(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات

 


فتاوى ابن تيمية _ الجزء الثاني

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-02-2008, 01:09 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وقال شيخ الإسلام‏:‏أحمد بن تيمية ـ قدس الله روحه‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الأحد الحق المبين‏.‏ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، وعلى سائر إخوانه المرسلين‏.‏
أما بعد‏:‏
فقد وصل كتابك، تلتمس فيه بيان مذهب هؤلاء الاتحادية وبيان بطلانه، وإنك كنت قد سمعت مني بعض البيان لفساد قولهم، وضاق الوقت بك عن استتمام بقية البيان، وأعجلك السفر، حتى رأيت عندكم بعض من ينصر قولهم، ممن ينتسب إلى الطريقة والحقيقة، وصادف مني كتابك موقعًا، ووجدت محلا قابلا‏.‏
وقد كتبت بما أرجو أن ينفع الله به المؤمنين، ويدفع به بأس هؤلاء/ الملاحدة المنافقين، الذين يلحدون في أسماء الله وآياته المخلوقات والمنزلات في كتابه المبين، ويبين الفرق بين ما عليه أهل التحقيق واليقين، من أهل العلم والمعرفة المهتدين، وبين ما عليه هؤلاء الزنادقة المتشبهين بالعارفين، كما تشبه بالأنبياء من تشبه من المتنبئين، كما شبهوا بكلام الله ما شبهوه به من الشعر المفتعل وأحاديث المفترين؛ ليتبين أن هؤلاء من جنس الكفار المنافقين المرتدين، أتباع فرعون والقرامطة الباطنيين، وأصحاب مسيلمة والعنسى ونحوهما من المفترين، وأن أهل العلم والإيمان من الصديقين والشهداء والصالحين، سواء كانوا من المقربين السابقين، أو من المقتصدين أصحاب اليمين، هم من أتباع إبراهيم الخليل، وموسى الكليم، ومحمد المبعوث إلى الناس أجمعين‏.‏
قد فرق الله في كتابه المبين الذي جعله حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق، بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والمؤمنين والكافرين، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ‏}‏‏[‏الجاثية‏:‏12‏]‏، وقال‏:‏‏{‏أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ‏}‏‏[‏ص‏:‏82‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏‏[‏القلم‏:‏35، 36‏]‏وقد بين حال من تشبه بالأنبياء وبأهل العلم والإيمان، من أهل الكذب والفجور الملبوس عليهم اللابسين، وأخبر أن لهم تنزلًا ووحيا ولكن من الشياطين، فقال‏:‏‏{‏وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏121‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏ 221، 222‏]‏‏.‏
وأخبر أن كل من ارتد عن دين الله فلابد أن يأتي الله بَدَلَه بمن يقيم دينه المبين، فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَل ِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏54‏]‏‏.‏
وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام، وينظمونه من الشعر بين حديث مفترى، وشعر مفتعل، وإليهما أشار أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ لما قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يخاطبه به‏:‏ يا خليفة رسول الله، تألف الناس‏.‏ فأخذ بلحيته وقال‏:‏ يا بن الخطاب، أجبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام‏؟‏ علام أتألفهم‏؟‏ أعلى حديث مفترى أم شعر مفتعل‏؟‏ يقول‏:‏ إني لست أدعوهم إلى حديث مفترى كقرآن مسيلمة، ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الأسدي‏.‏
وهذان النوعان، هما اللذان يعارض بهما القرآن أهل الفجور والإفك المبين، قال تعالى‏:‏‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:38 : 43‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ‏}‏ [الشعراء: 192 ،193]، إلى قوله‏:‏‏{‏وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏
فذكر في هذه السورة علامة الكهان الكاذبين، والشعراء الغاوين، ونزهه عن هذين الصنفين، كما في سورة الحاقة‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّهٍ لّقّوًلٍ رّسٍولُ كّرٌيمُ‏.‏ ذٌي قٍوَّةُ عٌندّ ذٌي بًعّرًشٌ مّكٌينُ َ‏}‏إلى آخر السورة‏.‏ فالرسول هنا جبريل، وفي الآية الأولى محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا نزه محمدًا هناك عن أن يكون شاعرًا أو كاهنا، ونزه هنا الرسول إليه أن يكون من الشياطين‏.‏
/ فصــل‏:‏
اعلم ـ هداك الله وأرشدك ـ أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة؛ لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم أيضا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه، ولهذا يتناقضون كثيرًا في قولهم، وإنما ينتحلون شيئا ويقولونه أو يتبعونه‏.‏
ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق، ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم، مع استشعارهم أنهم مفترقون‏:‏
ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم، والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون‏.‏
وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين‏:‏ إما جاهل بحقيقة أمرهم، وإما ظالم يريد علوًا في الأرض وفسادًا، أو جامع بين الوصفين، وهذه حال/ أتباع فرعون الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏54‏]‏
وحال القرامطة مع رؤسائهم‏.‏
وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا‏}‏
إلى قوله‏:‏‏{‏وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏64-68‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏165-167‏]‏‏.‏
/فصـل‏:‏
حقيقة قول هؤلاء‏:‏ أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، ولهذا من سماهم حلولية أو قال‏:‏ هم قائلون بالحلول رأوه محجوبًا عن معرفة قولهم، خارجا عن الدخول إلى باطن أمرهم؛ لأن من قال‏:‏ إن الله يحل في المخلوقات، فقد قال بأن المحل غير الحال، وهذا تثنية عندهم وإثبات لوجودين‏:‏
أحدهما‏:‏ وجود الحق الحال‏.‏
والثاني‏:‏ وجود المخلوق المحل، وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة‏.‏
ولا ريب أن هذا القول أقل كفرًا من قولهم، وهو قول كثير من الجهمية الذين كان السلف يردون قولهم، وهم الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان‏.‏ وقد ذكره جماعات من الأئمة والسلف عن الجهمية وكفروهم به، بل جعلهم خلق من الأئمة ـ كابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره ـ خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة‏.‏ وهو قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من متعبديهم‏.‏
ولا ريب أن إلحاد هؤلاء المتأخرىن وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هذه الجهمية الأولى وتجهمها وزندقتها‏.‏
/وأما وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان‏:‏ أحدهما‏:‏ لا يرضونه؛ لأن الاتحاد على وزن الاقتران، والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وهم لا يقرون بوجودين أبدًا والطريق الثاني‏:‏ صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة كما سأبينه من اضطرابهم‏.‏
وهذه الطريقة إما على مذهب ابن عربي، فإنه يجعل الوجود غير الثبوت ويقول‏:‏ إن وجود الحق قاض على ثبوت الممكنات، فيصح الاتحاد بين الوجود والثبوت‏.‏ وأما على قول من لا يفرق فيقول‏:‏ إن الكثرة الخيالية صارت وحدة بعد الكشف، أو الكثرة العينية صارت وحدة إطلاقية‏.‏
/فصـــل‏:‏
ولما كان أصلهم الذي بنوا عليه‏:‏ أن وجود المخلوقات والمصنوعات، حتى وجود الجن والشياطين، والكافرين والفاسقين، والكلاب والخنازير، والنجاسات والكفر، والفسوق والعصيان‏:‏ عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، وإن كان مخلوقا له مربوبًا مصنوعا له قائمًا به‏.‏
وهم يشهدون أن في الكائنات تفرقا وكثرة ظاهرة بالحس والعقل، فاحتاجوا إلى جمع يزيل الكثرة، ووحدة ترفع التفرق مع ثبوتها، فاضطربوا على ثلاث مقالات أنا أبينها لك وإن كانوا هم لا يبين بعضهم مقالة نفسه ومقالة غيره؛ لعدم كمال شهود الحق وتصوره‏.‏
/ المقالة الأولى‏:‏ مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم‏:‏
وهي مع كونها كفرًا فهو أقربهم إلى الإسلام؛ لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد كثيرًا، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى‏.‏ والله أعلم بما مات عليه، فإن مقالته مبنية على أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن المعدوم شيء ثابت في العدم، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة‏.‏
وأول من ابتدع هذه المقالة في الإسلام‏:‏ أبو عثمان الشحام شيخ أبي على الجبائي، وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة، وهؤلاء يقولون‏:‏ إن كل معدوم يمكن وجوده فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في العدم؛ لأنه لولا ثبوتها لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه، ولما صح قصد ما يراد إيجاده؛ لأن القصد يستدعى التمييز، والتمييز لا يكون إلا في شيء ثابت‏.‏
لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي هي باطلة في نفسها، ـ وقد كفرهم / بها طوائف من متكلمة السنة ـ فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها، ولا يقولون‏:‏ إن عين وجودها عين وجود الحق‏.‏
وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون‏:‏ عين وجودها عين وجود الحق، فهي متميزة بذواتها الثابته في العدم، متحدة بوجود الحق القائم بها‏.‏ وعامة كلامه ينبني على هذا لمن تدبره وفهمه‏.‏
وابن عربي إذا جعل الأعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن، وليس هذا قول المعتزلة، فهذا فرق ثالث‏.‏
وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت في العدم ـ سواء قالوا بأن وجودها خلق لله أو هو الله ـ يقولون‏:‏ إن الماهيات والأعيان غير مجعولة ولا مخلوقة، وإن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وقد يقولون‏:‏ الوجود صفة للموجود‏.‏
وهذا القول وإن كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم، أو القائلين بقدم مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته، فليس هو إياه، وإن كان بينهما قدر مشترك، فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء، بل هي كائنة بعد أن لم تكن
وكذلك الصفات والأعراض القائمة بأجسام السموات، والاستحالات القائمة بالعناصر، من حركات الكواكب، والشمس والقمر والسحاب/ والمطر، و الرعد والبرق وغير ذلك، كل هذا حادث غير قديم، عند كل ذي حس سليم، فإنه يرى ذلك بعينه‏.‏
والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم أو بأن مادته قديمة، يقولون بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم، ويقولون‏:‏ إن مواد جميع العالم قديمة دون صوره‏.‏
واعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه، لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصورًا حقيقيا، فإن هذا لا يكون إلا للحق‏.‏ فأما القول الباطل فإذا بُيِّن فبيانه يظهر فساده، حتى يقال‏:‏ كيف اشتبه هذا على أحد ويتعجب من اعتقادهم إياه، ولا ينبغي للإنسان أن يعجب، فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس؛ ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات وأنهم ‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏18‏]‏، وأنهم ‏{‏لا يفقهون‏}‏، وأنهم ‏{‏لا يعقلون‏}‏وأنهم‏{‏إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ‏}‏‏[‏الذاريات‏:‏8، 9‏]‏، وأنهم‏{‏فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏45‏]‏، وأنهم ‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏‏.‏
وإنما نشأ ـ والله أعلم ـ الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله ـ سبحانه ـ يعلم ما لم يكن قبل كونه، أو‏:‏‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏82‏]‏، فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في علمه وإرادته وقدرته، فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك‏.‏
وإنما هو متميز في علم الله وكتابه، والواحد منا يعلم الموجود، والمعدوم/ الممكن، والمعدوم المستحيل، ويعلم ما كان كآدم والأنبياء، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما يعلم ما أخبر الله به عن أهل النار، ‏{‏وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏28‏]‏، وأنهم ‏{‏وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏23‏]‏، وأنه ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏22‏]‏، وأنه ‏{‏لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏42‏]‏، وأنهم ‏{‏لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏47‏]‏، وأنه‏{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عليكم وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏21‏]‏، ونحو ذلك من الجمل الشرطية التي يعلم فيها انتفاء الشرط أو ثبوته‏.‏
فهذه الأمور التي نعلمها نحن ونتصورها، إما نافين لها أو مثبتين لها في الخارج أو مترددين، ليس بمجرد تصورنا لها يكون لأعيانها ثبوت في الخارج عن علمنا وأذهاننا، كما نتصور جبل ياقوت وبحر زئبق، وإنسانًا من ذهب وفرسًا من حجر‏.‏ فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج، بل العالم يعلم الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلا‏.‏
وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه، كما في صحيح مسلم‏:‏ عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة‏)‏‏.‏
وفي سنن أبي داود‏:‏ عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أول ما خلق الله القلم فقال‏:‏ اكتب‏.‏ قال‏:‏ رب، وما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب / ما هو كائن إلى يوم القيامة‏)‏، وقال ابن عباس‏:‏إن الله خلق الخلق وعلم ما هم عاملون، ثم قال لعلمه‏:‏ كن كتابا فكان كتابا‏؟‏ ثم أنزل تصديق ذلك في كتابه فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏70‏]‏
وهذا هو معنى الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن ميسرة الفجر قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، متى كنت نبيا‏؟‏ وفي رواية‏:‏ متى كتبت نبيا‏؟‏ ـ قال‏:‏ ‏(‏وآدم بين الروح والجسد‏)‏، هكذا لفظ الحديث الصحيح‏.‏
وأما ما يرويه هؤلاء الجهال ـ كابن عربي في الفصوص وغيره من جهال العامة‏:‏ ‏(‏كنت نبيا وآدم بين الماء و الطين‏)‏، ‏(‏كنت نبيا وآدم لا مـاء ولا طين‏)‏‏.‏ فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العـلم الصادقـين، ولا هـو في شيء من كـتب العلـم المعتمدة بهذا اللفظ، بل هو باطل، فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء حتى صار طينًا، وأيبس الطين حتى صار صَلْصَالًا كالفَخَّار، فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين، ولـو قيـل‏:‏ بين المـاء والتراب لكان أبعد عن المحـال، مع أن هـذا الحـال لا اختصـاص لها، وإنما قال‏:‏ ‏(‏بين الروح والجسد‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏وإن آدم لمنجدل في طينته‏)‏؛ لأن جسد آدم بقى أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ‏}‏ الآية ‏[‏الإنسان‏:‏1‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ‏}‏ الآيتين ‏[‏الحجر‏:‏ 28‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ‏}‏ الآيتين ‏[‏السجدة‏:‏7‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ‏}‏الآية ‏[‏ص‏:‏71‏]‏‏.‏ والأحاديث في خلق آدم ونفخ الروح فيه مشهورة في كتب الحديث والتفسير وغيرهما‏.‏
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كان نبيا، أي‏:‏ كتب نبيا وآدم بين الروح والجسد‏.‏ وهذا ـ والله أعلم ـ لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذييكون بأيدي ملائكة الخلق، فيقدر لهم ويظهر لهم، ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه، كما أخرج الشيخان في الصحيحين وفي سائر الكتب الأمهات‏:‏ حديث الصادق المصدوق، وهو من الأحاديث المستفيضة، التي تلقاها أهل العلم بالقبول وأجمعوا على تصديقها، وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق‏:‏ ‏(‏إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال‏:‏ اكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فوالذي نفسي بيده، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة‏)‏‏.‏
فلما أخبر الصادق المصدوق أن الملك يكتب رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح‏.‏ وآدم هو أبو البشر كان أيضا من المناسب لهذا أن يكتب بعد خلق جسده، وقبل نفخ الروح فيه ما يكون / منه، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم فهو أعظم الذرية قدرًا وأرفعهم ذكرًا‏.‏
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كتب نبيا حينئذ، وكتابة نبوته هو معنى كون نبوته، فإنه كون في التقدير الكتابي، ليس كونا في الوجود العيني؛ إذ نبوته لم يكن وجودها حتى نبأه الله تعالى على رأس أربعين سنة من عمره صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى له‏:‏‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا‏}‏ الآية ‏[‏الشورى‏:‏52‏]‏، وقال‏:‏‏{‏أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى‏}‏ الآية‏[‏الضحى‏:‏6‏]‏‏.‏ وقال‏:‏‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عليك أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏}‏ الآية ‏[‏يوسف‏:‏3‏]‏‏.‏
ولذلك جاء هذا المعنى مفسرًا في حديث العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إني عبد الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري‏:‏ دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام‏)‏، هذا لفظ الحديث من رواية ابن وهب‏.‏
حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض، رواه البغوي في شرح السنة هكذا، ورواه الليث بن سعد عنه نحوه، ورواه الإمام أحمد في المسند عن ابن مهدي‏:‏ حدثنا معاوية بن صالح بالإسناد عن العرباض قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إني عبد الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك‏:‏ دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين‏)‏، وقوله‏:‏/ ‏(‏لمنجدل في طينته‏)‏ أي‏:‏ ملتف ومطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد‏.‏
وقد روى أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق، وروي في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة، التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ‏.‏
وقد تقدم لفظ الحديث الذي في المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له‏:‏ متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وآدم بين الروح والجسد‏)‏، وقد رواه أبو الحسين بن بِشْرَان من طريق الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في الوفا بفضائل المصطفى صلى الله عليه وسلم‏:‏حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو، حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح، ثنا محمد بن صالح، ثنا محمد بن سنان العوفي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن يزيد بن ميسرة، عن عبد الله بن سفيان، عن ميسرة قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وخلق العرش، كتب على ساق العرش‏:‏ محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأبواب والأوراق، والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى، نظر إلى العرش فرأى اسمى فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه‏)‏‏.‏
وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة، ومن طريق الشيخ أبي الفرج‏:‏ حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا أحمد بن رِشْدِين، ثنا أحمد بن سعيد الفهري، / ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لما أصاب آدم الخطيئة رفع رأسه فقال‏:‏ يارب، بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى إليه وما محمد‏؟‏ ومن محمد‏؟‏ فقال‏:‏ يا رب، إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا عليه مكتوب‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك؛ إذ قرنت اسمه مع اسمك‏.‏ فقال‏:‏ نعم، قد غفرت لك وهو آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما خلقتك‏)‏، فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة‏.‏
وفي الصحيحين عن عائشة قالت‏:‏ أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يأتى غار حِراء فيتحنَّثُ فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق، وهو بحراء، فأتاه الملك فقال له‏:‏ اقرأ‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لست بقاريء‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فأخذني فغَطَّنِي حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال‏:‏ اقرأ‏.‏ فقلت‏:‏ لست بقاريء‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال‏:‏ اقرأ‏.‏ فقلت‏:‏لست بقارئ، ثم أخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني‏)‏، فقال‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ‏}‏ ‏[‏سورة العلق‏]‏ فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره‏.‏ الحديث بطوله‏.‏
فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أنه لم يكن قارئا، وهذه السورة أول ما أنزل الله عليه وبها صار نبيًا، ثم أنزل عليه سورة المدثر، وبها صار/ رسولا لقوله‏:‏‏{‏قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏2‏]‏؛ ولهذا ذكر ـ سبحانه ـ في هذه السورة الوجود العيني والوجود العلمي، وهذا أمر بين، يعقله الإنسان بقلبه لا يحتاج فيه إلى سمع، فإن الشيء لا يكون قبل كونه‏.‏
وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها، فهذا حق لا ريب فيه، وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار‏.‏
وهذا العلم والكتاب هو القدر الذي ينكره غالية القدرية، ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار، كفَّرهم الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما‏.‏
وقد بين الكتاب والسنة هذا القدر، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال الوارد عليه، وهو ترك العمل لأجله، فأجاب صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ كنا في جنازة في بَقِيع الغَرْقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد‏)‏ ـ أو قال ـ ‏(‏ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فقال رجل‏:‏يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏اعملوا فكل مُيَسر، أما أهل السعادة/ فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة‏)‏، ثم قرأ‏:‏‏{‏فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏5‏]‏ إلى آخر الآيات‏.‏ وفي رواية‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال‏:‏ ‏(‏ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، ففيم العمل‏؟‏ أفلا نتكل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له‏)‏ ثم قرأ ‏{‏فَأَمَّا مَن أَعْطَى‏}‏ الآية‏.‏ وفي الصحيحين أيضًا عن عمران بن حصين قال‏:‏ قيل‏:‏ يا رسول الله، أَعُلِم أهل الجنة من أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏ قال‏:‏ فقيل‏:‏ ففيم يعمل العاملون‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏كل ميسر لما خلق له‏)‏ وفي رواية‏:‏ أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا‏:‏ يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبت الحجة عليهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا‏.‏ بل شيء قضى عليهم ومضي فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله‏:‏ ‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏‏)‏ ‏[‏الشمس‏:‏7، 8‏]‏‏.‏
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ جاء سراقة بن مالك بن جُعْشُم قال‏:‏ يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم‏؟‏ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير‏؟‏ أم فيما يستقبل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ففيم العمل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏اعملوا فكل ميسر‏)‏‏.‏
/ وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ـ قال‏:‏ وعرشه على الماء‏)‏
وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه‏:‏ يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن أول ما خلق الله القلم فقال له‏:‏ اكتب، قال‏:‏ رب، ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة‏)‏‏.‏ يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏من مات على غير هذا فليس مني‏)‏، ورواه الترمذي من وجه آخر عن الوليد بن عبادة أنه قال‏:‏ دعاني ـ يعني أباه ـ عند الموت فقال‏:‏ يا بني، اتق الله، واعلم أنك إن تتق الله تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله، خيره وشره، وإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن أول ما خلق الله القلم فقال‏:‏ اكتب، قال‏:‏ ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب القدر، ما كان وما هو كائن إلى الأبد‏)‏‏.‏
وفي الترمذي أيضا عن أبي خزامة عن أبيه، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله تعالى شيئا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هي من قدر الله‏)‏‏.‏
لكن إنما ثبتت في التقدير المعدوم الممكن الذي سيكون، فأما المعدوم/ الممكن الذي لا يكون فمثل إدخال المؤمنين النار وإقامة القيامة قبل وقتها، وقلب الجبال يواقيت ونحو ذلك، فهذا المعدوم ممكن وهو شيء ثابت في العدم عند من يقول‏:‏ المعدوم شيء، ومع هذا، فليس بمقدر كونه، والله يعلمه على ما هو عليه، يعلم أنه ممكن وأنه لا يكون‏.‏
وكذلك الممتنعات مثل شريك الباري وولده، فإن الله يعلم أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ويعلم أنه ليس له شريك في الملك ولا وليُّ من الذل، ويعلم أنه حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، ويعلم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض‏.‏
والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف‏:‏أن المعدوم ليس في نفسه شيئا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏9‏]‏، فأخبر أنه لم يك شيئا، وقال تعالى‏:‏‏{‏أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا‏}‏‏[‏مريم‏:‏67‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏35‏]‏‏.‏
/فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خُلِقوا من غير شيء خلقهم أم خَلَقوا هم أنفسهم، ولهذا قال جبير بن مطعم‏:‏ لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع، ولو كان المعدوم شيئا لم يتم الإنكار إذا جاز أن يقال‏:‏ ما خلقوا إلا من شيء، لكن هو معدوم فيكون الخالق لهم شيئا معدوما‏.‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏60‏]‏‏.‏ ولو كان المعدوم شيئا لكان التقدير‏:‏ لا يظلمون موجودًا ولا معدومًا، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم‏.‏
وأما قوله‏:‏‏{‏إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏1‏]‏ فهو إخبارعن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم ليس إخبارًا عن الزلزلة في هذه الحال، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏2‏]‏، ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏40‏]‏ قد استدل به من قال‏:‏ المعدوم شيء وهو حجة عليه؛ لأنه أخبر أنه يريد الشيء وأنه يكونه، وعندهم أنه ثابت في العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ونفسه، والقرآن قد أخبر أن نفسه تراد وتكون، وهذا من فروع هذه المسألة‏.‏
فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء أن الماهيات مجعولة، وأن ماهية كل شيء عين وجوده، وأنه ليس وجود الشيء قدرًا زائدًا على ماهيته، بل ليس في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته، وليس وجوده وثبوته في
الخارج زائدا على ذلك‏.‏
/وأولئك يقولون‏:‏ الوجود قدر زائد على الماهية، ويقولون‏:‏ الماهيات غير مجعولة، ويقولون‏:‏ وجود كل شيء زائد على ماهيته، ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود والواجب والممكن فيقول‏:‏ الوجود الواجب عين الماهية‏.‏ وأما الوجود الممكن فهو زائد على الماهية‏.‏ وشبهة هؤلاء‏:‏ ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ماهية الشيء ولا يعلم وجوده، وأن الوجود مشترك بين الموجودات، وماهية كل شيء مختصة به‏.‏
ومن تدبر تبين له حقيقة الأمر، فإنا قد بينا الفرق بين الوجود العلمي والعيني، وهذا الفرق ثابت في الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك، فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام‏:‏ ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك، وهو ثبوت حقيقتها وماهيتها التي هي هي، فالإنسان إذا تصور ماهية فقد علم وجودها الذهني، ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقي الخارجي‏.‏ فقول القائل‏:‏ قد تصورت حقيقة الشيء وعينه، ونفسه وماهيته، وما علمت وجوده، أو حصل وجوده العلمي، وما حصل وجوده العيني الحقيقي، ولم يعلم ماهيته الحقيقية، ولا عينه الحقيقية، ولا نفسه الحقيقية الخارجية، فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته، إلا أن أحد اللفظين قد يعبر به عن الذهني، والآخر عن الخارجي، فجاء الفرق من جهة المحل لا من جهة الماهية والوجود‏.‏
وأما قولهم‏:‏ إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيها، فالقول فيه كذلك، فإن الوجود المعين الموجود في الخارج لا اشتراك فيه، كما أن الحقيقة المعينة الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها وإنما العلم يدرك الموجود المشترك/ كما يدرك الماهية المشتركة، فالمشترك ثبوته في الذهن لا في الخارج، وما في الخارج ليس فيه اشتراك البتة، والذهن إن أدرك الماهية المعينة الموجودة في الخارج لم يكن فيها اشتراك، وإنما الاشتراك فيما يدركه من الأمور المطلقة العامة، وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف الإطلاق والعموم، وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق، وذلك لا يوجد في الخارج إلا معينا‏.‏
فينبغي للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشيء ووجوده في نفسه، وبين ثبوته ووجوده في العلم، فإن ذاك هو الوجود العيني الخارجي الحقيقي، وأما هذا فيقال له‏:‏ الوجود الذهني والعلمي، وما من شيء إلا له هذان الثبوتان، فالعلم يعبر عنه باللفظ ويكتب اللفظ بالخط، فيصير لكل شيء أربع مراتب‏:‏ وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، وجود عيني، وعلمي، ولفظي، ورسمي‏.‏
ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه سورة‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏}‏ ذكر فيها النوعين فقال‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ‏}‏‏[‏العلق‏:‏1، 2‏]‏، فذكر جميع المخلوقات بوجودها العيني عموما ثم خصوصا، فخص الإنسان بالخلق بعد ما عم غيره، ثم قال‏:‏ ‏{‏قْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏3‏:‏ 5‏]‏، فخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم، وذكر القلم؛ لأن التعليم بالقلم هو الخط وهو مستلزم لتعليم اللفظ، فإن الخط يطابقه، وتعليم اللفظ هو البيان وهو مستلزم لتعليم العلم؛ لأن العبارة تطابق المعنى‏.‏/ فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث‏:‏ اللفظي، والعلمي، والرسمي، بخلاف ما لو أطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن ذلك مستوعبا للمراتب‏.‏
فذكر في هذه السورة الوجود العيني والعلمي، وأن الله ـ سبحانه ـ هو معطيهما؛ فهو خالق الخلق وخالق الإنسان، وهو المعلم بالقلم ومعلم الإنسان‏.‏
فأما إثبات وجود الشيء في الخارج قبل وجوده، فهذا أمر معلوم الفساد بالعقل والسمع، وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع‏.‏
فصــــل‏:‏
فهذا أحد أصلي ابن عربي‏.‏ وأما الأصل الآخر فقولهم‏:‏ إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه، وهذا انفردوا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وإنما هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين لوجود الصانع، كما سنبينه إن شاء الله‏.‏
فمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي، نظمه ونثره، وما يدعيه من أن الحق يغتذي بالخلق؛ لأن وجود الأعيان مغتذ بالأعيان الثابتة في العدم، ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا هو سر القدر؛ لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها في العدم في أنفسها، فهي التي أحسنت وأساءت وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئاً إلا ما كانت عليه في حال العدم‏.‏
فتدبر كلامه كيف انتظم شيئين‏:‏ إنكار وجود الحق، وإنكار خلقه لمخلوقاته، فهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ولا بخلق، ومنكر لرب العالمين، فلا رب ولا عالمون مربوبون، إذ ليس إلا أعيان ثابتة، ووجود قائم بها، فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب، ولا الأعيان مخلوقة ولا الوجود مخلوق‏.‏وهذا يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلى والمتجلي؛ لأن المظاهر عنده هي الأعيان الثابته في العدم، وأما الظاهر فهو وجود الخلق‏.‏
/فصـل‏:‏
وأما صاحبه ـ الصدر الفخر الرومي ـ فإنه لا يقول‏:‏إن الوجود زائد على الماهية، فإنه كان أدخل في النظر والكلام من شيخه، لكنه أكفر وأقل علماً وإيماناً، وأقل معرفة بالإسلام وكلام المشايخ،ولما كان مذهبهم كفراً كان كل من حذق فيه كان أكفر‏.‏فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم، وعنده أن الله هو الوجود، ولابد من فرق بين هذا وهذا، فرق بين المطلق والمعين، فعنده أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتعين ولا يتميز، وأنه إذا تعين وتميز فهو الخلق، سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها‏.‏
وهذا القول قد صرح فيه بالكفر أكثر من الأول، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة، وإن كان الأول أفسد من جهة تفرقته بين وجود الأشياء وثبوتها، وذلك أنه على القول الأول يمكن أن يجعل للحق وجوداً خارجاً عن أعيان الممكنات، وأنه فاض عليها، فيكون فيه اعتراف بوجود الرب القائم بنفسه الغني عن خلقه، وإن كان فيه كفر من جهة أنه جعل المخلوق هو الخالق، والمربوب هو الرب، بل لم يثبت خلقا أصلا، ومع هذا فما رأيته صرح بوجود الرب متميزاً عن الوجود القائم بأعيان الممكنات‏.‏
/وأما هذا فقد صرح بأنه ما ثم سوى الوجود المطلق الساري في الموجودات المعينة، والمطلق ليس له وجود مطلق، فما في الخارج جسم مطلق بشرط الإطلاق، ولا إنسان مطلق، ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق، بل لا يوجد إلا في شيء معين‏.‏
والحقائق لها ثلاث اعتبارات‏:‏ اعتبار العموم والخصوص والإطلاق‏.‏
فإذا قلنا‏:‏ حيوان عام أو إنسان عام، أو جسم عام، أو وجود عام، فهذا لا يكون إلا في العلم واللسان، وأما الخارج عن ذلك فما ثم شيء موجود في الخارج يعم شيئين؛ ولهذا كان العموم من عوارض صفات الحي‏.‏ فيقال‏:‏ علم عام، وإرادة عامة، وغضب عام، وخبر عام، وأمر عام‏.‏ويوصف صاحب الصفة بالعموم أيضا كما في الحديث الذي في سنن أبي داود‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعلي وهو يدعو فقال‏:‏ ‏(‏ يا علي، عُمَّ، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض‏)‏،وفي الحديث أنه لما نزل قوله‏:‏ {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏214‏]‏ عم وخص،رواه مسلم من حديث موسى بن طلحة عن أبي هريرة‏.‏
وتوصف الصفة بالعموم كما في حديث التشهد‏:‏‏(‏السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏ فإذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض‏)‏ وأما إطلاق من أطلق أن العموم من عوارض الألفاظ فقط، فليس كذلك؛ إذ معاني الألفاظ القائمة بالقلب أحق بالعموم من الألفاظ، وسائر/ الصفات، كالإرادة، والحب، والبغض، والغضب، والرضا يعرض لها من العموم والخصوص ما يعرض للقول، وإنما المعاني الخارجة عن الذهن هي الموجودة في الخارج، كقولهم‏:‏ مطر عام وخصب عام، هذه التي تنازع الناس‏:‏ هل وصفها بالعموم حقيقة أو مجازاً ‏؟‏ على قولين‏:‏
أحدهما‏:‏ مجاز؛ لأن كل جزء من أجزاء المطر والخصب لا يقع إلا حيث يقع الآخر، فليس هناك عموم، وقيل‏:‏بل حقيقة؛ لأن المطر المطلق قد عم‏.‏
وأما الخصوص فيعرض لها إذا كانت موجودة في الخارج، فإن كل شيء له ذات وعين تختص به ويمتاز بها عن غيره‏:‏ أعني الحقيقة العينية الشخصية التي لا اشتراك فيها، مثل‏:‏ هذا الرجل وهذه الحبة وهذا الدرهم، وما عرض لها في الخارج فإنه يعرض لها في الذهن‏.‏ فإن تصور الذهنية أوسع من الحقائق الخارجية، فإنها تشمل الموجود والمعدوم والممتنع والمقدرات‏.‏
وأما الإطلاق فيعرض لها إذا كانت في الذهن بلا ريب، فإن العقل يتصور إنساناً مطلقاً ووجوداً مطلقاً‏.‏
وأما في الخارج فهل يتصور شيء مطلق ‏؟‏ هذا فيه قولان، قيل‏:‏المطلق له وجود في الخارج، فإنه جزء من المعين، وقيل‏:‏ لا وجود له في الخارج؛ إذ ليس في الخارج إلا معين مقيد،والمطلق الذي يشترك فيه العدد لا يكون جزءًا من المعين الذي لا يشركه فيه‏.‏
والتحقيق‏:‏ أن المطلق بلا شرط أصلا يدخل فيه المقيد المعين، وأما المطلق/ بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المعين المقيد، وهذا كما يقول الفقهاء‏:‏ الماء المطلق، فإنه بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المضاف، وأما المطلق لا بشرط فيدخل فيه المضاف‏.‏
فإذا قلنا‏:‏ الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام‏:‏ طهور، وطاهر،ونجس،فالثلاثة أقسام الماء‏.‏ الطهور هو الماء المطلق الذي لا يدخل فيه ما ليس بطهور كالعصارات والمياه النجسة،فالماء المقسوم هو المطلق لا بشرط، والماء الذي هو قسيم للمائين هو المطلق بشرط الإطلا‏.‏
لكن هذا الإطلاق والتقييد الذي قاله الفقهاء في اسم الماء إنما هو في الإطلاق والتقييد اللفظي وهو ما دخل في اللفظ المطلق كلفظ ماء، أو في اللفظ المقيد كلفظ ماء نجس، أو ماء ورد‏.‏
وأما ما كان كلامنا فيه أولاً فإنه الإطلاق والتقييد في معاني اللفظ، ففرق بين النوعين، فإن الناس يغلطون لعدم التفريق بين هذين غلطاً كثيراً جداً، وذلك أن كل اسم فإما أن يكون مسماه معيناً لا يقبل الشركة، كأنا وهذا وزيد، ويقال له‏:‏ المعين والجزء، وإما أن يقبل الشركة فهذا الذي يقبل الشركة هو المعنى الكلي المطلق، وله ثلاث اعتبارات كما تقدم‏.‏
وأما اللفظ المطلق والمقيد فمثال‏:‏ تحرير رقبة، ولم تجدوا ماء، وذلك أن المعنى قد يدخل في مطلق اللفظ، ولا يدخل في اللفظ المطلق، أي يدخل في اللفظ لا بشرط الإطلاق، ولا يدخل في اللفظ بشرط الإطلاق، كما قلنا /في لفظ الماء، فإن الماء يطلق على المني وغيره كما قال‏:‏‏{‏ مِن مَّاء دَافِقٍ ‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏6‏]‏، ويقال‏:‏ ماء الورد، لكن هذا لا يدخل في الماء عند الإطلاق، لكن عند التقييد، فإذا أخذ القدر المشترك بين لفظ الماء المطلق ولفظ الماء المقيد فهو المطلق بلا شرط الإطلاق، فيقال‏:‏ الماء ينقسم إلى مطلق ومضاف، ومورد التقسيم ليس له اسم مطلق، لكن بالقرينة يقتضي الشمول والعموم، وهو قولنا‏:‏ الماء ثلاثة أقسام‏.‏ فهنا أيضا ثلاثة أشياء‏:‏ مورد التقسيم وهو الماء العام وهو المطلق بلا شرط، لكن ليس له لفظ مفرد إلا لفظ مؤلف، والقسم المطلق وهو اللفظ بشرط إطلاقه، والثاني اللفظ المقيد وهو اللفظ بشرط تقييده‏.‏
وإنما كان كذلك؛لأن المتكلم باللفظ إما أن يطلقه أو يقيده، ليس له حال ثالثة، فإذا أطلقه كان له مفهوم، وإذا قيده كان له مفهوم، ثم إذا قيده إما أن يقيده بقيد العموم أو بقيد الخصوص،فقيد العموم كقوله‏:‏ الماء ثلاثة أقسام، وقيد الخصوص كقوله‏:‏ ماء الورد‏.‏
وإذا عرف الفرق بين تقييد اللفظ وإطلاقه، وبين تقييد المعنى وإطلاقه، عرف أن المعنى له ثلاثة أحوال‏:‏ إما أن يكون أيضا مطلقا، أو مقيداً بقيد العموم، أو مقيداً بقيد الخصوص‏.‏
والمطلق من المعاني نوعان‏:‏مطلق بشرط الإطلاق، ومطلق لا بشرط‏.‏
وكذلك الألفاظ المطلق منها قد يكون مطلقا بشرط الإطلاق، كقولنا‏:‏ الماء المطلق /والرقبة المطلقة، وقد يكون مطلقاً لا بشرط الإطلاق، كقولنا‏:‏ إنسان‏.‏
فالمطلق المقيد بالإطلاق لا يدخل فيه المقيد بما ينافي الإطلاق، فلا يدخل ماء الورد في الماء المطلق، وأما المطلق لا بقيد فيدخل فيه المقيد، كما يدخل الإنسان الناقص في اسم الإنسان‏.‏
فقد تبين أن المطلق بشرط الإطلاق من المعاني ليس له وجود في الخارج، فليس في الخارج إنسان مطلق، بل لابد أن يتعين بهذا أو ذاك، وليس فيه حيوان مطلق، وليس فيه مطر مطلق بشرط الإطلاق‏.‏
وأما المطلق بشرط الإطلاق من الألفاظ كالماء المطلق فمسماه موجود في الخارج؛ لأن شرط الإطلاق هنا في اللفظ، فلا يمنع أن يكون معناه معينا، وبشرط الإطلاق هناك في المعنى،والمسمى المطلق بشرط الإطلاق لا يتصور؛ إذ لكل موجود حقيقة يتيميز بها، وما لا حقيقة له يتميز بها ليس بشيء،وإذا كان له حقيقة يتميز بها فتمييزه يمنع أن يكون مطلقاً من كل وجه،فإن المطلق من كل وجه لا تمييز له،فليس لنا موجود هو مطلق بشرط الإطلاق ولكن العدم المحض قد يقال‏:‏ هو مطلق بشرط الإطلاق، إذ ليس هناك حقيقة تتميز ولا ذات تتحقق، حتى يقال‏:‏ تلك الحقيقة تمنع غيرها بحدها أن تكون إياها‏.‏
/وأما المطلق من المعاني لا بشرط‏:‏ فهذا إذا قيل بوجوده في الخارج فإنما يوجد معينا متميزاً مخصوصا، والمعين المخصوص يدخل في المطلق لا بشرط ولا يدخل في المطلق بشرط الإطلاق، إذ المطلق لا بشرط أعم، ولا يلزم إذا كان المطلق بلا شرط موجوداً في الخارج أن يكون المطلق المشروط بالإطلاق موجوداً في الخارج؛ لأن هذا أخص منه‏.‏
فإذا قلنا‏:‏حيوان، أو إنسان، أو جسم، أو وجود مطلق، فإن عنينا به المطلق بشرط الإطلاق، فلا وجود له في الخارج، وإن عنينا المطلق لا بشرط فلا يوجد إلا معينا مخصوصا، فليس في الخارج شيء إلا معين متميز منفصل عما سواه بحده وحقيقته‏.‏
فمن قال‏:‏ إن وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين، فحقيقة قوله أنه ليس للحق وجود أصلا ولا ثبوت إلا نفس الأشياء المعينة المتميزة، والأشياء المعينة ليست إياه فليس شيئا أصلا‏.‏
وتلخيص النكتة‏:‏ أنه لو عني به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج فلا يكون للحق وجود أصلا، وإن عني به المطلق بلا شرط، فإن قيل بعدم وجوده في الخارج فلا كلام، وإن قيل بوجوده فلا يوجد إلا معينا، فلا يكون للحق وجود إلا وجود الأعيان، فيلزم محذوران‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه ليس للحق وجود سوى وجود المخلوقات‏.‏
والثاني‏:‏ التناقض، وهو قوله‏:‏ إنه الوجود المطلق دون المعين‏.‏
/فتدبر قول هذا، فإنه يجعل الحق في الكائنات بمنزلة الكلى في جزئياته، وبمنزلة الجنس والنوع والخاصة، والفصل في سائر أعيانه الموجودة الثابتة في العدم‏.‏
وصاحب هذا القول يجعل المظاهر والمراتب في المتعينات، كما جعلها الأول في الأعيان الثابتة في العدم







من مواضيع : الغريب 0 تواقيع شهر رمضان . تواقيع رمضان , توقيع رمضاني
0 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي
0 سؤال صعب والحل عندكم
0 نصائح (60 نصيحة )
0 بلوتوث. BlueTooth . تعريفه . فوائده . مخاطره


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:10 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

فصــل‏:‏
وأما التلمساني ونحوه، فلا يفرق بين ماهية ووجود، ولا بين مطلق ومعين بل عنده ما ثم سوى ولا غير بوجه من الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر في البحر، وأجزاء البيت من البيت، فمن شعرهم‏:‏
البحر لا شك عندي في توحـده ** وإن تعـدد بالأمـواج والزبـد
فلا يغرنك ما شاهدت من صـور ** فالواحد الرب ساري العين في العدد
ومنه‏:‏
فما البحر إلا الموج لا شيء غيره ** وإن فرقته كـثرة المتعـدد
ولا ريب أن هذا القول هو أحذق في الكفر والزندقة، فإن التمييز بين الوجود والماهية، وجعل المعدوم شيئا، أو التمييز في الخارج بين المطلق والمعين وجعل المطلق شيئا وراء المعينات في الذهن، قولان ضعيفان باطلان‏.‏
وقد عرف من حدد النظر‏:‏ أن من جعل في هذه الأمور الموجودة في الخارج شيئين‏:‏
أحدهما‏:‏ وجودها‏.‏
/والثاني‏:‏ ذواتها، أو جعل لها حقيقة مطلقة موجودة زائدة على عينها الموجودة فقد غلط غلطا قويا، واشتبه عليه ما يأخذه من العقل من المعاني المجردة المطلقة عن التعيين، ومن الماهيات المجردة عن الوجود الخارجي بما هو موجود في الخارج من ذلك، ولم يدر أن متصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود حاصل بذاته، كما يتصور المعدومات، والممتنعات، والمشروطات ويقدر ما لا وجود له البتة مما يمكن أو لا يمكن، ويأخذ من المعينات صفات مطلقة فيه، ومن الموجودات ذوات متصورة فيه‏.‏
لكن هذا القول أشد جهلا وكفراً بالله تعالى، فإن صاحبه لا يفرق بين المظاهر والظاهر، ولا يجعل الكثرة والتفرقة إلا في ذهن الإنسان لما كان محجوبا عن شهود الحقيقة، فلما انكشف غطاؤه عاين أنه لم يكن غير، وأن الرائي عين المرئي، والشاهد عين المشهود‏.‏
/فصـــل‏:‏
واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه، ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة قوله‏:‏ إن الوجود واحد، ورد ذلك‏.‏ وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين‏.‏
وإنما حدَثتْ هذه المقالات بحدوث دولة التتار، وإنما كان الكفر الحلول العام، أو الاتحاد، أو الحلول الخاص، وذلك أن القسمة رباعية؛ لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقديرين، فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق، كالمسيح، أو يجعله عاماً لجميع الخلق‏.‏ فهذه أربعة أقسام‏:‏
الأول‏:‏ هو الحلول الخاص، وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول‏:‏ إن اللاهوت حل في الناسوت، وتدرع به كحلول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى،بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في زمن المأمون،وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون‏:‏إنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النساك/ الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية، أو في بعضهم كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء‏.‏
والثاني‏:‏ هو الاتحاد الخاص، وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولا، وهم السودان والقبط، يقولون‏:‏ إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام‏.‏
والثالث‏:‏ هو الحلول العام، وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث، عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية، الذين يقولون‏:‏ إن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏3‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏هومعكم‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏4‏]‏‏.‏ والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة، وأهل المعرفة، وعلماء الحديث‏.‏
الرابع‏:‏ الاتحاد العام، وهو قول هؤلاء الملاحدة، الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين‏:‏ من جهة أن أولئك قالوا‏:‏ إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه، بعد أن لم يكونا متحدين،وهؤلاء يقولون‏:‏ ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره‏.‏ والثاني‏:‏ من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء/ جعلوا ذلك ساريا في الكلاب، والخنازير، والأقذار، والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏}‏الآية‏[‏المائدة‏:‏72‏]‏‏.‏فكيف بمن قال‏:‏إن الله هو الكفار، والمنافقون والصبيان، والمجانين والأنجاس، والأنتان وكل شيء ‏؟‏‏!‏
وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصاري لما قالوا‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ‏}‏ وقال لهم‏:‏‏{‏ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏18‏]‏ فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه‏؟‏ ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه‏؟‏ وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع‏؟‏ كما في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها‏)‏ وأن الناكح عين المنكوح، حتى قال شاعرهم‏:‏
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ** لأني في التحقيق لست سواكم
واعلم أن هؤلاء لما كان كفرهم ـ في قولهم‏:‏ إن الله هو مخلوقاته كلها ـ أعظم من كفر النصارى بقولهم‏:‏ ‏{‏قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏}‏ وكان النصارى ضلال، أكثرهم لا يعقلون مذهبهم في التوحيد، إذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل، حيث يجعلون الرب جوهراً واحداً، ثم يجعلونه ثلاثة جواهر، ويتأولون ذلك بتعدد الخواص والأشخاص التي هي الأقانيم، والخواص عندهم ليست جواهر، فيتناقضون مع كفرهم‏.‏
كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال، أكثرهم لا يعقلون قول/ رؤوسهم ولا يفقهونه، وهم في ذلك كالنصارى، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله أعرف، وعندهم أعظم‏.‏
ولهم حظ من عبادة الرب الذي كفروا به، كما للنصارى، هذا ما دام أحدهم في الحجاب،فإذا ارتفع الحجاب عن قلبه وعرف أنه هو، فهو بالخيار بين أن يسقط عن نفسه الأمر، والنهي،ويبقى سدى يفعل ما أحب،وبين أن يقوم بمرتبة الأمر، والنهي، لحفظ المراتب، وليقتدي به الناس المحجوبون، وهم غالب الخلق، ويزعمون أن الأنبياء كانوا كذلك إذ عدوهم كاملين‏.‏
/فصــل‏:‏
مذهب هؤلاء الاتحادية ـ كابن عربي، وابن سبعين، والقونوي، والتلمساني ـ مركب من ثلاثة مواد‏:‏
سلب الجهمية وتعطيلهم‏.‏
ومجملات الصوفية‏:‏ وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح، فيتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، وأيضا كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال سكر‏.‏
ومن الزندقة الفلسفية التي هي أصل التجهم،وكلامهم في الوجود المطلق، والعقول، والنفوس، والوحي والنبوة، والوجوب والإمكان، وما في ذلك من حق وباطل‏.‏
فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي؛ ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام، والكل مشتركون في التجهم،والتلمساني أعظمهم تحقيقًا لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها، وأكفرهم بالله، وكتبه، ورسله وشرائعه، واليوم الآخر‏.‏
/وبيان ذلك أنه قال‏:‏ هو فيَّ كان متجل بوحدته الذاتية، عالماً بنفسه وبما يصدر عنه، وأن المعلومات بأسرها كانت منكشفة في حقيقة العلم شاهداً لها‏.‏
فيقال له‏:‏ قد أثبت علمه بما يصدر منه، وبمعلومات يشهدها غير نفسه، ثم ذكرت أنه عرض نفسه على هذه الحقائق الكونية المشهودة المعدومة، فعند ذلك عبر ‏[‏ بأنا‏]‏ وظهرت حقيقة النبوة، التي ظهر فيها الحق واضحا، وانعكس فيها الوجود المطلق، وأنه هو المسمى باسم الرحمن، كما أن الأول هو المسمي باسم الله‏.‏
وسقت الكلام إلى أن قلت‏:‏ وهو الآن على ما عليه كان، فهذا الذي علم أنه يصدر عنه وكان مشهوداً له معدوماً في نفسه هو الحق أو غيره‏؟‏ فإن كان الحق فقد لزم أن يكون الرب كان معدوماً، وأن يكون صادراً عن نفسه، ثم إنه تناقض‏.‏ وإن كان غيره، فقد جعلت ذلك الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق، وهو الرحمن، فيكون الخلق هو الرحمن‏.‏
فأنت حائر بين أن تجعله قد علم معدوماً صدر عنه، فيكون له غير وليس هو الرحمن، وبين أن تجعل هذا الظاهر والواصف هو إياه وهو الرحمن، فلا يكون معدوماً ولا صادراً عنه، وإما أن تصف الشيء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص العبد المخلوق تارة، فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر، وهو نظير قول النصارى‏:‏ اللاهوت الناسوت، لكن هذا أكفر من وجوه متعددة‏.‏
/فصـــل‏:‏
الوجه الأول‏:‏ أن هذه الحقائق الكونية ـ التي ذكرت أنها كانت معدومة في نفسها، مشهودة أعيانها في علمه في تجليه المطلق، الذي كان فيه متحداً بنفسه بوحدته الذاتية ـ هل خلقها وبرأها وجعلها موجودة بعد عدمها، أم لم تزل معدومة ‏؟‏ فإن كانت لم تزل معدومة، فيجب ألا يكون شيء من الكونيات موجوداً، وهذا مكابرة للحس، والعقل، والشرع، ولا يقوله عاقل ولم يقله عاقل‏.‏ وإن كانت صارت موجودة بعد عدمها، امتنع أن تكون هي إياه؛ لأن الله لم يكن معدوماً فيوجد‏.‏
وهذا يبطل الاتحاد، ووجب حينئذ أن يكون موجوداً ليس هو الله، بل هو خلقه ومماليكه وعبيده، وهذا يبطل قولك‏:‏ وهو الآن لا شيء معه على ما عليه كان‏.‏
الثاني‏:‏ أن قولك‏:‏ تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه،أو قولك‏:‏ظهر الحق فيه،أو نحو ذلك من الألفاظ التي يطلقها هؤلاء الاتحادية في هذا الموضع‏.‏ مثل قولهم‏:‏ ظهر الحق وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر إلهيُّ ومجلى إلهيّ، ونحو ذلك، أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك‏؟‏/ أو تعني به أنه صار ظاهراً متجلياً لها بحيث تعلمه‏؟‏ أو تعني به أنه ظهر لخلقه بها، وتجلى بها، وأنه ما ثم قسم رابع‏؟‏
فإن عنيت الأول ـ وهو قول الاتحادية ـ فقد صرحت بأن عين المخلوقات ـ حتى الكلاب، والخنازير، والنجاسات، والشياطين والكفار ـ هي ذات الله، أو هي وذات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا‏:‏‏{‏ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏}‏ ‏[‏المائدة‏: 17، ‏72‏]‏ و‏{‏ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏73‏]‏، وإن الله يلد ويولد، وأن له بنين وبنات‏.‏ وإذا صرحت بهذا عرف المسلمون قولك فألحقوك ببني جنسك، فلا حاجة إلى ألفاظ مجملة يحسبها الظمآن ماء، ويا ليته إذا جاءها لم يجدها شيئا، بل يجدها سما ناقعا‏!‏
وإن عنيت أنه صار ظاهرًا متجليا لها، فهذا حقيقة أنه صار معلوماً لها، ولا ريب أن الله يصير معروفاً لعبده، لكن كلامك في هذا باطل من وجهين‏:‏
من جهة أنك جعلته معلوماً للمعدومات، التي لا وجود لها؛ لكونه قد علمها، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل‏:‏ من جهة أنه إذا علم أن الشيء سيكون، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالماً قادراً فاعلا‏.‏
ومن جهة أن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصح منه العلم‏.‏
/وأما إن قلت‏:‏ إن الله يعلم بها ـ لكونها آيات دالة عليه ـ فهذا حق، وهو دين المسلمين وشهود العارفين، لكنك لم تقل هذا لوجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطى شيئا خلقه، بل جعلت نفسه هو المتجلي لها‏.‏الوجه الثاني‏:‏ أنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه، وجعلها آيات تكون تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات، والآية مثل العلامة والدلالة كما قال‏:‏‏{‏ وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏163، 164‏]‏ وتارة يسميها نفسها آية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُأَحْيَيْنَاهَا ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏33‏]‏ وهذا الذي ذكره الله في كتابه هو الحق‏.‏
فإذا قيل في نظير ذلك‏:‏ تجلى بها وظهر بها كما يقال‏:‏ علم وعرف بها، كان المعنى صحيحا، لكن لفظ التجلي والظهور في مثل هذا الموضع غير مأثور، وفيه إيهام وإجمال، فإن الظهور والتجلي يفهم منه الظهور والتجلي للعين، لا سيما لفظ التجلي، فإن استعماله في التجلي للعين هو الغالب، وهذا مذهب الاتحادية، صرح به ابن عربي وقال‏:‏ فلا تقع العين إلا عليه‏.‏
وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين،بل قد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏(‏واعلموا أن أحداً/منكم لن يري ربه حتى يموت‏)‏ ولا سيما إذا قيل‏:‏ظهر فيها وتجلى،فإن اللفظ يصير مشتركا بين أن تكون ذاته فيها، أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يري المرئي في المرآة، ولكن ظهورها دلالتها عليه وشهادتها له، وإنها آيات له على نفسه، وصفاته سبحانه وبحمده، كما نطق بذلك كتاب الله‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن مقارنة الألف والنون المعبر عنها بـ ‏[‏أنا‏]‏ واللفظة التي هي ‏[‏حقيقة النبوة‏]‏ و ‏[‏ الروح الإضافي ‏]‏ هذه الأشياء داخلة في مسمى أسماء الله، بحيث تكون مما يدخل في مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة، أم ليست داخلة في مسمى أسمائه ‏؟‏ فإن كان الأول، فتكون جميع المخلوقات داخلة في مسمى أسماء الله، وتكون المخلوقات جزءاً من الله وصفة له، وإن كان الثاني، فهذه الأشياء معدومة،ليس لها وجود في أنفسها، فكيف يتصور أن تكون موجودة لا موجودة، ثابتة لا ثابتة، منتفية لا منتفية‏؟‏ وهذا تقسيم بين، وهو أحد ما يكشف حقيقة هذا التلبيس‏.‏
فإن هذه الأمور التي كانت معلومة له معدومة عند نزول الخلية ظهرت هذه الأمور التي ذكرها، فهذه الأمور الـظاهرة المعلومة بعد هذا النزول قد صارت ‏[‏ أنا‏]‏ وحقيقة نبوة، وروحاً إضافيا، وفعل ذات، ومفعول ذات، ومعنى وسائط، فإن كان جميع ذلك في الله، ففيه كفران عظيمان‏:‏
كون جميع المخلوقات جزءًا من الله‏.‏
/وكونه متغيرًا هذه التغيرات، التي هي من نقص إلى كمال، ومن كمال إلى نقص، وإن كانت خارجة عن ذاته فهذه الأشياء كانت معدومة، ولم يخلقها ـ عندهم ـ خارجة عنه، فكيف يكون الحال ‏؟‏
الوجه الرابع‏:‏ أن عقدة حقيقة النبوة وما معها‏:‏ إما أن يكون شيئا قائما بنفسه، أو صفة له أو لغيره، فإن كان قائما بنفسه فإما أن يكون هو اللّه أو غيره، فإن كان ذلك هو الله فيكون الله هو النقطة الظاهرة، وهو حقيقة النبوة، وهو الروح الإضافي‏.‏
وقد قال بعد هذا‏:‏ إنه جعل الروح الإضافي في صورة فعل ذاته، وأنه أعطى محمداً عقدة نبوته، فيكون قد جعل نفسه صورة فعله، وأعطى محمداً ذاته، وهذا مع أنه من أبين الكفر وأقبحه فهو متناقض، فمن المعطِي ومن المعطَى ‏؟‏ إذا كان أعطى ذاته لغيره، وإن كانت هذه الأشياء أعيانا قائمة بنفسها وهي غير الله ـ فسواء كانت ملائكة أوغيرها، من كل ما سوى الله من الأعيان، فهو خلق من خلق الله مصنوع مربوب، والله خالق كل شيء، فهو قد جعل ظهور الحق واصفا، وأنه المسمي باسم الرحمن، فيكون المسمى باسم الرحمن الواصف لنفسه مخلوقا، وهذا كفر صريح وهو أعظم من إلحاد الذين‏:‏ ‏{‏قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏60‏]‏، ومن إلحاد الذين قيل فيهم‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏30‏]‏،فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع إقرارهم برب العالمين، وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقاً من مخلوقاته‏.‏
وأما إن كان المراد بهذه الحقيقة وما معها صفة‏:‏ فإما أن تكون صفة لله/ أو لغيره، فإن كانت صفة لله لم يجز أن تكون هي المسمى باسم الرحمن، فإن ذلك اسم لنفس الله لا لصفاته، والسجود لله لا لصفاته، والدعاء لله لا لصفاته، وإن كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم‏.‏
وهذا تقسيم لا محيص عنه، فإن هذا الملحد في أسماء الله جعل هذه العقدة التي سماها عقدة حقيقة النبوة وجعلها صورة علم الحق بنفسه، وجعلها مرآة لانعكاس الوجود المطلق، محلا لتميز صفاته القديمة، وأن الحق ظهر فيه بصورته وصفته واصفا يصف نفسه ويحيط به، وهو المسمى باسم الرحمن، ثم ذكر أنه أعطى محمداً هذه العقدة‏.‏
ومعلوم أن المسمى باسم الرحمن هو المسمى باسم الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏110‏]‏ فيكون هو سبحانه هذه العقدة التي أعطاها لمحمد، وإن كانت صفة له أو غيره، فتكون هي الرحمن، فهذا الملحد دائر بين أن يكون الرحمن هو خلق من خلق الله أو صفة من صفاته، وبين أن يكون الرحمن قد وهبه الله لمحمد، وكل من القسمين من أسمج الكفر وأبشعه‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أن قوله‏:‏ لهذه الحقيقة طرفان‏:‏ طرف إلى الحق المواجه إليها، الذي ظهر فيه الوجود الأعلى واصفا، وطرف إلى ظهور العالم منه، وهو المسمى بالروح الإضافي‏.‏
فذكر في هذا الكلام ظهور الوجود وظهور العالم، وقد تقدم أن الحق كان ولم يكن معه شيء وهو متجلّ بنفسه بوحدته الذاتية، وأنه لما نزلت الخلية/ الإلهية، ظهرت عقدة حقيقة النبوة، فصارت مرآة لانعكاس الوجود، فظهر الحق فيه بصورة وصفه واصفا‏.‏
وقد ذكر في هذا الكلام الحق المواجه إليها والوجود الأعلى الذي ظهر في هذا الحق، والطرف الذي لها إلى الحق، فقد ذكر هنا ثلاثة أشياء‏:‏ الحق، والوجود، والطرف، وقد جعل فيما تقدم‏:‏ الحق هو الوجود المطلق الذي انعكس، وهو الحق الذي ظهر فيه واصفا، فتارة يجعل الحق هو الوجود المطلق، وتارة يجعل الوجود المطلق قد ظهر في هذا الحق، وهذا تناقض‏.‏
ثم يقال له‏:‏ هذان عندك عبارة عن الرب تعالى، فقد جعلته ظاهرًا وجعلته مظهرًا، فإن عنيت بالظهور الوجود فيكون الرب قد وجد مرة بعد مرة، وهذا كفر شنيع، فكيف يتصور تكرر وجوده‏؟‏ وكيف يتصور أن يكون قد وجد في نفسه بعد أن لم يكن موجودا في نفسه ‏؟‏ وإن عنيت به الوضوح والتجلي، فليس هناك مخلوق يظهر له ويتجلى؛ إذ العالم بعد لم يخلق، وأنت قلت‏:‏ ظهر الحق فيه واصفا، وسميته الرحمن، ولم تجعل ظهوره معلوما ولا مشهودا، فكيف يتصور أن يكون متجليا لنفسه بعد أن لم يكن متجليا‏؟‏ فإن هذا وصف له بأنه لم يكن يعلم نفسه حتى علمها‏.‏
وأيضا، فقد قلت‏:‏ إنه كان متجليا لنفسه بوحدته، فهذا كفر وتناقض‏.‏
الوجه السادس‏:‏أن هذا التحير والتناقض مثل تحير النصارى، وتناقضهم في الأقانيم‏.‏
/فإنهم يقولون‏:‏ الآب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة، وهي إله واحد‏.‏
والمتدرع بناسوت المسيح هو الابن، ويقولون‏:‏ هي الوجود، والعلم، والحياة، والقدرة‏.‏
فيقال لهم‏:‏ إن كانت هذه صفات فليست آلهة، ولا يتصور أن يكون المتدرع بالمسيح إلهاً، إلا أن يكون هو الآب، وإن كانت جواهر وجب ألا تكون إلها واحداً؛ لأن الجواهر الثلاثة لا تكون جوهراً واحداً، وقد يمثلون ذلك بقولنا‏:‏ زيد العالم القادر الحي، فهو بكونه عالمًا ليس هو بكونه قادرًا‏.‏
فإذا قيل لهم‏:‏ هذا كله لا يمنع أن يكون ذاتاً واحدة لها صفات متعددة، وأنتم لا تقولون ذلك‏.‏
وأيضا،فالمتحد بالمسيح إذا كان إلهاً امتنع أن يكون صفة، وإنما يكون هو الموصوف، وأنتم لا تقولون بذاك، فما هو الحق لا تقولونه، وما تقولونه ليس بحق، وقد قال تعالى‏:‏‏{‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ َّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏171‏]‏‏.‏
فالنصارى حياري متناقضون،إن جعلوا الأقنوم صفة امتنع أن يكون المسيح إلهاً، وإن جعلوه جوهراً امتنع أن يكون الإله واحداً، وهم يريدون أن يجعلوا المسيح الله ويجعلوه ابن الله، ويجعلوا الآب والابن وروح القدس/ إلهًا واحدًا؛ ولهذا وصفهم الله في القرآن بالشرك تارة، وجعلهم قسما غير المشركين تارة؛ لأنهم يقولون الأمرين وإن كانوا متناقضين‏.‏
وهكذا حال هؤلاء، فإنهم يريدون أن يقولوا بالاتحاد وأنه ما ثم غير، ويريدون أن يثبتوا وجود العالم، فجعلوا ثبوت العالم في علمه وهو شاهد له، وجعلوه متجليا لذلك المشهود له، فإذا تجلى فيه كان هو المتجلي لا غيره، وكانت تلك الأعيان المشهودة هي العالم‏.‏
وهذا الرجل، وابن عربي، يشتركان في هذا، ولكن يفترقان من وجه آخر‏.‏
فإن ابن عربي يقول‏:‏وجود الحق ظهر في الأعيان الثابتة في نفسها، فإن شئت قلت‏:‏ هو الحق، وإن شئت قلت‏:‏ هو الخلق، وإن شئت قلت‏:‏ هو الحق والخلق، وإن شئت قلت‏:‏ لا حق من كل وجه، ولا خلق من كل وجه، وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك‏.‏
وأما هذا فإنه يقول‏:‏ تجلى الأعيان المشهودة له، فقد قالا في جميع الخلق ما يشبه قول ملكية النصارى في المسيح، حيث قالوا بأن اللاهوت والناسوت صارا جوهرًا واحدًا له أقنومان‏.‏
وأما التلمساني فإنه لا يثبت تعددًا بحال، فهو مثل يَعَاقِبَه النصارى، وهم أكفرهم، والنصارى قالوا بذلك في شخص واحد، وقالوا‏:‏ إن اللاهوت يتدرع بالناسوت بعد أن لم يكن متدرعا به‏.‏
/وهؤلاء قالوا‏:‏ إنه في جميع العالم، وإنه لم يزل، فقالوا بعموم ذلك ولزومه، والنصارى قالوا بخصوصه وحدوثه، حتى قال قائلهم‏:‏ النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا‏.‏
وهذا المعنى قد ذكره ابن عربي في غير موضع من الفصوص، وذكر أن إنكار الأنبياء على عُبّاد الأصنام إنما كان لأجل التخصيص، وإلا فالعارف المكمل من عبده في كل مظهر، وهو العابد والمعبود، وأن عباد الأصنام لو تركوا عبادتهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها، وأن موسى إنما أنكر على هارون لكون هارون نهاهم عن عبادة العجل، لضيق هارون، وعلم موسى بأنهم ما عبدوا إلا الله، وأن هارون إنما لم يسلط على العجل ليعبدوا الله في كل صورة، وإن أعظم مظهر عبد فيه هو الهوى، فما عبد أعظم من الهوى، لكن ابن عربي يثبت أعيانًا ثابتة في العدم‏.‏
وهذا ابن حمويه إنما أثبتها مشهودة في العلم فقط، وهذا القول هو الصحيح، لكن لا يتم معه ما طلبه من الاتحاد، ولهذا كان هو أبعدهم عن تحقيق الاتحاد وأقرب إلى الإسلام، وإن كان أكثرهم تناقضًا وهذيانًا، فكثرة الهذيان خير من كثرة الكفر‏.‏
ومقتضى كلامه هذا‏:‏أنه جعل وجوده مشروطًا بوجود العالم، وإن كان له وجود ما غير العالم، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وإن كان قائما بالحدقة، فعلى هذا يكون الله مفتقرًا إلى العالم محتاجًا إليه كاحتياج نور العين/ إلى الجفنين، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءِ‏}‏إلى آخر الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 181‏]‏‏.‏
فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير إلى أموالهم ليعطيها الفقراء، فكيف قوله فيمن جعل ذاته مفتقرة إلى مخلوقاته، بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته، وتفرقت وعدمت، كما ينتشر نور العين ويتفرق، ويعدم إذا عدم الجفن‏؟‏
وقد قال في كتابه‏:‏‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا‏}‏ الآية ‏[‏فاطر‏:‏41‏]‏‏.‏ فمن يمسك السموات والأرض‏؟‏ وَقَالَ فِي كِتَابه‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ٌ‏}‏ الآية ‏[‏الروم‏:‏25‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏2‏]‏ وقال‏:‏‏{‏وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعلى الْعَظِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏ لا يؤوده‏:‏ لا يثقله ولا يكرثه‏.‏
وقد جاء في الحديث، حديث أبي داود‏:‏ ‏(‏ما السموات والأرض وما بينهما في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في الفلاة‏)‏‏.‏ وقد قال في كتابه‏:‏‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏الآية ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏‏.‏
وقد ثبت في الصحاح من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود‏:‏ ‏(‏إن اللَّهَ يَمْسِكُ السَّمَواتِ والأرْضَ بِيَدِهِ‏)‏ فمن يكون في قبضته السموات والأرض، وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، /وبأمره تقوم السماء والأرض، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، أيكون محتاجًا إليهما مفتقرًا إليهما، إذا زالا تفرق وانتشر‏؟‏
وإذا كان المسلمون يكفّرون من يقول‏:‏ إن السموات تقلِّه أو تظلِّه، لما في ذلك من احتياجه إلى مخلوقاته، فمن قال‏:‏ إنه في استوائه على العرش محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله فإنه كافر؛ لأن الله غني عن العالمين حي قيوم، هو الغني المطلق وما سواه فقير إليه، مع أن أصل الاستواء على العرش ثابت بالكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة، بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، فكيف بمن يقول‏:‏ إنه مفتقر إلى السموات والأرض، وأنه إذا ارتفعت السموات والأرض، تفرق، وانتشر، وعدم فأين حاجته في الحمل إلى العرش، من حاجة ذاته إلى ما هو دون العرش‏؟‏
ثم يقال لهؤلاء‏:‏ إن كنتم تقولون بقدم السموات والأرض ودوامهما، فهذا كفر‏.‏ وهو قول بقدم العالم، وإنكار انفطار السموات والأرض وانشقاقهما، وإن كنتم تقولون بحدوثهما فكيف كان قبل خلقهما‏؟‏ هل كان منتشرًا، متفرقًا معدومًا، ثم لما خلقهما صار موجودًا مجتمعًا‏؟‏ هل يقول هذا عاقل‏؟‏
فأنتم دائرون بين نوعين من الكفر، مع غاية الجهل والضلال، فاختاروا أيهما شئتم‏.‏ إن صور العالم لا تزال تفنى ويحدث في العالم بدلها مثل الحيوان والنبات والمعادن، ومثل ما يحدثه الله في الجو من السحاب والرعد والبرق والمطر وغير ذلك، فكلما عدم شيء من ذلك، ينتقص من نور الحق، ويتفرق/ ويعدم، بقدر ما عدم من ذلك، وكلما زاد شيء من ذلك، زاد نوره واجتمع ووجد‏.‏
وأما إن عنى أن نور الله باق بعد زوال السموات والأرض، لكن لا يظهر فيه شيء، فما الشيء الذي يظهر بعد عدم هذه الأشياء‏؟‏ وأي تأثير للسموات والأرض في حفظ نور الله‏؟‏
وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ـ أو النار ـ لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏)‏، وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه‏.‏
فقد أخبر الصادق المصدوق أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من السموات والأرض، وغيرهما، فمن يكون سبحات وجهه تحرق السموات والأرض، وإنما حجابه هو الذي يمنع هذا الإحراق، أيكون نوره إنما يحفظ بالسموات والأرض‏؟‏
الوجه السابع‏:‏ قوله‏:‏ فالعلويات جفنها الفوقاني، والسفليات جفنها التحتاني، والتفرقة البشرية في السفليات أهداب الجفن الفوقاني، والنفس الكلية سوادها، والروح الأعظم بياضها‏.‏ يقال له‏:‏ فإذا كان العالم هو هذه/ العين، فالعين الأخرى أي شيء هي‏؟‏ وبقية الأعضاء أين هي‏؟‏ هذا لازم قولك‏:‏ إن عنيت بالعين المتعين، وإن عنيت الذات والنفس ـ وهو ما تعين فيه ـ فقد جعلت نفس السموات والأرض والحيوان والملائكة أبعاضًا من الله، وأجزاء منه، وهذا قول هؤلاء الزنادقة، الفرعونية الاتحادية، الذين أتبعهم الله في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين‏.‏
فيقال له‏:‏ فعلى هذا لم يخلق الله شيئا، ولا هو رب العالمين؛ لأنه إما أن يخلق نفسه أو غيره، فخلقه لنفسه محال، وهذا معلوم بالبديهة أن الشيء لا يخلق نفسه؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏35‏]‏، يقول‏:‏ أخلقوا من غير خالق، أم هم خلقوا أنفسهم‏؟‏
ولهذا قال جبير بن مطعم‏:‏ لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية، أحسست بفؤادي قد انصدع‏.‏ فقد علموا أن الخالق لا يكون هو المخلوق بالبديهة، وخلقه لغيره ممتنع على أصلهم؛ لأن هذه الأشياء هي أجزاء منه ليست غيرا له‏.‏
الوجه الثامن‏:‏ أنه جعل البشر أهداب جفن حقيقة الله، وهم دائما يزيدون وينقصون، ويموتون ويحيون، وفيهم الكافر والمؤمن، والفاجر والبر، فتكون أهداب جفن حقيقة الله لا تزال مفرقة، كاشرة فاسدة، ويكون المشركون، واليهود، والنصارى أجفان حقيقته، وقد لعن من جعلهم أبناءه على سبيل الاصطفاء، فكيف بمن جعلهم من نفسه‏؟‏
/الوجه التاسع‏:‏ أنه متناقض من حيث جعل الروح بياضها، والنفس الكلية سوادها، والسموات الجفن الأعلى، والأرضون الجفن الأسفل‏.‏
ومعلوم أن جفني عين الإنسان محيطان بالسواد والبياض، والروح والنفس عنده هي فوق السموات والأرض، ليست بين السماء والأرض، كما أن سواد العين وبياضها بين الجفنين، فهذا التمثيل مع أنه من أقبح الكفر، ففيه من الجهالة والتناقض ما تراه‏.‏
الوجه العاشر‏:‏ أن النفس الكلية اسم تلقاه عن الصابئة الفلاسفة‏.‏
وأما الروح‏:‏ فإن مقصوده بها هو الذي يسمونه العقل، وهو أول الصادرات، وسماه هو روحًا، وهذا بناه على مذهب الصابئة، وليس هذا من دين الحنفاء، وقد بينا فساد ذلك في غير هذا الموضع‏.‏
لكن الصابئة الفلاسفة خير من هؤلاء، فإنهم يقرون بواجب الوجود الذي صدرت عنه العقول، والنفوس والأفلاك، والأرض لا يجعلونها إياه وهؤلاء يجعلونها إياه‏.‏
فقولهم إنما ينطبق على المعطلة، مثل فرعون ـ وحزبه ـ الذي قال‏:‏‏{‏وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏23‏]‏، وقال‏:‏‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏38‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعلى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ‏}‏ الآية ‏[‏غافر‏:‏36، 37‏]‏
فإن فرعون يقر بوجود هذا العالم، ويقول‏:‏ ما فوقه رب، ولا له خالق غيره‏.‏
/فهؤلاء إذا قالوا‏:‏ إنه عين السموات والأرض، فقد جحدوا ما جحده فرعون، وأقروا بما أقر به فرعون، إلا أن فرعون لم يسمه إلها ولم يقل‏:‏ هو الله‏.‏
وهؤلاء قالوا‏:‏ هذا هو اللّه، فهم مقرون بالصانع، لكن جعلوه هو الصنعة فهم في الحقيقة معطلون، وفي اعتقادهم مقرون‏.‏
وفرعون بالعكس‏:‏ كان منكرًا للصانع في الظاهر، وكان في الباطن مقرًا به، فهو أكفر منهم، وهم أضل منه وأجهل، ولهذا يعظمونه جدًا‏.‏
الوجه الحادي عشر‏:‏ قول القائل‏:‏ بل هذا هو الحق الصريح المتبع، لا ما يرى المنحرف عن مناهج الإسلام ودينه، المتحير في بيداء ضلالته وجهله‏.‏
فيقال‏:‏ من الذي قال هذا الحق من الأولين والأخرين‏؟‏ وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، الذي هو كلام الله، ووحيه، وتنزيله، ليس فيه شيء من هذا، ولا في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام ومشايخه، إلا عن هؤلاء المفترين على الله الذين هم في مشائخ الدين نظير جنكسخان في أمر الحرب، فديانتهم تشبه دولته، ولعل إقراره بالصانع خير من إقرارهم، لكن بعضهم قد يوجب الإسلام فيكون خيرًا من التتار من هذا الوجه‏.‏
وأما محققوهم وجمهورهم، فيجوز عندهم التهود والتنصر، والإسلام/ والإشراك، لا يحرمون شيئا من ذلك، بل المحقق عندهم لا يحرم عليه شيء، ولا يجب عليه شيء‏.‏
ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء، فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من أقبح أهل الردة، والمرتد شر من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة، وإذا كان أبو بكر الصديق قاتل المرتدين بمنعهم الزكاة، فقتال هؤلاء أولى‏.‏
وأما ما حكاه عن الذي سماه الشيخ المحقق، العالم الرباني، الغوث السابع ‏[‏في الشمعة‏]‏ من أنه قال‏:‏ اعلم أن العالم بمجموعه حدقة عين الله، التي لا تنام‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ إلخ‏.‏ فالكلام عليه من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن تسمية قائل مثل هذا المقال‏:‏ محققًا، وعالمًا، وربانيًا، عين الضلالة والغواية، بل هذا كلام لا تقوله لا اليهود، ولا النصارى، ولا عباد الأوثان‏.‏
فإن كان الذي قاله مسلوب العقل، كان حكمه حكم غيره في أن الله رفع عنه القلم، وإن كان عاقلا فجرأة على الله الذي يقول‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ‏}‏ إلى آخر الآيات ‏[‏مريم‏:‏88‏:‏ 90‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏الظالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏26، 27‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ‏}‏ إلى قوله‏:‏‏{‏وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏17، 18‏]‏‏.‏
/فإذا كان هذا قوله فيمن يقول‏:‏ إنهم أبناؤه وأحباؤه، فكيف قوله فيمن يقول‏:‏ إنهم أهداب جفنه‏؟‏ ‏!‏ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أن هذا الشيخ الضال ـ الذي قال هذا الكفر والضلال ـ قد نقض آخر كلامه بأوله، فإن لفظ العين‏:‏ مشترك بين نفس الشيء، وبين العضو المبصر، وبين مسميات أخر، وإذا قال بعين الشيء، فهو من العين التي بمعنى النفس، أي تميز بنفسه عن غيره، فإذا قال‏:‏ إن العالم بمجموعه حدقة عين الله ـ التي لا تنام ـ فالعين هنا بمعنى البصر‏.‏
ثم قال في آخر كلامه‏:‏ ونعني بعين الله ما يتعين الله فيه، فهذا من العين بمعنى النفس، وهذه العين ليس لها حدقة ولا أجفان، وإنما هذا بمنزلة من قال‏:‏ نبعت العين وفاضت، وشربنا منها واغتسلنا، ووزنتها في الميزان، فوجدتها عشرة مثاقيل، وذهبها خالص‏.‏
وسبب هذا‏:‏ أنه كان كثيرا ما كان يتصرف في حروف بلا معان‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أنه تناقض من وجه آخر، فإنه إذا كان العالم هو حدقة العين، فينبغي أن يكون قد بقي من الله بقية الأعضاء غير العين، فإذا قال في آخر كلامه‏:‏ والله هو نور العين، كان الله جزءًا من العين، أو صفة له، فقد جعل ـ في أول كلامه ـ العالم جزءًا من الله، وفي آخر كلامه جعل الله جزءًا من العالم، وكل من القولين كفر، بل هذا أعظم من كفر الذين ذكرهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏15، 16‏]‏، فإذا كان الله كفر من جعل له من عباده جزءًا، فكيف من جعل عباده تارة جزءًا منه، وتارة جعله هو جزءًا منهم‏؟‏‏!‏
فلعن الله أرباب هذه المقالات، وانتصر لنفسه، ولكتابه، ولرسوله، ولعباده المؤمنين منهم‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ أنه تناقض من جهة أخرى، فإنه إذا قال‏:‏ العين ما يتعين الله فيه، والعالم كله حدقة عينه التي لا تنام، فقد جعله متعينًا في جميع العالم، فإذا قال بعدها‏:‏ وهو نور العين، بقيت سائر أجزاء العين، من الأجفان، والأهداب والسواد، والبياض، لم يتعين فيها، فقد جعله متعينًا فيها، غير متعين فيها‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أن نور العين مفتقر إلى العين، محتاج إليها لقيامه بها، فإذا كان الله في العالم كالنور في العين، وجب أن يكون محتاجًا إلى العالم‏.‏
واعلم أن هذا القول يشبه قول الحلولية، الذين يقولون‏:‏ هو في العالم كالماء في الصوفة، وكالحياة في الجسم ونحو ذلك، ويقولون‏:‏ هو بذاته في كل مكان، وهذا قول قدماء الجهمية، الذين كفرهم أئمة الإسلام، وحكي عن الجهم أنه كان يقول‏:‏ هو مثل هذا الهواء، أو قال‏:‏ هو هذا الهواء‏.‏
وقوله أولا‏:‏ هو حدقة عين الله، يشبه قول الاتحادية، فإن الاتحادية يقولون‏:‏ هو مثل الشمعة التي تتصور في صور مختلفة وهي واحدة، فهو عندهم الوجود، واختلاف أحواله كاختلاف أحوال الشمعة‏.‏
/ولهذا كان صاحب هذه المقالات، متخبطا لا يستقر عند المسلمين الموحدين المخلصين، ولا هو عند هؤلاء الملاحدة الاتحادية من محققيهم العارفين‏.‏
فإن هؤلاء كلهم من جنس النصيرية، والإسماعيلية، مقالات هؤلاء في الرب من جنس مقالات أولئك، وأولئك فيهم المتمسك بالشريعة، وفيهم المتخلى عنها، وهؤلاء كذلك، لكن أولئك أحذق في الزندقة، وهم يعلمون أنهم معطلون مثل فرعون، وهؤلاء جهال يحسبون أنهم يحسنون صنعا‏.‏
الوجه السادس‏:‏ قوله‏:‏ إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله تعالى‏:‏ بحيث لا يظهر فيه شيء أصلا، وهذا كلام مجمل، ولا ريب أن قائل هذه المقالة من المذبذبين، بين الكافرين والمؤمنين، لا هو من المؤمنين، ولا من الاتحادية المحضة، لكنه قد لبس الحق بالباطل، وذلك أن الاتحادية يقولون‏:‏ إن عين السموات والأرض لو زالت لعدم الله، وهذا اللفظ يصرح به بعضهم، وأما غالبهم فيشيرون إليه إشارة، وعوامهم لا يفهمون هذا من مذهب الباقين، فإن هؤلاء من جنس القرامطة، والباطنية، وأولئك إنما يصلون إلى البلاغ الأكبر، الذي هو آخر مراتب خواصهم‏.‏
ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية عن صاحب هذه المقالة، أنه كان يقول‏:‏ ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف‏.‏ فقلت له‏:‏ هذا من أبطل الباطل، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد والإلحاد، وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه، مثل/ قوله‏:‏ إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله، بحيث لا يظهر فيه شيء‏.‏
فيقال له‏:‏ إذا ارتفعت العلويات والسفليات‏:‏ فما تعني بانبساطه‏؟‏ أتعني تفرقه وعدمه كما يتفرق نور العين عند عدم الأجفان‏؟‏ أم تعني أنه ينبسط شيء موجود‏؟‏ وما الذي ينبسط حينئذ‏؟‏ أهو نفس الله، أم صفة من صفاته‏؟‏ وعلى أي شيء ينبسط‏؟‏ وما الذي يظهر فيه أو لا يظهر‏؟‏
فإن عنيت الأول وهو مقتضى أول كلامك، لأنك قلت‏:‏ وإنما قلنا‏:‏ إن العلويات والسفليات أجفان عين الله لأنهما يحافظان على ظهور النور، فلو قطعت أجفان عين الإنسان، لتفرق نور عينه وانتشر، بحيث لا يرى شيئا أصلا، فكذلك العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله، بحيث لا يظهر فيه شيء أصلا‏.‏
وقد قلت‏:‏ إن الله هو نور العين، والروح الأعظم بياضها، والنفس الكلية سوادها‏.‏
ومعلوم أن نور العين على ما ذكرته بشرط وجوده هو الأجفان، فإذا ارتفع الشرط ارتفع المشروط، فيكون العالم عندك شرطا في وجود الله، فإذا ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله لانتفاء شرطه، وإن أثبت له ذاتا غير العالم فهذا أحد قولي الاتحادية‏.‏
فإنهم تارة يجعلون وجود الحق هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها، / وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات، وهذا تعطيل محض للصانع وهو قول القونوي والتلمساني، وهو قول صاحب الفصوص في كثير من كلامه، وتارة يجعلون له وجودًا قائما بنفسه، ثم يجعلون نفس ذلك الوجود هو أيضا وجود المخلوقات، بمعنى أنه فاض عليها، وهذا أقل كفرًا من الأول، وإن كان كلاهما من أغلظ الكفر وأقبحه‏.‏
وفي كلام صاحب الفصوص وغيره ـ في بعض المواضع ـ ما يوافق هذا القول، وكذلك كلام هذا، فإنه قد يشير إلى هذا المعنى‏.‏
ثم مع ذلك‏:‏ هل يجعلون وجوده مشروطا بوجود العالم، فيكون محتاجا إلى العالم، أو لا يجعلون‏؟‏ قد يقولون هذا، وقد يقولون هذا‏.‏
السابع‏:‏ أنهم يمدحون الضلال والحيرة، والظلم والخطأ، والعذاب الذي عذب الله به الأمم، ويقلبون كلام الله وكلام رسوله قلبا يعلم فساده بضرورات العقول مثل قول صاحب الفصوص‏:‏ لو أن نوحا ما جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه فدعاهم جهارًا، ثم دعاهم إسرارًا‏.‏ إلى أن قال‏:‏ وذكر عن قومه أنهم تصاموا عن دعوته، لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته‏.‏ فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح في حق قومه، من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان‏.‏ ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان، وإن كان فيه‏.‏
فيمدحون ويحمدون ما ذمه الله ولعنه، ونهى عنه، ويأتون من الإفك/ والفرية على الله والإلحاد في أسماء الله وآياته، بما‏:‏ ‏{‏تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏90‏]‏، كقول صاحب الفصوص في فص نوح‏:‏
‏{‏مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏25‏]‏، فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة‏.‏
‏{‏فَأُدْخِلُوا نَارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏25‏]‏ في عين الماء في المحمدتين، فـ ‏{‏وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏6‏]‏ سجرت التنور‏:‏ إذا أوقدته، ‏{‏فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏25‏]‏‏:‏ فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد، فلو أخرجتهم إلى السيف سيف الطبيعة، لنزلوا عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل لله، وبالله، بل هو الله‏.‏ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏26‏]‏ الذين استغشوا ثيابهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم، طلبًا للستر لأنه دعاهم ليغفر لهم، والغفر الستر، ‏{‏دَيَّارًا‏}‏ أحدًا حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة، ‏{‏إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ تدعهم وتتركهم ‏{‏يُضِلُّوا عِبَادَكَ‏}‏ أي‏:‏ يحيروهم ويخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية، فينظروا أنفسهم أربابا، بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدًا، فهم العبيد الأرباب ‏{‏وَلَا يَلِدُوا‏}‏ أي ما ينتجون ولا يظهرون ‏{‏إِلَّا فَاجِرًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏27‏]‏ أي مظهرًا ما ستر ‏{‏كَفَّارًا‏}‏ أي‏:‏ ساترا ما ظهر بعد ظهوره، فيظهرون ما ستر، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر، ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره، ولا الكافر في كفره، والشخص واحد، ‏{‏رَبِّ اغْفِرْ لِي‏}‏ أي‏:‏ استرني، واستر مراحلي، فيجهل مقامي وقدري كما جهل قدرك في قولك‏:‏ /‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏، ‏{‏وَلِوَالِدَيَّ‏}‏ أي‏:‏من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة ‏{‏وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ‏}‏ أي‏:‏ قلبي ‏{‏مُؤْمِنًا‏}‏ مصدقا بما يكون فيه من الأخبار الإلهية وهو ما حدثت به أنفسها، ‏{‏وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ من العقول ‏{‏وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ من النفوس ‏{‏وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ‏}‏ من الظلمات أهل الغيب المكتنفين داخل الحجب الظلمانية ‏{‏إِلَّا تَبَارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏28‏]‏ أي‏:‏ هلاكا، فلا يعرفون نفوسهم، لشهودهم وجه الحق دونهم‏.‏







من مواضيع : الغريب 0 المناهي اللفظية
0 القلب نبض الحياة
0 بر الوالدين .فلاش عن بر الوالدين
0 وداعا يا رمضان
0 ليلة القدر _ تعريفها _علاماتها _ الدعاء


رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:11 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
الغريب
عضو ماسي

الصورة الرمزية الغريب

إحصائية العضو







الغريب غير متواجد حالياً


افتراضي

وهذا كله من أقبح تبديل كلام الله وتحريفه، ولقد ذم الله أهل الكتاب في القرآن على ما هو دون هذا، فإنه ذمهم على أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وأنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون‏:‏ هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون‏.‏
وهؤلاء قد حرفوا كلام الله عن مواضعه أقبح تحريف، وكتبوا كتب النفاق والإلحاد بأيديهم، وزعموا أنها من عند الله‏.‏
تارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الملك الذي يوحي به إلى النبي، فيكونون فوق النبي بدرجة‏.‏
وتارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الله، فيكون أحدهم في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به؛ لأن الأخذ من معدن واحد‏.‏
وتارة يزعم أحدهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه في منامه هذا النفاق / العظيم، والإلحاد البليغ، وأمره أن يخرج به إلى أمته وأنه أبرزه، كما حده له رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة ولا نقصان، وكان جماعة من الفضلاء ـ حتى بعض من خاطبني فيه وانتصر له ـ يرى أنه كان يستحل الكذب، ويختارون أن يقال‏:‏ كان يتعمد الكذب وأن ذلك هو أهون من الكفر، ثم صرحوا بأن مقالته كفر، وكان ممن يشهد عليه بتعمد الكذب، غير واحد من عقلاء الناس، وفضلائهم، من المشايخ والعلماء‏.‏
ومعلوم أن هذا من أبلغ الكذب على الله ورسوله، وأنه من أحق الناس بقوله‏:‏‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏93‏]‏، وكثير من المتنبئين الكذابين ـ كالمختار بن أبي عبيد وأمثاله ـ لم يبلغ كذبهم وافتراؤهم إلى هذا الحد‏.‏
بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد، وهؤلاء كلهم كان يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ويقر له بالرسالة، لكن كان يدعى أنه رسول آخر، ولا ينكر وجود الرب، ولا ينكر القرآن في الظاهر، وهؤلاء جحدوا الرب، وأشركوا به كل شيء، وافتروا هذه الكتب التي قد يزعمون أنها أعظم من القرآن، ويفضلون نفوسهم على النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه، كما قد صرح به صاحب الفصوص عن خاتم الأولىاء‏.‏
وحدثني الثقة عن الفاجر التلمساني أنه كان يقول‏:‏ القرآن كله شرك ليس فيه توحيد، و إنما التوحيد في كلامنا‏.‏
/وأما الضلال والحيرة، فما مدح الله ذلك قط، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏زدني فيك تحيرًا ولم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من كتب الحديث، ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث، بل ولا من يعرف الله ورسوله، وكذلك احتجاجه بقوله‏:‏‏{‏كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عليهمْ قَامُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏20‏]‏‏.‏
وإنما هذا حال المنافقين المرتدين، فإن الضلال والحيرة مما ذمه الله في القرآن، قال الله تعالى في القرآن‏:‏‏{‏قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ‏}‏ الآية ‏[‏الأنعام‏:‏71‏]‏‏.‏
وهكذا يريد هؤلاء الضالون، المتحيرون، أن يفعلوا بالمؤمنين، يريدون أن يدعوا من دون الله ما لا يضرهم، ولا ينفعهم، وهي المخلوقات والأوثان، والأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ويريدون أن يردوا المؤمنين على أعقابهم، يردونهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ويصيروا حائرين ضالين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى، ائتنا، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏110‏]‏ أي‏:‏ يحارون، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏45‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عليهمْ غَيرِ المَغضُوبِ عليهمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 6، 7‏]‏‏.‏ فأمر بأن/ نسأله هداية الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين‏.‏ وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم، ويمدحون طريق أهل الضلال والحيرة مخالفة لكتب الله ورسله، ولما فطر الله عليه عباده من العقول والألباب‏.
فصـــل
في ذكر بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين ما ذكرنا من مذهبه، فإن أكثر الناس قد لا يفهمونه‏.‏
قال في فص يوسف ـ بعد أن جعل العالم بالنسبة إلى الله كظل الشخص، وتناقض في التشبيه‏:‏ فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول عنه باختلاف الصور اسم العالم أو اسم سوى الحق، فمن حيث إحدىة كونه ظلا هو الحق؛ لأنه الواحد الأحد، ومن حيث كثرة الصور هو العالم، فتفطن وتحقق ما أوضحناه لك‏.‏
وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك، فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال، أي خيل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه، خارج عن الوجود الحق، وليس كذلك في نفس الأمر، ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه، يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال؛ لأنه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته، فاعرف عينك ومن أنت وما هويتك، وما نسبتك إلى الحق، وبما أنت حق، وبما أنت عالم، وسوى، وغير‏؟‏ وما شاكل هذه الألفاظ‏.‏
/وقال في أول الفصوص ـ بعد ‏[‏فص حكمة إلهية في كلمة آدمية‏]‏ و‏[‏فص حكمة نفسية، في كلمة شيثية‏]‏‏:‏ وقد قسم العطاء بأمر الله، وإنما يكون عن سؤال وعن غير سؤال، وذكر القسم الذي لا يسأل، لأن شيئا هو هبة الله إلى أن قال‏:‏
ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله‏:‏ هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به، وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل، وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر، وهم على قسمين‏:‏
منهم من يعلم ذلك مجملا، ومنهم من يعلم ذلك مفصلا‏.‏
والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما تعين في علم الله فيه، إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به، وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة، وعن انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى، وهو أعلى، فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به؛ لأن الأخذ من معدن واحد، إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له، هي من جملة أحوال عينه، يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك ـ أي على أحوال عينه ـ فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة ـ التي تقع صورة الوجود عليها ـ أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها؛ لأنها نسب ذاتية لا صورة لها‏.‏
/فبهذا القدر نقول‏:‏إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادتها العلم، ومن هنا يقول الله‏:‏ ‏{‏حتى نعلم‏}‏ وهي كلمة محققة المعنى، ما هي كما يتوهم من ليس له هذا المشرب، وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم يعقله في هذه المسألة، لولا أنه أثبت العلم زائدًا على الذات فجعل التعلق له لا للذات، وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والشهود‏.‏
ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول‏:‏ إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية، فأما المنح والهبات، والعطايا الذاتية، فلا تكون أبدًا إلا عن تجل إلهي، والتجلي من الذات لا يكون أبدًا إلا لصورة استعداد العبد المتجلى له، وغير ذلك لا يكون، فإذن المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق، ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه، كالمرآة في الشاهد، إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها‏.‏
فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي، ليعلم المتجلي له أنه ما رآه، وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا، واجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة، لا تراه أبدًا البتة، حتى إن بعض من أدرك مثل هذا في صورة المرئي، ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي، وبين المرآة، هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه‏.‏
وقد بينا هذا في الفتوحات المكية، وإذا ذقت هذا، ذقت الغاية التي ليس/فوقها غاية في حق المخلوق، فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلى من هذا الدرج، فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض، فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها، وليست سوى عينه، فاختلط الأمر وانبهم، فمنا من جهل في علمه فقال‏:‏والعجز عن درك الإدراك إدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا القول، وهو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز، وهذا هو أعلى عالم بالله‏.‏
وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل، وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة ـ أعنى نبوة التشريع ورسالته ـ ينقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا‏.‏
فالمرسلون من حيث كونهم أولىاء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء‏؟‏ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى‏.‏
وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر، في أسارى بدر بالحكم فيهم، وفي تأبير النخل، فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل/ شيء، وفي كل مرتبة، وإنما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله، هنالك مطلبهم، وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه‏.‏
ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة فكان النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة، غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يراها ـ إلا كما قال ـ لبنة واحدة‏.‏
وأما خاتم الأولياء، فلابد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيرى في الحائط موضع لبنتين، واللبن من ذهب وفضة، فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ويكمل بهما، لبنة ذهب ولبنة فضة، فلابد من أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين، فيكمل الحائط‏.‏
والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين‏:‏ أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر، وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهره، وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله تعالى في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه رأى الأمر على ما هو عليه، فلابد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه آخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الرسول‏.‏
فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع، فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي، ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود/طينته، فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كنت نبيا وآدم بين الماء والطين‏)‏، وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث‏.‏
وكذلك خاتم الأولياء، كان وليًا وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية، من الأخلاق الإلهية، والاتصاف بها من أجل كون الله يسمى بالولي الحميد‏.‏
فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية، مثل نسبة الأنبياء والرسل معه، فإنه الولي الرسول النبي‏.‏
وخاتم الأولياء الولي الوارث، الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب، وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، مقدم الجماعة، وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة، فعين بشفاعته حالا خاصا ما عمم، وفي هذه الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية، فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين، ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام الخاص‏.‏
فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام‏.‏ ا هـ‏.‏
فهذا الفص قد ذكر فيه حقيقة مذهبه التي يبني عليها سائر كلامه، فتدبر ما فيه من الكفر الذي ‏{‏تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏90‏]‏، وما فيه من جحد خلق الله وأمره، وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه، وما فيه من الإزراء برسله، وصديقيه والتقدم عليهم/ بالدعاوى الكاذبة، التي ليس عليها حجة، بل هي معلومة الفساد بأدنى عقل وإيمان وأيسر ما يسمع من كتاب وقرآن، وجعل الكفار والمنافقين والفراعنة هم أهل الله وخاصته أهل الكشوف وذلك باطل من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أنه أثبت له عينًا ثابتة قبل وجوده ولسائر الموجودات، وإن ذلك ثابت له ولسائر أحواله وكل ما كان موجودًا من الأعيان والصفات والجواهر والأعراض فعينه ثابتة قبل وجوده‏.‏ وهذا ضلال قد سبق إليه كما تقدم‏.‏
الثاني‏:‏ أنه جعل علم الله بالعبد إنما حصل له من علمه بتلك العين الثابتة في العدم التي هي حقيقة العبد، لا من نفسه المقدسة، وأن علمه بالأعيان الثابتة في العدم وأحوالها تمنعه أن يفعل غير ذلك، وأن هذا هو سر القدر‏.‏
فتضمن هذا وصف الله تعالى بالفقر إلى الأعيان وغناها عنه، ونفى ما استحقه بنفسه، من كمال علمه وقدرته، ولزوم التجهيل والتعجيز، وبعض ما في هذا الكلام المضاهاة لما ذكره الله عمن قال فيه‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏181‏]‏، فإنه جعل حقائق الأعيان الثابتة في العدم غنية عن الله في حقائقها وأعيانها، وجعل الرب مفتقرا إليها في علمه بها، فما استفاد علمه بها إلا منها، كما يستفيد العبد العلم بالمحسوسات من إدراكه لها، مع غنى تلك المدركات عن المدرك‏.‏
/والمسلمون يعلمون أن الله عالم بالأشياء قبل كونها بعلمه القديم الأزلي، الذي هو من لوازم نفسه المقدسة، لم يستفد علمه بها منها‏:‏‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏14‏]‏‏.‏ فقد دلت هذه الآية على وجود علمه بالأشياء من وجوه انتظمت البراهين المذكورة لأهل النظر والاستدلال القياسي العقلي من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم‏:‏
أحدها‏:‏ أنه خالق لها، والخلق هو الإبداع بتقدير، وذلك يتضمن تقديرها في العلم قبل تكونها في الخارج‏.‏
الثاني‏:‏ أن ذلك مستلزم للإرادة، والمشيئة والإرادة مستلزمة لتصور المراد والشعور به، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام‏.‏
الثالث‏:‏ أنها صادرة عنه، وهو سببها التام، والعلم بأصل الأمر وسببه يوجب العلم بالفرع المسبب، فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل ما يصدر عنه‏.‏
الرابع‏:‏ أنه في نفسه لطيف يدرك الدقيق خبير يدرك الخفي، وهذا هو مقتضى العلم بالأشياء، فيجب وجود المقتضي لوجود السبب التام، فهو في علمه بالأشياء مستغن بنفسه عنها، كما هو غني بنفسه في جميع صفاته، ثم إذا رأى الأشياء بعد وجودها، وسمع كلام عباده ونحو ذلك؛ فإنما يدرك ما أبدع وما خلق، وما هو مفتقر إليه، ومحتاج من جميع وجوهه، لم يحتج في علمه وإدراكه إلى غيره البتة؛ فلا يجوز القول بأن علمه بالأشياء استفاده من نفس الأشياء الثابتة، الغنية في ثبوتها عنه‏.‏
/وأما جحود قدرته، فلأنه جعل الرب لا يقدر إلا على تجليه في تلك الأعيان الثابتة في العدم، الغنية عنه، فقدرته محدودة بها، مقصورة عليها، مع غناها عنه وثبوت حقائقها بدونه، وهذا عنده هو السر الذي أعجز الله أن يقدر على غير ما خلق، فلا يقدر عنده على أن يزيد في العالم ذرة، ولا ينقص منه ذرة، ولا يزيد في المطر قطرة، ولا ينقص منه قطرة، ولا يزيد في طول الإنسان ولا ينقص منه، ولا يغير شيئا من صفاته، ولا حركاته، ولا سكناته، ولا ينقل حجرًا عن مقره، ولا يحول ماء عن ممره، ولا يهدي ضالا ولا يضل مهتديا، ولا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا، ففي الجملة لا يقدر إلا على ما وجد؛ لأن ما وجد فعينه ثابتة في العدم، ولا يقدر على أكثر من ظهوره في تلك الأعيان‏.‏
وهذا التجهيل والتعجيز الذي ذكره، وزعم أنه هو سر القدر ـ وإن كان قد تضمن بعض ما قاله غيره من الضلال ـ ففيه من الكفر ما لا يرضاه غيره من الضالين‏.‏
فإن القائلين بأن المعدوم شيء يقولون ذلك في كل ممكن كان أو لم يكن، ولا يجعلون علمه بالأشياء مستفادًا من الأشياء قبل أن يكون وجودها، ولا أن خلقه وقدرته مقصورة على ما علمه منها، فإنه يعلم أنواعا من الممكنات لم يخلقها فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه، ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير ما خلق هو كون الأعيان الثابتة في العدم لا تقبل سوى هذا الوجود، بل يمكن عندهم وجودها على صفة أخرى، هي أيضا من الممكن الثابت في العدم‏.‏
فلا يفضي قولهم لا إلى تجهيل، ولا إلى تعجيز من هذا الوجه، وإنما/ قد يقولون‏:‏ المانع من ذلك أن هذا هو أكمل الوجوه وأصلحها، فعلمه بأنه لا أكمل من هذا يمنعه أن يريد ما ليس أكمل بحكمته، فيجعلون المانع أمرًا يعود إلى نفسه المقدسة، حتى لا يجعلونه ممنوعا من غيره‏.‏
فأين من لا يجعل له مانعًا من غيره، ولا راد لقضائه، ممن يجعله ممنوعا مصدودا‏؟‏ وأين من يجعله عالما بنفسه، ممن يجعله مستفيدًا للعلم من غيره‏؟‏ وممن هو غني عنه‏؟‏ هذا مع أن أكثر الناس أنكروا على من قال‏:‏ ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم‏.‏
الثالث‏:‏ أنه زعم أن من الصنف الذي جعله أعلى أهل الله من يكون في علمه بمنزلة علم الله؛ لأن الأخذ من معدن واحد إذا كشف له عن أحوال الأعيان الثابتة في العدم، فيعلمها من حيث علمها الله، إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له، هي من جملة أحوال عينه، يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك، فجعل علمه وعلم الله من معدن واحد‏.‏
الرابع‏:‏ أنه جعل الله عالما بها بعد أن لم يكن عالما، واتبع المتشابه الذي هو قوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى نَعْلَمَ‏}‏‏[‏محمد‏:‏ 31‏]‏، وزعم أنها كلمة محققة المعنى، بناء على أصله الفاسد أن وجود العبد هو عين وجود الرب، فكل مخلوق علم ما لم يكن علمه، فهو الله علم ما لم يكن علمه‏.‏
وهذا الكفر ما سبقه إليه كافر، فإن غاية المكذب بقدر الله أن يقول‏:‏ إن الله علم ما لم يكن عالما، أما أنه يجعل كل ما تجدد لمخلوق من العلم فإنما تجدد/ لله، وأن الله لم يكن عالما بما علمه كل مخلوق، حتى علمه ذلك المخلوق، فهذا لم يفتره غيره‏.‏
الخامس‏:‏ أنه زعم أن التجلي الذاتي، بصورة استعداد المتجلى والمتجلى له، ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، وأنه لا يمكن أن يرى الحق مع علمه بأنه ما رأى صورته إلا فيه، وضرب المثل بالمرآة، فجعل الحق هو المرآة، والصورة في المرآة هي صورته‏.‏
وهذا تحقيق ما ذكرته من مذهبه‏:‏ أن وجود الأعيان عنده وجود الحق، والأعيان كانت ثابتة في العدم، فظهر فيها وجود الحق، فالمتجلى له، وهو العبد لا يرى الوجود مجردًا عن الذوات، ما يرى إلا الذوات التي ظهر فيها الوجود، فلا سبيل له إلى رؤية الوجود أبدًا‏.‏ وهذا عنده هو الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق، وما بعده إلا العدم المحض، فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه، وظهور أحكامها‏.‏
وذلك لأن العبد لا يرى نفسه ـ التي هي عينه ـ إلا في وجود الحق، الذي هو وجوده، والعبد مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها؛ لأن أسماء الحق عنده هي النسب والإضافات، التي بين الأعيان وبين وجود الحق، وأحكام الأسماء هي الأعيان الثابتة في العدم، وظهور هذه الأحكام بتجلي الحق في الأعيان‏.‏
والأعيان التي هي حقيقة العيان هي مرآة الحق، التي بها يرى أسماءه، / وظهور أحكامها، فإنه إذا ظهر في الأعيان، حصلت النسبة التي بين الوجود والأعيان ـ وهي الأسماء ـ وظهرت أحكامها ـ وهي الأعيان ـ ووجود هذه الأعيان هو الحق، فلهذا قال‏:‏ وليست سوى عينه، فاختلط الأمر وانبهم‏.‏
فتدبر هذا من كلامه وما يناسبه، لتعلم ما يعتقده من ذات الحق وأسمائه وأن ذات الحق عنده هي نفس وجود المخلوقات، وأسماءه هي النسب التي بين الوجود والأعيان، وأحكامها هي الأعيان، لتعلم كيف اشتمل كلامه على الجحود للّه ولأسمائه، ولصفاته وخلقه وأمره، وعلى الإلحاد في أسماء اللّه وآياته، فإن هذا الذي ذكره غاية الإلحاد في أسماء اللّه وآياته، الآيات المخلوقة والآيات المتلوة، فإنه لم يثبت له اسمًا ولا آية؛ إذ ليس إلا وجودًا واحدًا، وذاك ليس هو اسما ولا آية، والأعيان الثابتة ليست هي أسماءه ولا آياته، ولما أثبت شيئين فرق بينهما بالوجود والثبوت ـ وليس بينهما فرق ـ اختلط الأمر عليه وانبهم‏.
وهذا حقيقة قوله، وسر مذهبه، الذي يدعى أنه به أعلم العالم بالله، وأنه تقدم بذلك على الصديق، الذي جهل فقال‏:‏ العجز عن درك الإدراك إدراك، وتقدم به على المرسلين، الذين ما علموا ذلك إلا من مشكاته، وفيه من أنواع الكفر والضلال ما يطول عدها‏:‏
منها‏:‏ الكفر بذات الله؛ إذ ليس عنده إلا وجود المخلوق‏.‏
/ومنها‏:‏ الكفر بأسماء الله؛ فإنها ليست عنده إلا أمور عدمية، فإذا قلنا‏:‏‏{‏الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏2، 3‏]‏ فليس الرب عنده إلا نسبة إلى الثبوت‏.‏
السادس‏:‏ أنه قال‏:‏ فاختلط الأمر وانبهم، أو هو على أصله الفاسد مختلط منبهم، وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين، قد بين الله بكتابه الحق من الباطل والهدى من الضلال‏.‏
قال‏:‏ فمنا من جهل في علمه فقال‏:‏ العجز عن درك الإدراك إدراك، وهذا الكلام مشهور عندهم نسبته إلى أبي بكر الصديق، فجعله جاهلا، وإن كان هذا اللفظ لم يحفظ عن أبي بكر، ولا هو مأثور عنه في شيء من النقول المعتمدة، وإنما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر نحوًا من ذلك عن بعض التابعين غير مسمى، وإنما يرسل عنه إرسالًا من جهة من يكثر الخطأ في مراسيلهم‏.‏
كما يحكون عن عمر أنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر إذا تخاطبا كنت كالزنجي بينهما‏.‏ وهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة‏.‏ وإنما الذي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال‏:‏ ‏(‏إن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله‏)‏ فبكى أبو بكر، فقال‏:‏ بل نفديك بأنفسنا وأموالنا، أو كما قال‏.‏
فجعل الناس يقولون‏:‏ عجبا لهذا الشيخ، يبكي أن ذكر رسول الله/ صلى الله عليه وسلم عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة‏!‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فكان أبو بكر هو أعلمهم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاصده في كلامه، وإن كانوا كلهم مشتركين في فهمه‏.‏
وهذا كما في الصحيح أنه قيل لعلى رضي الله عنه‏:‏ هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا‏؟‏ وفي لفظ‏:‏ هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس‏؟‏ فقال‏:‏ لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة‏:‏ وفيها العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر‏.‏
وبهذا الحديث ونحوه من الأحاديث الصحيحة، استدل العلماء على أن كل ما يذكر عن على وأهل البيت، من أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهم كذب عليهم، مثل ما يذكر منه الجَفْر، والبطاقة، والجدول، وغير ذلك وما يأثره القرامطة الباطنية عنهم، فإنه قد كذب على جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ ما لم يكذب على غيره، وكذلك كذب على على ـ رضي الله عنه ـ وغيره من أئمة أهل البيت ـ رضي الله عنهم ـ كما قد بين هذا وبسط في غير هذا الموضع‏.‏
وهكذا يكذب قوم من النساك ومدعي الحقائق على أبي بكر وغيره، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطبه بحقائق لا يفهمها عمر مع حضوره، ثم قد يدعون أنهم عرفوها، وتكون حقيقتها زندقة وإلحادًا‏.‏
/وكثير من هؤلاء الزنادقة والجهال قد يحتج على ذلك بحديث أبي هريرة، حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين‏:‏ أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا الحلقوم‏.‏ وهذا الحديث صحيح، لكن الجراب الآخر لم يكن فيه شيء من علم الدين، ومعرفة الله وتوحيده، الذي يختص به أولياءه‏.‏
ولم يكن أبو هريرة من أكابر الصحابة، الذين يخصون بمثل ذلك ـ لو كان هذا مما يخص به ـ بل كان في ذلك الجراب أحاديث الفتن، التي تكون بين المسلمين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما سيكون من الفتن التي تكون بين المسلمين، ومن الملاحم التي تكون بينهم وبين الكفار‏.‏
ولهذا لما كان مقتل عثمان وفتنة ابن الزبير ونحو ذلك، قال ابن عمر‏:‏ لو أخبركم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم، وتهدمون البيت وغير ذلك، لقلتم‏:‏ كذب أبو هريرة، فكان أبو هريرة يمتنع من التحديث بأحاديث الفتن قبل وقوعها؛ لأن ذلك مما لا يحتمله رؤوس الناس وعوامهم‏.‏
وكذلك قد يحتجون بحديث حذيفة بن اليمان، وأنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، وحديث حذيفة معروف، لكن السر الذي لا يعلمه غيره‏:‏ هو معرفته بأعيان المنافقين الذين كانوا في غزوة تبوك، ويقال‏:‏ إنهم كانوا هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم، فأخبر حذيفة بأعيانهم، ولهذا كان عمر لا يصلي إلا على من صلى عليه حذيفة؛ لأن الصلاة على المنافقين منهي عنها‏.‏
وقد ثبت في الصحيح عن حذيفة، أنه لما ذكر الفتن، وأنه أعلم الناس/ بها، بين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصه بحديثها، ولكن حدث الناس كلهم قال‏:‏ وكان أعلمنا أحفظنا‏.‏
ومما يبين هذا‏:‏ أن في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عام الفتح قد أهدر دم جماعة‏:‏ منهم عبد الله بن أبي سرح، فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه، فتوقف عنه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم بايعه وقال‏:‏ ‏(‏أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلى، وقد أمسكت عن هذا فيضرب عنقه‏؟‏‏)‏‏.‏ فقال رجل من الأنصار‏:‏ يا رسول الله، هلا أومأت إلى‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين‏)‏‏.‏ فهذا ونحوه مما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم يستوى ظاهره وباطنه، لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه، كما تدعيه الزنادقة من المتفلسفة والقرامطة وضلال المتنسكة ونحوهم‏.‏
السابع‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏ومنا من علم فلم يقل مثل هذا، وهو أعلى القول، بل أعطاه العلم والسكوت ما أعطاه العجز، وهذا هو أعلى عالم بالله، وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأولياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه متى رأوه، إلا من مشكاة خاتم الأولياء‏.‏
فإن الرسالة والنبوة ـ أعنى نبوة التشريع ورسالته ـ ينقطعان، والولاية لا تنقطع أبدًا، فالمرسلون من كونهم أولىاء‏:‏ لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء‏؟‏ وإن كان خاتم الأولياء تابعا/ في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى ـ إلى قوله‏:‏ ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن‏.‏
ففي هذا الكلام من أنواع الإلحاد والكفر، وتنقيص الأنبياء والرسل ما لا تقوله لا اليهود ولا النصارى، وما أشبه في هذا الكلام بما ذكر في قول القائل‏:‏ فخر عليهم السقف من تحتهم، أن هذا لا عقل ولا قرآن‏.‏
وكذلك ما ذكره هنا ـ من أن الأنبياء والرسل تستفيد من خاتم الأولياء الذي بعدهم ـ هو مخالف للعقل، فإن المتقدم لا يستفيد من المتأخر، ومخالف للشرع، فإنه معلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأنبياء والرسل أفضل من الأولياء، الذين ليسوا أنبياء ولا رسلا‏.‏
وقد يزعم أن هذا العلم ـ الذي هو عنده ـ أعلى العلم ـ وهو القول بوحدة الوجود ـ وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق، وحقيقة تعطيل الصانع وجحده، وهو القول الذي يظهره فرعون، فلم يكفه زعمه أن هذا حق، حتى زعم أنه أعلى العلم، ولم يكفه ذلك حتى زعم أن الرسل إنما يرونه من مشكاة خاتم الأولياء‏.‏
فجعل خاتم الأولياء أعلم بالله من جميع الأنبياء والرسل، وجعلهم يرون العلم بالله من مشكاته‏.‏
ثم أخذ يبين ذلك فقال‏:‏ فإن الرسالة والنبوة ـ أعني نبوة التشريع/ ورسالته ـ ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا‏.‏ فالمرسلون من كونهم أولىاء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بالأولياء الذين ليسوا أنبياء ولا رسلا‏؟‏ وذلك أنه لم يمكنهم أن يجعلوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، فإن هذا كفر ظاهر، فزعموا أنه إنما تنقطع نبوة التشريع ورسالته، يعني‏:‏ وأما نبوة التحقيق ورسالة التحقيق ـ وهي الولاية عندهم ـ فلم تنقطع، وهذه الولاية عندهم هي أفضل من النبوة والرسالة؛ ولهذا قال ابن عربي في بعض كلامه‏:‏
مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي
وقال في الفصوص في ‏[‏كلمة عزيرية‏]‏‏:‏فإذا سمعت أحدًا من أهل الله تعالى يقول أو ينقل إليك عنه، أنه قال‏:‏الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه‏.‏