وقال النبى صلى الله عليه وسلم لحُصَيْن: (كم تعبد ؟) قال: ستة فى الأرض وواحد فى السماء. قال: (فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك ؟) قال: الذى فى السماء. قال: (ألا تسلم فأعلمك كلمات ؟) فأسلم. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (قل: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِى رشْدى، وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي).
وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، وقال: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} إلى قوله: {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} ؟ [المؤمنون: 84- 89]، وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هى التى تُنَزِّل الغَيْثَ، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرناه: اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى، فقد أشرك، وهذا كقوله: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:96-98]. وكذا من خاف أحداً كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله، وما أشبه ذلك.
وأما النوع الثانى: فالشرك فى الربوبية، فإن الرب سبحانه ـ هو المالك المدبر، المعطى المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل ،فمن شهد أن المعطى أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته.
ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك، فلينظر إلى المعطى الأول مثلا ،فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه، لقوله عليه السلام: (من أسْدَى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه) لأن النعم كلها لله تعالى، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل:53]،وقال تعالى:{كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ} [الإسراء:20]، فالله ـ سبحانه ـ هو المعطى على الحقيقة، فإنه هو الذى خلق الأرزاق وقدرها، وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطى هو الذى أعطاه، وحرك قلبه لعطاء غيره. فهو الأول والآخر.
ومما يقوى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجَفَّت الصُّحُفُ). قال الترمذى: هذا حديث صحيح. فهذا يدل على أنه لا ينفع فى الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا فى مقتضى الربوبية.
فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لَوْمِه وذَمِّه إياهم، وتجرَّد التوحيد فى قلبه، فقوى إيمانه، وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه، ولهذا قال الفُضَيْل بن عياض ـ رحمه الله ـ: من عرف الناس استراح. يريد ـ والله أعلم ـ أنهم لا ينفعون ولا يضرون.
وأما الشرك الخفى: فهو الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه، مثل: أن يحب مع الله غيره.
فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين، والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب؛ لأن هذه تدل على حقيقة المحبة، لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته؛ لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة، ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} الآية [آل عمران: 31]. فَلَيْسَ الكَلام فى هذا. إنما الكلام فى محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لا شك أنه نقص فى توحيد المحبة لله، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى، إذ لو كملت محبته، لم يحب سواه.
ولا يرد علينا الباب الأول؛ لأن ذلك داخل فى محبته. وهذا ميزان لم يجر عليك، كلما قويت محبة العبد لمولاه، صغرت عنده المحبوبات وقلت، وكلما ضعفت، كثرت محبوباته وانتشرت
وكذا الخوف، والرجاء ،وما أشبه ذلك، فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئاً سواه، قـال الـله تعـالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب:39]، وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا فى المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفى، الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه، إلا من عصمه الله تعالى. وقد روى أن الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.
وطرق التخلص من هذه الآفات كلها: الإخلاص لله عز وجل، قال الـله تعـالى:{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهى.
فصـل
ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته.
فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء. وأقواها الـمحبة، وهى مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد فى الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول فى الآخرة، قال الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]، والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد فى السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره.
فإن قيل:فالعبد فى بعض الأحيان، قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأى شىء يحرك القلوب ؟ قلنا: يحركها شيئان :
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الآية [الأحزاب: 41-42]
والثانى: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى:{فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69]، وقال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل:53]. وقال تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]، وقال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34].
فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلابد أن يثير ذلك عنده باعثا، وكذلك الخوف، تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب ونحوه، وكذلك الرجاء، يحركه مطالعة الكرم، والحلم، والعفو.
وما ورد فى الرجاء والكلام فى التوحيد واسع. وإنما الغرض التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
وَقَال شَيْخ الإسلام ـ رَحمه اللّه:
فَصْل
ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عليكم سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الذي نَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81، 82].
وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الظلم بالشرك وقال: (ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم}؟). فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات، وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكا لم ينزل الله به سلطانًا، وبين أن القسم الذي لم يشرك هو الآمن المهتدى.
وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع، فإن الإشراك في هذه الأمة أخفي من دَبِيب النمل، دع جليله، وهو شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد، وشرك في الإيمان والقبول.
فالغالية من النصارى والرافضة وضُلال الصوفية والفقراء والعامة، يشركون بدعاء غير الله تارة، وبنوع من عبادته أخرى، وبهما جميعًا تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة.
/وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء، يشركون شرك الطاعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعُدِىّ بن حاتم لما قرأ: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] فقال: يا رسول الله، ما عبدوهم؟ فقال: (ما عبدوهم، ولكن أحَلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم).
فتجد أحد المنحرفين يجـعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه، إما دينًا وإما دنيا، وإما دنيا ودينًا. ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من اللّه، وبهذا يخرج من أوجب اللّه طاعته من رسول، وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك.
وأما الشرك الثالث: فكثير من أتباع المتكلمة، والمتفلسفة، بل وبعض المتفقهة والمتصوفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة، يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية، ومن تصحيح بعض المقالات وإفساد بعضها، ومدح بعضها، وبعض القائلين، وذم بعض، بلا سلطان من اللّه. ويخاف ما أشركه في الإيمان والقبول، ولا يخاف إشراكه باللّه شخصًا في الإيمان به، وقبول قوله بغير سلطان من اللّه.
وبهذا يخرج من شرع اللّه تصديقه من المرسلين، والعلماء المبلغين، والشهداء الصادقين، وغير ذلك. فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع.
وأما العبادة والاستعانة والتأله، فلا حق فيها للبشر بحال، فإنه كما قال القائل: ما وضعت يدى في قَصْعَةِ أحد إلا ذللت له ! ولا ريب أن من نصرك ورزقك كان له سلطان عليك، فالمؤمن يريد ألا يكون عليه سلطان إلا للّه ولرسوله، ولمن أطاع اللّه ورسوله، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه، فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه، كان حسنًا محمودًا، يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس والمراءاة بالحال الأولى كان مذمومًا، وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم.
فهذه أربع مقاصد صالحة: غنى نفسه وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم، ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له ألا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم، وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم، حتى يقبلوا منه، ويتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم لهم، وقد يكون في ذلك أيضًا حفظ دينهم، فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضًا في أنواع من المعاصى، ويتركون أنواعا من الطاعات، فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفي ذلك منافع ومقاصد أخر صالحة.
وأما إذا كان الأخذ يفضى إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخر، وهى كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلًا أو فقيرًا إليهم، ولا يتمكنون هم من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة، فإذا لم تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من لمنفعة الصادرة منه إليهم.
وللرد وجوه مكروهة مذمومة، منها: الرد مراءاة بالتشبه بمن يرد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ودنياهم، ومنها: التكبر عليهم والاستعلاء حتى يستعبدهم، ويستعلى عليهم بذلك، فهذا مذموم أيضًا. ومنها: البخل عليهم فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم، ويقضى حوائجهم، فقد يترك الأخذ بُخْلا عليهم بالمنافع. ومنها: الكسل عن الإحسان إليهم، فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر، والرياء، والبخل، والكسل.
فالحاصل: أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلب المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غنى نفسه وعزها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلًا قد يضرهم، وقد يتركه لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضا مضرة نفسه، أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجًا إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم؛ فلهذا فصلنا هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضا، وفيها التفصيل، لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من القبول؛ ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر، وإذا صح الأخذ كان أفضل، أعنى الأخذ والصرف إلى الناس.
سئل الشيخ ـ رحمه اللّه ـ عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه: على معنى أنه وسيلة من وسائل اللّه تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه.
وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل: أتوسل إليك يا إلهى برسولك ! أو أستغيث برسولك عندك، أن تغفر لى، استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم.
قال: ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص، قديما وحديثا، وأنه يصح إسنادها للمخلوقين، وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل، وأنها مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به، وأن ذلك صحيح في أمر الأنبياء والصالحين.
قال: وفيما رواه الطبرإني عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن بعض الصحـابة ـ رضي اللّه عنهـم ـ قال: استغيثوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه). أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفي عن نفسه أنه يستغاث به، ونحو ذلك، يشير به إلى التوحيد، وإفراد البارى بالقدرة، لم يكن لنا نحن أن ننفي ذلك، ونجوز أن نطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به، يـعنى في كـل ما يستغاث فيه باللّه تعالى، ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة، وأن القـائل لا يستـغاث به متنقصـا له، وأنه كافر بذلك، لكنه يعذر إذا كان جاهلا، فإذا عرف معنى الاستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك صار كافرًا
والتوسل به استغاثة به كما تقدم، فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين: إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والصـالح، في كـــل ما يستغاث به اللّه تعـالى؟ وهـل يجوز إطلاق ذلك؟ كما قال القائل، وهــل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصـالح أو غيرهما إلى اللّه تعالى في كل شىء استغاثة بذلك المتوسل به؟ كما نقله هذا القائل عن جميع اللغات، وسواء كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح استغـاثة بـه، أو لم يكـن، فهل يعـرف أن أحدا من العلمـاء قال: إنه يجوز التوسل إلى اللّه بكل نبي وصالح؟ فقد أفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في فتاويه المشهورة: أنه لا يجوز التوسل إلى اللّه تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه، فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ المذكور ؟
وبتقدير أن يكون في المسألة خلاف، فمن قال: لا يتوسل بسائر الأنبياء والصالحين، كما أفتى الشيخ عز الدين؟ هل يكفر كما كفره هذا القائل؟ ويكون ما أفتى به الشيخ كفرًا، بل نفس التوسل به لو قال قائل: لا يتوسل به، ولا يستغاث به، إلا في حياته وحضوره، لا في موته ومغيبه، هل يكون ذلك كفرًا؟ أو يكون تنقصا ؟
ولو قال: ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى لا يستغاث فيه إلا باللّه، أى: لا يطلب إلا من اللّه تعالى هل يكون كفرًا، أو يكون حقا؟ وإذا نفي الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمرًا من الأمور لكونه من خصائص الربوبية، هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب، أم يجوز نفيه؟ أفتونا ـ رحمكم اللّه ـ بجواب شاف كاف، موفقين مثابين ــ إن شاء اللّه تعالى.
الجواب :
الحمد للّه رب العالمين. لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشىء من المخلوقات، في كل ما يستغاث فيه باللّه تعالى، لا بنبي، ولا بملك، ولا بصالح، ولا غير ذلك، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز إطلاقه.
ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي، هو استغاثة به، بل العامة الذي ن يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة، أو غير ذلك، مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.
والاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعليكم النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، وكما قال: {فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، وكما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2].
وأمَّا ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من اللّه؛ ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستسقون به، ويتوسلون به، كما في صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون.
وفي سنن أبى داود: أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نستشفع باللّه عليك، ونستشفع بك على اللّه، فقال: (شأن اللّه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه).
فأقره على قوله: نستشفع بك على اللّه، وأنكر عليه قوله: نستشفع باللّه عليك.
وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب.
وقول القائل: إن من توسل إلى اللّه بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك، فقد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بنى آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك.
ولو قال قائل لمن يستغيث به: أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد: إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعا، وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء اللّه الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال.
والتوسل إلى اللّه بغير نبينا صلى الله عليه وسلم ـ سواء سُمِّىَ أو لم يُسَمَّ ـ لا نعلم أحدًا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع، وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ففيه حديث في السنن، رواه النسائي والترمذى وغيرهما: أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه، إني أصبت في بصرى فادع اللّه لى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ وصلِّ ركعتين، ثم قل: اللّهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد، إني أتَشَفَّع بك في ردّ بَصَرى. اللّهم شَفِّع نبيك في)، وقال: (فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك) فرد اللّه بصره. فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به.
وللناس في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكر عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ لما قاله: كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقد ذكر عمر ـ رضي الله عنه ـ :أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى اللّه، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعًا لهم، داعيا لهم؛ ولهذا قال في حديث الأعمى: اللّهم فشفعه في، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل اللّه أن يشفعه فيه.
والثاني: أن التوسل يكون في حياته، وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية، ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها، ونحو ذلك. واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، كاختلافهم: هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح؟ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين.