قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 01:16 AM   رقم المشاركة : 11
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

ثم ذلك الشوق إن كان قديما، كان ينبغي أن يفعل ذلك في الأزل، وإن كان محدثا فلابد من سبب يقتضي حدوثه، مع أنه قد يقال‏:‏ الشوق أيضا صفة نقص، ولهذا لم يثبت ذلك في حق الله تعالى، وقد روى‏:‏ ‏(‏طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق‏)‏ وهو حديث ضعيف‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏فخلق من نوره آدم وجعله كالمرآة، وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة‏)‏ يقتضي أن يكون آدم مخلوقا من المسيح، وهذا نقيض الواقع، فإن آدم خلق قبل المسيح، والمسيح خلق من مريم، ومريم من ذرية آدم فكيف يكون آدم مخلوقاً من ذريته‏؟‏‏.‏
وإن قيل‏:‏ المسيح هو نور الله فهذا القول ـ وإن كان من جنس قول النصارى ـ فهو شر من قول النصارى، فإن النصارى يقولون‏:‏ إن المسيح؛ هو الناسوت، واللاهوت الذي هو الكلمة هي جوهر الابن‏.‏ وهم يقولون‏:‏ اتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق بدن المسيح، لا يقولون‏:‏ إن آدم خلق من المسيح، إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت والناسوت جميعا، وذلك يمتنع أن يخلق منه آدم، وأيضا فهم لا يقولون‏:‏ إن آدم خلق من لاهوت المسيح‏.‏
وأيضا، فقول القائل‏:‏ إن آدم خلق من نور الله الذي هو المسيح‏:‏ إن أراد به نوره الذي هو صفة لله، فذاك ليس هو المسيح الذي هو قائم بنفسه، إذ يمتنع أن يكون القائم بنفسه صفة لغيره، وإن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه، فمعلوم أن المسيح لم يكن شيئا موجودا منفصلا قبل خلق آدم، فامتنع على كل تقدير أن يكون آدم مخلوقا من نور الله الذي هو المسيح‏.‏
/وأيضا فإذا كان آدم كالمرآة، وهو ينظر إلى ذاته المقدسة فيها، لزم أن يكون الظاهر في آدم هو مثال ذاته، لا أن آدم هو ذاته، ولا مثال ذاته، ولا كذاته‏.‏
وحينئذ، فإن كان المراد بذلك أن آدم يعرف الله تعالى، فيرى مثال ذاته العلمي في آدم، فالرب ـ تعالى ـ يعرف نفسه، فكان المثال العلمي إذا أمكن رؤيته كانت رؤيته للعلم المطابق له القائم بذاته أولى من رؤيته للعلم القائم بآدم، وإن كان المراد أن آدم نفسه مثال لله، فلا يكون آدم هو المرآة، بل يكون هو كالمثال الذي في المرآة‏.‏
وأيضا، فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور، هو قول النصارى الذين يخصونه بأنه الله أو ابن الله، وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول النصارى قولهم بعموم الاتحاد، حيث جعلوا في غير المسيح من جنس ما تقوله النصارى في المسيح‏.‏
وأما قول ابن الفارض‏:‏
وشاهدْ إذا استجليت ذاتــــك من ترى ** بغير مـــراء في المرآة الصقيلــة
أغيرك فيـــــــها لاح أم أنــــت ناظر ** إلىك بها عند انعكاس الأشعة‏؟‏
فهذا تمثيل فاسد، وذلك أن الناظر في المرآة يرى مثال نفسه، فيرى نفسه بواسطة المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة، فقولهم بوحدة الوجود باطل، وبتقدير صحته ليس هذا مطابقا له‏.‏
/وأيضا،فهؤلاء يقولون بعموم الوحدة والاتحاد والحلول في كل شىء،فتخصيصهم بعد هذا آدم أو نحو المسيح يناقض قولهم بالعموم، وإنما يخص المسيح ونحوه من يقول بالاتحاد الخاص، كالنصارى والغالية من الشيعة، وجهال النساك ونحوهم‏.‏
وأيضا، فلو قدر أن الإنسان يرى نفسه في المرآة، فالمرآة خارجة عن نفسه، فيرى نفسه أو مثال نفسه في غيره، والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى، فليس هناك مظهر مغاير للظاهر، ولا مرآة مغايرة للرائي‏.‏
وهم يقولون‏:‏ إن الكون مظاهر الحق، فإن قالوا‏:‏ المظاهر غير الظاهر لزم التعدد وبطلت الوحدة، وإن قالوا‏:‏ المظاهر هي الظاهر لم يكن قد ظهر شىء في شىء، ولا تجلى شىء في شىء، ولا ظهر شىء لشىء، ولا تجلى شىء لشىء، وكان قوله‏:‏
وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى
كلاما متناقضا؛ لأن هنا مخاطِبا ومخاطَبا ومرآة تستجلى فيها الذات، فهذه ثلاثة أعيان، فإن كان الوجود واحداً بالعين بطل هذا الكلام، وكل كلمة يقولونها تنقض أصلهم‏.
فصـــل
وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل‏:‏ الأمر أمران‏:‏ أمر بواسطة وأمر بغير واسطة، إلى آخره ـ فمضمونه أن الأمر الذي بواسطة هو الأمر الشرعي الديني، والذي بلا واسطة هو الأمر القدري الكوني، وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر بغير واسطة كلام باطل، فإن الأمر الديني يكون بواسطة وبغير واسطة، فإن اللّه كلم موسى وأمره بلا واسطة، وكذلك كلم محمداً صلى الله عليه وسلم، وأمره ليلة المعراج، وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهي أوامر دينية شرعية‏.‏
وأما الأمر الكوني‏:‏ فقول القائل‏:‏ إنه بلا واسطة خطأ، بل الله ـ تعالى ـ خلق الأشياء بعضها ببعض، وأمر التكوين ليس هو خطابا يسمعه المكون المخلوق، فإن هذا ممتنع؛ ولهذا قيل‏:‏ إن كان هذا خطابا له بعد وجوده لم يكن قد كون بكن؛ بل كان قد كون قبل الخطاب، وإن كان خطابا له قبل وجوده فخطاب المعدوم ممتنع‏.‏ وقد قيل في جواب هذا‏:‏ إنه خطاب لمعلوم لحضوره في العلم، وإن كان معدوما في العين‏.‏
وأما ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب‏.‏
/وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهرًا وباطنًا فكان قوله‏:‏ لا تقرب ظاهراً، وكان أمره ‏[‏بكل‏]‏ باطنا‏.‏
فيقال‏:‏ إن أريد بكونه قال‏:‏ ‏[‏كل‏]‏ باطنا أنه أمره بذلك في الباطن أمر تشريع ودين، فهذا كذب وكفر‏.‏ وإن كان أراد أنه خلق ذلك وقدره وكونه، فهذا قدر مشترك بين آدم وبين سائر المخلوقات، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏.‏
وإن قيل‏:‏ إن آدم شهد الأمر الكوني القدري وكان مطيعاً لله بامتثاله له، كما يقول هؤلاء‏:‏ إن العارف الشاهد للقدر يسقط عنه الملام، فهذا مع أنه معلوم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام فهو كفر باتفاق المسلمين‏.‏
فيقال‏:‏ الأمر الكوني يكون موجودًا قبل وجود المكون، لا يسمعه العبد، وليس امتثاله مقدورًا له، بل الرب هو الذي يخلق ما كونه بمشيئته وقدرته، والله ـ تعالى ـ ليس له شريك في الخلق والتكوين‏.‏والعبد وإن كان فاعلاً بمشيئته وقدرته، والله خالق كل ذلك، فتكوين الله للعبد ليس هو أمرًا لعبد موجود في الخارج يمكنه الامتثال، وكذلك ما خلقه من أحواله وأعماله خلقه بمشيئته وقدرته و‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٍ‏}‏‏[‏يس‏:‏82‏]‏، فكل ما كان من المكونات فهو داخل في هذا الأمر‏.‏/وأكل آدم من الشجرة، وغير ذلك من الحوادث، داخل تحت هذا كدخول آدم، فنفس أكل آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم‏.‏
فقول القائل‏:‏ إنه قال لآدم في الباطن‏:‏ ‏[‏كل‏]‏مثل قوله‏:‏ إنه قال للكافر‏:‏ اكفر، وللفاسق‏:‏ افسق، والله لا يأمر بالفحشاء، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يوجد منه خطاب باطن، ولا ظاهر للكفار والفساق، والعصاة بفعل الكفر والفسوق والعصيان، وإن كان ذلك واقعا بمشيئته، وقدرته وخلقه وأمره الكوني، فالأمر الكوني ليس هو أمراً للعبد أن يفعل ذلك الأمر، بل هو أمر تكوين لذلك الفعل في العبد، أو أمر تكوين لكون العبد على ذلك الحال‏.‏فهو ـ سبحانه ـ الذي خلق الإنسان هلوعا‏{‏إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ‏.‏ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏20، 21‏]‏، وهو الذي جعل المسلمين مسلمين، كما قال الخليل‏:‏‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏128‏]‏ فهو ـ سبحانه ـ جعل العباد على الأحوال التي خلقهم عليها، وأمره لهم بذلك أمر تكوين، بمعنى أنه قال لهم‏:‏ كونوا كذلك فيكونون كذلك، كما قال للجماد‏:‏ كن فيكون‏.‏
فأمر التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان، وهو لا يفتقر إلى علم المأمور ولا إرادته ولا قدرته، لكن العبد قد يعلم ما جرى به القدر في أحواله، كما يعلم ما جرى به القدر في أحوال غيره، وليس في ذلك علم منه بأن الله أمره في الباطن، بخلاف ما أمره في الظاهر، بل أمره بالطاعة باطنا / وظاهرًا، ونهاه عن المعصية باطنا وظاهراً، وقدر ما يكون فيه من طاعة ومعصية باطنا وظاهرًا، وخلق العبد وجميع أعماله باطنا وظاهرًا، وكون ذلك بقوله‏:‏ كن باطنا وظاهرًا‏.‏
وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر، بل القدر يؤمن به ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين، متناقض، فإن القدر إن كان حجة وعذرًا لزم ألا يلام أحد، ولا يعاقب ولا يقتص منه، وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه ـ إذا ظلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته ـ ألا ينتصر من الظالم، ولا يغضب عليه، ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة، لا يمكن أحد أن يفعله، فهو ممتنع طبعا محرم شرعا‏.‏
ولو كان القدر حجة وعذرًا، لم يكن إبليس ملوما ولا معاقبا، ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزاً، ولا إقامة الحدود جائزاً، ولا قطع السارق، ولا جلد الزاني ولا رجمه، ولا قتل القاتل ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه‏.‏
ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلا في فطر الخلق وعقولهم، لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء، الذين يطردون قولهم، فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد، لا في دنياه ولا آخرته، ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة، إن لم يكن أحدهما ملتزما مع الآخر نوعاً من الشرع، فالشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده‏.‏
/ لكن الشرائع تتنوع‏:‏ فتارة تكون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل، وتارة لا تكون كذلك، ثم المنزلة‏:‏ تارة تبدل وتغيرـ كما غير أهل الكتاب شرائعهم ـ وتارة لا تغير ولا تبدل، وتارة يدخل النسخ في بعضها وتارة لا يدخل‏.‏وأما القدر،فإنه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه، فإذا فعل فعلا محرما بمجرد هواه وذوقه ووجده، من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القدر، كما قال المشركون‏:‏‏{‏لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏148‏]‏، قال الله تعالى‏:‏‏{‏كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ‏.‏ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏148، 149‏]‏‏.‏ فبين أنهم ليس عندهم علم بما كانوا عليه من الدين، وإنما يتبعون الظن‏.‏
والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل أحد الاحتجاج بالقدر، فإنه لو خرب أحد الكعبة، أو شتم إبراهيم الخليل، أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه، كيف وقد عادوا النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء به من الدين، وما فعله هو أيضا من المقدور‏.‏
فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو مقدر، فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر، إن كان الاحتجاج به صحيحاً، ولكن كانوا يعتمدون / على ما يعتقدونه من جنس دينهم وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون‏.‏
وموسى لما قال لآدم‏:‏ ‏(‏لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ‏؟‏‏)‏ فقال آدم عليه السلام ـ فيما قال لموسى‏:‏ ‏(‏لم تلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق بأربعين عاماً ‏؟‏ فحج آدم موسى‏)‏،لم يكن آدم ـ عليه السلام ـ محتجا على فعل ما نهى عنه بالقدر، ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله، بل آحاد المؤمنين لا يفعلون مثل هذا، فكيف آدم وموسى‏؟‏
وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى، وموسى أعلم بالله من أن يلوم من هو دون نبي على فعل تاب منه، فكيف بنبي من الأنبياء‏؟‏ وآدم يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يحتج إلى التوبة، ولم يجر ما جرى من خروجه من الجنة وغير ذلك، ولو كان القدر حجة لكان لإبليس وغيره، وكذلك موسى يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون بالغرق، ولا بنو إسرائيل بالصعقة وغيرها، كيف وقد قال موسى‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏}‏‏[‏القصص‏:‏16‏]‏، وقال‏:‏‏{‏أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏155‏]‏، وهذا باب واسع‏.‏
وإنما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التي لحقتهم بآدم من أكل الشجرة؛ ولهذا قال‏:‏ لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة‏؟‏ واللوم لأجل المصيبة التي لحقت الإنسان نوع، واللوم لأجل الذنب الذي هو حق الله نوع آخر، / فإن الأب لو فعل فعلا افتقر به حتى تضرر بنوه، فأخذوا يلومونه لأجل ما لحقهم من الفقر، لم يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب‏.‏والعبد مأمور أن يصبر على المقدور، ويطيع المأمور، وإذا أذنب استغفر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ‏}‏‏[‏غافر‏:‏55‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏11‏]‏‏.‏ قال طائفة من السلف‏:‏ هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم‏.‏
فمن احتج بالقدر على ترك المأمور، وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد عكس الإيمان والدين، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر‏.‏
فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عَظُمَ جَزَعُه وقَلَّ صَبْرُه، فلا ينظر إلى القدر ولا يسلم له، وإذا أذنب ذنباً أخذ يحتج بالقدر، فلا يفعل المأمور، ولا يترك المحظور، ولا يصبر على المقدور، ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين، وأئمة المحققين الموحدين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين، وحزب الشيطان اللعين‏.‏
وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان، تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر، وأعظمهم ظلما وعدوانا، وأذل الناس إذا قهر، وأعظمهم جزعا ووهنا، كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب،والمقاتلة من أصناف الناس‏.‏
/والمؤمن إن قدر عدل وأحسن،وإن قهر وغلب صبر واحتسب،كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم ـ التي أولها‏:‏ بانت سعاد‏.‏‏.‏‏.‏إلخ ـ في صفة المؤمنين‏:‏
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ** يوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
وسئل بعض العرب عن شيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ رأيته يغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر‏.‏
وقـد قـال تعالى‏:‏ ‏{‏أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏90‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏آل عـمـران‏:‏120‏]‏، وقـال تـعـالـى‏:‏ ‏{‏بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏}‏ ‏[‏آل عـمـران‏:‏ 125‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏168‏]‏،فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة، فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور‏.‏
فمن رزق هذا وهذا فقد جمع له الخير، بخلاف من عكس فلا يتقى الله بل يترك طاعته متبعا لهواه ويحتج بالقدر،ولا يصبر إذا ابتلى ولا ينظر حينئذ إلى القدر، فإن هذا حال الأشقياء، كما قال بعض العلماء‏:‏ أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به‏.‏
/يقول‏:‏ أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقا لطاعتك، فتنسى نعمة الله عليك أن جعلك مطيعا له، وإذا عصيت لم تعترف بأنك فعلت الذنب،بل تجعل نفسك بمنزلة المجبور عليه بخلاف مراده،أو المحرك الذي لا إرادة له ولا قدرة ولا علم، وكلاهما خطأ‏.‏
وقد ذكر أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال‏:‏إذا عمل العبد حسنة فقال‏:‏ أي رب، أنا فعلت هذه الحسنة، قال له ربه‏:‏ أنا يسرتك لها وأنا أعنتك عليها‏.‏ فإن قال‏:‏ أي رب، أنت أعنتني عليها ويسرتني لها، قال له ربه‏:‏ أنت عملتها وأجرها لك، وإذا فعل سيئة فقال‏:‏أي رب، أنت قدرت على هذه السيئة‏.‏ قال له ربه‏:‏ أنت اكتسبتها وعليك وزرها،فإن قال‏:‏أي رب،إني أذنبت هذا الذنب وأنا أتوب منه، قال له ربه‏:‏أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك‏.‏ وهذا باب مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط، من غير شهود الأمر والنهي، والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور، وهذا أعظم الضلال
ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه، كان أكفر من اليهود والنصارى والمشركين، لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا يطرد قوله
وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله‏:‏ آدم كان أمره بكل باطنا فأكل، وإبليس كان توحيده ظاهراً فأمر بالسجود لآدم فرآه غيراً فلم يسجد / فغير الله عليه وقال‏:‏ ‏{‏اخْرُجْ مِنْهَا‏}‏الآية ‏[‏الأعراف‏:‏18‏]‏، فإن هذا ـ مع ما فيه من الإلحاد ـ كذب على آدم وإبليس فإن آدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة،وأنه هو الظالم لنفسه وتاب من ذلك، ولم يقل‏:‏إن الله ظلمني، ولا إن الله أمرني في الباطن بالأكل،قال تعالى‏:‏‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏37‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏، وإبليس أصر واحتج بالقدر فقال‏:‏‏{‏قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏39‏]‏‏.‏
وأما قوله‏:‏ ‏[‏رآه غيراً فلم يسجد‏]‏، فهذا شر من الاحتجاج بالقدر، فإن هذا قول أهل الوحدة الملحدين، وهو كذب على إبليس، فإن إبليس لم يمتنع من السجود لكونه غيراً بل قال‏:‏ ‏{‏أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏12‏]‏، ولم تؤمر الملائكة بالسجود لكون آدم ليس غيراً، بل المغايرة بين الملائكة وآدم ثابتة معروفة، والله تعالى‏:‏ ‏{‏ّوَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‏.‏قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏31، 32‏]‏
وكانت الملائكة وآدم معترفين بأن الله مباين لهم، وهم مغايرون له، ولهذا دعوه دعاء العبد ربه، فآدم يقول‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا‏}‏‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏، والملائكة تقول‏:‏ ‏{‏لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا‏}‏‏[‏البقرة‏:‏32‏]‏، وتقول‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ‏}‏الآية ‏[‏غافر‏:‏7‏]‏، وقد قال تعالى‏:‏‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏64‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏14‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏114‏]‏
فلو لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون أمروه بعبادة غير الله، ولا اتخاذ غير الله ولياً ولا حكماً، فلم يكونوا يستحقون الإنكار، فلما أنكر عليهم ذلك دل على ثبوت غيرٍ يمكن عبادته واتخاذه ولياً وحكماً، وأنه من فعل ذلك فهو مشرك بالله كما قال تعالى‏:‏‏{‏فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏213‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏22‏]‏،وأمثال ذلك‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏‏[‏آل عمران‏:‏128‏]‏ عين الإثبات للنبي صلى الله عيله وسلم كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏17‏]‏، ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏10‏]‏ فهذا بناء على قول أهل الوحدة والاتحاد، وجعل معنى قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏ أن فعلك هو فعل الله لعدم المغايرة، وهذا ضلال عظيم من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏ نزل في سياق قوله‏:‏ ‏{‏لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ‏.‏ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏127، 128‏]‏‏.‏/وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على قوم من الكفار أو يلعنهم في القنوت، فلما أنزل الله هذه الآية ترك ذلك، فعلم أن معناها إفراد الرب تعالى بالأمر، وأنه ليس لغيره أمر، بل إن شاء الله ـ تعالى ـ قطع طرفاً من الكفار، وإن شاء كَبَتَهُم فانقلبوا بالخسارة، وإن شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم‏.‏
وهذا كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏188‏]‏، ونحو ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا‏}‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏154‏]‏‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أن قوله‏:‏‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏17‏]‏ لم يرد به أن فِعلَ العبد هو فعل الله ـ تعالى ـ كما تظنه طائفة من الغالطين ـ فإن ذلك لو كان صحيحا لكان ينبغي أن يقال لكل أحد، حتى يقال للماشي‏:‏ ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب‏:‏ وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم‏:‏ ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب، والصائم والمصلي ونحو ذلك‏.‏
وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكفار‏:‏ ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب‏:‏ ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب‏.‏
ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد، خارج عن العقل والدين‏.‏
/ولكن معنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر رماهم، ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذ رماهم بالتراب وقال‏:‏ ‏(‏شاهت الوجوه‏)‏ لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم، فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم كلهم بقدرته‏.‏ يقول‏:‏ وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه، فإن هذا مستلزم للجمع بين النقيضين، بل نفى عنه الإيصال والتبليغ، وأثبت له الحذف والإلقاء، وكذلك إذا رمى سهما فأوصله الله إلى العدو إيصالا خارقاً للعادة، كان الله هو الذي أوصله بقدرته‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أنه لو فرض أن المراد بهذه الآية‏:‏أن الله خالق أفعال العباد فهذا المعنى حق، وقد قال الخليل‏:‏‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏128‏]‏، فالله هو الذي جعل المسلم مسلما، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا‏.‏ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا‏.‏ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏19، 21‏]‏، فالله هو الذي خلقه هلوعا، لكن ليس في هذا أن الله هو العبد، ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله حال في العبد‏.‏
فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق، والقول بأن الخالق حال في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل‏.‏
وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد، وهذا عين الضلال والإلحاد‏.‏
/الوجه الرابع‏:‏ أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏10‏]‏ لم يرد به‏:‏ أنك أنت الله، وإنما أراد‏:‏أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه، فمن بايعك فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به‏.‏
فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني‏)‏ ومعلوم أن أميره ليس هو إياه‏.‏
ومن ظن في قوله‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ‏}‏ أن المراد به‏:‏ أن فعلك هو فعل الله، أو المراد‏:‏ أن الله حال فيك ونحو ذلك، فهو ـ مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده ـ قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره‏.‏
وذلك أنه لو كان المراد به‏:‏ كون الله فاعلا لفعلك، لكان هذا قدراً مشتركا بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة الكذاب فقد بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضا، فيكون الله قد بايع الله، إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد، فإنه عام عندهم في هذا وهذا، فيكون الله قد بايع الله‏.‏
وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية، حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول‏:‏ أقاتل الله ‏؟‏ ما أقدر أن أقاتل الله، ونحو هذا / الكلام الذي سمعناه من شيوخهم، وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة‏.‏
وأمـا الحـلـول الخـاص فليس هـو قـول هؤلاء، بل هو قول النصارى ومن وافقهم من الغالية وهو باطل أيضا، فإن الله ـ سبحانه ـ قال له‏:‏‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏128‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ‏}‏‏[‏الجن‏:‏19‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏1‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏23‏]‏، وقال‏:‏‏{‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا‏.‏ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏18، 19‏]‏‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ‏}‏ بيَّن قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ‏}‏؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏‏[‏الفتح‏:‏10‏]‏‏.‏ ومعلوم أن يد النبي صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم، كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن يد الله فوق أيديهم ليست هي يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول عبد الله ورسوله، فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله وأمره ببيعتهم‏.‏
ألا ترى أن كل من وكل شخصا يعقد مع الوكيل، كان ذلك عقداً مع الموكل ‏؟‏ ومن وكل نائبا له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه، كانوا معاهدين لمستنيبه‏؟‏ ومن وكل رجلا في إنكاح أو تزويج، كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد‏؟‏ وقد قال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ‏}‏الآية ‏[‏التوبة‏:‏111‏]‏، ولهذا قال في تمام الآية‏:‏‏{‏وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏‏[‏الفتح‏:‏10‏]‏‏.‏
فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح، وأن الله إذا كان قد قال لنبيه‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏ فإيش نكون نحن‏؟‏ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تُطْرُوني كما أَطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏)‏
وأما قول القائل‏:‏
ما غبت عن القلب ولا عن عيني ** مـا بـيـنـكم وبـيـنـنـا مـن بـين
فهذا قول مبنى على قول هؤلاء، وهو باطل متناقض، فإن مبناه على أنه يرى الله بعينه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت‏)‏
وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحداً من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله علسه وسلم، والصحابة وأئمة المسلمين‏.‏
ولم يثبت عن ابن عباس، ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما، أنهم قالوا‏:‏ إن محمداً رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد، / وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله‏:‏ ‏(‏أتاني البارحة ربي في أحسن صورة‏)‏ الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسراً‏.‏
وكذلك حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس وغيرهما ـ مما فيه رؤية ربه ـ إنما كان بالمدينة كما جاء مفسراً في الأحاديث، والمعراج كان بمكة كما قال تعالى‏:‏‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏1‏]‏، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع‏.‏
وقد ثبت بنص القرآن أن موسى قيل له‏:‏ ‏{‏لن رآني‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏143‏]‏، وأن رؤية الله أعظم من إنزال كتاب من السماء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏153‏]‏، فمن قال‏:‏ إن أحدًا من الناس يراه، فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران،ودعواه أعظم من دعوى من ادعى أن الله أنزل عليه كتاباً من السماء‏.‏
والناس في رؤية الله على ثلاثة أقوال‏:‏
فالصحابة والتابعونَ وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحداً لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب ـ من المكاشفات والمشاهدات ـ ما يناسب حالها‏.‏
ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه، / وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد، ومعرفته في صورة مثالية، كما قد بسط في غير هذا الموضع‏.‏
والقول الثاني‏:‏ قول نفاة الجهمية‏:‏ أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة‏.‏
والثالث‏:‏ قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة‏.‏
وحلولية الجهمية يجمعون بين النفي والإثبات، فيقولون‏:‏ إنه لا يري في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه يرى في الدنيا والآخرة، وهذا قول ابن عربي ـ صاحب الفصوص ـ وأمثاله؛ لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى، وهو وجود الحق عندهم‏.‏
ثم من أثبت الذات قال‏:‏ يرى متجلياً فيها، ومن فرق بين المطلق والمعين قال‏:‏ لا يرى إلا مقيداً بصورة‏.‏
وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين‏:‏ إنكار رؤية الله، وإثبات رؤية المخلوقات، ويجعلون المخلوق هو الخالق، أو يجعلون الخالق حالا في المخلوق، وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة في الخارج وبين وجودها هو قول من يقول‏:‏ بأن المعدوم شيء في الخارج، وهو قول باطل، وقد ضموا إليه أنهم جعلوا نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق‏.‏
وأما التفريق بين المطلق والمعين ـ مع أن المطلق لا يكون هو في الخارج مطلقاً ـ فيقتضي أن يكون الرب معدوما، وهذا هو جحود الرب وتعطيله،/ وإن جعلوه ثابتا في الخارج جعلوه جزءا من الموجودات،فيكون الخالق جزءا من المخلوق أو عرضا قائما بالمخلوق، وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع‏.‏
وأما تناقضه فقوله‏:‏
ما غبت عن القلب ولا عن عيني ** ما بينكم وبيـــــــننا من بـــين
يقتضى المغايرة، وأن المخاطَب غير المخاطِب، وأن المخاطَب له عين وقلب لا يغيب عنهما المخاطب، بل يشهده القلب والعين، و الشاهد غير المشهود‏.‏
وقوله‏:‏
ما بينكم وبيننا من بين **
فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير المخاطب، وهذا إثبات لاثنين، وإن قالوا‏:‏ هذه مظاهر ومجالٍ، قيل‏:‏ فإن كانت المظاهر والمجالي غير الظاهر والمتجلي، فقد ثبتت التثنية وبطلت الوحدة، وإن كان هو إياها فقد بطل التعدد، فالجمع بينهما تناقض‏.‏
وقول القائل‏:‏
فارق ظلم الطبع وكن متحدا ** بالله وإلا فكل دعواك محال
إن أراد الاتحاد المطلق، فالمفارق هو المفارق، وهو الطبع وظلم الطبع، وهو المخاطب بقوله‏:‏ وكن متحداً بالله وهو المخاطب بقوله‏:‏ كل دعواك محال وهو القائل هذا القول، وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى‏.‏
/وإن أراد الاتحاد المقيد، فهو ممتنع، لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا فإن كانا بعد الاتحاد اثنين ـ كما كانا قبل الاتحاد ـ فذلك تعدد وليس باتحاد‏.‏
وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث ـ كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد، ونحو ذلك مما يثبته النصارى بقولهم في الاتحاد ـ لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته، كسائر ما يتحد مع غيره، فإنه لابد أن يستحيل‏.‏
وهذا ممتنع على الله ـ تعالى ـ ينزه عنه؛ لأن الاستحالة تقتضى عدم ما كان موجوداً، والرب ـ تعالى ـ واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له، يمتنع العدم على شيء من ذلك؛ ولأن صفات الرب اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب، وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق، فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل‏.‏
والرب ـ تعالى ـ يلازمه القدم والغنى والعزة، وهو ـ سبحانه ـ قديم غني عزيز بنفسه، يستحيل عليه نقيض ذلك، فاتحاد أحدهما بالآخر يقتضى أن يكون الرب متصفا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر والذل، والعبد متصفاً بنقيض صفاته من القدم، والغنى الذاتي، والعز الذاتي، وكل ذلك ممتنع، وبسط هذا يطول‏.‏
/ ولهذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال‏:‏ التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أنه لابد من تمييز المحدث عن القديم‏.‏
ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن عن مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل الرب رب، والعبد عبد‏:‏ ‏{‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ‏.‏ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ‏.‏ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا‏}‏‏[‏مريم‏:‏93‏:‏ 95‏]‏
وإن كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفي ـ وهو أن يحب العبد ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضى الله،ويغضب لما يغضب الله،ويأمر بما يأمر الله به،،وينهى عما ينهى الله عنه،ويوالي من يواليه الله،ويعادي من يعاديه الله، ويحب لله ويبغض لله، ويعطي لله ويمنع لله، بحيث يكون موافقا لربه تعالى ـ فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله،كما في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء / أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏‏.‏
وهذا الحديث يحتج به أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة‏:‏
منها‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة‏)‏ فأثبت نفسه ووليه ومعادي وليه، وهؤلاء ثلاثة، ثم قال‏:‏ ‏(‏وما تقرب إلىّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه‏)‏ فأثبت عبداً يتقرب إليه بالفرائض ثم بالنوافل، وأنه لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه، فإذا أحبه كان العبد يسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به‏.‏
وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب بالنوافل، وبعده هو عين العبد وعين غيره من المخلوقات فهو بطنه وفخذه، لا يخصون ذلك بالأعضاء الأربعة المذكورة في الحديث، فالحديث مخصوص بحال مقيد، وهم يقولون بالإطلاق والتعميم، فأين هذا من هذا‏؟‏
وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏إن الله يتجلى لهم يوم القيامة ثم يأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول‏:‏ أنا ربكم، فيقولون‏:‏ نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه‏.‏ ثم يأتيهم في الصورة التي رأوه فيها في أول مرة فيقول‏:‏ أنا ربكم فيقولون‏:‏ أنت ربنا‏)‏ فيجعلون هذا حجة لقولهم‏:‏ إنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل صورة‏.‏
/وهذا الحديث حجة عليهم في هذا أيضا، فإنه لا فرق عندهم بين الدنيا والآخرة وهو عندهم ـ في الآخرة ـ المنكرون الذين قالوا‏:‏ نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا‏.‏
وهؤلاء الملاحدة يقولون‏:‏ إن العارف يعرفه في كل صورة، فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم‏.‏ وهذا جهل منهم، فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون، وكان إنكارهم مما حمدهم ـ سبحانه وتعالى ـ عليه، فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي عبدوه؛ فلهذا قال في الحديث‏:‏ ‏(‏وهو يسألهم ويثبتهم وقد نادى المنادي‏:‏ ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون‏)‏
ثم يقال لهؤلاء الملاحدة‏:‏ إذا كان عندكم هو الظاهر في كل صورة، فهو المنكر وهو المنكر، كما قال بعض هؤلاء لآخر‏:‏ من قال لك‏:‏ إن في الكون سوى الله فقد كذب، وقال له الآخر‏:‏ فمن هو الذي كذب‏؟‏
وذكر ابن عربي أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال‏:‏ ما أبصر غيره أبول عليه‏؟‏ فقال له شيخه‏:‏ فالذي يخرج من بطنك من أين هو‏؟‏ قال‏:‏ فرجت عني‏.‏
ومر شيخان منهم التلمساني هذا والشيرازي على كلب أجرب ميت، فقال الشيرازي للتلمساني‏:‏ هذا أيضا من ذاته‏؟‏ فقال التلمساني‏:‏ هل ثم شيء خارج عنها‏؟‏
/وكان التلمساني قد أضل شيخًا زاهدًا عابدًا ببيت المقدس يقال له‏:‏أبو يعقوب المغربي المبتلى، حتى كان يقول‏:‏ الوجود واحد، وهو الله ولا أرى الواحد، ولا أرى الله، ويقول‏:‏ نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود، والوجود واحد لا ثنوية فيه، ويجعل هذا الكلام له تسبيحا، يتلوه كما يتلو التسبيح
وأما قول الشاعر‏:‏
إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ** وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
فشاهــد حقا حين يشهده الهوى ** بأن صلاة العارفين من الكفــــــر
فهذا الكلام ـ مع أنه كفر ـ هو كلام جاهل لا يتصور ما يقول، فإن الفناء والغيب‏:‏ هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر، وبالمعروف عن المعرفة، وبالمعبود عن العبادة، حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا مقام الفناء الذي يعرض لكثير من السالكين؛ لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة، بخلاف الفناء الشرعي، فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، فإن هذا تحقيق التوحيد والإيمان‏.‏
وأما النوع الثالث من الفناء ـ وهو الفناء عن وجود السوي بحيث يرى أن وجود الخالق هو وجود المخلوق ـ فهذا هو قول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة‏.‏
/والمقصود هنا أن قوله‏:‏ يغيب عن المذكور، كلام جاهل، فإن هذا لا يحمد أصلا، بل المحمود أن يغيب بالمذكور عن الذكر، لا يغيب عن المذكور في سطوات الذكر، اللهم إلا أن يريد أنه غاب عن المذكور فشهد المخلوق، وشهد أنه الخالق ولم يشهد الوجود إلا واحدًا، ونحو ذلك من المشاهد الفاسدة، فهذا شهود أهل الإلحاد لا شهود الموحدين، ولعمري إن من شهد هذا الشهود الإلحادي فإنه يرى صلاة العارفين من الكفر‏.‏
وأما قول القائل‏:‏
الكون يناديك أما تسمعنـي ** من ألف أشتاتي ومن فرقنـــي ‏؟‏
انظر لتراني منظرًا معتبـــرًا ** ما فيَّ سوى وجـود من أوجدني
فهو من أقوال هؤلاء الملاحدة، وأقوالهم كفر متناقض باطل في العقل والدين، فإنه إذا لم يكن فيه إلا وجود من أوجده، كان ذلك الوجود هو الكون المنادي، وهو المخاطب المنادي، وهو الأشتات المؤلفة المفرقة، وهو المخاطب الذي قيل له‏:‏ انظر‏.‏
وحينئذ يكون الوجود الواجب القديم الأزلي، قد أوجد نفسه وفرقها وألفها‏.‏ فهذا جمع بين النقيضين، فإن الواجب بنفسه لا يكون مفعولا مصنوعا، والشيء الواحد لا يكون خالقا مخلوقا، قديما محدثا، واجبا بنفسه واجبا بغيره، فإن هذا جمع بين النقيضين‏.‏
/فالواجب هو الذي لا تقبل ذاته العدم، والممكن هو الذي تقبل ذاته العدم، فيمتنع أن يكون الشيء الواحد قابلا للعدم غير قابل للعدم، والقديم هو الذي لا أول لوجوده، والمحدث هو الذي له أول، فيمتنع كون الشيء الواحد قديما محدثا‏.‏
ولولا أنه قد علم مرادهم بهذا القول، لأمكن أن يراد بذلك ما في سوى الوجود الذي خلقه من أوجدني، وتكون إضافة الوجود إلى الله إضافة الملك، لكن قد علم أنه لم يرد هذا؛ ولأن هذه العبارة لا تستعمل في هذا المعنى، وإنما يراد بوجود الله وجود ذاته لا وجود مخلوقاته، وهكذا قول القائل‏:‏
ذات وجود الــــــــ ** ـكون للخلق شهـــود
أن ليس لموجــــــــو ** د سوى الحق وجــود
مراده به أن وجود الكون هو نفس وجود الحق، وهذا هو قول أهل الوحدة، وإلا فلو أراد أن وجود كل موجود من المخلوقات هو من الحق تعالى ـ فليس لشيء وجود من نفسه، وإنما وجوده من ربه، والأشياء باعتبار أنفسها لا تستحق سوى العدم، وإنما حصل لها الوجود من خالقها وبارئها، فهي دائمة الافتقار إليه لا تستغني عنه لحظة، لا في الدنيا ولا في الآخرة ـ لكان قد أراد معنى صحيحا وهو الذي عليه أهل العقل والدين، من الأولىن والأخرىن‏.‏
وهؤلاء القائلون بالوحدة قولهم متناقض؛ ولهذا يقولون‏:‏ الشيء / ونقيضه، وإلا فقوله‏:‏ منه وإلا علاه يبدي ويعيد، يناقض الوحدة، فمن هو البادي والعائد منه وإليه إذا لم يكن إلا واحدًا‏.‏ وقوله‏:‏
وما أنا في طراز الكون شيء ** لأني مثل ظل مستحيـــــل
يناقض الوحدة؛ لأن الظل مغاير لصاحب الظل، فإذا شبه المخلوق بالظل لزم إثبات اثنين، كما إذا شبهه بالشعاع، فإن شعاع الشمس ليس هو نفس قرص الشمس، وكذلك إذا شبهه بضوء السراج وغيره‏.‏
والنصارى تشبه الحلول والاتحاد بهذا‏.‏
وقلت لمن حضرني منهم وتكلم بشيء من هذا‏:‏ فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله ـ على هذا ـ هو بمنزلة الشعاع والضوء، فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى‏؟‏ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا ‏؟‏
وجعلت أردد عليه هذا الكلام، وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له، وأن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد وإما مشترك بين المسيح وغيره، وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل‏.‏
وذكرت له‏:‏أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم/ منها، فإن المسيح عليه السلام وإن كان جاء بإحياء الموتى فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر، كالذين قالوا‏:‏ ‏{‏لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ‏}‏ ثم بعثهم الله بعد موتهم‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏55، 65‏]‏، وكالذي ضرب ببعض البقرة، وغير ذلك‏.‏
وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء والنصارى يصدقون بذلك‏.‏
وأما جعل العصا حَيّة، فهذا أعظم من إحياء الميت، فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانا تبتلع العِصِيّ والحبال، فهذا أبلغ في القدرة، وأنذر، فإن الله يحيي الموتي، ولا يجعل الخشب حيات‏.‏







آخر مواضيعه 0 رمضان فرصة للحجاب
0 المواقع الاباحية وتاثيرها على الفرد والمجتمع
0 فوائد الصيام بالصور
0 مغفرة الذنوب , اسباب لمغفرة الذنوب
0 لسان العرب , كتاب لسان العرب , ابن منظور

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:17 AM   رقم المشاركة : 12
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما إنزال المائدة من السماء، فقد كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن والسلوى، وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من ذلك، فإن الحلوى أو اللحم دائما هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة، من الزيتون والسمك وغيرهما‏.‏
وذكرت له نحوا من ذلك، مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه، وأن سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من المخلوقات، وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل، مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى، قد يكون أكمل في ذلك منه، وأما / خلقه من امرأة بلا رجل، فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك، فإنه خلق من بطن امرأة، وهذا معتاد، بخلاف الخلق من ضلع رجل، فإن هذا ليس بمعتاد‏.‏
فما من أمر يذكر في المسيح عليه السلام إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم، فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل، وأن ما يدعونه له إن كان ممكنا فلا اختصاص له به، وإن كان ممتنعا فلا وجود له فيه ولا في غيره‏.‏
ولهذا قال هؤلاء الاتحادية‏:‏ إن النصارى إنما كفروا بالتخصيص، وهذا أيضا باطل، فإن في الاتحاد عمومًا وخصوصا‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أن تشبيه الاتحادية أحدهم بالظل المستحيل يناقض قولهم بالوحدة، وكذلك قول الآخر‏:‏
أحن إليه وهو قلبي وهل يـــرى ** سواي أخو وجد يحن لقلبه‏؟‏
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ** وما بعده إلا لإفراط قربـــــه
هو ـ مع ما قصده به من الكفر والاتحاد ـ كلام متناقض، فإن حنين الشيء إلى ذاته متناقض؛ ولهذا قال‏:‏ وهل يرى سواي أخو وجد يحن لقلبه‏؟‏
وقوله‏:‏وما بعده إلا لإفراط قربه‏.‏ متناقض، فإنه لا قرب ولا بعد عند/ أهل الوحدة، فإنها تقتضي اثنين يقرب أحدهما من الآخر، والواحد لا يقرب من ذاته ولا يبعد من ذاته‏.
وأما قول القائل‏:‏ التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه، فهذا ـ أيضًا ـ من قول أهل الوحدة، وهو ـ مع كفره ـ قول متناقض؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد، وأن أقوال المشركين الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏23‏]‏، والذين قالوا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏، والذين قالوا‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏53، 54‏]‏، والذين قالوا‏:‏ ‏{‏حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏68‏]‏، ونحو هؤلاء ليس هذا هو لسان التوحيد‏.‏
وأما تناقض هذا القول على أصلهم، فإن الوجود إن كان واحدًا كان إثبات التعدد تناقضا، فإذا قال القائل‏:‏ الوجود واحد، وقال الآخر‏:‏ ليس بواحد، بل متعدد، كان هذان القولان متناقضين، فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر‏.‏
وإذا قال قائل‏:‏ الألسنة كلها لسانه، فقد صرح، بالتعدد، في قوله‏:‏ الألسنة كلها، وذلك يقتضي ألا يكون هذا اللسان هو هذا اللسان، فثبت التعدد وبطلت الوحدة‏.‏
/وكل كلام لهؤلاء ولغيرهم فإنه ينقض أصلهم، فإنهم مضطرون إلى إثبات التعدد‏.‏
فإن قالوا‏:‏ الوجود واحد، بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود فهذا صحيح، لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود هذا، بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي، كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس، ويقسمها المنطقيون إلى جنس، ونوع، وفصل، وخاصة، وعرض عام‏.‏
فالاشتراك في هذه الأسماء هو مستلزم لتباين الأعيان، وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر‏.‏ وهذا مما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات، فإنه أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود، فإذا كان وجود الفلك مباينًا مخالفًا لوجود الذرة والبعوضة، فوجود الحق ـ تعالى ـ أعظم مباينة لوجود كل مخلوق من مباينة وجود ذلك المخلوق لوجود مخلوق آخر‏.‏
وهذا وغيره مما يبين بطلان قول ذلك الشيخ حيث قال‏:‏ لا يعرف التوحيد إلا الواحد، ولا تصح العبارة عن التوحيد، وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغير، ومن أثبت غيرًا فلا توحيد له‏.‏
فإن هذا الكلام ـ مع كفره ـ متناقض، فإن قوله‏:‏ لا يعرف التوحيد إلا واحد يقتضي أن هناك واحدًا يعرفه وأن غيره لا يعرفه، هذا تفريق بين من يعرفه ومن لا يعرفه، وإثبات اثنين أحدهما يعرفه والآخر لا يعرفه، / وإثبات للمغايرة بين من يعرفه ومن لا يعرفه، فقوله بعد هذا‏:‏ ومن أثبت غيرًا فلا توحيد له يناقض هذا‏.‏
وقوله ‏:‏إنه لا تصح العبارة عن التوحيد كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر عن توحيده، ورسوله عبر عن توحيده، والقرآن مملوء من ذكر التوحيد، بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد
وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏45‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏25‏]‏، ولو لم يكن يصح عنه عبارة لما نطق به أحد‏.‏
وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة‏)‏
لكن التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة ـ وهو وحدة الوجود ـ أمر ممتنع في نفسه، لا يتصور تحققه في الخارج، فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود، بمعنى‏:‏أن اسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد، كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان، وهذا الجسم ليس هو ذاك، وهذا الإنسان ليس هو ذاك، وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك‏.‏
/وقوله‏:‏ لا يعبر عنه إلا بغير، يقال له‏:‏ أولا‏:‏ التعبير عن التوحيد يكون بالكلام، والله يعبر عن توحيده بكلامه، فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته، لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله، ولا يطلق عليه بأنه غير الله؛ لأن لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره، وصفات الله لا تباينه، ويراد به ما لم يكن إياه، وصفة الله ليست إياه، ففي أحد الاصطلاحين يقال‏:‏ إنه غيره، وفي الاصطلاح الآخر لا يقال‏:‏ إنه غير‏.‏
فلهذا لا يطلق أحدهما إلا مقرونًا ببيان المراد؛ لئلا يقول المبتدع‏:‏ إذا كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير الله فهو مخلوق، فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته وكلامه ليس هو صفة قائمة به، بل مخلوقة في غيره، فإن هذا فيه من تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو من أعظم الإلحاد، وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيرا مطلقًا، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها‏.‏
وأيضا، فيقال لهؤلاء الملاحدة‏:‏ إن لم يكن في الوجود غيره بوجه من الوجوه لزم أن يكون كلام الخلق، وأكلهم وشربهم، ونكاحهم وزناهم، وكفرهم وشركهم وكل ما يفعلونه من القبائح هو نفس وجود الله‏.‏
ومعلوم أن من جعل هذا صفة لله كان من أعظم الناس كفرًا وضلالا، فمن قال‏:‏ إنه عين وجود الله كان أكفر وأضل، فإن الصفات والأعراض لا تكون عين الموجود القائم بنفسه، وأئمة هؤلاء الملاحدة ـ كابن عربي ـ يقول‏:‏
/وكل كلام في الوجود كلامه ** سواء علىنا نثره ونظامه
فيجعلون كلام المخلوقين ـ من الكفر والكذب وغير ذلك ـ كلامًا لله، وأما هذا الملحد فزاد على هؤلاء، فجعل كلام الخلق وعبادتهم نفس وجوده، لم يجعل ذلك كلامًا له، بل نفى أن يكون هذا كلامًا له لئلا يثبت غيرًا له‏.‏
وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع، وبالعلوم العقلية الضرورية إثبات غير الله تعالى، وأن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى، ليس هو الله ولا صفة من صفات الله‏.‏
ولهذا أنكر الله على من عبد غيره ـ ولو لم يكن هناك غير لما صح الإنكار ـ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏‏[‏الزمر‏:‏64‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏14‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{‏هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏3‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏114‏]‏‏.‏
وكذلك قول القائل‏:‏ وجدت المحبة غير المقصود؛ لأنها لا تكون إلا من غير لغير، وغير ما ثم، ووجدت التوحيد غير المقصود؛ لأن التوحيد ما يكون إلا من عبد لرب، ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودًا ـ هو كلام فيه من الكفر والإلحاد والتناقض ما لا يخفى‏.‏
/فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏165‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏24‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏195‏]‏، ‏{‏يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 222‏]‏، ‏{‏يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏24‏]‏‏.‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان‏:‏ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار‏)‏‏.‏
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ـ عليه السلام‏.‏
وأول من أظهر ذلك في الإسلام الْجَعْد بن درْهم، فَضَحَّى به خالد بن عبد الله القَسْرِى يوم الأضحى بواسط، وقال‏:‏ أيها الناس، ضَحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ‏!‏ ثم نزل فذبحه‏.‏
وقوله ‏:‏المحبة ما تكون إلا من غير لغير، وغير ما ثم كلام باطل من كل وجه، فإن قوله ‏:‏لا تكون إلا من غير، ليس بصحيح، فإن الإنسان يحب نفسه وليس غيرًا لنفسه، والله يحب نفسه، وقوله‏:‏ ما ثم غير، باطل؛ فإن المخلوق/ غير الخالق، والمؤمنون غير الله وهم يحبونه، فالدعوى باطلة، فكل واحدة من مقدمتي الحجة باطلة ـ قوله‏:‏ لا تكون إلا من غير لغير وقوله‏:‏ غير ما ثم ـ فإن الغير موجود، والمحبة تكون من المحب لنفسه ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه في هذا القول ويقول كما قال ابن الفارض‏.‏
وكذلك قوله‏:‏ التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب، ولو أنصف الناس ما رأوا عابدًا ولا معبودًا كلا المقدمتين باطل، فإن التوحيد يكون من الله لنفسه، فإنه يوحد نفسه بنفسه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏18‏]‏، والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه، فقد وحد نفسه بنفسه، كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ‏[‏البقرة‏:‏163‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ‏}‏ ‏[‏النحل ‏:‏51‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُِ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏19‏]‏ وأمثال ذلك‏.‏
وأما المقدمة الثانية‏:‏ فقوله‏:‏ إن الناس لو أنصفوا ما رأوا عابدًا ولا معبودًا ـ مع أنه غاية في الكفر والإلحاد ـ كلام متناقض، فإنه إذا لم يكن ثم عابد ولا معبود بل الكل واحد، فمن هم الذين لا ينصفون إن كانوا هم الله‏؟‏ فيكون الله هو الذي لا ينصف، وإن كانوا غير الله فقد ثبت الغير، ثم إذا فسروه على كفرهم وقالوا‏:‏ إن الله هو الذي لا ينصف، وهو الذي يأكل، ويشرب ويكفر، كما يقول ذلك كثير منهم، مثل ما قال بعضهم لشيخه‏:‏ الفقير إذا صح أكل بالله، فقال له الآخر‏:‏ الفقير إذا صح أكل الله‏.‏
وقد صرح ابن عربي وغيره من شيوخهم بأنه هو الذي يجوع ويعطش، / ويمرض ويبول، ويَنْكَح ويُنكِح، وأنه موصوف بكل نقص وعيب؛ لأن ذلك هو الكمال عندهم‏.‏
كما قال في الفصوص‏:‏ فالعلى بنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستقصى به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة‏.‏ وقال‏:‏ ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم‏؟‏ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق‏؟‏ فهي كلها من أولها إلى آخرها صفات للعبد، كما أن صفات العبد من أولها إلى آخرها صفات الله تعالى‏.‏
وهذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه، فإنه يقال له‏:‏ فأنت الكامل في نفسك، الذي لا ترى عابدًا ولا معبودًا نعاملك بموجب مذهبك فتضرب وتوجع، وتهان وتُصْفَع، وإذا تَظَلَّم ممن فعل به ذلك واشتكى وصاح منه وبكى، قيل له‏:‏ ما ثم غير، ولا عابد ولا معبود، فلم يفعل بك هذا غيرك، بل الضارب هو المضروب والشاتم هو المشتوم، والعابد هو المعبود‏.‏ فإن قال‏:‏ تظلم من نفسه واشتكى من نفسه، قيل له أيضا‏:‏ فقل‏:‏ عبد نفسه، فإذا أثبت ظالما ومظلوما وهما واحد، قيل له‏:‏ فأثبت عابدًا ومعبودًا وهما واحد‏.‏
ثم يقال له‏:‏ هذا الذي يضحك ويضرب، هو نفس الذي يبكي ويصيح‏؟‏ وهذا الذي شبع وروى، هو نفس هذا الذي جاع وعطش‏؟‏ فإن اعترف بأنه/ غيره أثبت المغايرة، وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا، فبين العابد والمعبود أولى وأحرى‏.‏
وإن قال‏:‏ بل هو هو، عومل معاملة السوفسطائية، فإن هذا القول من أقبح السفسطة‏.‏ فيقال‏:‏ فإذا كان هو هو، فنحن نضربك ونقتلك، والشيء قتل نفسه وأهلك نفسه‏.‏
والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏ لكون نفسه أمرته بالسوء، والنفس أمارة بالسوء، لكن جهة أمرها ليست جهة فعلها، بل لابد من نوع تعدد، إما في الذات وإما في الصفات، وكل أحد يعلم بالحس والاضطرار أن هذا الرجل الذي ظلم ذاك ليس هو إياه، وليس هو بمنزلة الرجل الذي ظلم نفسه‏.‏ وإذا كان هذا في المخلوقين، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقين من هذا لهذا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا‏.‏
ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا، وهم عند كثير من الناس سادات الأنام، ومشايخ الإسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطريق، حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين، وأكابر مشايخ الدين ـ لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال‏.‏
ولكن يعلم أن الضلال لا حد له، وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق بين نوع الإنسان، فجعل منه من هو أفضل العالمين، وجعل منه من هو شر من الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء/ والأولياء، كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولى الألباب، هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين، الذين يفسدون الدنيا والدين‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ رد هذه الأقوال، وبيان الهدى من الضلال‏.‏
وأما توبة من قالها وموته على الإسلام، فهذا يرجع إلى الملك العلام، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ومن الممكنات أنه قد تاب على أصحاب هذه المقالات، والله تعالى غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب، والذنب وإن عظم، والكفر وإن غلظ وجسم، فإن التوبة تمحو ذلك كله، والله ـ سبحانه ـ لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، بل يغفر الشرك وغيره للتائبين، كما قال تعالى‏:‏ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏53‏]‏، وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها للتائبين‏.‏
وأما قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏ فإنها مقيدة خاصة، لأنها في حق غير التائبين، لا يغفر لهم الشرك، وما دون الشرك معلق بمشيئة الله تعالى
وأما الحكاية المذكورة عن الذي قال‏:‏ إنه التقم العالم كله، وأراد أن يقول‏:‏ أنا الحق وأختها التي قيل فيها‏:‏ إن الإلهية لا يدعيها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله ـ هو من هذا الباب‏.‏
/والفقير الذي قال‏:‏ ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله ـ مثل فرعون ونمروذ وأمثالهما ـ هو الذي أصاب ونطق بالصواب، وسدد في الخطاب‏.‏
ولكن هؤلاء الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله، ويدعون أنهم خير من موسى وأمثاله، حتى إنه حدثني بهاء الدين عبد السيد الذي كان قاضي اليهود وأسلم وحسن إسلامه ـ رحمه الله ـ وكان قد اجتمع بالشيرازي أحد شيوخ هؤلاء، ودعاه إلى هذا القول، وزينه له فحدثني بذلك، فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم، وأن قولهم من جنس قول فرعون، فقال لي‏:‏ إنه لما دعاه حسن الشيرازي إلى هذا القول قال له‏:‏ قولكم هذا يشبه قول فرعون، فقال‏:‏ نعم، ونحن على قول فرعون، وكان عبد السيد إذ ذاك لم يسلم بعد، فقال‏:‏ أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون، قال له‏:‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ لأن موسى أغرق فرعون‏.‏ فانقطع، فاحتج عليه بالنصر القدري الذي نصر الله به موسى لا بكونه كان رسولا صادقا‏.‏ قلت لعبد السيد‏:‏ وأقر لك أنه على قول فرعون‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قلت‏:‏ فمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة، أنا كنت أريد أن أبين لك أن قولهم هو قول فرعون، فإذا كان قد أقر بهذا فقد حصل المقصود‏.‏
فهذه المقالات وأمثالها من أعظم الباطل، وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها وأنه باطل، والواجب إنكارها، فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، الذي لا يضل به المسلمون، لاسيما وأقوال هؤلاء شر من أقوال اليهود والنصارى وفرعون، ومن عرف / معناها واعتقدها كان من المنافقين، الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهمْ‏}‏ ‏[‏التوبة73‏]‏ والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرًا من كفار أهل الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار‏.‏
وليس لهذه المقالات وجه سائغ، ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحًا فإنما يحمل عليها إذا لم يعرف مقصود صاحبها، وهؤلاء قد عرف مقصودهم، كما عرف دين اليهود والنصارى والرافضة، ولهم في ذلك كتب مصنفة، وأشعار مؤلفة، وكلام يفسر بعضه بعضا‏.‏
وقد علم مقصودهم بالضرورة، فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلفت إليه، ويجب بيان معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها، وخيف عليه أن يحسن الظن بها أو أن يضل، فإن ضررها على المسلمين أعظم من ضرر السموم التي يأكلونها ولا يعرفون أنها سموم، وأعظم من ضرر السُّرَّاق والخونة، الذين لا يعرفون أنهم سراق وخونة‏.‏
فإن هؤلاء غاية ضررهم موت الإنسان أو ذهاب ماله، وهذه مصيبة في دنياه قد تكون سببا لرحمته في الآخرة، وأما هؤلاء فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأولىائه، ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله، وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله، ويظهرون كلام الكفار والمنافقين، في قوالب ألفاظ أولياء الله المحققين، فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمنا وليا لله، فيصير منافقا عدوا لله‏.‏
/ولقد ضربت لهم مرة مثلا بقوم أخذوا طائفة من الحجاج ليحجوا بهم، فذهبوا بهم إلى قبرص لينصروهم، فقال لي بعض من كان قد انكشف له ضلالهم من أتباعهم‏:‏ لو كانوا يذهبون بنا إلى قبرص لكانوا يجعلوننا نصارى، وهؤلاء كانوا يجعلوننا شرًا من النصارى، والأمر كما قاله هذا القائل
وقد رأيت وسمعت عمن ظن هؤلاء من أولياء الله، وأن كلامهم كلام العارفين المحققين من هو من أهل الخير والدين ما لا أحصيهم، فمنهم من دخل في إلحادهم وفهمه وصار منهم، ومنهم من كان يؤمن بما لا يعلم، ويعظم ما لا يفهم، ويصدق بالمجهولات‏.‏
وهؤلاء هم أصلح الطوائف الضالين، وهم بمنزلة من يعظم أعداء الله ورسوله، ولا يعلم أنهم أعداء الله ورسوله، ويوالى المشركين وأهل الكتاب، ظانا أنهم من أهل الإيمان وأولى الألباب، وقد دخل بسبب هؤلاء الجهال المعظمين لهم من الشر على المسلمين، ما لا يحصيه إلا رب العالمين‏.‏
وهذا الجواب لم يتسع لأكثر من هذا الخطاب، والله أعلم بالصواب‏.‏
وسئل ‏:‏
ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين، و هداة المسلمين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ في الكلام الذي تضمنه كتاب ‏[‏فصوص الحكم‏]‏ وما شاكله من الكلام الظاهر في اعتقاد قائله‏:‏ أن الرب والعبد شيء واحد، ليس بينهما فرق، وأن ما ثمَّ غير، كمن قال في شعره‏:‏
أنا وهو واحد ما معنا شـــيء **
ومثل ‏:‏
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا **
ومثل ‏:‏
إذا كنـــت ليلى وليـــلى أنا **
وكقول من قال‏:‏
لو عرف الناس الحق مــــا ** رأوا عابدًا ولا معبـــــــودًا‏.‏
وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل، ولا في السنة، ولا في كلام الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين‏.‏
ويدعي القائل لذلك‏:‏ أنه يحب الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏31‏]‏، والله سبحانه وتعالى ذكر خير /خلقه بالعبودية في غير موضع، فقال تعالى عن خاتم رسله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏{‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏10‏]‏، وكذلك قال في حق عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عليه‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏59‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏172‏]‏‏.‏
فالنصارى كفار بقولهم مثل هذا القول في عيسى بمفرده، فكيف بمن يعتقد هذا الاعتقاد‏:‏ تارة في نفسه، وتارة في الصور الحسنة من النسوان والمردان‏؟‏‏!‏
ويقولون‏:‏ إن هذا الاعتقاد له سر خفي، وباطن حق، وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق‏.‏
فهل في هذه الأقوال سر خفي يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله أن يجتهد على التمسك بها والوصول إلى حقائقها ـ كما زعم هؤلاء ـ أم باطنها كظاهرها‏؟‏ وهذا الاعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به، أم هو الكفر بعينه‏؟‏
وهل يجب على المسلم أن يتبع في ذلك قول علماء المسلمين، ورثة الأنبياء والمرسلين، أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين‏؟‏ وإن ترك ما أجمع عليه أئمة المسلمين، ووافق هؤلاء المذكورين، فماذا يكون من أمر الله له يوم الدين‏؟‏
أفتونا مأجورين، أثابكم الله الكريم‏.‏
/فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن تيمية ـ رحمه الله‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، ما تضمنه كتاب فصوص الحكم وما شاكله من الكلام‏:‏ فإنه كفر باطنا وظاهرًا، وباطنه أقبح من ظاهره‏.‏ وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة، وأهل الحلول، وأهل الاتحاد‏.‏ وهم يسمون أنفسهم المحققين‏.‏
وهؤلاء نوعان‏:‏ نوع يقول بذلك مطلقًا، كما هو مذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله‏:‏ مثل ابن سبعين، وابن الفارض، والقونوي، والششتري، والتلمساني، وأمثالهم ممن يقول‏:‏ إن الوجود واحد، ويقولون‏:‏ إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر، بل يقولون‏:‏ الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق‏.‏
/ويقولون‏:‏ إن وجود الأصنام هو وجود الله، وإن عبَّاد الأصنام ما عبدوا شيئا إلا الله‏.‏
ويقولون‏:‏ إن الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات النقص والذم‏.‏
ويقولون‏:‏ إن عبّاد العجل ما عبدوا إلا الله، وإن موسى أنكر على هارون لكون هارون أنكر عليهم عبادة العجل، وإن موسى كان ـ بزعمهم ـ من العارفين الذين يرون الحق في كل شيء، بل يرونه عين كل شيء، وأن فرعون كان صادقًا في قوله‏:‏ ‏{‏فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏24‏]‏، بل هو عين الحق، ونحو ذلك مما يقوله صاحب الفصوص‏.‏
ويقول أعظم محققيهم‏:‏ إن القرآن كله شرك؛ لأنه فرق بين الرب والعبد، وليس التوحيد إلا في كلامنا‏.‏
فقيل له‏:‏ فإذا كان الوجود واحدًا، فلم كانت الزوجة حلالا والأم حرامًا‏؟‏ فقال‏:‏ الكل عندنا واحد، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا‏:‏ حرام‏.‏ فقلنا‏:‏ حرام عليكم‏.‏
وكذلك ما في شعر ابن الفارض في قصيدته التي سماها نظم السلوك كقوله ‏:‏
لها صلواتي بالمقـــام أقيمـــــــــها ** وأشهـــــد فيها أنها لي صلــت
كلانا مصــل واحــد ساجد إلــــى ** حقيقته بالجمع في كل سجـــدة
/وما كان لي صلى سواي، ولم تكن ** صلاتي لغيري في أدا كل سجدة
وقوله‏:‏
وما زلت إياها، وإياي لم تزل ** ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت
وقوله‏:‏
إلىَّ رسولا، كنت مني مرسلا ** وذاتي بآياتي علىّ استدلـــــــت
فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها، فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين، أهل التحقيق والتوحيد، وأما باطنها فإنه أعظم كفرًا وكذبًا وجهلًا من كلام اليهود والنصارى وعبّاد الأصنام‏.‏
ولهذا فإن كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته، كان أعظم كفرًا وفسقا، كالتلمساني، فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب، وأخبرهم بحقيقته، فأخرجه ذلك إلـى الفعل فكان يعظـم اليهود والنصـارى والمشركين، ويستحل المحرمات ويصنف للنصيرية كتبًا على مذهبهم، يقرهم فيها على عقيدتهم الشركية‏.‏
وكذلك ابن سبعين كان من أئمة هؤلاء، وكان له من الكفر والسحرـ / الذي يسمى السيميا ـ والموافقة للنصارى، والقرامطة والرافضة، ما يناسب أصوله‏.‏
فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب، ووافقهم عليه، كان أظهر كفرًا وإلحادًا‏.‏
وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانًا، ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم، وتسليما لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد، أو جاهل ضال‏.‏
وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون‏:‏ إن الله بذاته حال في كل مكان، ولكن أهل وحدة الوجود حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية‏.‏
وأما النوع الثاني‏:‏ فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معين، كالنصارى الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى، والغالية الذين يقولون بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته، والحاكمية الذين يقولون بذلك في الحاكم، والحلاَّجية الذين يقولون بذلك في الحلاج، واليونسية الذين يقولون/ بذلك في يونس، وأمثال هؤلاء ممن يقول بإلهية بعض البشر، وبالحلول والاتحاد فيه، ولا يجعل ذلك مطلقا في كل شيء‏.‏
ومن هؤلاء من يقول بذلك في بعض النسوان والمردان، أو بعض الملوك أو غيرهم، فهؤلاء كفرهم شر من كفر النصارى الذين قالوا‏:‏ إن الله هو المسيح ابن مريم‏.‏
وأما الأولون‏:‏ فيقولون بالإطلاق‏.‏ ويقولون‏:‏ النصارى إنما كفروا بالتخصيص‏.‏
وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى، وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، ولهذا يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يُلَبِّسون على من لم يفهمه‏.‏
فهذا كله كفر باطنا وظاهرًا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين‏.‏
ولكن هؤلاء يشبهون بشيء آخر، وهو ما يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر، فإنه قد يعرض لأحدهم ـ لقوة استيلاء الوجد والذكر عليه ـ من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره، فيغيب بمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده‏.‏
/ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين، كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال له‏:‏ أنا وقعت، فما الذي أوقعك‏؟‏ فقال‏:‏ غبت بك عني، فظننت أنك أني‏.‏
وينشدون‏:‏
رق الزجاج، وراقت الخمر ** وتشاكلا، فتشابه الأمر
فكـأنمـا خمر ولا قـــــــدح ** وكـأنما قـدح ولا خمـــر
وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين، وليست حالا لازمة لكل سالك، ولا هي أيضا غاية محمودة، بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد باطنا وظاهرًا كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكمل من هذا وأتم‏.‏
والمعنى الذي يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام‏:‏ فناء عن عبادة السوي، وفناء عن شهود السوي، وفناء عن وجود السوي‏.‏
فالأول‏:‏ أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو تحقيق ‏[‏لا إله إلا الله‏]‏ فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله، ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل عند الله‏.‏
/ والثاني‏:‏ أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع، ونحو ذلك‏.‏
وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه المعبود لا إله إلا هو، الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأمر بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله، فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقا وأمرًا ـ كان أتم معرفة وشهودًا، وإيمانًا وتحقيقا، من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، وهو الشهود الصحيح المطابق‏.‏ لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا، كان معذورًا للعجز، لا محمودًا على النقص والجهل‏.‏
والثالث‏:‏ الفناء عن وجود السوى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون‏:‏ وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثم غير ولا سوى في نفس الأمر‏.‏
فهؤلاء قولهم أعظم كفرًا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام‏.‏
وأيضا، فإن ولاية الله هي موافقته بالمحبة لما يحب، والبغض لما يبغض والرضا بما يرضي، والسخط بما يسخط، والأمر بما يأمر به، والنهي عما ينهى عنه، والموالاة لأولىائه، والمعاداة لأعدائه، كما في صحيح البخاري / عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يسعى، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏، فهذا أصح حديث روى في الأولياء‏.‏
فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم، لقوله ‏(‏كنت سمعه وبصره ويده ورجله‏)‏ والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة‏:‏
منها قوله‏:‏ ‏(‏من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة‏)‏ فأثبت معاديا محاربًا ووليا غير المعادي، وأثبت لنفسه ـ سبحانه ـ هذا وهذا‏.‏
ومنها قوله‏:‏ ‏(‏وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه‏)‏ فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربا افترض عليه فرائض‏.‏
ومنها قوله‏:‏ ‏(‏ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه‏)‏ فأثبت متقرِِّبًا ومتقرَّبًا إليه، ومحبا ومحبوبًا غيره‏.‏ وهذا كله ينقض قولهم‏:‏ الوجود واحد‏.‏
ومنها قوله‏:‏ ‏(‏فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به‏)‏ إلى آخره، فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد، وهو عندهم هذه الأعضاء‏:‏ بطنه، وفرجه، وشعره، وكل شيء، لا تعدد عندهم، ولا كثرة في الوجود، ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر، فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم‏.‏
وإن جعلوها ثابتة في العدم ـ كما يقوله ابن عربي ـ أو جعلوها المعينات، والمطلق هو الحق، كانوا قد بنوا ذلك على قول من يقول‏:‏ المعدوم شيء، وقول من جعل الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات‏.‏
والأول‏:‏ قول طائفة من المعتزلة، وهو قول ابن عربي‏.‏
والثاني‏:‏ قول طائفة من الفلاسفة، وهو قول القونوي صاحب ابن عربي، وكلا القولين باطلان عند العقلاء، ولهذا كان التلمساني أحذق منهما فلم يثبت شيئا وراء الوجود‏.‏
كما قيل‏:‏
وما البحر إلا الموج، لا شيء غيره ** وإن فرقته كثرة المتعــــــدد
لكن هؤلاء الضلال من الفلاسفة والمعتزلة ما قالوا‏:‏ وجود المخلوق هو وجود الخالق، وهؤلاء الملاحدة قالوا‏:‏ هذا هو هذا، ولهذا صاروا يقولون بالحلول من وجه، لكون الوجود في كل الذوات، أو بالعكس، وبالاتحاد من وجه لاتحادهما، وحقيقة قولهم هي وحدة الوجود‏.‏
/في الحديث وجوه أخرى تدل على فساد قولهم‏.‏
والحديث حق، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته‏:‏ ‏(‏اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورا، واجعل لي نورا‏)‏
فولي الله فيه من الموافقة لله ما يتحد به المحبوب والمكروه، والمأمور والمنهي ونحو ذلك، فيبقى محبوب الحق محبوبه، ومكروه الحق مكروهه، ومأمور الحق مأموره، وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه، بل المخلوق إذا أحب المخلوق محبة تامة حصل بينهما نحو من هذا، حتى قد يتألم أحدهما بتألم الآخر، ويلتذ بلذته‏.‏
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر‏)‏؛ ولهذا كان المؤمن يسره ما يسر المؤمنين، ويسوؤه ما يسوؤهم، ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم‏.‏
/فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات الآخر، ولا حلت فيه، بل هو توافقهما واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله وشعب ذلك مثل محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه الله ورسوله‏.‏
فإذا كان هذا معقولا بين المؤمنين فالعبد إذا كان موافقا لربه تعالى فيما يحبه ويبغضه، ويأمر به وينهى عنه، ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده‏:‏ كيف تكون ذات أحدهما هي الأخرى أو حالة فيها‏؟‏
فإذا عرفت هذه الأصول من الحلول والاتحاد المطلق والمعين، الذي هو باطل، ومما هو من أحوال أهل الإيمان، ومن ولاية الله تعالى وموافقته فيما يحبه ويرضاه وتوابع ذلك، تبين لك جواب مسائل السائل‏.‏
وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ كلمات مشتبهة مجملة، فيحملونها على المعاني الفاسدة، كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الأنبياء، فيدعون المحكم، ويتبعون المتشابه
فقول القائل‏:‏ إن الرب والعبد شيء واحد، ليس بينهما فرق‏:‏ كفر صريح، لا سيما إذا دخل في ذلك كل عبد مخلوق، وأما إذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين، فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر به، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه‏.‏
ولما رضوا ما يرضي وسخطوا ما يسخط، كان الحق يرضي لرضاهم ويغضب لغضبهم، إذ ذلك متلازم من الطرفين‏.‏
/ ولا يقال في أفضل هؤلاء‏:‏ إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق، لكن يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 57‏]‏ وأمثال ذلك‏.‏ وأما سائر العباد، فإن الله خالقهم ومالكهم وربهم، وخالق قدرتهم وأفعالهم، ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه، كان محبا لأهله مكرمًا لهم، وما كان منها مما يسخطه ويكرهه، كان مبغضا لأهله مهينا لهم‏.
وأفعال العباد مفعولة مخلوقة للّه، ليست صفة له ولا فعلًا قائما بذاته‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 17‏]‏، فمعناه‏:‏ وما أوصلت إذ حذفت، ولكن الله أوصل المرمى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب، وقال‏:‏ ‏(‏شاهت الوجوه‏)‏ فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم، وكانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم، والرمي له مبدأ، وهو الحذف، ومنتهي وهو الوصول، فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ رَمَيْتَ‏}‏ ونفى عنه المنتهي، وأثبته لنفسه بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى‏}‏ وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي، فإن هذا تناقض‏.‏
/ والله تعالى ـ مع أنه هو خالق أفعال العباد ـ فإنه لا يصف نفسه بصفة من قامت به تلك الأفعال، فلا يسمي نفسه مصليا ولا صائما، ولا آكلا ولا شاربا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا‏.‏
وقول القائل‏:‏ ما ثم غير إذا أراد به ما يريده أهل الوحدة، أي ما ثم غير موجود سوى الله‏:‏ فهذا كفر صريح‏.‏ ولو لم يكن ثم غير لم يقل‏:‏ ‏{‏قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 14‏]‏ ولم يقل‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏‏[‏الزمر‏:‏ 64‏]‏ فإنهم كانوا يأمرونه بعبادة الأوثان، فلو لم يكن غير الله لم يصح قوله‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏ ولم يقل‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا َ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 114‏]‏ ولم يقل الخليل‏:‏ ‏{‏قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 75، 77‏]‏ ولم يقل‏:‏ فّطّرّنٌي‏{‏إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 26، 27‏]‏ فإن إبراهيم لم يعاد ربه، ولم يتبرأ من ربه، فإن لم تكن تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون غير الله، لكان إبراهيم قد تبرأ من الله وعادى الله، وحاشا إبراهيم من ذلك‏.‏
وهؤلاء الملاحدة في أول أمرهم ينفون الصفات، ويقولون‏:‏ القرآن هو الله، أو غير الله‏.‏ فإذا قيل لهم‏:‏ غير الله‏.‏ قالوا‏:‏ فغير الله مخلوق‏.‏
وفي آخر أمرهم يقولون‏:‏ ما ثم موجود غير الله، أو يقولون‏:‏ العالم لا هو الله ولا هو غيره‏.‏
ويقولون‏:‏
/وكل كلام في الوجود كلامه ** سواء علينا نثره ونظامــــــه
فينكرون على أهل السنة إذا أثبتوا الصفات، ولم يطلقوا عليها اسم الغير، وهم لا يطلقون على المخلوقات اسم الغير، وقد سمعت هذا التناقض من مشايخهم، فإنهم في ضلال مبين‏.‏
وأما قول الشاعر في شعره‏:‏
أنا من أهوى ومن أهوى أنا‏؟‏ **
وقوله‏:‏
إذا كنت ليلـــى وليلــى أنــا **
فهذا إنما أراد به هذا الشاعر الاتحاد الوضعي، كاتحاد أحد المتحابين بالآخر، الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغض، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، وهو تشابه وتماثل، لا اتحاد العين بالعين، إذ كان قد استغرق في محبوبه حتى فنى به عن رؤية نفسه، كقول الآخر‏:‏
غبت بك عنــــــي ** فظننــــــــــت أنك أني
فإما أن يكون غالطًا مستغرقًا بالفناء، أو يكون عني التماثل والتشابه، واتحاد المطلوب والمرهوب، لا الاتحاد الذاتي‏.‏ فإن أراد الاتحاد الذاتي ـ مع عقله لما يقول ـ فهو كاذب مفتر، مستحق لعقوبة المفترين‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ لو رأى الناس الحق لما رأوا عابدًا ولا معبودًا، فهذا من جنس قول الملاحدة الاتحادية، الذين لا يفرقون بين الرب والعبد، / وقد تقدم بيان قول هؤلاء، وهؤلاء يجمعون بين الضلال والغي، بين شهوات الغي في بطونهم وفروجهم، وبين مضلات الفتن‏.‏
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغَيِّ في بطونكم وفروجكم‏)‏، حتى يبلغ الأمر بأحدهم إلى أن يهوى المردان، ويزعم أن الرب تعالى تجلى في أحدهم، ويقولون‏:‏ هو الراهب في الصومعة، وهذه مظاهر الجمال، ويقبل أحدهم الأمرد، ويقول‏:‏ أنت الله‏.‏
ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه، ويدعي أنه الله رب العالمين، أو أنه خلق السموات والأرض، ويقول أحدهم لجليسه‏:‏ أنت خلقت هذا، وأنت هو، وأمثال ذلك‏.‏
فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوؤها الذي تفترشه، وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم صَرْفا ولا عَدْلا‏.‏
ومن قال‏:‏ إن لقول هؤلاء سرًا خفيًا وباطن حقٍ، وأنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق، فهو أحد رجلين‏:‏ إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال‏.‏ فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله‏.‏
/ ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق‏.‏ وهذا السر هو أشد كفرًا وإلحادا من ظاهره، فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء، قد لا يفهمه كثير من الناس‏.‏
ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض، ويتواجد عليها ويعظمها، ظانا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها، وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته، فإما أن يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقته، وإما أن ينكروه إنكارًا مجملا من غير معرفة بحقيقته، ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم‏.‏
وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه، وقالوا‏:‏ هذا من علماء الرسوم، وأهل الظاهر، وأهل القشر، وقالوا‏:‏ علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة، وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا‏:‏ ليس هذا عشك فادرج عنه، ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه، وتجهيل لمن لم يصل إليه‏.‏
وإن رأوه عارفا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم، وقالوا‏:‏ هو من كبار العارفين‏.‏
/ وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا‏:‏ هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي
وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام‏.‏
وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم‏.‏
فضَلالُهم عظيم، وإفكُهم كبير، وتلْبيسُهم شديد، والله ـ تعالى ـ يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، والله أعلم‏.‏
/ فصـــل
فيما عليه أهل العلم والإيمان من الأولين والأخرين، مما يشبه الاتحاد والحلول الباطل وهو حق ـ وإن سمي حلولا أو اتحادًا ـ وهو ما عليه أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة، وأهل المعرفة واليقين من جميع الطوائف بدلالة الكتاب والسنة‏.‏
أما الحلول‏:‏ فلا ريب أن من علم شيئا فلابد أن يبقى في قلبه منه أثر ونعت، وليس حاله بعد العلم به كحاله قبل العلم به، حتى يكون العلم نسبة محضة بمنزلة العلو والسفول‏.‏ فإن المستعلى إذا نزل زال علوه، والسافل إذا اعتلى زال سفوله، والعلم لا يزول، بل يبقى أثره بكل حال، فإذا كان مع العلم به يحبه أو يرجوه أو يخافه، كان لهذه الأحوال أثر ونعت آخر وراء العلم والشعور، وإن كانا قد يتلازمان‏.‏
فإذا ذكره بلسانه، كانت هذه الآثار أعظم، وإذا خضع له بسائر جوارحه، كان ذلك أعظم وأعظم‏.‏
وهذه المعاني هي في الأصل مشتركة في كل مدرِك ومُدرَك، ومحب ومحبوب، وذاكر ومذكور، وسواء كان على وجه العبادة، كعبادة الله / وحده لا شريك له، أو عبادة الأنداد من الذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، أو على غير وجه العبادة، كمحب الإخوان والولدان، والنسوان والأوطان، وغير ذلك من الأكوان‏.‏
فالمؤمن الذي آمن بالله بقلبه وجوارحه إيمانه يجمع بين علم قلبه وحال قلبه‏:‏ تصديق القلب وخضوع القلب، ويجمع قول لسانه وعمل جوارحه، وإن كان أصل الإيمان هو ما في القلب أو ما في القلب واللسان، فلابد أن يكون في قلبه التصديق بالله والإسلام له، هذا قول قلبه، وهذا عمل قلبه، وهو الإقرار بالله‏.‏
والعلم قبل العمل، والإدراك قبل الحركة، والتصديق قبل الإسلام، والمعرفة قبل المحبة، وإن كانا يتلازمان، لكن علم القلب موجب لعمله، ما لم يوجد معارض راجح، وعمله يستلزم تصديقه؛ إذ لا تكون حركة إرادية ولا محبة إلا عن شعور، لكن قد تكون الحركة والمحبة فيها فساد إذا لم يكن الشعور والإدراك صحيحا‏.‏
قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ ‏[‏من عَبَدَ اللهَ بغير علم كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلح‏]‏، فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر فلا يكون إلا عن علم؛ ولهذا أمر الله ورسوله بعبادة الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء تنتظم العلم والعمل جميعا‏:‏ علم القلب وحاله، وإن دخل في ذلك قول اللسان وعمل الجوارح أيضا، فإن وجود الفروع الصحيحة مستلزم لوجود الأصول، وهذا ظاهر، ليس الغرض هنا بسطه، وإنما الغرض‏.‏
/ فصــل
وهو أن المؤمن لابد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له، ما يوجب أن يكون للمعروف المحبوب في قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض الوجوه، لا أنه حلول ذات المعروف المحبوب، لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه وصفاته‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ‏}‏الآية ‏[‏النور‏:‏ 35‏]‏، قال أُبَيّ بن كعب‏:‏ مثل نوره في قلب المؤمن فهذه هي الأنوار التي تحصل في قلوب المؤمنين‏.‏
وقد قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 5‏]‏ إنه الكفر بذلك، فإن من كفر بالإقرار الذي هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله والإسلام له، المتضمن للاعتقاد والانقياد لإيجاب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإباحة المباحات، فهو كافر، إذ المقصود لنا من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو حصول الإيمان لنا، فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك، وهذا قد يسمى المثل والمثال؛ لأنه قد يقال‏:‏ إن العلم مثال المعلوم في العالم، وكذلك الحب يكون فيه تمثيل المحبوب في المحب‏.‏
ثم من الناس من يدعي أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال، كما يقوله قوم من المتفلسفة، ومنهم من ينكر حصول شيء من هذا المثال في شيء من العلم والحب‏.‏
والتحقيق‏:‏ أنه قد يحصل تمثل وتخيل لبعض العالمين والمحبين، حتى/ يتخيل صورة المحبوب، وقد لا يحصل تخيل حسي، وليس هذا المثل من جنس الحقيقة أصلا، وإنما لما كان العلم مطابقا للمعلوم وموافقا له، غير مخالف له، كان بين المطابِق والمطَابَق، والموافِق والموافَق نوع تناسب وتشابه، ونوع ما من أنواع التمثيل، فإن المثل يضرب للشيء لمشاركته إياه من بعض الوجوه، وهنا قطعا اشتراك ما واشتباه ما‏.‏
وقد قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏ أنه هذا، وفي حديث مأثور‏:‏ ‏(‏ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن النقي التقي الوادع اللين‏)‏، ويقال‏:‏ القلب بيت الرب، وهذا هو نصيب العباد من ربهم، وحظهم من الإيمان به، كما جاء عن بعض السلف أنه قال‏:‏ إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله من قلبه، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه‏.‏
وروى مرفوعا من حديث أيوب بن عبد الله بن خالد بن صفوان، عن جابر بن عبد الله، رواه أبو يعلى الموصلي، وابن أبي الدنيا في كتاب الذكر، ولهذا قال أبناء يعقوب‏:‏ ‏{‏نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 133‏]‏، فإن ألوهية الله متفاوتة في قلوبهم على درجات عظيمة تزيد وتنقص، ويتفاوتون فيها تفاوتًا لا ينضبط طرفاه، حتى قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق شخصين‏:‏ ‏(‏هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا‏)‏‏.‏ فصار واحد/ من الآدميين خيرًا من ملء الأرض من بني جنسه، وهذا تباين عظيم لا يحصل مثله في سائر الحيوان‏.‏
وإلى هذا المعنى أشار من قال‏:‏ ‏(‏ما سبقكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وَقَرَ في قلبه‏)‏، وهو اليقين والإيمان ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وزنتُ بالأمة فرجَحْتُ، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة فرجح، ثم رفع الميزان‏)‏، وقال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه الصديق‏:‏ ‏(‏أيها الناس، سلوا الله اليقين والعافية، فلم يعط أحد بعد اليقين خيرًا من العافية‏)‏ رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه‏.‏ وقال رقبة بن مصقلة للشعبي‏:‏ رزقك الله اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعتمد في الدين إلا عليه‏.‏
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن ‏[‏سيار، وحدثنا جعفر عن عمران القصير‏]‏ قال‏:‏ قال موسى‏:‏ ‏(‏يارب، أين أجدك‏؟‏ قال‏:‏ يا موسي، عند المُنْكَسِرةِ قلوبُهُم من أجلي، أقترب إليها كل يوم شبرًا، ولولا ذلك لاحترقت قلوبهم‏)‏
وقد يتوسع في العبارة عن هذا المعنى، حتى يقال‏:‏ ما في قلبي إلا الله، ما عندي إلا الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله عز وجل‏:‏ ‏(‏أما علمت أن عبدي فلانا مرض‏؟‏ فلو عُدْتَه لوجدتني عنده‏)‏ ويقال‏:‏
ساكن في القلب يعمره ** لست أنساه فأذكره
ويقال‏:‏
/مثالك في عيني، وذكراك في فمي ** ومثواك في قلبي، فأين تغيـــــب‏؟‏
وهذا القدر يقوى قوة عظيمة، حتى يعبر عنه بالتجلي والكشف ونحو ذلك باتفاق العقلاء، ويحصل معه القرب منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد‏)‏، وقال الله ـ تعالى ـ في الحديث القدسي‏:‏ ‏(‏من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعا‏)‏
لكن هل في تقرب العبد إلى الله حركة إلى اللّه أو إلى بعض الأماكن‏؟‏ اتفقوا على أنه قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض الأمكنة المشرفة، التي يظهر فيها الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته، كالحج إلى بيته، والقصد إلى مساجده، ومنه قول إبراهيم‏:‏ ‏{‏وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ‏}‏‏[‏الصافات‏:‏ 99‏]‏‏.‏
وأما حركة روحه إلى مثل السموات وغيرها من الأمكنة، فأقر به جمهور أهل الإسلام، وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاؤون ومن وافقهم، وحركة روحه أو بدنه إلى الله أقرَّ بها أهل الفطرة، وأهل السنة والجماعة، وأنكرها كثير من أهل الكلام‏.‏
وأما القرب من الله إلى عبده‏:‏ هل هو تابع لتقرب العبد وتقريبه الذي هو علمه أو عمله، أو هناك قرب آخر من الرب‏؟‏
هذا فيه كلام ليس هذا موضعه‏.‏
/ومن لم يثبت إلا الأول، فهم في قرب الرب على قولين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه تجليه وظهوره له‏.‏
والثاني‏:‏ أنه مع ذلك دنو العبد منه، واقترابه الذي هو بعمله وحركته‏.‏ وللقرب معنى آخر‏:‏ وهو التقارب بمعنى المناسبة، كما يقال‏:‏ هذا يقارب هذا، وليس هذا موضعه‏.‏







آخر مواضيعه 0 الصوم والاقلاع عن التدخين
0 التوبة
0 حسن الخاتمة ,, مقطع فيديو لوفاة شيخ وهو يخطب
0 وهذا رمضان قد انتهى ...فماذا بعده
0 شعر عن غربتي

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 01:18 AM   رقم المشاركة : 13
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما ما يشبه الاتحاد، فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى، ولا عين صفتها بعين صفتها، إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ثالثة، كاتحاد الماء واللبن، فإنهما بعد الاتحاد شيء ثالث، وليس ماء محضًا ولا لبنا محضا‏.‏
وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال، ومن هنا يعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه، فإن استحالته محال، وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع، مثل المتحابين المتخالين اللذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويتنعم بما يتنعم به ويتألم بما يتألم به، وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط، فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد
/وعين الأحكام والأسباب المتعلقة بهما، التي هي ـ مثلا ـ المحبوب والمكروه هو واحد بالعين، كالرسول الذي يحبه كل المؤمنين، فهم متحدون في محبته، بمعنى أن محبوبهم واحد، ومحبة هذا من نوع محبته هذا، لا أنها عينها‏.‏
فهذا في اتحاد الناس بعضهم ببعض، وهي الأخوة والخلة الإيمانية، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر‏)‏ أخرجاه في الصحيحين، فجعل المؤمن مع المؤمن بمنزلة العضو مع العضو اللذين تجمعهما نفس واحدة‏.‏
ولهذا سمى الله الأخ المؤمن نفسا لأخيه في غير موضع من الكتاب والسنة قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 32‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ ‏[‏التوبـة‏:‏ 128‏]‏، وقـال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 164‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ‏}‏‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 54‏]‏
فالعبد المؤمن إذا أناب إلى ربه، وعبده ووافقه، حتى صار يحب ما يحب ربه، ويكره ما يكره ربه، ويأمر بما يأمر به ربه، وينهى عما ينهى عنه ربه، ويرضي بما يرضي ربه، ويغضب لما يغضب له ربه، ويعطي من أعطاه ربه، ويمنع من منع ربه، فهو العبد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود من حديث القاسم عن أبي أمامة‏:‏ ‏(‏من أحب لله، وأبغض / لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان‏)‏ وصار هذا العبد دينه كله لله، وأتى بما خلق له من العبادة‏.‏
فقد اتحدت أحكام هذه الصفات التي له وأسبابها بأحكام صفات الرب وأسبابها‏.‏
وهم في ذلك على درجات، فإن كان نبيا كان له من الموافقة لله ما ليس لغيره، والمرسلون فوق ذلك، وأولو العزم أعظم، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم له الوسيلة العظمى في كل مقام‏.‏
فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ، سواء كان واجبا أو مستحبا، وفي مثل هذا جاءت نصوص الكتاب والسنة‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 57‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 24‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 1‏]‏‏.‏
ومن هذا الباب قول المسيح ـ إن ثبت هذا اللفظ عنه‏:‏ ‏(‏أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي‏)‏ ونحو ذلك، فإنه مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏ ونحو ذلك من اللفظ الذي فيه تشابه‏.‏
/ فصـــل‏:‏
وجاء في أولياء الله الذين هم المتقون نوع من هذا‏:‏ فروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه‏)‏‏.‏
فأول ما في الحديث قوله‏:‏ ‏(‏من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة‏)‏ فجعل معاداة عبده الولي معاداة له، فعين عدوه عين عدو عبده، وعين معاداة وليه عين معاداته، ليسا هما شيئين متميزين، ولكن ليس الله هو عين عبده، ولا جهة عداوة عبده عين جهة عداوة نفسه، وإنما اتفقا في النوع‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏(‏فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله‏)‏ وفي رواية في غير الصحيح‏:‏ ‏(‏فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي‏)‏ فقوله‏:‏ / ‏(‏بي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي‏)‏ بين معنى قوله‏:‏ ‏(‏كنت سمعه وبصره ويده ورجله‏)‏ لا أنه يكون نفس الحَدَقَة والشحْمَة والعَصَب والقدم، وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك، فإن العبد بحسب أعضائه وقواه يكون إدراكه وحركته، فإذا كان إدراكه وحركته بالحق، ليس بمعنى خلق الإدراك والحركة، فإن هذا قدر مشترك فيمن يحبه وفيمن لا يحبه، وإنما للمحبوب الحق من الحق من هذه الإعانة بقدر ما له من المعية والربوبية والإلهية، فإن كل واحدة من هذه الأمور عامة وخاصة‏.‏
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ عبدي، مرضت فلم تَعُدْنِي، فيقول‏:‏ رب، كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين‏؟‏ فيقول‏:‏ أما علمت أن عبدي فلانا مرض‏؟‏ فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي، جُعْتُ فلم تُطْعِمْنِي‏.‏ فيقول‏:‏ رب، كيف أطعمك، وأنت رب العالمين‏؟‏ فيقول‏:‏ أما علمت أن عبدي فلانا جاع‏؟‏ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي‏)‏ ففي هذا الحديث ذكر المعنيين الحقين، ونفى المعنيين الباطلين، وفسرهما‏.‏
فقوله‏:‏ ‏(‏جعت ومرضت‏)‏ لفظ اتحاد يثبت الحق‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏لوجدتني عنده، ووجدت ذلك عندي‏)‏ نفى للاتحاد العيني بنفي الباطل، وإثبات لتمييز الرب عن العبد‏.‏
/ وقوله‏:‏ ‏(‏لوجدتني عنده‏)‏ لفظ ظرف، وبكل يثبت المعنى الحق من الحلول الحق، الذي هو بالإيمان لا بالذات‏.‏
ويفسر قوله‏:‏ ‏(‏مرضت فلم تعدني‏)‏ فلو كان الرب عين المريض والجائع، لكان إذا عاده وإذا أطعمه يكون قد وجده إياه، وقد وجده قد أكله‏.‏
وفي قوله في المريض‏:‏ ‏(‏وجدتني عنده‏)‏ وفي الجائع‏:‏ ‏(‏لوجدت ذلك عندي‏)‏ فُرْقَان حسن، فإن المريض الذي تستحب عيادته ويجد الله عنده هو المؤمن بربه، الموافق لإلهه الذي هو وليه، وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يستحب إطعامه، فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏‏.‏ فَمَن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة، فقد أقرض الله ـ سبحانه ـ بما أعطاه لعبده‏.‏
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ فإن الله يأخذها بيمينه فيُرَبِّيها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّه، أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل العظيم‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقع بيد السائل‏)‏
لكن الأشبه‏:‏ أن هذا العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض، وهو العبد الولي الذي فيه نوع اتحاد، وإن كان الله يثيب على طعام الفاسق والذمي‏.‏
ونظير القرض النصر، في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ‏}‏‏[‏محمد‏:‏ 7‏]‏ ونحو ذلك، لكن النصر فيه معنى، لكن لا يقال في مثله‏:‏ جعت‏.‏
فقد ذكر الله في القرآن القرض والنصر وجعله له، هذا في الرزق، وهذا في النصر، وجاء في الحديث العيادة، وهذه الثلاثة هي المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏، وإنما في الحديث أمر البأساء والضراء فقط، لأن ذلك ينفرد به الواحد المخاطب بقوله‏:‏ ‏(‏عبدي، مرضت وجعت‏)‏ فلذلك عاتبه‏.‏
وأما النصر، فيحتاج في العادة إلى عدد، فلا يعتب فيه على أحد معين غالبًا، أو المقصود بالحديث التنبيه، وفي القرآن النصر والرزق، وليس فيه العيادة؛ لأن النصر والقرض فيه عموم لا يختص بشخص دون شخص‏.‏
وأما العيادة، فإنما تكون لمن يجد الحق عنده‏.‏
/ فصــل‏:‏
فهذان المعنيان صحيحان ثابتان، بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان‏.‏
أما الأول ـ وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة‏:‏ فهذا فرض على كل أحد ولابد لكل مؤمن منه، فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن تركه كله فهو كافر بربه‏.‏
وأما الثاني ـ وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه، ويرضاه ويسخطه‏:‏ فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين، الذين تقربوا إلى الله بالنوافل، التي يحبها ولم يفرضها، بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها ويعذب تاركها‏.‏
ولهذا كان هؤلاء لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة المنتظمة للمعارف والأحوال والأعمال، أحبهم الله تعالى‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه‏)‏‏.‏ فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل، مناسب له مناسبة المعلول لعلته‏.‏
ولا يتوهم أن المراد بذلك‏:‏ أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله، فإن هذا ممتنع‏.‏ وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة، / والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف‏:‏ قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏المرء مع من أحب‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فهما في الأجر سواء‏)‏ في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه، الذي قال‏:‏ ‏(‏لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل‏)‏ فإنهما لما استويا في عمل القلب وكان أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم‏)‏‏.
فصــل‏:‏
وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد، فإن الاتحاد فيه حق وباطل، لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه، ولم يكن ذلك بذنب منه، كان معذورًا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل، فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وإن كان مخطئا في ذلك كان داخلا في قوله‏:‏‏{‏رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏286‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عليكم جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏5‏]‏‏.‏
وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم، فألقى الآخر نفسه خلفه‏.‏ فقال‏:‏ أنا وقعت، فما الذي أوقعك‏؟‏ فقال‏:‏ غبت بك عني، فظننت أنك أنِّي‏.‏
فهذه الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق، وفي غير جانبه، وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن عرفانه، وبمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده، فقد يقول في هذه الحال‏:‏ أنا الحق أو سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك، وهو سكران بوجد المحبة الذي هو لذة وسرور بلا تمييز‏.‏
/ وذلك السكران، يطوى ولا يروى إذا لم يكن سكره بسبب محظور‏.‏
فأما إذا كان السبب محظورًا، لم يكن السكران معذورا‏.‏
وأما أهل الحلول، فمنهم من يغلب عليه شهود القلب وتجليه، حتى يتوهم أنه رأى الله بعيني رأسه‏.‏
ولهذا ذكر ذلك طائفة من العباد الأصحاء، غلطًا منهم‏.‏
وقد ثبت في صحيح مسلم‏:‏ عن النواس بن سمعان‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الدجال، ودعواه الربوبية، قال‏:‏ ‏(‏واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت‏)‏، وروى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى متعددة حسنة في حديث الدجال‏.‏
فإنه لما ادعى الربوبية، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فرقانين ظاهرين لكل أحد‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه أعور، والله ليس بأعور‏.‏
الثاني‏:‏ أن أحدًا منا لن يرى ربه حتى يموت، وهذا إنما ذكره في الدجال مع كونه كافرًا؛ لأنه يظهر عليه من الخوارق التي تُقَوِّى الشبهة في قلوب العامة‏.‏
/ فصــل‏:‏
فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذي فيه نوع حق تبين أيضا ما في المطلق من ذلك‏.‏
فنقول‏:‏ لا ريب أن الله رب العالمين، رب السموات والأرضين وما بينهما ورب العرش العظيم، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا، ربكم ورب آبائكم الأولىن، رب الناس ملك الناس إله الناس، وهو خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى‏.‏
وهو رب كل شيء ومليكه، وهو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الرحمن على العرش استوى، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ‏{‏مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏‏[‏هود‏:‏56‏]‏
قلوب العباد ونواصيهم بيده، وما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه‏.‏ وهو الذي / أضحك وأبكى، وأغنى وأقنى‏.‏ وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته، وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، ويبث فيها من كل دابة‏.‏
وهو الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون‏.‏ ‏{‏فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏125‏]‏، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو القائم بالقسط القائم على كل نفس بما كسبت، الخالق البارئ المصور، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وما شاء الله لا قوة إلا بالله فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ منه إلا إليه‏.‏
فهذه المعاني وما أشبهها من معاني ربوبيته وملكه، وخلقه ورزقه، وهدايته ونصره، وإحسانه وبره، وتدبيره وصنعه، ثم ما يتصل بذلك من أنه بكل شيء علىم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، يبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء‏.‏
فهذا كله حق، وهو محض توحيد الربوبية، وهو مع هذا قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين‏.‏
/وهذا صنع الله الذي أتقن كل شيء والخير كله بيديه، وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، كما أقسم على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏والله، لله أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها‏)‏، إلى نحو هذه المعاني التي تقتضي شمول حكمته وإتقانه، وإحسانه خلق كل شيء، وسعة رحمته وعظمتها، وأنها سبقت غضبه، كل هذا حق‏.‏
فهذان الأصلان ـ عموم خلقه وربوبيته، وعموم إحسانه وحكمته ـ أصلان عظيمان، وإن كان من الناس من يكفر ببعض الأول، كالقدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه، ويضيفونها إلى محض فعل ذي الاختيار، أو الطبيعة الذين يقطعون إضافة الفعل إلى الله ـ سبحانه ـ ويضيفونه إما إلى الطبع، أو إلى جسم فيه طبع، أو إلى فلك، أو إلى نفس أو غير ذلك مما هو من مخلوقاته العاجزة عن إقامة نفسها، فهي عن إقامة غيرها أعجز‏.‏
ومن الناس من يجحد بعض الثاني، أو يعرض عنه، متوهما خلو شيء من مخلوقاته عن إحسان خلقه وإتقانه، وعن حكمته، ويظن قصور رحمته، وعجزها، من القدرية الإبليسية، أو المجوسية وغيرهم‏.‏
وإذا كان كذلك، فجميع الكائنات آيات له، شاهدة دالة مظهرة لما هو مستحق له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وعن مقتضي أسمائه وصفاته خلق الكائنات‏.‏
فإن الرحم شُجْنَة من الرحمن، خلق الرحم وشق لها من اسمه، وهو الرزاق/ ذو القوة المتين، يرزق من يشاء بغير حساب، وهو الهادي النصير، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وهو الحكيم العلىم الرحيم، الذي أظهر من آثار علمه وحكمته ورحمته ما لا يحصيه إلا هو‏.‏
فهو رب العالمين، والعالمون ممتلئون بما فيهم من آثار أسمائه وصفاته، وكل شيء يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، من الناس من يدرك ما فيها من الدلالة والشهادة بالعلم والمعرفة، ومن خرق الله سمعه سمع تأويب الجبال والطير، وعلم منطق الطير‏.‏
فإذا فسر ظهوره وتجليه بهذا المعنى، فهذا صحيح، ولكن لفظ الظهور والتجلي فيه إجمال، كما سنبينه إن شاء الله تعالى‏.‏
وإذا قال القائل‏:‏ ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله؛ لأنه ربه، والرب متقدم على العبد، أو رأيت الله بعده، لأنه آيته ودليله وشاهده، والعلم بالمدلول بعد الدليل، أو رأيت الله فيه، بمعنى ظهور آثار الصانع في صنعته، فهذا صحيح‏.‏ بل القرآن كله يبين هذا ويدل عليه، وهو دين المرسلين، وسبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو اعتقاد المسلمين أهل السنة والجماعة، ومن يدخل فيهم من أهل العلم والإيمان، ذوي المعرفة واليقين أولياء الله المتقين‏.‏
/ فصــل‏:‏
في الغلط في ذلك
ثم إن كثيرًا من أهل التوجه إلى الله إ