قريبا

قريبا

قريبا



(( أهلا و سهلا بكم في منتديات عرب توب ,,, نتمنى للجميع قضاء امتع الأوقات ))

كل عضو في الموقع يجب علية وضع بريده الإلكتروني بالأسفل ليصله جديد الموقع

مجموعات Google ضع بريدك بالأسفل ليصلك جديد الموقع ثم اضغط "اشترك" الموقع
: البريد الإلكتروني


 

العودة   منتديات عرب توب > منتديات عرب توب الإسلامية > المنتدى الإسلامي - إسلاميات
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-02-2008, 12:29 AM   رقم المشاركة : 11
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وقال النبى صلى الله عليه وسلم لحُصَيْن‏:‏ ‏(‏كم تعبد ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ستة فى الأرض وواحد فى السماء‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ الذى فى السماء‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ألا تسلم فأعلمك كلمات ‏؟‏‏)‏ فأسلم‏.‏ فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قل‏:‏ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِى رشْدى، وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي‏)‏‏.‏
وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى‏:‏ ‏{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏، وقال‏:‏ ‏{قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}‏ ‏؟‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 84- 89‏]‏، وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هى التى تُنَزِّل الغَيْثَ، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرناه‏:‏ اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى، فقد أشرك، وهذا كقوله‏:‏ ‏{قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏96-98‏]‏‏.‏ وكذا من خاف أحداً كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله، وما أشبه ذلك‏.‏
وأما النوع الثانى‏:‏ فالشرك فى الربوبية، فإن الرب سبحانه ـ هو المالك المدبر، المعطى المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل ،فمن شهد أن المعطى أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته‏.‏
ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك، فلينظر إلى المعطى الأول مثلا ،فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من أسْدَى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه‏)‏ لأن النعم كلها لله تعالى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}‏ ‏[‏النحل‏:‏53‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏20‏]‏، فالله ـ سبحانه ـ هو المعطى على الحقيقة، فإنه هو الذى خلق الأرزاق وقدرها، وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطى هو الذى أعطاه، وحرك قلبه لعطاء غيره‏.‏ فهو الأول والآخر‏.‏
ومما يقوى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما‏:‏ ‏(‏واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجَفَّت الصُّحُفُ‏)‏‏.‏ قال الترمذى‏:‏ هذا حديث صحيح‏.‏ فهذا يدل على أنه لا ينفع فى الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا فى مقتضى الربوبية‏.‏
فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لَوْمِه وذَمِّه إياهم، وتجرَّد التوحيد فى قلبه، فقوى إيمانه، وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه، ولهذا قال الفُضَيْل بن عياض ـ رحمه الله ـ‏:‏ من عرف الناس استراح‏.‏ يريد ـ والله أعلم ـ أنهم لا ينفعون ولا يضرون‏.‏
وأما الشرك الخفى‏:‏ فهو الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه، مثل‏:‏ أن يحب مع الله غيره‏.‏
فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين، والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب؛ لأن هذه تدل على حقيقة المحبة، لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته؛ لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة، ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى‏:‏ ‏{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏‏.‏ فَلَيْسَ الكَلام فى هذا‏.‏ إنما الكلام فى محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لا شك أنه نقص فى توحيد المحبة لله، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى، إذ لو كملت محبته، لم يحب سواه‏.‏
ولا يرد علينا الباب الأول؛ لأن ذلك داخل فى محبته‏.‏ وهذا ميزان لم يجر عليك، كلما قويت محبة العبد لمولاه، صغرت عنده المحبوبات وقلت، وكلما ضعفت، كثرت محبوباته وانتشرت
وكذا الخوف، والرجاء ،وما أشبه ذلك، فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئاً سواه، قـال الـله تعـالى‏:‏ ‏{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏39‏]‏، وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا فى المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفى، الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه، إلا من عصمه الله تعالى‏.‏ وقد روى أن الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل‏.‏
وطرق التخلص من هذه الآفات كلها‏:‏ الإخلاص لله عز وجل، قال الـله تعـالى‏:‏‏{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}‏ ‏[‏الكهف‏:‏110‏]‏، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهى‏.‏
فصـل
ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته‏.‏
فنقول‏:‏ اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة‏:‏ المحبة، والخوف، والرجاء‏.‏ وأقواها الـمحبة، وهى مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد فى الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول فى الآخرة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 62‏]‏، والخوف المقصود منه‏:‏ الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد فى السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره‏.‏
فإن قيل‏:‏فالعبد فى بعض الأحيان، قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأى شىء يحرك القلوب ‏؟‏ قلنا‏:‏ يحركها شيئان ‏:‏
أحدهما‏:‏ كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}‏ الآية ‏[‏الأحزاب‏:‏ 41-42‏]‏
والثانى‏:‏ مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى‏:‏‏{فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 69‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}‏ ‏[‏النحل‏:‏53‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهرَةً وَبَاطِنَةً}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 20‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 34‏]‏‏.‏
فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلابد أن يثير ذلك عنده باعثا، وكذلك الخوف، تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب ونحوه، وكذلك الرجاء، يحركه مطالعة الكرم، والحلم، والعفو‏.‏
وما ورد فى الرجاء والكلام فى التوحيد واسع‏.‏ وإنما الغرض التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ‏.
وَقَال شَيْخ الإسلام ـ رَحمه اللّه‏:‏
فَصْل
ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين‏:‏ ‏{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عليكم سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الذي نَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 81، 82‏]‏‏.‏
وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الظلم بالشرك وقال‏:‏ ‏(‏ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح‏:‏ ‏{إن الشرك لظلم عظيم}‏‏؟‏‏)‏‏.‏ فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات، وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكا لم ينزل الله به سلطانًا، وبين أن القسم الذي لم يشرك هو الآمن المهتدى‏.‏
وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع، فإن الإشراك في هذه الأمة أخفي من دَبِيب النمل، دع جليله، وهو شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد، وشرك في الإيمان والقبول‏.‏
فالغالية من النصارى والرافضة وضُلال الصوفية والفقراء والعامة، يشركون بدعاء غير الله تارة، وبنوع من عبادته أخرى، وبهما جميعًا تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة‏.‏
/وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء، يشركون شرك الطاعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعُدِىّ بن حاتم لما قرأ‏:‏ ‏{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 31‏]‏ فقال‏:‏ يا رسول الله، ما عبدوهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما عبدوهم، ولكن أحَلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم‏)‏‏.‏
فتجد أحد المنحرفين يجـعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه، إما دينًا وإما دنيا، وإما دنيا ودينًا‏.‏ ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من اللّه، وبهذا يخرج من أوجب اللّه طاعته من رسول، وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك‏.‏
وأما الشرك الثالث‏:‏ فكثير من أتباع المتكلمة، والمتفلسفة، بل وبعض المتفقهة والمتصوفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة، يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية، ومن تصحيح بعض المقالات وإفساد بعضها، ومدح بعضها، وبعض القائلين، وذم بعض، بلا سلطان من اللّه‏.‏ ويخاف ما أشركه في الإيمان والقبول، ولا يخاف إشراكه باللّه شخصًا في الإيمان به، وقبول قوله بغير سلطان من اللّه‏.‏
وبهذا يخرج من شرع اللّه تصديقه من المرسلين، والعلماء المبلغين، والشهداء الصادقين، وغير ذلك‏.‏ فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع‏.‏
وأما العبادة والاستعانة والتأله، فلا حق فيها للبشر بحال، فإنه كما قال القائل‏:‏ ما وضعت يدى في قَصْعَةِ أحد إلا ذللت له ‏!‏ ولا ريب أن من نصرك ورزقك كان له سلطان عليك، فالمؤمن يريد ألا يكون عليه سلطان إلا للّه ولرسوله، ولمن أطاع اللّه ورسوله، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه، فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه، كان حسنًا محمودًا، يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس والمراءاة بالحال الأولى كان مذمومًا، وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم‏.‏
فهذه أربع مقاصد صالحة‏:‏ غنى نفسه وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم، ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له ألا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم، وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم، حتى يقبلوا منه، ويتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم لهم، وقد يكون في ذلك أيضًا حفظ دينهم، فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضًا في أنواع من المعاصى، ويتركون أنواعا من الطاعات، فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفي ذلك منافع ومقاصد أخر صالحة‏.‏
وأما إذا كان الأخذ يفضى إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخر، وهى كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلًا أو فقيرًا إليهم، ولا يتمكنون هم من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة، فإذا لم تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من لمنفعة الصادرة منه إليهم‏.‏
وللرد وجوه مكروهة مذمومة، منها‏:‏ الرد مراءاة بالتشبه بمن يرد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ودنياهم، ومنها‏:‏ التكبر عليهم والاستعلاء حتى يستعبدهم، ويستعلى عليهم بذلك، فهذا مذموم أيضًا‏.‏ ومنها‏:‏ البخل عليهم فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم، ويقضى حوائجهم، فقد يترك الأخذ بُخْلا عليهم بالمنافع‏.‏ ومنها‏:‏ الكسل عن الإحسان إليهم، فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء‏:‏ الكبر، والرياء، والبخل، والكسل‏.‏
فالحاصل‏:‏ أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلب المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غنى نفسه وعزها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلًا قد يضرهم، وقد يتركه لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضا مضرة نفسه، أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجًا إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم؛ فلهذا فصلنا هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضا، وفيها التفصيل، لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من القبول؛ ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر، وإذا صح الأخذ كان أفضل، أعنى الأخذ والصرف إلى الناس‏.‏
سئل الشيخ ـ رحمه اللّه ـ عمن قال‏:‏ يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه‏:‏ على معنى أنه وسيلة من وسائل اللّه تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه‏.‏
وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل‏:‏ أتوسل إليك يا إلهى برسولك ‏!‏ أو أستغيث برسولك عندك، أن تغفر لى، استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم‏.‏
قال‏:‏ ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص، قديما وحديثا، وأنه يصح إسنادها للمخلوقين، وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل، وأنها مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به، وأن ذلك صحيح في أمر الأنبياء والصالحين‏.‏
قال‏:‏ وفيما رواه الطبرإني عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن بعض الصحـابة ـ رضي اللّه عنهـم ـ قال‏:‏ استغيثوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه‏)‏‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفي عن نفسه أنه يستغاث به، ونحو ذلك، يشير به إلى التوحيد، وإفراد البارى بالقدرة، لم يكن لنا نحن أن ننفي ذلك، ونجوز أن نطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به، يـعنى في كـل ما يستغاث فيه باللّه تعالى، ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة، وأن القـائل لا يستـغاث به متنقصـا له، وأنه كافر بذلك، لكنه يعذر إذا كان جاهلا، فإذا عرف معنى الاستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك صار كافرًا
والتوسل به استغاثة به كما تقدم، فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين‏:‏ إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والصـالح، في كـــل ما يستغاث به اللّه تعـالى‏؟‏ وهـل يجوز إطلاق ذلك‏؟‏ كما قال القائل، وهــل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصـالح أو غيرهما إلى اللّه تعالى في كل شىء استغاثة بذلك المتوسل به‏؟‏ كما نقله هذا القائل عن جميع اللغات، وسواء كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح استغـاثة بـه، أو لم يكـن، فهل يعـرف أن أحدا من العلمـاء قال‏:‏ إنه يجوز التوسل إلى اللّه بكل نبي وصالح‏؟‏ فقد أفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في فتاويه المشهورة‏:‏ أنه لا يجوز التوسل إلى اللّه تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه، فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ المذكور ‏؟‏
وبتقدير أن يكون في المسألة خلاف، فمن قال‏:‏ لا يتوسل بسائر الأنبياء والصالحين، كما أفتى الشيخ عز الدين‏؟‏ هل يكفر كما كفره هذا القائل‏؟‏ ويكون ما أفتى به الشيخ كفرًا، بل نفس التوسل به لو قال قائل‏:‏ لا يتوسل به، ولا يستغاث به، إلا في حياته وحضوره، لا في موته ومغيبه، هل يكون ذلك كفرًا‏؟‏ أو يكون تنقصا ‏؟‏
ولو قال‏:‏ ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى لا يستغاث فيه إلا باللّه، أى‏:‏ لا يطلب إلا من اللّه تعالى هل يكون كفرًا، أو يكون حقا‏؟‏ وإذا نفي الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمرًا من الأمور لكونه من خصائص الربوبية، هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب، أم يجوز نفيه‏؟‏ أفتونا ـ رحمكم اللّه ـ بجواب شاف كاف، موفقين مثابين ــ إن شاء اللّه تعالى‏.‏
الجواب ‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏ لم يقل أحد من علماء المسلمين‏:‏ إنه يستغاث بشىء من المخلوقات، في كل ما يستغاث فيه باللّه تعالى، لا بنبي، ولا بملك، ولا بصالح، ولا غير ذلك، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز إطلاقه‏.‏
ولم يقل أحد‏:‏ إن التوسل بنبي، هو استغاثة به، بل العامة الذي ن يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم‏:‏ أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة، أو غير ذلك، مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به‏.‏
والاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعليكم النَّصْرُ}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 15‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}‏ ‏[‏المائدة‏:‏2‏]‏‏.‏
وأمَّا ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من اللّه؛ ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستسقون به، ويتوسلون به، كما في صحيح البخارى‏:‏ أن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ استسقى بالعباس وقال‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون‏.‏
وفي سنن أبى داود‏:‏ أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا نستشفع باللّه عليك، ونستشفع بك على اللّه، فقال‏:‏ ‏(‏شأن اللّه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه‏)‏‏.‏
فأقره على قوله‏:‏ نستشفع بك على اللّه، وأنكر عليه قوله‏:‏ نستشفع باللّه عليك‏.‏
وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب‏.‏
وقول القائل‏:‏ إن من توسل إلى اللّه بنبي، فقال‏:‏ أتوسل إليك برسولك، فقد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بنى آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك‏.‏
ولو قال قائل لمن يستغيث به‏:‏ أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد‏:‏ إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعا، وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء اللّه الحسنى‏:‏ إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال‏.‏
والتوسل إلى اللّه بغير نبينا صلى الله عليه وسلم ـ سواء سُمِّىَ أو لم يُسَمَّ ـ لا نعلم أحدًا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع، وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ففيه حديث في السنن، رواه النسائي والترمذى وغيرهما‏:‏ أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إني أصبت في بصرى فادع اللّه لى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏توضأ وصلِّ ركعتين، ثم قل‏:‏ اللّهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد، إني أتَشَفَّع بك في ردّ بَصَرى‏.‏ اللّهم شَفِّع نبيك في‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك‏)‏ فرد اللّه بصره‏.‏ فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به‏.‏
وللناس في معنى هذا قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن هذا التوسل هو الذي ذكر عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ لما قاله‏:‏ كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقد ذكر عمر ـ رضي الله عنه ـ ‏:‏أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى اللّه، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعًا لهم، داعيا لهم؛ ولهذا قال في حديث الأعمى‏:‏ اللّهم فشفعه في، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل اللّه أن يشفعه فيه‏.‏
والثاني‏:‏ أن التوسل يكون في حياته، وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد‏:‏ إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية، ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها، ونحو ذلك‏.‏ واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، كاختلافهم‏:‏ هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح‏؟‏ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين‏.‏







آخر مواضيعه 0 المواقع الاباحية وتاثيرها على الفرد والمجتمع
0 علامات و أسباب حسن الخاتمة و سوء الخاتمة
0 عمل المرأة والاختلاط
0 مدائن صالح , صور مدائن صالح , معلومات وصور لمدائن صالح
0 كيف اعلم ان الله تقبل صيامي

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 12:30 AM   رقم المشاركة : 12
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما من قال‏:‏ إن من نفي التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر، وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المُكَفِّر بمثل هذه الأمور، يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله، من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من قال لأخيه‏:‏ كافر فقد باء بها أحدهما‏)‏‏.‏
وأما من قال‏:‏ ما لا يقدر عليه إلا اللّه لا يستغاث فيه إلا به، فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشى‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس‏:‏ ‏(‏إذا سألت فاسأل اللّّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه‏)‏‏.‏
وإذا نفي الرسول عن نفسه أمرًا كان هو الصادق المصدوق في ذلك، كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به ، من نفي، وإثبات، وعلىنا أن نصدقه في كل ما أخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيما له، أشبه النصارى، الذي ن كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية، تعظيما له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، واللّه أعلم‏.‏
وسئل شيخ الإسلام تقى الدين بن تيمية ـ رضي الله عنه‏:‏
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وفقهم اللّه لطاعته، فيمن يقول‏:‏ لا يستغاث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم، هل يحرم عليه هذا القول، وهل هو كفر أم لا‏؟‏ وإن استدل بآيات من كتاب اللّه وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم هل ينفعه دليله أم لا‏؟‏ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه، قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة، واتفاق الأمة‏:‏ أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم وأنه يشفع لهم‏.‏
ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد‏.‏
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مبتدعة ضُلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل‏.‏
/وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه ‏؟‏
وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، كما رواه البخارى في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال‏:‏ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفي سنن أبى داود وغيره أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع اللّه لنا، فإنا نستشفع بك على اللّه ونستشفع باللّه عليك‏.‏ فسبح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابـه وقال‏:‏ ‏(‏ويحك، إن اللّه لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك‏)‏، وذكر تمام الحديث فأنكر قوله‏:‏ نستشفع باللّه عليك، ولم ينكر قوله‏:‏ نستشفع بك على اللّه، بل أقره عليه، فعلم جوازه‏.‏ فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل‏.‏
وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك ولكن قال‏:‏ لا يدعى إلا اللّه وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا اللّه لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات، ونحو ذلك ـ فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا‏.‏ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 135‏]‏، وقال‏:‏ ‏{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عليكم هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ}‏‏؟‏ ‏[‏فاطر‏:‏3‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏126‏]‏، وقال‏:‏ ‏{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذي نَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏‏.‏
فالمعإني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعإني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعإني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله، وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رجع فيه إليه‏.‏
وقد يكون في كلام اللّه ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد اللّه ورسوله، فهذا يرد عليه فهمه‏.‏ كما روى الطبرإني في معجمه الكبير‏:‏ أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذى المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق‏:‏ قوموا بنا لنستغيث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه‏)‏، فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا اللّه، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به، كما في صحيح البخارى، عن ابن عمر قال‏:‏ ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى، فما ينزل حتى يجيش له كل ميزاب ‏:‏
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه**ثمال اليتامى عصمة للأرامل ‏!‏
وهو قول أبى طالب؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء اللّه تعالى‏:‏ يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا اللّه، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدى غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجاز‏.‏
قالوا‏:‏ من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبى هريرة، قالوا‏:‏ واجتمعت الأمة على ذلك‏.‏
وقال أبو عبد اللّه الحليمى‏:‏ الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال‏:‏ غياث المستغيثين، ومعناه المدرك‏:‏ عباده فى الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم، وفى خبر الاستسقاء فى الصحيحين‏:‏ ‏(‏اللهم أغثنا، اللّهم أغثنا‏)‏‏.‏ يقال‏:‏ أغاثه إغاثة وغياثًا وغوثًا، وهذا الاسم فى معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى‏:‏ ‏{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ }‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 9‏]‏، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر‏.‏
قالوا ‏:‏الفرق بين المستغيث والداعى‏:‏ أن المستغيث ينادى بالغوث، والداعى ينادى بالمدعو والمغيث‏.‏ وهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة ياللّه للمسلمين، وقد روى عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول‏:‏ واغوثاه، ويقول‏:‏ إنى سمعت اللّه يقول ‏:‏‏{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}‏، وفى الدعاء المأثور‏:‏ ‏(‏يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك‏)‏‏.‏
والاستغاثة برحمته استغاثة به فى الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به فى الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به فى الحقيقة، ففى الحديث‏:‏ ‏(‏أعوذ بكلمات اللّه التامة من شر ما خلق‏)‏، وفيه ‏(‏أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك‏)‏‏.‏
/لهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام اللّه غير مخلوق بقوله‏:‏ ‏(‏أعوذ بكلمات اللّه التامة‏)‏ قالوا‏:‏ والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق‏.‏
وكذلك القَسَم، قد ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصـمت‏)‏، وفـى لفــظ‏:‏ ‏(‏مــن حلف بغـير اللّه فقد أشرك‏)‏ رواه الترمذي وصححه‏.‏ ثم قد ثبـت فى الصحيح‏:‏ الحلف بـ ‏(‏عزة اللّه‏)‏، و ‏(‏لعمر اللّه‏)‏، ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير اللّه الذى نهى عنه، والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع فى هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ ضال‏.‏
وأما بالمعنى الذى نفاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ فهو أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير اللّه ما لا يكون إلا للّه فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة التى يكفر تاركها‏.‏
ومن هذا الباب قول أبى يزيد البسطامى‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبى عبد اللّه القرشى المشهور بالديار المصرية‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون‏.‏
وفى دعاء موسى ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏(‏اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك‏)‏، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصاً باللّه صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوَّز مطلق الاستغاثة بغير اللّه، ولا أنكرعلى من نفى مطلق الاستغاثة عن غير اللّه‏.‏
/وكذلك الاستغاثة أيضا ،فيها ما لا يصلح إلا لله، وهى المشار إليها بقوله‏:‏ ‏{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}‏ ‏[‏الفاتحة ‏:‏5‏]‏ فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا اللّه‏.‏ وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏]‏، والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو ولا يقدر عليه إلا اللّه‏.‏
ومن خالف ما ثبت فى الكتاب والسنة، فإنه يكون إما كافراً، وإما فاسقاً، وإما عاصيا، إلا أن يكون مؤمنا مجتهداً مخطئًا فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة، فإن اللّه يقول‏:‏ ‏{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}‏‏[‏الإسراء‏:‏15‏]‏‏.‏ وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها‏:‏ فإنه يعاقب بحسب ذلك، إما بالقتل، وإما بدونه‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
وقال شيخ الإسلام ‏:‏
فصل
سَمَّى اللّه آلهتهم التى عبدوها من دونه شفعاء، كما سماها شركاء فى غير موضع، فقال فى يونس‏:‏ ‏{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}‏ ‏[‏الآية 18‏]‏، وقال‏:‏ ‏{أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}‏ ‏[‏الزمر ‏:‏43، 44‏]‏، ‏{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 12، 13‏]‏‏.‏
وجمع بين الشرك والشفاعة فى قوله‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏‏.‏ فهذه الأربعة هى التى يمكن أن يكون لهم بها تعلق، الأول‏:‏ ملك شىء ولو قل، الثانى‏:‏ شركهم فى شىء من الملك‏.‏ فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها نداً‏.‏ فإذا انتفت الثلاثة بقيت الشفاعة فعلقها بالمشيئة‏.‏
وقال‏:‏ ‏{وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 62‏]‏، وقال‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً}‏ الآيتين ‏[‏الإسراء‏:‏56‏]‏، وقال فى اتخاذهم قربانا‏:‏ ‏{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏، وقال‏:‏ ‏{فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏28‏]‏
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه اللّه ‏:‏
فصل
فى الشفاعة المنفية فى القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏123‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 100، 101‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏53‏]‏، وأمثال ذلك‏.‏
واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب فى زيادة الثواب‏.‏
ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة‏:‏ إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار مَنْ فى قلبه مثقال ذرة من إيمان‏.‏
وأيضاً، فالأحاديث المستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الشفاعة‏:‏ فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار‏.‏ وأيضاً، ففى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال‏:‏ يا رسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشىء ‏؟‏ فإنه كان يَحُوطك ويغضب لك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم هو فى ضَحْضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار‏)‏، وعن عبد اللّه بن الحارث قال‏:‏ سمعت العباس يقول‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح‏)‏‏.‏
وعن أبى سعيد الخدرى ــ رضى اللّه عنه ــ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه، يغلى منه دماغه‏)‏‏.‏
فهذا نص صحيح صريح لشفاعته فى بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل فى أن يجعل أهون أهل النار عذاباً، كما فى الصحيح أيضاً عن ابن عباس‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه‏)‏‏.‏
وعن أبى سعيد الخدرى؛ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن أدنى أهل النار عذاباً منتعل بنعلين من نار، يغلى دماغه من حرارة نعليه‏)‏ ، وعن النعمان بن بشير قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع فى أخمص قدميه جمرتان، يغلى منهما دماغه‏)‏ ، وعنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار، يغلى منهما دماغه، كما يغلى المِرْجَل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً‏)‏‏.‏
/وهذا السؤال الثانى يضعف جواب من تأول نفى الشفاعة على الشفاعة للكفار، وإن الظالمين هم الكافرون‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏
فيقال‏:‏ الشفاعة المنفية هى الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهى أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له فى أن يشفع فشفع، لم يكن مستقلاً بالشفاعة، بل يكون مطيعاً له أى تابعاً له فى الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسؤول‏.‏
وقد ثبت بنص القرآن فى غير آية‏:‏ أن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏ ،وقال‏:‏‏{وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}‏ ‏[‏سبأ‏:‏23‏]‏، وقال‏:‏‏{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 28‏]‏،وأمثال ذلك‏.‏ والذى يبين أن هذه هى الشفاعة المنفية‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏{وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 51‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏، فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولىّ ولا شفيع‏.‏
وأما نفى الشفاعة بدون إذنه، فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه، كما أن الولاية التى بإذنه ليست من دونه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 55، 56‏]‏‏.‏
وأيضاً، فقد قال‏:‏ ‏{أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ
قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 43، 44‏]‏، فذم الذين اتخذوا من دون اللّه شفعاء وأخبر أن لِلّه الشفاعة جميعا، فعلم أن الشفاعة منتفية عن غيره؛ إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه، وتلك فهى له‏.‏وقد قال‏:‏ ‏{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏‏.‏
ومما يوضح ذلك ‏:‏أنه نفى يومئذ الخلة بقوله‏:‏‏{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏ ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة، ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق فى الدنيا، كما قال‏:‏ ‏{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}‏‏[‏الانفطار‏:‏17-19‏]‏، وقال‏:‏ ‏{لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 15، 16‏]‏، لم يَنْفِ أن يكون فى الآخرة خلة نافعة بإذنه،فإنه قد قال‏:‏‏{الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}‏ الآيات ‏[‏الزخرف‏:‏67، 68‏]‏، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ حَقَّْتْ مَحَبَّتِى لِلْمُتحَابِينَ فِى‏)‏ ، ويقول اللّهُ تعالى‏:‏ ‏(‏أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِى ‏؟‏ الْيَوْمَ أَظِلُّهُمْ فِى ظِلِّى يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظلِّى‏)‏‏.‏
فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يُنفع أحد ولا يضر إلا بإذن اللّه، وأنه لا يجوز أن يُعبد أحد غير اللّه، ولا يُستعان به من دون اللّه، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله للّه، ويتبرأ كل مدع من دعواه الباطلة، فلا يبقى من يدعى لنفسه معه شركا فى ربوبيته، أو إلهيته، ولا من يدعى ذلك لغيره‏.‏ بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد اتُخذ غيره ربا وإلها، وادعى ذلك مدعون‏.‏







آخر مواضيعه 0 تلاوة من سورة القيامة تحرك القلوب للشيخ ناصر القطامي
0 من اجل صيف مميز
0 إعجاز القرآن , اعجاز
0 دموع السجينات
0 البيوت تهدم

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 12:31 AM   رقم المشاركة : 13
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وفى الدنيا يشفع الشافع عند غيره ،وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له فى الشفاعة، ويكون خليله، فيعينه ويفتدى نفسه من الشر، فقد ينتفع بالنفوس والأموال فى الدنيا، النفوس ينتفع بها تارة بالاستقلال، وتارة بالإعانة وهى الشفاعة، والأموال بالفداء، فنفى اللّه هذه الأقسام الثلاثة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏، وقال‏:‏ ‏{لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏، كما قال‏:‏ ‏{لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 33‏]‏، فهذا هذا واللّه أعلم‏.‏
وعاد ما نفاه اللّه من الشفاعة إلى تحقيق أصلى الإيمان، وهى الإيمان باللّه وباليوم الآخر، التوحيد والمعاد، كما قرن بينهما فى مواضع كثيرة، كقوله‏:‏ ‏{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}‏ ‏[‏البقـرة‏:‏ 156‏]‏، وقـوله‏:‏ ‏{مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 28‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 28‏]‏‏.‏ وأمثال ذلك ‏.
سئل شيخ الإسلام ـ قدس اللّه روحه‏:‏
عن رجلين تناظرا، فقال أحدهما‏:‏ لابد لنا من واسطة بيننا وبين اللّه، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏ إن أراد بذلك أنه لابد من واسطة تبلغنا أمر اللّه ،فهذا حق‏.‏ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه اللّه ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه اللّه تعالى من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، التى تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل، الذين أرسلهم اللّه إلى عباده‏.‏
فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زُلفى، ويرفع درجاتهم، ويكرمهم فى الدنيا والآخرة‏.‏ وأما المخالفون للرسل، فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال تعالى‏:‏ ‏{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 35، 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}‏ ‏[‏طه‏:‏ 123‏:‏ 126‏]‏، قال ابن عباس‏:‏ تكفل اللّه لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل فى الدنيا، ولا يشقى فى الآخرة‏.‏
وقال تعالى عن أهل النار‏:‏ ‏{كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 8، 9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 71‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 48، 49‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ َيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}‏ ‏[‏النساء ‏:‏163‏:‏ 165‏]‏‏.‏ومثل هذا فى القرآن كثير‏.‏
وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين، واليهود، والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين اللّه وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن اللّه أمره وخبره‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ٌ}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 75‏]‏ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ المِلَل‏.‏
والسور التى أنزلها اللّه بمكة مثل‏:‏ الأنعام، والأعراف، وذوات‏:‏ ‏{الر}‏ و ‏{حم}‏ و ‏{طس}‏ ونحو ذلك، هى متضمنة لأصول الدين، كالإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر‏.‏
وقد قص اللّه قصص الكفار الذين كذبوا الرسل، وكيف أهلكهم، ونصر رسله، والذين آمنوا، قال تعالى‏:‏ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 171‏:‏ 173‏]‏، وقال‏:‏ ‏{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }‏ ‏[‏غافر‏:‏ 51‏]‏‏.‏
فهذه الوسائط تُطاع وتُتَّبَع ويقتدى بها‏.‏ كما قال تعالى‏:‏‏{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 64‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏، وقـال‏:‏ ‏{فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏157‏]‏، وَقَالَ تعالى‏:‏ ‏{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏21‏]‏‏.‏
وإن أراد بالواسطة‏:‏ أنه لابد من واسطة فى جلب المنافع، ودفع المضار، مثل‏:‏ أن يكون واسطة فى رزق العباد، ونصرهم، وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك، الذى كفر اللّه به المشركين، حيث اتخذوا من دون اللّه أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار‏.‏
لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها، حتى قال‏:‏ ‏{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏51‏]‏، وقال‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏، وقال‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏‏.‏
وقالت طائفة من السلف‏:‏ كان أقوام يدعون المسيح، والعزير، والملائكة‏:‏ فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}‏ ‏؟‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79‏:‏ 80‏]‏، فبين سبحانه‏:‏ أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر‏.‏
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين‏.‏
وقد قال تعالى‏:‏ ‏{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}‏ ‏[‏الأنبياء 26‏:‏ 29‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 172‏]‏، وقال تعالى‏:‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 88 ـ 95‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏، وقال‏:‏ ‏{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلا راد لفضله}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 2‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 38‏]‏، ومثل هذا كثير فى القرآن‏.‏ ومن سِوَى الأنبياء ـ من مشايخ العلم والدين ـ فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته، يبلغونهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويقتدون بهم، فقد أصاب فى ذلك‏.‏وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا فى شىء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر‏)‏‏.‏
وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه ـ كالحجاب الذين بين الملك ورعيته ـ بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم، أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج‏.‏ فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادا‏.‏ وفى القرآن من الرد على هؤلاء، ما لم تتسع له هذه الفتوى‏.‏
فإن الوسائط التى بين الملوك وبين الناس، يكونون على أحد وجوه ثلاثة‏:‏
إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه‏.‏
ومن قال‏:‏ إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو ـ سبحانه ـ يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ‏{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏‏.‏ يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين‏.‏
الوجه الثانى‏:‏ أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه ـ إلا بأعوان يعينونه ـ فلابد له من أنصار وأعوان، لذله وعجزه‏.‏ والله ـ سبحانه ـ ليس له ظهير، ولا ولى من الذل، قال تعالى‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي لسَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ َكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 111‏]‏‏.‏
وَكُلُّ مَا فى الوجود من الأسباب فهو خالقه، وربه ومليكه، فهو الغنى عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ،بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم ـ فى الحقيقة ـ شركاؤهم فى الملك‏.‏ والله ـ تعالى ـ ليس له شريك فى الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير‏.‏
والوجه الثالث‏:‏ أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج‏.‏ فإذا خاطب الملك من ينصحه، ويعظمه، أو من يدل علىه، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك وهمته، فى قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل فى قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه‏.‏
والله ـ تعالى ـ هو رب كل شىء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو الذى خلق ذلك كله، وهو الذى خلق فى قلب هذا المحسن الداعى الشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون فى الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، أو من يرجوه الرب ويخافه‏.‏
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يقولن أحدكم‏:‏ اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزِم المسألة، فإنه لا مكره له‏)‏‏.‏ والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال‏:‏ ‏{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 28‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏‏.‏
فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ من دعى من دونه ليس له ملك ولا شرك فى الملك، ولا هو ظهير، وأن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له‏.‏
وهذا بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكًا لهم فى الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم معاونا لهم على ملكهم، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم، والملك يقبل شفاعتهم، تارة بحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم ولإنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد، حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه، فإذا لم يقبل شفاعته، يخاف ألا يطيعه، أو أن يسعى فى ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض، كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة‏.‏
والله ـ تعالى ـ لا يرجو أحدًا، ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغنى، قال تعالى‏:‏ ‏{أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 66‏]‏‏.‏
والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة، قال تعالى‏:‏ ‏{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 28‏]‏‏.‏
وأخبر عن المشركين أنهم قالوا‏:‏ ‏{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 80‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}‏‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏‏.‏ فأخبر أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، ويتقربون إليه فهو ـ سبحانه ـ قد نفى ما من الملائكة والأنبياء، إلا من الشفاعة بإذنه، والشفاعة هى الدعاء‏.‏
ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن الداعى الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له فى ذلك، فلا يشفع شفاعة نهى عنها، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى‏:‏ ‏{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ }‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 113، 114‏]‏، وقال تعالى فى حق المنافقين‏:‏ ‏{سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 6‏]‏‏.‏
وقد ثبت فى الصحيح‏:‏ أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم، كما فى قوله‏:‏ ‏{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48، 116‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 84‏]‏، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 55‏]‏ ـ فى الدعاء ـ ومن الاعتداء فى الدعاء‏:‏ أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله، مثل‏:‏ أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين، ونحو ذلك‏.‏ أو يسأله ما فيه معصية الله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان‏.‏
فالشفيع الذى أذن الله له فى الشفاعة، شفاعته فى الدعاء الذى ليس فيه عدوان‏.‏
ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك‏.‏ كما قال نوح‏:‏ ‏{إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}‏ ‏[‏هود‏:‏ 45‏]‏، قال تعالى‏:‏ ‏{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ }‏ ‏[‏هود‏:‏ 46، 47‏]‏‏.‏
وكل داع شافع دعا الله ـ سبحانه وتعالى ـ وشفع‏:‏ فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره، ومشيئته، وهو الذى يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة، فهو الذى خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التى قدرها الله ـ سبحانه وتعالى‏.‏
وإذا كان كذلك‏:‏ فالالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد، ومَحْو الأسباب أن تكون أسبابا نَقْصٌ فى العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدْحٌ فى الشرع، بل العبد يجب أن يكون تَوكُّله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ والله يقدر له من الأسباب ـ من دعاء الخلق وغيرهم ـ ما شاء‏.‏
والدعاء مشروع، أن يدعو الأعلى للأدنى، والأدنى للأعلى فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبى صلى الله عليه وسلم فى الاستسقاء، ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء، ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها ومع هذا فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ ،فإنه من صلى علىّ مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة، فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد‏!‏ فمن سأل الله لى الوسيلة حَلت عليه شفاعتى يوم القيامة‏)‏‏.‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم لعمر ـ لما أراد أن يعتمر وودعه ـ‏:‏ ‏(‏يا أخى لا تنسنى من دعائك‏)‏‏.‏







آخر مواضيعه 0 فتاوى ابن تيمية _ الجزء التاسع
0 توجيهات رمضانية
0 الجمعة , يوم الجمعة , 60 مسألة في يوم الجمعة
0 وسائل الحوار في المنتديات لكل مسلم
0 سؤال صعب والحل عندكم

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 12:32 AM   رقم المشاركة : 14
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

فالنبى صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن يدعوا له، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التى يثابون عليها، مع أنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجورهم فى كل ما يعملونه، فإنه قد صح عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوِزْر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا‏)‏، وهو داعى الأمة إلى كل هدى، فله مثل أجورهم فى كل ما اتبعوه فيه‏.‏
وكذلك إذا صلوا عليه، فإن الله يصلى على أحدهم عشرًا، وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه، وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به‏:‏ آمين ولك مثل ذلك‏)‏، وفى حديث آخر‏:‏ ‏(‏أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب‏)‏‏.‏
/فالدعاء للغير ينتفع به الداعى، والمدعو له وإن كان الداعى دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعى والمدعو له‏.‏ فمن قال لغيره‏:‏ ادع لى وقصد انتفاعهما جميعًا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبه المسؤول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسؤول فعل ما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضًا يثاب مثل ثوابه؛ لكونه دعا إليه، لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 19‏]‏، فأمره بالاستغفار، ثم قال‏:‏ ‏{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 64‏]‏‏.‏
فذكر ـ سبحانه ـ استغفارهم، واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول، حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا شيئًا لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ففعله هو عبادة لله، وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه، وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان‏.‏
والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة والحسنات، وكلما ازداد العبد عملا للخير، ازداد إيمــانه‏.‏ هذا هو الإنعــام الحقيقـى المذكــور فى قولـه‏:‏ ‏{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 7‏]‏، وفى قوله‏:‏ ‏{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏، بل نعم الدنيا بدون الدين هل هى من نعمه أم لا ‏؟‏ فيه قولان مشهوران للعلماء من أصحابنا وغيرهم‏.


والتحقيق‏:‏ أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه، وأما الإنعام بالدين الذى ينبغى طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب، فهو الخير الذى ينبغى طلبه باتفاق المسلمين، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة، إذ عندهم أن الله هو الذى أنعم بفعل الخير‏.‏ والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه، الصالحة للضدين فقط‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أن الله لم يأمر مخلوقاً أن يسأل مخلوقاً إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق، إما واجب أو مستحب، فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك، فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك ‏؟‏ بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله إلا عند الضرورة‏.‏
وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور، فهذا يثاب على ذلك، وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور، فهذا من نفسه أتى، ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط، بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته، والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه، ويأمرنا أن نحسن إلى عباده، وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا، فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه، وهو الصلاة، ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذى هو الزكاة، وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال، لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه، ألا ترى أنه قال فى حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب‏:‏ إنهم ‏[‏لا يسترقون‏]‏‏.‏ وإن كان الاسترقاء جائزاً‏.‏ وهذا قد بسطناه فى غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التى تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عُبّاد الأوثان كانوا يقولون‏:‏ إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذى أنكره الله على النصارى حيث قال‏:‏ ‏{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 31‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}‏ ‏[‏البقرة ‏:‏186‏]‏، أى فليستجـيبوا لى إذا دعوتهم بالأمر والنهى، وليؤمنوا بى أن أجيب دعاءهم لى بالمسألة والتضرع‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏‏{وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}‏ ‏[‏الإسراء ‏:‏67‏]‏ ،وقال تعالى‏:‏ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 29‏]‏
وقد بين الله هذا التوحيد فى كتابه، وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه ،وقال تعالى ‏:‏‏{فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏، ‏{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ}‏ أى يخوفكم أولياءه ‏{فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏175‏]‏ ،وقال تعالى‏:‏ ‏{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}‏ ‏[‏النساء‏:‏77‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ}‏‏[‏التوبة‏:‏ 18‏]‏، وقـال تعـــالــى‏:‏ ‏{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}‏ ‏[‏النور‏:‏ 52‏]‏‏.‏
فبين أن الطاعة لله ورسوله، وأما الخشية فلله وحده‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 59‏]‏، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏‏.‏
وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك؛ إذ هذا تحقيق قولنا‏:‏ لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذى تألهه القلوب؛ لكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف، حتى قال لهم‏:‏ ‏(‏لا تقولوا‏:‏ ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا‏:‏ ما شاء الله ثم شاء محمد‏)‏ ، وقال له رجل‏:‏ ما شاء الله وشئت‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتنى لله ندا ‏؟‏ بل ما شاء الله وحده‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏من كان حالفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيصْمُتْ‏)‏، وقال ‏:‏‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك‏)‏، وقال لابن عباس‏:‏‏(‏إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله، جَفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشىء كتبه الله لك، ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا بشىء كتبه الله عليك‏)‏‏!‏ وقال أيضاً‏:‏ ‏(‏لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثَنًا يُعْبَد‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيداً، وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم‏)‏ ، وقال فى مرضه‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ يحذر ما صنعوا، قالت عائشة‏:‏ ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً‏.‏ وهذا باب واسع‏.‏
ومع علم المؤمن أن الله رب كل شىء ومليكه، فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب، كما جعل المطر سبباً لإنبات النبات، قال الله تعالى‏:‏ ‏{وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏، وكما جعل الشمس والقمر سببا لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك، مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت، فإن ذلك من الأسباب التى يرحمه الله بها، ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغى أن يعرف فى الأسباب ثلاثة أمور ‏:‏
أحدهما‏:‏ أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع‏.‏ فإذا لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود، وهو ـ سبحانه ـ ما شاء كان ـ وإن لم يشأ الناس ـ وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله‏.‏
الثانى‏:‏ ألا يجوز أن يعتقد أن الشىء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع، كان مبطلاً، مثل من يظن أن النذر سبب فى دفع البلاء وحصول النعماء‏.‏ وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه نهى عن النذر وقال‏:‏ ‏(‏إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل‏)‏‏.‏
الثالث‏:‏ أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شىء سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله، فيدعو غيره ـ وإن ظن أن ذلك سبب فى حصول بعض أغراضه ـ وكذلك لا يُعْبَد الله بالبِدَع المخالفة للشريعة ـ وإن ظن ذلك ـ فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك؛ إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة، وهذه الجمل لها بسط لا تحتمله هذه الورقة، والله أعلم‏.‏







آخر مواضيعه 0 رسالة لمستخدمين الانترنت
0 الدعوى الى الله
0 من اجل صيف مميز
0 دروس رمضان , ثلاثون درسا للصائمين , الشيخ عائض القرني
0 بلوتوث. BlueTooth . تعريفه . فوائده . مخاطره

رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-02-2008, 12:33 AM   رقم المشاركة : 15
الغريب
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية الغريب
الملف الشخصي


الحالة
الغريب غير متواجد حالياً

افتراضي

وسئل ـ رحمه الله ‏:‏
قال السائل‏:‏ إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الوسيلة والواسطة‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد لله، إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد، وطاعته، والصلاة والسلام عليه وسيلة للعبد فى قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق، وإن أراد أن الله لا يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق، أو يقسم عليه به، أو أن نفس الأنبياء بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة فى إجابة الدعاء، فقد كذب فى ذلك‏.‏ والله أعلم‏.
وسئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى‏:‏
هل يجوز التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم أم لا ‏؟‏
فأجاب ‏:‏
الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته، والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك، مما هو من أفعاله، وأفعال العباد المأمور بها فى حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يتوسلون به فى حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ اللهم إنى أتوسل إليك به‏.‏ فللعلماء فيه قولان، كما لهم فى الحلف به قولان‏.‏ وجمهور الأئمة ـ كمالك والشافعى وأبي حنيفة ـ على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة‏.‏ ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره؛ ولذلك قال أحمد فى منسكه الذى كتبه للمروذى ‏[‏أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذى، صاحب الإمام أحمد، حدث عن أحمد بن حنبل ولازمه وعن هارون بن معروف ومحمد بن منهال وروى عنه أبو بكر الخلال وعبد الله الخرقى، ولد فى حدود المائتين، وتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين‏.‏ ‏[‏سير أعلام النبلاء 13 173-175‏]‏ صاحبه‏:‏ إنه يتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم فى دعائه، ولكن غير أحمد قال‏:‏ إن هذا إقسام على الله به، ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد فى إحدى الروايتين قد جوز القسم به، فلذلك جوز التوسل به‏.‏
ولكن الرواية الأخرى عنه ـ هى قول جمهور العلماء ـ أنه لا يقسم به، فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء، فإنا لا نعلم أحداً من السلف والأئمـة قال‏:‏ إنه يقسم به على الله كما لم يقولوا‏:‏ إنه يقسم بهم مطلقا؛ ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام‏:‏ أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لكن ذكر له أنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث فى الإقسام به فقال‏:‏ إن صح الحديث كان خاصاً به، والحديث المذكور لا يدل على الإقسام به، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك ، والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع‏.‏ والله أعلم‏.‏
/وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏.‏ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، أرسله بين يدى الساعة بشيراً ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغى، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
ففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه‏.‏ فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله‏.‏
وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه فى باطنه وظاهره‏.‏ والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله، وهو دين الله، وهو عبادة الله، وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله، وهو الوسيلة التى أمر الله بها عباده فى قوله تعالى‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 35‏]‏‏.‏ فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه‏.‏
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد، باطناً وظاهراً، فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته، فى مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق فى حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار‏.‏ ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته‏.‏
وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاها عند الله، وقد قال تعالى عن موسى‏:‏ ‏{وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 69‏]‏ ، وقال عن المسيح‏:‏‏{وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏45‏]‏‏.‏ ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ بدعائه وشفاعته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما‏.‏
ولفظ التوسل فى عرف الصحابة كانوا يستعملونه فى هذا المعنى‏.‏ والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغنى عنهم شفاعة الشافعين فى الآخرة‏.‏
/ولهذا نهى عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونهى عن الاستغفار للمنافقين وقيل له‏:‏ ‏{سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 6‏]‏، ولكن الكفار يتفاضلون فى الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان فى الإيمان، قال تعالى‏:‏ ‏{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 37‏]‏‏.‏
فإذا كان فى الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته فى تخفيف العذاب عنه لا فى إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشىء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ‏؟‏ قال ‏:‏‏(‏نعم هو فى ضحْضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرْك الأسفل من النار‏)‏، وفى لفظ‏:‏ إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح‏)‏، وفيه عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعْبيه يغلى منهما دماغه‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه‏)‏‏.‏
وكذلك ينفع دعاؤه لهم بألا يُعجل عليهم العذاب فى الدنيا كما كان صلى الله عليه وسلم يحكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول‏:‏ ‏(‏اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون‏)‏‏.‏ وروى أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب فى الدنيا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 45‏]‏‏.‏
وأيضا، فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبى هريرة حتى هداها الله، وكما دعا لدوس فقال‏:‏ ‏(‏اللهم اهـد دوسـاً وائت بهم‏)‏، فهداهم الله، وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقى لهم، فاستسقى لهم، وكان ذلك إحسانا منه إليهم يتألف به قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك‏.‏
وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم يوجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقاً وعاماً، فكل من مات مؤمنا بالله ورسوله مطيعاً لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعاً، ومن مات كافراً بما جاء به الرسول كان من أهل النار قطعاً‏.‏
وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ـ ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً ـ فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له، كما قال تعالى عنه‏:‏ ‏{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 41‏]‏، وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبى طالب اقتداء بإبراهيم وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 113‏]‏‏.‏
ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال‏:‏ ‏{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏‏:‏ 114، 115‏]‏، وثبت فى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يلْقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم‏:‏ ألم أقل لك‏:‏ لا تعصنى ‏؟‏ فيقول له أبوه‏:‏ فاليـوم لا أعصيك‏.‏ فيقول إبراهيم‏:‏ يا رب، أنت وعدتنى ألا تُخْزنى يوم يُبْعثون، وأي خزْى أخْزى من أبى الأبعد ‏؟‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ إنى حرمتُ الجنة على الكافرين، ثم يقال‏:‏ انظر ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ مُتلطخ ‏[‏الذيخ‏:‏ ذكر الضباع ، وأراد بالتلطخ‏:‏ التلطخ برجيعه أو بالطين‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2 174‏]‏، فيؤخذ بقوائمه فيلقى فى النار‏)‏، فهذا لما مات مشركا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين‏:‏ ‏{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 4، 5‏]‏‏.‏ فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا فى قول إبراهيم لأبيه‏:‏ ‏{لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}‏ فإن الله لا يغفر أن يشرك به‏.‏
وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم ، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة؛ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏استـأذنت ربـى أن أستغفر لأمـى فلم يأذن لــى، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى‏)‏‏.‏ وفى رواية‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال‏:‏ ‏(‏استأذنتُ ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى، واستأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى، فزروا القبور، فإنها تُذكر الموت‏)‏‏.‏ وثبت عن أنس فى الصحيح أن رجلا قال ‏:‏يا رسول الله، أين أبى ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فى النار‏)‏، فلما قفى دعاه فقال ‏:‏‏(‏إن أبى وأباك فى النار‏)‏‏.‏ وثبت أيضاً فى الصحيح عن أبى هريرة‏:‏ لمــا أنزلت هذه الآية‏:‏‏{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 214‏]‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال‏:‏ ‏(‏يا بنى كعب ابن لؤى، انقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بنى مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بنى عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بنى عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا فاطمة، أنقذى نفسك من النار ، فإنى لا أملك لكم من الله شيئاً ، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ‏[‏أى أصلكم فى الدنيا، ولا أُغنى عنكم من الله شيئاً، والبلال جمع بلل، وقيل‏:‏ هو كل ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره، انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 1 351‏]‏‏)‏ ، وفى رواية عنه‏:‏ ‏(‏يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإنى لا أغنى عنكم من الله شيئاً‏.‏ يا بنى عبد المطلب، لا أغنى عنكم من الله شيئاً‏.‏ يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً‏.‏ يا فاطمة بنت رسول الله، سلينى من مالى ما شئت ، لا أغنى عنك من الله شيئا‏)‏‏.‏ وعن عائشة لما نزلت‏:‏ ‏{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏214‏]‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا‏.‏ سلونى من مالى ما شئتم‏)‏‏.‏
وعن أبى هريرة قال‏:‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً ذات يوم فذكر الغُلُول فعظمه وعظم أمره ثـم قـال‏:‏ ‏(‏لا أُلْفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير لهُ رُغاء ‏[‏الرغاء‏:‏ صوت الإبل‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2 240‏]‏ يقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمْحمة ‏[‏الحمحمة‏:‏ صوت الفرس دون الصهيل‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 1 436‏]‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك‏.‏ لا ألفـين أحــدكم يجىء يــوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء ‏[‏الثغاء‏:‏ صياح الغنم‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 1 214‏]‏، فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق ‏[‏أراد بالرقاع‏:‏ ما عليه من الحقوق المكتوبة فى الرقاع، وخفوقها‏:‏ حركتها‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2251‏]‏‏.‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏لا أملك لك شيئا قد أبلغتك‏.‏لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت ‏[‏صامت‏:‏ يعنى الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 3 52‏]‏‏.‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك ‏(‏أخرجاه فى الصحيحين ، وزاد مسلم‏:‏ ‏(‏لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح‏.‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك‏)‏‏.‏ وفى البخارى عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ولا يأتى أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار ‏[‏اليُعار‏:‏ صياح الشاة‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 5 297‏]‏‏.‏ فيقول‏:‏ يا محمد، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً، قد بلغت‏.‏ ولا يأتى أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رُغاء فيقول‏:‏ يا محمد، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً، قد بلغت‏)‏‏.‏ وقوله هنا صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا أملك لك من الله شيئا‏)‏ كـقول إبـراهيـم لأبيـه‏:‏ ‏{لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 4‏]‏‏.‏
وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهى نافعة فى الدنيا والدين باتفاق المسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة فى زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن بعض أهل البدعة ينكرها‏.‏
وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء‏:‏ من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم فى الشخص الواحد ثواب وعقاب‏.‏ وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم، فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار قوماً بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قوماً بلا شفاعة‏.‏
واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى‏:‏ ‏{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 123‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يطاع}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 18‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 48‏]‏‏.‏
وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى فى نعتهم‏:‏ ‏{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}‏ ‏[‏المدثر‏:‏42‏:‏ 48‏]‏، فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفاراً‏.‏
والثانى‏:‏ أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة‏.‏
فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون‏:‏ هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصّهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة‏.‏
فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى‏:‏ ‏{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏، وقال‏:‏ ‏{وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26‏]‏، وقال عن الملائكة‏:‏ ‏{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏26‏:‏ 28‏]‏، وقال‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء ش