لا يني متنقــلا‏؟‏
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ** إلا إليك إذا بلغــت المنــزلا
وأيضا‏:‏
ما الأمر إلا نسق واحــد ** ما فيه من حمـــد ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت ** والطبع والشارع في الحكم
وأيضا‏:‏
يا عاذلي أنـــت تنهانــــي وتأمرنـي ** والوجد أصدق نهاء وأمـــار
فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي ** عن العيان إلى أوهام أخبــــــــار
/ فعين ما أنت تدعونــــي إليه إذا ** حققته تره المنهي يا جــــاري
وأيضا‏:‏
وما البحر إلا الموج لا شيء غيره ** وإن فرقتــه كثـــرة المتعــــدد
إلى أمثال هذه الأشعار، وفي النثر ما لا يحصى، ويوهمون الجهال أنهم مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة، مثل سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وإبراهيم بن أدهم، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، والشافعي، وأبي سليمان، وأحمد بن حنبل، وبشر الحافي، وعبد الله بن المبارك، وشقيق البلخي، ومن لا يحصى كثرة‏.‏
إلى مثل المتأخرين، مثل الجنيد بن محمد القواريري، وسهل بن عبد الله التستري، وعمر بن عثمان المكي، ومن بعدهم، إلى أبي طالب المكي، إلى مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ عدي، والشيخ أبي البيان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخ عبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق، ومصر والمغرب وخراسان، من الأولين والأخرىن‏.‏
كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم، وإن الله / ـ سبحانه ـ ليس هو خلقه ولا جزءًا من خلقه ولا صفة لخلقه، بل هو ـ سبحانه وتعالى ـ متميز بنفسه المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت الكتب الأربعة الإلهية، من التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وعليه فطر الله تعالى عباده، وعلى ذلك دلت العقول‏.‏
وكثيرا ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار، واندراس شريعة الإسلام، وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب، الذي يزعم أنه هو الله‏.‏
فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله، ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظـم‏.‏
وأما على رأي صاحب الفصوص، فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم، وأما على رأي الرومي فإن بعض المتعينات يكون أكبر، فإن بعض جزئيات الكلي أكبر من بعض، وأما على البقية فالكل أجزاء منه، وبعض الجزء أكبر من بعض‏.‏
فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين، وأكبر من الرسل بعـد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإبراهيم وموسى، وعيسى ـ عليهم السلام ـ فموسى قاتل فرعون الذي يدعي الربوبية، ويسلط الله تعالى مسيح الهدى ـ الذي قيل فيه‏:‏ إنه الله تعالى وهو بريء من ذلك ـ على مسيح الضلالة الذي قال‏:‏ إنه الله‏.‏
/ ولهـذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي صلى الله تعـالى عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنه أعور‏)‏، وكونه قال‏:‏ ‏(‏واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت‏)‏‏.‏ وابن الخطيب أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا؛ لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال، أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور‏.‏
فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية، وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية، ظهر سبب دلالة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بهذه العلامة، فإنه بعث رحمة للعالمين، فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في البشر، أو يقول‏:‏إنه هو البشر، كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء الإلهية عنه‏.‏
وقد خاطبني قديما شخص من خيار أصحابنا ـ كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه ـ وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه‏.‏
وجاء إلينا شخص كان يقول‏:‏ إنه خاتم الأولياء، فزعم أن الحلاج لما قال‏:‏ أنا الحق كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ كان من هذا الباب، فبينت له فساد هذا، وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى بن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى، لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق‏.‏
/ وهذا يقوله قوم من الاتحادية، لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه، وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية‏.‏
وقد كان سلف الأمة، وسادات الأئمة، يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود، كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحًا، وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان‏.‏
وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه، فإن كثيرًا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة، حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى، فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه‏.‏
وهذا كما قال بعض الناس‏:‏ متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شىء ؛ وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد، فهو يصف ربه بصفات العدم والموات‏.‏
وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد، والقلب لا يقصد إلا موجودًا لا معدوما فيحتاج أن يعبد المخلوقات، إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر، كالشمس والقمر، والبشر والأوثان وغير ذلك، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم، وهم لا يوحدون الله ـ سبحانه وتعالى ـ وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون‏.‏
/ ولهذا حدثني الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند، وقال‏:‏ إن أرض الإسلام لا تسعه؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان‏.‏
وهذا حقيقة قول الاتحادية، وأعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد تَألَّهوا على طريق هؤلاء الاتحادية، فإذا أخذوا يصفون الرب ـ سبحانه ـ بالكلام قالوا‏:‏ ليس بكذا، ليس بكذا، ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات كما يقوله المسلمون، لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل ـ عليهم السلام‏.‏
وإذا صار لأحدهم ذوق ووجد، تأله وسلك طريق الاتحادية، وقال‏:‏ إنه هو الموجودات كلها، فإذا قيل له‏:‏ أين ذلك النفي من هذا الإثبات‏؟‏ قال‏:‏ ذلك وجدي، وهذا ذوقي‏.‏ فيقال لهذا الضال‏:‏ كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل، وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات، فإن علم القلب وحاله متلازمان، فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال‏.‏
ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين ـ عليهم السلام ـ الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله ـ واتبعوا طريق السابقين الأولين، لسلكوا طريق الهدى، ووجدوا بَرْد اليقين وقُرَّة العين، فإن الأمر كما قال بعض الناس‏:‏إن الرسل / جاؤوا بإثبات مُفَصَّل ونفي مجمل، والصابئة المعطلة جاؤوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات‏:‏‏{‏إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏115‏]‏ و‏{‏عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏[‏فاطر‏:‏1‏]‏، و‏{‏إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏28‏]‏، ‏{‏رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏، وفي النفي‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏، ‏{‏وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏65‏]‏، ‏{‏سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات 180، 181‏]‏‏.‏
وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ ـ أيَّد الله تعالى به الإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه، وحسن مقاصده ونور قلبه ـ فإن ما فيه نكت مختصرة، فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ ـ أحسن الله تعالى إليه ـ ما اقتضى الحال أن أذكره ـ وحامل الكتاب مستوفز عجلان، وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين، عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما يقربهم، وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير، الذين قال الله سبحانه فيهم‏:‏ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏104‏]‏‏.
سئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج‏؟‏ وفيمن قال‏:‏ أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج‏:‏ ماذا يجب عليه‏؟‏ ويقول‏:‏ إنه قتل ظلمًا كما قتل بعض الأنبياء، ويقول‏:‏ الحلاج من أولياء الله‏.‏ فماذا يجب عليه بهذا الكلام، وهل قتل بسيف الشريعة‏؟‏
فأجـــاب‏:‏
الحمد للّه، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله‏:‏ أنا الله، وقوله‏:‏ إله في السماء وإله في الأرض‏.‏
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و‏{‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏‏[‏مريم‏:‏93‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏171‏]‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏}‏ الآيتين ‏[‏المائدة‏:‏72‏]‏‏.‏ فالنصارى الذين كفرهم الله/ ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله، كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح ـ كما تقوله الغالية في على، وكما تقوله الحلاجية في الحلاج، والحاكمية في الحاكم، وأمثال هؤلاء ـ فقولهم شر من قول النصارى؛ لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم‏.‏ وهؤلاء من جنس أتباع الدجال، الذي يدعى الإلهية ليتبع، مع أن الدجال يقول للسماء‏:‏ أمطري فتمطر، وللأرض‏:‏ أنبتي فتنبت، وللخربة‏:‏ أخرجي كنوزك، فتخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل رجلا مؤمنا ثم يأمر به فيقوم، ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال، فمن ادعى الإلهية بدون هذه الخوارق، كان دون هذا الدجال‏.‏ والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر، وله كتب منسوبة إليه في السحر‏.‏ وبالجملة، فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر، واتحاده به، وأن البشر يكون إلها، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قتل الحلاج‏.‏
ومن قال‏:‏ إن الله نطق على لسان الحلاج، وإن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله، وكان الله هو القائل على لسانه‏:‏ أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين، فإن الله لا يَحِل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم / بقوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أما إن الله قال على لسان نبيه‏:‏سمع الله لمن حمده‏)‏‏.‏
فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال‏:‏ إنه يقول على لسان الآخر كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي‏:‏ قل على لساني ما شئت، وكما يقال‏:‏ هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم‏.‏
وأما أن الله هو المتكلم على لسان البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع، فهذا كفر صريح، وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم، لكونه مصطلما في حال من أحوال الفنا والسكر، فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما القلم، فالقول وإن كان باطلا لكن القائل غير مؤاخذ‏.‏
ومثل هذا يعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف العقل، كما يقال‏:‏ إن محبوبًا ألقى نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه، فقال‏:‏ أنا وقعت فلم وقعت خلفي‏؟‏ قال‏:‏ غبت بك عني فظننت أنك أني‏.‏
وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته‏.‏
فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل ـ بحيث يرفع عنه القلم ـ لم يكن معاقبا على ما تكلم به في هذه الحال، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وأنه حال ناقص لا يكون لأولياء الله‏.‏
/ وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل كتابة دمه على الأرض‏:‏ الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك، فكله كذب‏.‏ فقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء ـ وقد شهد مقتله ـ وكما ذكر إسماعيل بن على الخطبي في تاريخ بغداد ـ وقد شهد قتله ـ وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد، وكما ذكر القاضي أبوبكر بن الطيب، وأبو محمد بن حزم وغيرهم، وكما ذكر أبو يوسف القزوينــي وأبوالفرج بن الجوزي، فيما جمعا من أخباره‏.‏
وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ الذين عدهم من مشايخ الطريق‏.‏ وما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ، ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول‏:‏ إنه وجب قتله في الظاهر، فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضا خطأ‏.‏
وقول القائل‏:‏ إنه قتل ظلمًا، قول باطل، فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه، صار زنديقًا، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق، فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل / المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، والقول الآخر تقبل توبته‏.‏
وقد اتفقوا على أنه إذا قتل مثل هذا لا يقال‏:‏ قتل ظلمًا‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ إن الحلاج من أولياء الله، فالمتكلم بهذا جاهل قطعا، متكلم بما لا يعلم، لو لم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد، فإن ولي الله من مات على ولاية الله، يحبه ويرضي عنه، والشهادة بهذا لغير من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم‏.‏
وذهبت طائفة من السلف ـ كابن الحنفية، وعلى بن المديني ـ‏:‏ إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه بجنازة فأثنوا خيرًا، فقال‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت‏)‏، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًا فقال‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت‏:‏ وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا فقلت‏:‏ وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض‏)‏‏.‏
فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولي الله في الباطن، إما بنص وإما بشهادة الأمة ـ فالحلاج ليس من هؤلاء، فجمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من / أهل الإلحاد ـ إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله، ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح‏.‏
فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلمًا وكان وليا لله، فقد قتل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري، ومحمد بن سعيد المصلوب، وبشار بن برد الأعمى، والسهروردي، وأمثال هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء أنهم قتلوا ظلمًا، وأنهم كانوا من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء‏.‏
وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار، وعثمان، وعلى، والحسين ونحوهم قتلهم الخوارج البغاة، لم يقتلوا بحكم الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم‏.‏ فإن الأئمة متفقون على تحريم دماء هؤلاء، وهم متفقون على دم الحلاج وأمثاله‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أن الاطلاع على أولياء الله لا يكون إلا ممن يعرف طريق الولاية، وهو الإيمان والتقوى‏.‏
ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد ـ كأهل الحلول والاتحاد ـ فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة، لم يكن عارفًا بالإيمان / والتقوى، فلا يكون عارفًا بطريق أولياء الله، فلا يجوز أن يميز بين أولياء الله وغيرهم‏.‏
الثالث‏:‏ أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته، فيكون من جنسه، فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه، كشهادة اليهود والنصارى والرافضة لأنفسهم على أنهم على الحق، وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة، فكيف يكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم أهل ضلال‏؟‏
الرابع‏:‏ أن يقال‏:‏ أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله أو لم يتب، فهذا غيب يعلمه الله منه، وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك، بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان‏.‏
وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذرًا في رفع القلم، وكذلك الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة، قد تكون عذرًا في الظاهر‏.‏
فهذا لو فرض، لم يجز أن يقال‏:‏قتل ظلما، ولا يقال‏:‏ إنه موافق له على اعتقاده، ولا يشهد بما لا يعلم، فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعى فيه الاصطلام والشبهة‏.‏ وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد، وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام‏.‏
/ ونحن إنما علىنا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به، ونعرف طريق الله الذي أمرنا به، وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل، وأنه يجب قتل مثله، وأما نفس الشخص المعين، هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به من توبة أو غيرها‏؟‏ فهذا أمر إلى الله، ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك، والله أعلم







من مواضيع : الغريب 0 الصلاة , الا صلاتي
0 أبو سفيان بن حرب
0 بداية الافطار على التمر
0 فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين
0 ليلة القدر _ اعظم ليلة


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:24 AM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

سئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس بن تيمية ـ رضي الله عنه ـ عمن يقول‏:‏ إن ما ثم إلا الله‏.‏ فقال شخص‏:‏ كل من قال هذا الكلام فقد كفر‏.‏
فأجاب ـ رضي الله عنه‏:‏
الحمد لله، قول القائل‏:‏ما ثم إلا الله‏:‏ لفظ مجمل، يحتمل معنى صحيحًا ومعنى باطلا، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله ـ فهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل وهو الذي يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه، ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏123‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عليه تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏30‏]‏‏.‏ فهذه المعاني كلها صحيحة، وهي من صريح التوحيد، وبها جاء القرآن، / فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏44‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏الذ ِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ‏}‏ إلى قَوله‏:‏‏{‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أولياءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏173‏:‏ 175‏]‏‏.‏ وكذلك لا ينبغي أن يرجى إلا الله، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏2‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عليه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 38‏]‏‏.‏ ولا ينبغي لهم أن يتوكلوا إلا على الله كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏12‏]‏، ولا ينبغي لهم أن يعبدوا إلا اللّه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏5‏]‏‏.‏ ولا يدعوا إلا الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏18‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏213‏]‏ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة‏.‏ ‏:‏
/وأما إن أراد القائل‏:‏ ما ثم إلا الله، ما يقوله أهل الاتحاد، من أنه ما ثم موجود إلا الله، ويقولون‏:‏ ليس إلا الله، أي ليس موجود إلا الله، ويقولون‏:‏ إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من معاني الاتحادية، الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد، ونحو ذلك من المعاني، التي توجد في كلام ابن عربي الطائي، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، ونحوهم من الاتحادية‏.‏
وكذلك من يقول بالحلول كما يقوله الجهمية، الذين يقولون‏:‏ إن الله بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطا بالمخلوقات، حتى إن هؤلاء يجعلونه في الكلاب والخنازير والنجاسات، أو يجعلون وجود ذلك وجوده، فمن أراد هذه المعاني فهو مُلْحِد ضال، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم‏.‏ / سئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر‏)‏ فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية‏؟‏ بينوا لنا ذلك‏؟‏
فأجــاب‏:‏
الحمد لله‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر‏)‏‏:‏ مروي بألفاظ أخر، كقوله‏:‏ ‏(‏يقول الله‏:‏ يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏يقول ابن آدم‏:‏ يا خيبة الدهر، وأنا الدهر‏)‏‏.‏
فقوله في الحديث‏:‏ ‏(‏بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار‏)‏ يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار، فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه‏.‏ كما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأولى الْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏43، 44‏]‏‏.‏ وإزجاء السحاب‏:‏سوقه‏.‏ والودق‏:‏المطر‏.‏
/ فقد بين ـ سبحانه ـ خلقه للمطر، وإنزاله على الأرض، فإنه سبب الحياة في الأرض، فإنه ـ سبحانه ـ جعل من الماء كل شيء حي، ثم قال‏:‏ ‏(‏يقلب الله الليل والنهار‏)‏ إذ تقليبه الليل والنهار‏:‏ تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض أخرىن‏.‏ وقد أخبر ـ سبحانه ـ بخلقه الزمان في غير موضع، كقوله‏:‏‏{‏وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏1‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏33‏]‏، وَقوله‏:‏‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏62‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأولى الألْبَابِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏190‏]‏، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان‏.‏ ولا يتوهم عاقل‏:‏ أن الله هو الزمان، فإن الزمان مقدار الحركة، والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها، كالحركة والسكون والسواد والبياض‏.‏
ولا يقول عاقل‏:‏ إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات، المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره، فكيف يكون هو الخالق‏؟‏
ثم أن يستغني بنفسه، وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول‏؟‏
/وأهل الإلحاد ـ القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد ـ لا يقولون‏:‏ إنه هو الزمان، ولا أنه من جنس الأعراض والصفات، بل يقولون‏:‏ هو مجموع العالم، أو حال في مجموع العالم‏.‏
فليس في الحديث شبهة لهم، لو لم يكن قد بين فيه أنه ـ سبحانه ـ مقلب الليل والنهار ـ فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار‏.‏
إذا تبين هذا، فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم‏.‏
أحدهما‏:‏ وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء‏:‏ أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية، ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان، يقول أحدهم‏:‏ قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا‏.‏
وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم‏:‏ يا دهر، فعلت كذا‏.‏ وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله تعالى، لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها، والدهر مخلوق له، هو الذي يقلبه ويصرفه‏.‏
والتقدير‏:‏أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهر لا فعل له، وإنما الفاعل هو الله وحده‏.‏
/وهذا كرجل قضي عليه قاض بحق أو أفتاه مُفْتٍ بحق، فجعل يقول‏:‏ لعن الله من قضى بهذا أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وفتياه فيقع السب عليه، وإن كان الساب ـ لجهله ـ أضاف الأمر إلى المبلغ في الحقيقة، والمبلغ له فعل من التبليغ، لخلاف الزمان فإن الله يقلبه ويصرفه‏.‏
والقول الثاني‏:‏ قول نُعَيْم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية‏:‏ أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه‏:‏ القديم الأزلي‏.‏
ورووا في بعض الأدعية‏:‏ يا دهر يا ديهور، يا ديهار، وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله ـ سبحانه ـ هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهرًا بكل حال‏.‏
فقد أجمع المسلمون ـ وهو مما علم بالعقل الصريح ـ أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان، فإن الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار‏.‏
وكذلك ما يجري مجرى ذلك في الجنة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏26‏]‏‏.‏ قالوا‏:‏على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، وفي الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد، والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولكن تعرف الأوقات بأنوار أخر، قد روى أنها تظهر من تحت العرش، فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار‏.‏
/ وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر‏؟‏ هذا مما تنازع فيه الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج، التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المطلقة، وأثبتوا الهيولي التي هي مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهرًا قائما بنفسه‏.‏
وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها، فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان، كما ظنوا مثل ذلك في الوجود المطلق، مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن، وليس في الخارج إلا شيء معين وهي الأعيان، وما يقوم بها من الصفات، فلا مكان إلا الجسم أو ما يقوم به، ولا زمان إلا مقدار الحركة، ولا مادة مجردة عن الصور، بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض، ولا صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم، أو ما هو جسم يقوم به العرض، وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار، والله أعلم‏.‏



انتهى الجزء الثاني

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته







من مواضيع : الغريب 0 فتاوى ابن تيمية _ الجزء الاول
0 الدعاء - مفهومه - أحكامه - أخطاء تقع فيه
0 علامات و أسباب حسن الخاتمة و سوء الخاتمة
0 JESUS in the QURAN
0 الاسلام , التعريف بالاسلام


رد مع اقتباس
رد

فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثاني



أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثاني

الساعة الآن: 09:40 AM


Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0 ©2007, Crawlability, Inc.