- 4 -
الإفطار على غير السنة
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة ملفتة للنظر, وسلوك سيئ من الصائمين الذين يحرصون عليها كل الحرص , وكأنها من لوازم الرفاهية , أو من توابع المدنية , أو من ضروريات الحضارة المعاصرة , وهذه الظاهرة هي الإفطار على ما يعرف بـ( قمر الدين ) , أو ( الخشاف ) , أو ( العرقسوس ) , أو نحو ذلك .
ومنهم من يفطر على دخان ( السيجارة ) , فبدلاً من أن يأكل ما يفيده في بدنه , أو يشرب ما يصلح نفسه , ويقيم صلبه , إذا به يبدأ صومه بسيجارة , وينهيه بسيجارة , ويبدأ إفطاره بسيجارة , وينهيه بسيجارة , وهكذا يحاول أن يعوض ما حُرِمَه من سجائر في نهار رمضان !! كأن الصوم جاء ليعذب أمثاله , وينكل بهم , وكأن الصوم ثقيل على نفسه ثقل الجبل , فهذا وأضرابه خبيث النفس , مريض القلب , سقيم الفكر , مضطرب العقل , عليل البدن , زائف الشخصية ,حريٌ به أن يذهب إلي مصحة نفسية تعالج من إدمان الدخان , لأن الدخان هو البوابة الرئيسية للدخول إلى عالم المخدرات , فمن دخن الشيشة أو الجوزة يوشك أن يدخن السيجارة , ومن دخن السيجارة يوشك أن يدخن البانجو , أو الحشيش , أو الأفيون , ومن فعل ذلك قاده إلى الهيروين , أو الكوكايين , بل إلى عقاقير الهلوسة , والجنون .
وإن العيادات التي تعنى بعلاج المدمنين للدخان أو المخدرات , لتجد من شهر رمضان فرصة عظيمة لتقوية جانب الخوف والمراقبة لله عند المريض , فكل مدخن لا يكتسب من نهار رمضان فرصة عظمى للإقلاع عن التدخين , فلن يفلح إذاً أبداً , إلا أن يشاء الله تعالى شيئاً آخر .
فإلى المدخنين و أمثالهم يقول الله تعالى : ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( ) , ويقول الله تعالى:﴿.. وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(29)وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(30)إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ( ) , وقال تعالى : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا(25)وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا(26)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ( ).
واعلموا معشر المدخنين , إن كنتم تزعمون أنكم تحبون الله تعالى , وتؤمنون به , فإن من لوازم حب الله تعالى أن تحبوا رسوله محمد- - وإن من لوازم الإيمان بالله تعالى : طاعة الله ، وطاعة رسوله محمد- - , وقد قال الله : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ( ) , ويقول أيضاً : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ
فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا(66)وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا(67)وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(68)وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا(69)ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ( ) .
ومن طاعة رسوله- - ( أنه نهى عن كل مسكرٍ ومفتِّر ) , والمسكر : ما يذهب العقل , والمفتر : ما يضعف البدن .
ولاشك أن الدخان يضعف البدن , فانتهوا خيراً لكم , وتوبوا إلى ربكم يصلح لكم أعمالكم , ويغفر لكم ذنوبكم , ويبدل لكم سيئاتكم حسنات , وما ذلك على الله بعزيز.
وإلى عموم المسلمين نهديهم هدي النبي- - في الإفطار , حيث كان النبي- - يفطر على رطبات , فإن لم يكن رطب أفطر على التمر , وإلا فعلى اللبن , فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور , فعن سلمان بن عامر الضبي- رضي الله عنه- , عن النبي- - قال : ( إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة , فإن لم يجد تمراً فالماء , فإنه طهور ) , وعن أنس- رضي الله عنه- قال : « كان رسول الله- - يفطر قبل أن يصلى على رطباتٍ , فإن لم تكن رطبات فتمرات , فإن لم تكن حسا حسوات من ماء » .
واعلموا أن قمر الإسلام هو السُّنَّة , وأن شمسه القرآن , فلا تستبدلوا السنة بهواكم ، والتزموا سنة نبيكم ، ينير لكم قمر دينكم ، وتضيء لكم شمسه ، فتهتدوا .
والقصد القصد في الإنفاق ، وإياكم والدَّين ، فإنه هم بالليل ، وذل بالنهار ، وإياكم والبِطنة ، فإنها مذهبة للفطنة ، وعليكم بالتوسط في كل أموركم ، لأن خير الأمور الوسط .
ولا تنسوا أن تدعوا لإخوانكم في فلسطين وفى كل مكان , والله معكم , ولن يتركم أعمالكم .
وإلى لقاء آخر .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
- 5 -
عدم الدعاء والاستغفار والذكر بوجه عام عند الإفطار
ينسى الكثيرون من الصائمين عند الإفطار الدعاء , والاستغفار , ولا يذكرون إلا الطعام , وكيف يلتهمونه , ويطفئون ألم الجوع والعطش , ويفوِّتون على أنفسهم فرصة ذهبية لإجابة الدعاء , وتحقيق الرجاء , وللصائم خاصة في شهر رمضان , فرصتان ذهبيتان يجيب الله تعالى فيها دعاءه , ويحقق له رجاءه , ويعطيه ما يتمنى , وهما عند فطره كل يوم بعد غروب الشمس , وفى آخر يوم من رمضان , فضلاً عن الأوقات الأخرى , التي يشارك فيها غيره طوال اليوم .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله- - : ( إن للصائم عند فطره لدعوة ما تُرَدّ ) , وكان عبد الله بن عمرو يقول عند فطره : « اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كُلَّ شيء أن تغفر لي ذنوبي » ( ) , وعن أبي هريرة - - قال : قال رسول الله - - : ( ثلاث لا تُرَدُّ دعوتهم : الصائم حين يفطر , والإمام العادل , ودعوة المظلوم , يرفعها الله فوق الغمام , وتُفْتَحُ لها أبواب السماء , ويقول الرب: وعِزَتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين ) ( ) , وفي رواية البزار : ( ثلاثٌ حقٌّ على الله أن لا يَرُدَّ لهم دعوة : الصائم حتى يفطر , والمظلوم حتى ينتصر , والمسافر حتى يرجع ) .
فهذه الفرصة التي لا تعوض عند الصائم كيف يتغافل الصائم عنها , ألسنا في حاجة إلى دعوة لا ترد , ونحن في حالنا هذا ؟
قال ابن القيم رحمه الله : « وكان يفطر قبل أن يصلي , وكان فطره على رطبات , فإن لم يجدها فعلى تمراتٍ , فإن لم يجدها فعلى حسوات من ماء , ويذكر عنه : أنه كان يقول عند فطره : ( اللهم لك صُمْتُ , وعلى رزقك أفطرتُ , فتقبَّلْ مِنّا إنك أنت السميع العليم ) , ولا يثبت , لكن ثبت عنه- - أنه كان يقول عند فطره : ( ذهب الظمأ , وابتلَّت العروق , وثبت الأجرُ إن شاء الله ) »( ) , وكان يقول : ( الحمد لله الذي أعانني فصُمْتُ , ورزقني فأفطرتُ ) ( ) , وإذا أفطر عند قوم , دعا لهم فقال : ( أفطر عندك الصائمون , وأكل طعامكم الأبرار , وصلَّتْ عليكم الملائكة ) ( ) , وكان يقول : ( إذا أكل أحدكم طعاماً , فَلْيَقُلْ : اللهم بارك لنا فيه , وأبدلنا خيراً منه , وإذا شرب لبناً فليقل : اللهم بارك لنا فيه , وزدنا مِنْه , فإنه ليس شيءٌ يجزئُ من الطعام والشراب إلا اللبن ) ( ) .
ولا تأكل أيها الصائم أي شيء إلا بيمينك , ولا تشرب أي شيء إلا بيمينك , لأن الشيطان هو الذي يأكل ويشرب بشماله , فلا تتشبّه به , لأن من تشبّه بقوم حشر معهم , ولا ترفع شيئاً من الطعام إلى فيك حتى تُسمّي , وتذكر اسم الله تعالى , طلباً للبركة , ودفعاً للشيطان أن يأكل معك , فقل : بسم الله الرحمن الرحيم , في أول الطعام , وفى أول الشراب , فإنْ نسيت , فقل متى ذكرت ذلك أثناء الطعام أو الشراب " بسم الله أوله وآخره "
, وقد قال النبي- - لعمر بن أبي سلمة- رضي الله عنه- : ( يا بُنَيَّ!! سَمِّ اللهَ , وكُلْ بيمينك , وكل مما يليك ) ( ) .
وقال- - : ( إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى في أوله , فإن نسي أن يذكر الله تعالى في أوله , فليقل : بسم الله أَوَّلَهُ وآخِرَهُ ) ( ) .
ولا تأكل أيها الصائم شيئاً حتى تدعو لنفسك بالخير , وتدعو لأهلك كذلك , واحذر أن تدعو على ولدك , أو تدعو على أحد من المسلمين الصائمين , في هذا الوقت , وإن كان لابد من الدعاء على أحدٍ فادع على اليهود , وأتباعهم , ومن ناصرهم , ومن دعا إلى فكرهم , وادع على الظالمين عامة , وعلى الكافرين عامة , وعلى المشركين , والمنافقين , المرجفين , والمعوِّقين , والمثبطين , وغيرهم .
وادع لإخوانك المسلمين في كل مكان , أن يوحِّد الله صفوفهم , وأن يؤلِّف بين قلوبهم . وأن يكشف كربهم , وأن يفرِّج غمَّهم , ويذهب همَّهم , ويكبت عدوهم , وينصرهم عليهم , في كل يوم عند فطرك , واحرص على ذلك أكثر من حرصك على الطعام والشراب , لأن الدعاء سلاحنا في معركتنا الحالية , فلا تهمله أبداً , واعلم أن الله يحب المُلحِّين في الدعاء , فألحّ في دعائك , وتأكد من الإجابة , وإياك أن تشك في إمكانية ذلك , وقد قال الله تعالى : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾( ),وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ ( ) .
واستغفر الله تعالى في كل حين , فإن الله غفور رحيم .
وإلى لقاء آخر .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
- 6 -
الاقتراض من أجل الإنفاق في رمضان
أصبح أمراً مألوفاً أن ترى بعض الناس يقترضون بغرض مواجهة الأعباء المادية , والمالية التي افترضوها على أنفسهم في شهر رمضان , وما أنزل الله تعالى بها من سلطان , وقد رأينا الكثيرين يدخلون في جمعيات بين الأفراد بعضهم البعض , ويصل الأمر ببعضهم إلى أن يرتب موعد استحقاقه للجمعية في أول شهر رمضان , أو قبله بقليل , حتى يستطيع أن ينفق على نفسه , وعلى بيته بسخاء في شهر رمضان , لأنه يعتقد أن شهر رمضان هو شهر الجود والكرم , وهو شهر البذل والعطاء , وهو شهر المواساة , وهو شهر التوسعة وزيادة الأرزاق , ونحو ذلك.
وهذه اعتقادات صحيحة , لكن المقترض لا يفهم أن الجود الكرم يكون لغير أهل البيت , وإلا فكيف أوصف بالجود , وأنا حريص على التهام الدنيا كلها في شهر رمضان ؟ أو كيف أوصف بالكرم وأنا أتباهى أمام الآخرين أنني أفطرت مع الأسرة في الفندق الفلاني , أو المطعم السياحي العلاني , مع أنه كان يمكن أن أفطر على القليل الحلال في البيت , ثم أدخر قيمة هذا الطعام الذي ابتلعته في الفندق , أو في المطعم السياحي , أو في الدار الفلانية , حتى أستطيع شراء كتاب إسلامي أعرف منه ما يلزمني من أمور ديني , أو شراء اسطوانة (CD) عليها برامج إسلامية هادفة تفيدني في ديني ودنياي , أو شراء بعض الشرائط المسجل عليها القرآن الكريم بأصوات كبار القراء لسماعهم وتقليدهم في التلاوة , أو الشرائط المسجل عليها الخطب , والمواعظ التي لابد منها .
كان من الممكن فعل ذلك كله لو ابتعدت عن الإفطار في مثل هذه الأماكن , وادخرت بقيمتها ما ينفعني في ديني , وفى حياتي , لكنني قدمت حب الدنيا في صورة الكرم , فأي سلوك أسوأ من ذلك ؟ يقترض ويتباهى بإنفاقه مما اقترض على ملأ من الناس , دون حياء , أو خجل .
وقديماً قالوا: « الدَّينُ هَمٌّ بالليل , وذُلٌّ بالنهار »
وأسوأ من هذا السفيه من يقترض لشهر رمضان , وفى نيته عدم سداد هذا الدين لصاحبه , أو مماطلته , وقد قال النبي الكريم- - : ( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلقه الله ) ( ) .
وأسوأ منهما من اقترض من أي مؤسسة ربوية بفائدة ربوية لمواجهة نفقات رمضان , فهو ملعون بسلوكه المرفوض هذا ، ما لم يتب إلى الله تعالى توبة نصوحا , قال- - : ( كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا ) , وعن جابر- رضي الله عنه- قال : « لعن رسول الله - - : آكل الربا , ومُوكِلَهُ , وكاتبه , وشاهديه , وقال : هم سواء » ( ) .
وأسوأ من الثلاثة من يسطون بالاقتراض من البنوك ثم هم يهربون بما اقترضوا , خاصة إن تزامن ذلك مع شهر رمضان , أو مع أيام الحج , قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33)إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( ) .
وأمثال هؤلاء الهاربين محاربون لله , ولرسوله , وللمؤمنين , مفسدون في الأرض , مهلكون للحرث والنسل ,
لأنهم استحلوا الربا وهو حرام , واستحلوا أموال الناس وهي حرام , وخرّبوا اقتصاد البلاد , فمن أعظم منهم إفساداً ؟ , وقد توعدهم الله تعالى ومن سهلوا لهم ذلك بقوله : ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ( ) .
وأي حرب أهلك أو أشدّ مما نعيشه الآن ؟
فاتقوا الله يا أولى الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً , لا تدمروا أنفسكم بالديون , ولا تبيعوا أنفسكم لأعدائكم بالاقتراض , فلا تطلبوا من أحد شيئاً , واطلبوا من الله وحده , واسألوه وحده , واستعينوا به وحده , وارضوا بما قسم الله لكم تسودوا , وتقودوا , وازهدوا في الدنيا يحبكم الله , وازهدوا فيما عند الناس يحبكم الناس , ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار.
وتذكروا أن إخوانكم في فلسطين وفي العراق , وفي غيرهما يحتاجون إلى كل مليم تنفقونه في غير موضعه , فاتقوا الله , وتذكروا إخوانكم هناك , وأرسلوا إليهم الطعام والثياب والدواء , والمال , وادعوا لهم أن ينصرهم الله في حربهم لليهود , وأن يحرر المسجد الأقصى الأسير .