بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين وصلصال ثم ركب صورته في أحسن تقويم وأتم اعتدال ثم غذاه في أول نشوه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغا كالماء الزلال ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال وقهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال وهزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال ولقد كان يجري من ابن آدم مجرى الدم السيال فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال إذ كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة الماثلة إلى الغلبة والاسترسال فبقي لما زمت بزمام الحلال خائبا خاسرا ما له من ناصر ولا وال والصلاة على محمد الهادي من الضلال وعلى آله خير آل وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد فقد قال صلى الله عليه وسلم طلب الحلال فريضة على كل مسلم حديث ابن مسعود طلب الحلال فريضة على كل مسلم تقدم في الزكاة دون قوله على كل مسلم وللطبراني في الأوسط من حديث أنس واجب على كل مسلم وإسناده ضعيف رواه ابن مسعود رضي الله عنه وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها على العقول فهما وأثقلها على الجوارح فعلا ولذلك اندرس بالكلية علما وعملا وصار غموض علمه سببا لاندراس عمله إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود وأنه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات والحشيش النابت في الموات وما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية وأفسدته المعاملات الفاسدة وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا ولم يدركوا بين الأموال فرقا وفصلا وهيهات هيهات فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها واستطار في الخلق شررها وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والحرام والشبهة على وجه التحقيق والبيان ولا يخرجه التضييق عن حيز الإمكان ونحن نوضح ذلك في سبعة أبواب الباب الأول في فضيلة طلب الحلال ومذمة الحرام ودرجات الحلال والحرام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها في الحلال والحرام الباب الرابع في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم الباب السادس في الدخول على السلاطين ومخالطتهم الباب السابع في مسائل متفرقة الباب الأول في فضيلة الحلال ومذمة الحرام وبيان أصناف الحلال ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه فضيلة الحلال ومذمة الحرام قال الله تعالى كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أمر بالأكل من الطيبات قبل العمل وقيل إن المراد به الحلال وقال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ثم قال فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ثم قال وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ثم قال ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون جعل آكل الربا أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلب الحلال فريضة على كل مسلم ولما قال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم تقدم في العلم قال بعض العلماء أراد به طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثين واحدا وقال صلى الله عليه وسلم من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء حديث من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا في عفاف كان في درجة الشهداء أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة من سعى على عياله ففي سبيل الله ولأبي منصور في مسند الفردوس من طلب مكسبة من باب حلال يكف بها وجهه عن مسئلة الناس وولده وعياله جاء يوم القيامة مع النبيين والصديقين وإسنادهما ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه حديث من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أيوب من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ولابن عدي نحوه من حديث أبي موسى وقال حديث منكر وفي رواية زهده الله في الدنيا وروي أن سعدا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله تعالى أن يجعله مجاب الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب دعوتك حديث أن سعدا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله أن يجعله مجاب الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب دعوتك أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفيه من لا أعرفه ولما ذكر صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا قال رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه فيقول يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك حديث رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرامالحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبرالحديث وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل حديث ابن عباس إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل لم أقف له على أصل ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود من أكل لقمة من حرام لم تقبل منه صلاة أربعين ليلةالحديث وهو منكر فقيل الصرف النافلة والعدل الفريضة وقال صلى الله عليه وسلم من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء حديث من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته وعليه منه شيء رواه أحمد من حديث ابن عمر بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به حديث كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به أخرجه الترمذي من حديث كعب بن عجرة وحسنه وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار حديث من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله عز وجل من أين أدخله النار أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر قال ابن العربي في عارضة الأحوذى شرح الترمذي انه باطل لم يصح ولا يصح و قال صلى الله عليه وسلم العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال حديث العبادة عشرة أجزاء فتسعة منها في طلب الحلال رواه أبو منصور الديلمي من حديث أنس إلا أنه قال تسعة منها في الصمت والعاشرة كسب اليد من الحلال وهو منكر روى هذا مرفوعا وموقوفا على بعض الصحابة أيضا وقال صلى الله عليه وسلم من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح و الله عنه راض حديث من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح والله عنه راض أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له وفيه ضعف وقال صلى الله عليه وسلم من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعا ثم قذفه في النار حديث من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعا ثم قذفه في النار رواه أبو داود في المراسيل من رواية القاسم بن مخيمرة مرسلا وقال عليه السلام خير دينكم الورع حديث خير دينكم الورع تقدم في العلم وقال صلى الله عليه وسلم من لقى الله ورعا أعطاه الله ثواب الإسلام كله حديث من لقى الله ورعا أعطاه ثواب الإسلام كله لم أقف له على أصل ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه وأما الورعون فأنا أستحي أن أحاسبهم وقال صلى الله عليه وسلم درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام حديث درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام رواه أحمد والدارقطني من حديث عبد الله بن حنظلة وقال ستة وثلاثين ورجاله ثقات وقيل عن حنظلة الزاهد عن كعب مرفوعا وللطبراني في الصغير من حديث ابن عباس ثلاثة وثلاثين وسنده ضعيف وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المعدة حوض البدن و العروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت بالسقم حديث أبو هريرة المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط و العقيلي في الضعفاء وقال باطل لا أصل له ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع و قال الله عز وجل أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله الآية وفي الحديث من اكتسب مالا من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وان تركه وراءه كان زاده إلى النار حديث من اكتسب مالا من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وان تركه وراءه كان زاده إلى النار رواه أحمد من حديث ابن مسعود بسند ضعيف ولأبن حبان من حديث أبي هريرة من جمع مالا من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه وقد ذكرنا جملة من الأخبار في كتاب آداب الكسب تكشف عن فضيلة الكسب الحلال وأما الآثار فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ثم سأل عبده فقال تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقىء حتى ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء حديث إن أبا بكر شرب لبنا من كسب عبده ثم سأله فقال تكهنت لقوم فأعطوبي فأدخل إصبعه في فيه وجعل يقىء وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر بذلك قال أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا رواه البخاري من حديث عائشة كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام أتدرى ما هذا فقال وما هو قال كنت تكهنت لأنسان في الجاهلية فذكره دون المرفوع عنه فلم أجده وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال أو علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطا فأدخل أصبعه وتقيأ وقالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة هو الورع وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه وقال الفضيل من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقا فانظر عند من تفطر يا مسكين وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله لم لا تشرب من ماء زمزم فقال لو كان لي دلو شربت منه وقال سفيان الثوري رضي الله عنه من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول و الثوب النجس لا يطهره إلا الماء و الذنب لا يكفره إلا الحلال وقال يحيى بن معاذ الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء وأسنانه لقم الحلال وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام وقال سهل التسترى لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي من الظاهر و الباطن و الصبر على ذلك إلى الموت و قال من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة و يقال من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه وهو تأويل قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال ابن المبارك رد درهم من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ إلى ستمائة ألف و قال بعض السلف إن العبد يأكل أكله فيتقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبدا وقال سهل رضي الله عنه من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات و قال بعض السلف إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر وروى في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء تفقدوا منه ثلاثا فإن كان معتقدا لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق وإن كان سيء الطعمة فعن الهوى ينطق فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه وفي الأخبار المشهورة عن علي عليه السلام وغيره إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وزاد