باب موجب القصاص
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:
قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى: باب موجب القصاص.
مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ فِفِيهِ الدِّيَةُ، وَشَيْئَانِ فَأَكْثَرُ فِي الْكُلِّ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَعْضِ بِحِسَابِهِ، فِفِي الْيَدِ نِصْفُهَا، وِفِي الْجَفْنِ رُبْعُهَا، وَإِصْبَعٍ وَهَاشِمَةٍ عُشْرُهَا، وَسِنٍّ مُثْغِرٍ وَمُوضِحَةٍ، وَأُنْمُلَةِ إِبْهَامٍ نِصْفُ عُشْرِهَا، وَمُنَقِّلَةٍ عُشْرٌ وَنِصْفٌ، وَجَائِفَةٍ وَدَامِغَةٍ وَآمَّةٍ ثُلُثُهَا، وَفِي جُرْحٍ لَا مُقَدَّرٍ فِيهِ وَعُضْوٍ بِلَا نَفْعٍ حُكُومَةٌ، وَهِيَ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ بِلَا جِنَايَةٍ ثُمَّ يُقَدَّرُ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ فَمَا نَقَصَ فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهَا أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، وَفِي بَعْضِ كَلَامِهِ بِحِسَابِهِ مِنْ حُرُوفِهِ، وَذِرَاعٍ وَزَنْدٍ وَعَضُدٍ وَفَخِذٍ وَسَاقٍ بَعِيرَانِ، وَضِلْعٍ وَتَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ، وَأُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدَبِ وَالصَّمَم وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ دِيَةٌ كَقَرْعِ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، وَكَذَا أَنْفُ الْأَخْشَمِ وَأُذُنَا الْأَصَمِّ، وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ وَيُقِيدُهُ سِيِّدُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيمَتِهِ، وَلَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ وَجَبَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ.
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
في هذا الباب ما يوجب القصاص، وما يوجب الدية، فالذي يوجب القصاص هو مثل قطع الأطراف، ففيه القصاص؛ لقول الله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إذا فقأ عينا فطالب المفقوء أن تفقأ عين الجاني العين بالعين، ولكن لا بد أن تكون مماثلة، فلا تقطع العين اليمنى باليسرى، كذلك الأذن بالأذن، ولا تؤخذ أذن يمنى بأذن يسرى.
كذلك الأنف بالأنف؛ لأن الأنف يمكن أخذ مقدمه الذي من المعرن، ذلك لأن أصله الذي بين العينين عظم، وهو لا يمكن أن يقتص فيه، وأما ما دون العظم، وهو ما لان من الأنف، ويسمى المعرن، ويسمى رأسه أرنبة، ويسمى فتحتاه المنخرين، والحاجز بينهما، فإن فيه القصاص، والأنف بالأنف.
كذلك السن، الأسنان منها أربع ثنايا، ثنيتان فوق، وثنيتان تحت، وأربع رباعيات، اثنتان من فوق، واثنتان من تحت، وأربعة أنياب، نابان من فوق، ونابان من تحت، فهذه ستة عشر، البقية أضراس، وهي أيضا ستة عشر، أسنان الإنسان الكاملة اثنان وثلاثون سنة، ستة عشر من فوق، وستة عشر من تحت.
فهكذا تؤخذ السن بمثلها لا بغيرها، هذه الأربعة ذكرها الله، العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، البقية مثلها، اليد باليد يمنى أو يسرى، الإصبع بالإصبع إبهام بإبهام، خنصر بخنصر، ولا يجوز أخذ إبهام بخنصر لتفاوت النفع بهما، كذلك بقية الأعضاء، فتؤخذ الشفة بالشفة، العليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، مثلا، ويؤخذ الجفن بما يماثله، والحاجب بما يماثله، والثدي في المرأة بالثدي، والثندؤة في الرجل بالثندؤة التي تماثلها، والرِّجل بالرِّجل، والإصبع من الرجل بمثله، والألية بمثلها، والذكر أو الخصية بمثلها، كل بمثله، أي: بما يماثله، هكذا القصاص فيما دون النفس.
وأما الجراح، قال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فيقتص من الجرح الذي ينتهي إلى عظم الهاشمة في الرأس أو في الوجه، إذا وصلت إلى العظم ولم تكسر العظم، وطلب المجني عليه القصاص فإنه يملكه، يُمَكَّن من أن يضربه مثلا بمخيط أو بشيء محدد إلى أن يصل إلى عظم الرأس أو عظم الوجه، وهذا يسمى موضحة.
كذلك الجرح في العضد، إذا طعنه في العضد، وقرع في العظم، وطلب القصاص، أي طلب القود فَيُمَكَّن من الجاني ليضع طرف سكين على العضد ثم يضربها إلى أن تصل إلى العظم، وهكذا في الذراع، وهكذا في الساق، أو في الفخذ، أو في الظهر، إذا كانت الطعنة تنتهي إلى عظم، وطلب القصاص، فإنه يمكن، ولكن إذا كان الجاني ضربه بمثقل فلا يمكن، إذا ضربه بعصا ثقيلة التي في رأسها رأس كبير، وتسمى في اللغة الدبوس، وتسمى عند العامة العجرة، هذا الدبوس لو ضرب به فقد يصل إلى العظم، ولكن لو قلنا للمجني عليه اضربه بدبوس، فلا يؤمن أن يهشم رأسه، فيأخذ أكثر من حقه، فلا نمكنه من الضرب بالعصا الثقيلة ولا بحجر ثقيل مخافة الجور والاعتداء، والأخذ أكثر مما له، هذا القصاص في الجراح.
الجرح: اسم للطعنة التي في غير الرأس، والشجة اسم للضربة والطعنة التي في الرأس أو في الوجه، إذا طعنه في فخذه أو في ساقه أو في عضده أو في ظهره ما نسميها شجة، نسميه جرحا، وأما إذا كانت في الرأس أو في الوجه فلا نسميها جرحا، وإنما تسمى شجة، هكذا اصطلحوا.
فمن هذه الجراح ما فيه قصاص وما فيه دية، فيقول هاهنا: ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية كاملة، وهو ثلاثة، الأنف واحد، إذا جدع من أصله ففيه دية كاملة، اللسان، ما في الإنسان إلا لسان ففيه الدية كاملة، الذكر إذا جدع من أصله ففيه دية كاملة، ثلاثة أشياء ما في الإنسان منها إلا واحد ففيه الدية كاملة، وفيه القصاص إذا طلب القصاص.
الذي في الإنسان منه اثنان، في أحدهما نصف الدية، فإذا قطع الأذن نصف الدية، الأذنان فيهما دية، العين نصف الدية، العينان دية، الشفة نصف الدية، الشفتان الدية كاملة، اليد نصف الدية، اليدان دية، الرجل نصف الدية، الرجلان دية، الألية نصف الدية، الأليتان دية كاملة، الخصية نصف الدية، الخصيتان دية كاملة .
وفي المرأة، المرأة لها الشفران المحيطان بالفرج، في أحدهما نصف الدية، وفي الاثنين الدية، وفي المرأة الثديان فيهما دية، وفي أحدهما نصف الدية، في الرجل مكان الثديين الثندؤتين، في أحدهما نصفها، وفي الثنتين دية كاملة.
هذه أعضاء ظاهرة، الأعضاء الباطنة ما ذكروها، ولكن لها كذلك، لها الحكم، فسمعنا أن قوما اختطفوا جارية وذهبوا بها إلى إحدى المستشفيات، وقالوا: هذه ابنتنا، نريد أن نأخذ كلية منها، صدقوهم، وهي طفلة، وأخذوا منها كلية، أهلها ما دروا، ما شعروا بذلك، إلا بعد مدة رميت عندهم الطفلة بعد برئها، وهي لا تدري، كشف عليها، قالوا: إنها قد أخذ منها كلية، الكلية فيها نصف الدية، والكليتان فيهما الدية، وإن كان قد لا يعيش عيشة تامة قديما بدون الكليتين، الآن يعملون له هذا الغسيل إذا بطل عمل الكليتين.
الكبد دية لو قدر أنه عاش بدونها، الطحال، القلب، المرارة، يعني أعضاء ظاهرة، وأعضاء باطنة، فإذا كان جني عليه، وبطل عمل الكليتين عليه الدية، بطل عمل إحداهما عليه نصف الدية، بطل عمل الكبد عليه دية، بطل عمل إحدى الرئتين عليه نصف الدية بسبب جنايته، ما ذكرها الأولون لأنهم ما كانوا يعرفون هذه العمليات الجراحية، فهكذا ما في الإنسان منه شيئان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها.
الذي فيه أربعة، ذكروا الأجفان، لكل عين جفنان، ففي الجفن الواحد ربعها، وفي الجفنين نصفها، وفي الأربعة دية كاملة، وتكلموا أيضا على الشعر، فجعلوا فيه أربع ديات، شعر اللحية إذا كواها ولم تنبت عليه دية، شعر الحاجبين إذا سلخه، ولم يعد ينبت عليه دية، وإذا سلخ واحدا نصف الدية، شعر الأهداب الذي في أطراف الأجفان فيه الدية، وفي أحد الأجفان ربع الدية، يعني هدب أحد الجفنين ربع الدية، شعر الرأس إذا جنى عليه بكي أو بدواء منع من نباته دية كاملة، هذه الشعور الأربعة، شعر الحاجبين، وشعر الأهداب، وشعر الرأس، وشعر اللحية، كل منها فيه دية، هذه دية الأعضاء.
ما في الإنسان منه عشرة ففي كل واحد عشرها، الأصابع عشرة أصابع، ففي الإصبع عشر الدية، وفي العشرة دية كاملة، وكذا أصابع الرجلين، إذا جنى قطع إصبعا واحدا ولو خنصر الرجل عشر الدية، وإذا قطع أربعة أصابع يعطى خمسي الدية، خمس يعني خمسي الدية في أربعة الأصابع، واثنان خمس الدية، واحد عشر الدية، هذه الذي في الإنسان منه عشر.
بقيت الأسنان، الأسنان كما قلنا اثنان وثلاثون سنا، وفيها دية كاملة، إذا هدم الأسنان كلها عليه دية كاملة، ولو أنه في هذه الأزمنة يستطاع زرعها، أو عمل أسنان بدلها، ولكن الأسنان الأصلية هي التي ينتفع بها أكثر ففيها الدية، هكذا، ما في الإنسان منه واحد، كالأنف واللسان، ما في الإنسان منه اثنان، كالعينين والأذنين، ما في الإنسان منه ثلاثة، كأطراف الأنف، فإن الأنف ثلاثة أطراف، الطرفان والحاجز الذي بينهما بين المنخرين، ففيها الثلاثة دية، وفي أحدها ثلث الدية، ما في الإنسان منه أربعة، كالأجفان فيها الدية، ما في الإنسان عشرة، كالأصابع فيها الدية، وفي واحدها عشر الدية، ما في الإنسان أكثر من عشر، مثل الأسنان، السن فيه نصف العشر، نصف عشر الدية، هذا معنى قوله: ما في الإنسان منه شيء ففيه الدية، وشيئان فأكثر كثلاثة أو أربعة، في الكل الدية، وفي البعض بحسابه، ففي اليد الواحدة نصف الدية، وفي الجفن ربع الدية، وفي الإصبع عشر الدية.
وفي الهاشمة عشر الدية، وفي سن مثغر وموضحة وأنملة إبهام نصف عشر الدية، الهاشمة: التي تهشم العظم تصيبه وتكسره، ذكروا أن الشجاج التي في الرأس وصلت إلى عشر، الأولى، الباظئة: التي تشق الجلد تخرقه وتشقه ولا تمادى فيه، الباظئة، ثم بعدها الدامية: التي يخرج منها دم يسير، ثم الدامعة: التي يخرج منها دم كالدمع، ثم المتلاحمة: التي تشق اللحم وتغور في اللحم، ثم السمحاق: التي تقرب من العظم يبقى بينها وبين العظم قشرة كقشرة النواة، تسمى السمحاق، فهذه الخمس الباظئة، والدامعة، والدامية، والمتلاحمة، والسمحاق، لم يكن فيها مقدر، هكذا قال بعضهم.
وقيل: إنه فيها، أي جعل بعضهم في السمحاق أربعة من الإبل، وفي الدامية ثلاث، المتلاحمة والدامية بعيران، والدامعة بعير، والباظئة حكومة، أي ما يقدره الحاكم، هكذا الموضحة هي التي تخرق اللحم، وتصل إلى العظم حتى يتضح العظم، ولكنها لا تكسره، هذه هي التي فيها قصاص، إذا طلب المجني عليه قال أريد القصاص، فإنه يمكن، بأن يضع سكينا مثلا، أو شيئا حادا كموسى يضرب بها الرأس، إلى أن يصل إلى العظم، هذا هو القصاص، وإذا طلبوا الدية فإن الدية الموضحة نصف العشر، أي خمس من الإبل.