[frame="3 80"][frame="4 80"]بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم احمد حسنين,, تفرض علي واجباتي الأبوية - و التي أرحب و أسعد بالقيام بها - أن أشارك أفراد أسرتي - على فترات منتظمة - مشاهدة برامج الرسوم المتحركة، و هذه المشاركة بالإضافة إلى كونها فرصة لمشاركة الأسرة وقت سعيد، و تدعيم الروابط بين أفراد أسرتي الصغيرة، حفظها الله، فإنني وجدت فيها أيضاً فرصة لمعرفة ما تشاهد أسرتي، حتى أتدخل عند اللزوم بما فيه المصلحة، و كذلك فإنني رأيت فيها فرصة لدراسة السياسة المتبعة من الإعلام الأوروبي و الغربي في تنشئة أطفاله، حيث الغالبية الساحقة من برامج الرسوم المتحركة التي تبث في رومانيا - حيث بلد المنفى لأنني أنظر لأقامتي بالخارج على إنها مرحلية - مستوردة من كندا و ألمانيا و بريطانيا و أيرلندا و أستراليا و أسبانيا و المجر، على إنها مدبلجة، أي يعاد تسجيل الحوار، باللغة الرمانية، ليفقهها الأطفال.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
كانت نتيجة هذه المتابعة المنتظمة أن رأيت العجب فيما يبث في تلك البرامج الكرتونية، فالكثير منها تعلم ألفاظ غير لائقة، و بصورة متكررة لنفس العبارة الخارجة أو غير المهذبة، و كأنها عملية تلقين، كذلك وجدت من بعض تلك البرامج محاولات لبث روح الرفض لدى الأطفال لسلطة الأب و الأم، أو تصوير الأب و الأم بمظهر المتخلفين عن الواقع، بينما الصغار هم جيل التكنولوجيا و الحداثة، بهدف إضعاف سلطة الأب و الأم على أطفال لا يتعدون العاشرة من العمر، و معظمهم أقل من ذلك، فهذا هي الفئة العمرية التي أُنتجت لها مثل تلك الرسوم، مثلما هناك محاولات لبث روح التمرد على سلطة المعلمين، و الإستهانة بهم، و إن كانت تلك السياسة التدميرية أقل من المتبع تجاه سلطة الأسرة.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
الأمر لا يقف كذلك على ألفاظ غير مهذبة تلقن، و العمل الدائب لتحطيم مكانة الأب و الأم لدى الأطفال، و تفكيك عرى الأسرة التقليدية، بل يتعداه لترويج سلوكيات غير محمودة، بطريقة غير مباشرة، كالكذب و الغش، فبعض تلك البرامج تعلم الأطفال الكذب و الخداع و الغش و السرقة، و سلوكيات تتعارض مع النظافة الشخصية و قواعد الصحة العامة، و ذلك حين يرى الأطفال أبطال بعض تلك الحلقات الكرتونية يكذبون و يغشون و يخادعون و يسرقون، و لا يعتنون بنظافتهم، و قواعد السلوك الصحي، و ذلك طوال حلقات تبلغ في طولها الربع ساعة أو نصف الساعة، و فقط بضع دقائق معدودة قبل النهاية توضح العواقب السيئة لذلك السلوك، دقائق معدودة لا تغني في شيء، بعد أن قام معدوا تلك الحلقات خلال ربع أو نصف ساعة، و أحيانا أكثر، حسب البرنامج، بتلقين الأطفال الصغار سلوكيات مذمومة لم يكونوا قبل المشاهدة على علم بها من الأصل.
على إن هناك ملاحظة أخرى سلبية لاحظتها بوضوح، و تهمني كأب و مواطن مصري عربي مسلم، و أعني بذلك تلك العنصرية البغيضة التي يُلَقنها أطفال أوروبا و الغرب، منذ صغرهم و بداية و عيهم، ضد العرب و المسلمين، و ذلك بزرع صورة سلبية للعرب و المسلمين في أذهان النشء، بطريقة منهجية منظمة، بما يؤكد أن هناك سياسة مرسومة، من المسئولين في بعض شركات إنتاج تلك الرسوم، و أصحاب تلك المحطات التجارية التي تبث تلك البرامج المسمومة. فهناك تصوير نمطي للعربي و المسلم، على إنه اللص، الذي إما ينقض على الأوروبيين ليسلبهم بوسائل العنف و الإكراه، أو يحتال عليهم و يغشهم، و أن الثقة في العرب و المسلمين لا يجب أن تكون أبداً واردة في أي تعامل معهم، و إنه المتخلف تكنولوجياً، الذي لا يزال يعيش في زمن الناقة و البساط السحري و مصباح علاء الدين، و إنه الشهواني الذي يسيل لعابة لمرأى النساء، خاصة لو كن أوروبيات، أما المرأة العربية و المسلمة فهي تلك المرأة التي لازالت أسيرة أسوار الحريم، و إنها الراقصة التي ترتدي بدلة الرقص بصورة دائمة، و التي جعلوها الزي الرسمي للحريم، و تقبع في ظلام الجهل، و مقيدة بقيود التخلف و التمييز.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
أما بلاد العرب و المسلمين، فهي في تلك الرسوم الكرتونية ليست إلا صحاري، و مدنهم ليست إلا واحات القرون الوسطى، يفصل بينها فيافي شاسعة، و لا إتصال بينها إلا بقوافل الجمال.
أنا لا أنكر إن التخلف لازال يضرب بأطنابة في نواحي كثيرة من عالمنا العربي و الإسلامي، أكان تخلف في نمط المعيشة نتيجة الأمية و الفقر و تسلط النخب الفاسدة و إنتشار الأفكار المنغلقة، أو تخلف في أسلوب التفكير نتيجة نفس الأسباب السابقة، و لكن ذلك ليس مبرراً لمنتجي تلك البرامج، لجعل الإستثناء قاعدة، فأين عالم الحريم اليوم من عالم الواقع في معظم البلاد العربية و الإسلامية؟ و هل زي المرأة العربية و المسلمة هو بذلة الرقص الشرقي؟ و ما هي نسبة العرب و المسلمين الذين يستخدمون الجمال في الحل و الترحال اليوم؟ و هل العنف حقاً صفة مميزة للعرب و المسلمين؟ و هل بالفعل العربي و المسلم ليس إلا الشخص الشرس المقطب الجبين، الذي لا يعرف الإبتسام، و يجهل قواعد السلوك المهذب المتحضر، و لا يستسيغ الفنون الراقية؟؟؟
إن تلك الرسوم المتحركة العنصرية تظهر لنا النفاق في أوروبا و الغرب، فبينما تتكرر مقولات ضرورة الإندماج بين فئات المجتمع، و تحميل المسلمين معظم الجهد المطلوب للإندماج، و كأن الأمر هو خطأ المسلمين و حدهم، و كأنهم هم الرافضين للإندماج، نجد الأوروبيين في جانب أخر يلقنون أطفالهم كراهيتنا، و إحتقارنا، و عدم الثقة بنا، بما يجعل أجيال تنشأ على ذلك، بما يحول بالفعل بين المسلمين و الإندماج، و يوسع الهوة و يعمقها، لتقاس بعمر الأجيال.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
في كتابة Emotional intelligence، كتب عالم النفس الأمريكي Daniel Goleman، ما ألخصه بأسلوبي في تلك الفقرة: أن الأفكار و السلوكيات العنصرية التي تلقن في الصغر، تظل كامنة في عقلية الفرد حتى بعد أن يصبح ناضجاً، مهما أدرك سخف تلك الأفكار العنصرية التي تلقاها في صغره، و مهما حاول التغلب عليها. و قد ضرب المؤلف مثالاً على ذلك، أن الكثير من الرجال البيض - أي الأوروبيين في الأصل - و الذين ترعرعوا في ولايات الجنوب الشرقي من الولايات المتحدة، و الذين لقنوا منذ صغرهم الأفكار العنصرية، و لكنهم بعد ذلك تغلبوا عليها و أصبحوا لا يشعرون بتعصب ضد السود - يقصد المؤلف الأمريكيين من أصل أفريقي، و أنا هنا أنقل تعبيره بأمانة رغم عدم موافقتي للأسلوب الأمريكي في إستخدام لون البشرة لتصنيف البشر - بعقولهم، إعترفوا له صراحة بأنهم مازالوا يشعرون بالغثيان عندما يصافحون السود، فقد ظلوا محتفظين بهذه المشاعر مما تعلموه في أسرهم و هم أطفال.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
اليوم الأجيال الحالية في الكثير من دول الغرب، لازالت تربى على العنصرية، و هي اليوم و إن أصبحت عنصرية غير لونية، إلا أنها أصبحت عنصرية ضد عقيدة، و ضد أبناء منطقة بعينها.
تلك التربية العنصرية هي أحد أسباب حالة التوتر الحالية في بعض المجتمعات الأوروبية، لأن الكثير من الأوروبيين و الغربيين لا يرغبون حقاً في إحترام المسلمين و العرب، لأنهم نشأوا على كراهيتهم و إحتقارهم، و أصبح من الصعوبة بمكان لديهم أن يتغلبوا على تلك المشاعر، بل أصبح اليوم إبداء تلك المشاعر العنصرية مقبولاً في العديد من المجتمعات، خاصة في ظل أخطاء بعض المسلمين و العرب، و التي تتصيدها و تضخمها وسائل إعلام، أغلبها تجارية و حزبية، فهي تنتظر مثل تلك الأخطاء لتكررها و تضخمها و تسترجع معها سلسلة الأخطاء السابقة، حتى يبدو الأمر و كأنه طبيعة العرب و المسلمين، و أشهر مثال على ذلك قناة سي إن إن الدولية، و التي تبث لأوروبا و أفريقيا و الشرقين الأقصى و الأوسط، و جنوب أسيا، من لندن.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
إننا يجب أن نقول للغرب، و للأوروبيين على وجه الخصوص: إن معظم، إن لم يكن كل - مع إستثناء بسيط - العرب و المسلمين الذين يحيون في أوطانكم، راغبين في أن يحيوا في سلام و أمان في مجتمعاتهم الغربية، و أن عليك لتساعدهم على الإندماج، أن تضرب بيد صارمة، على يد أولئك الذين يريدون أن تستمر الهوة بين المسلمين من جانب، و المجتمعات الغربية من جانب أخر، و الذين ينشأون أطفالك على كراهيتنا، فمثلما تطالب المسلمين بأن ينشأوا أطفالهم على النظر لمجتمعاتهم الغربية على إنها أوطانهم، و أن عليهم أن يمحضوها إحترامهم و حبهم، عليك أن تعلم أطفالك ليس فقط قبول الأخر، بل و إحترامه.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
إنني يجب أن أنوه مشيداً في هذا المقام ببعض شركات إنتاج الرسوم المتحركة البريطانية و الأيرلندية، التي بُث إنتاجها على شاشات قنوات الأطفال في رومانيا، لأنني - و الحق أقول - لم أر في إنتاجها أي أثر لأي عنصرية بغيضة، أكانت مفضوحة أو مستترة، بل يجب أن أذكر أن رسالة بعض تلك البرامج كانت هي تعليم الأطفال قبول الإختلاف في اللون و الأصل و الثقافة و الدين، و أود لو إقتدت بهم بعض شركات إنتاج الرسوم المتحركة الأسبانية و المجرية و الكندية و الألمانية، التي ينضح من بعض إنتاجها عنصرية و كراهية فجة ممجوجة بحق العرب و المسلمين، لأنها لو فعلت ذلك، و علمت الأطفال قبول المختلف، فإنها تسهل عملية الإندماج، في الوقت الحاضر، و في المستقبل، لأن الكراهية في الصغر كالنقش على الحجر، و كذلك تلقين تقبل الأخر في الصغر يبقى أثره في المستقبل البعيد.
الإندماج هو جهد طرفين، لا طرف واحد
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/frame][/frame]