[align=center]أحكام الدية
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى: كتاب الديات.
كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا أَوْ مَالًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَسَبُّبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ كَإِلْقَائِهِ عَلَى حَيَّةٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَارٍ، أَوْ مَا لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ، أَوْ طَرَحَ بِطَرِيقٍ قِشْرَ بِطِّيخٍ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَنَحْوَهُ، أَوْ تَعَدَّى بِوَطْبِ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَدِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالِ ذَهَبٍ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ الْمُغَلَّظَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً حَامِلَةً، وَالْمُخَفَّفَةُ عِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَالْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، وَالْأُنْثَى فِي الْكُلِّ عَلَى النِّصْفِ، لَكِنْ تُسَاوِي جِرَاحَهُ إِلَى الثُّلُثِ، وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَجَنِينِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسُ إِبْلٍ، وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا فَعُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ أَوْ عَبْدًا فَعُشْرُ قِيمَتِهَا، وَلَوْ سَقَطَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبَةِ فَالدِّيَةُ إِذَا كَانَ لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ.
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
الدية أو الديات واحدها دية، أصلها ودية مشتقة من وداه يديه، ثم استثقلوا الواو المتحركة في أول الكلمة فأسقطوها، ونقلوا حركتها إلى الدال فأصبحت الدية، وجمعوها على ديات، وردت هكذا دية في القرآن في قول الله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا إلى قوله: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ فذكر الدية مرتين.
وجاءت أيضا في السنة بلفظ الدية وبلفظ العقل، فتسمى الدية عقلا؛ لأنهم كانوا يدفعونها من الإبل، يأتون بمائة من الإبل يعقلونها بفناء ولي القتيل، كل بعير بعقاله، ثم توسعوا وسموها عقلا يعني الدية وإلا لم يدفعوا معها عقل.
هاهنا ذكر دية النفس، ويأتي بعد ذلك ذكْر دية المنافع، وذكْر دية الأطراف، فمن أتلف إنسانا أو أتلف مالا أو أتلف جزءا منه بمباشرة أو تسبب فعليه ديته، قد تقدم أن القتل ثلاثة أنواع: العمد، وشبه العمد، والخطأ. وفي كلها الدية، ففي الخطأ دية مخففة، وفي العمد وفي شبه العمد دية مغلظة؛ بمعنى أنها يزاد في دية المغلظة ربع الدية أو خمسها هكذا.
"فكل من أتلف إنسانا" إنسان محترم فإن عليه ديته. تقدم معنى المحترم؛ وهو المعصوم، بخلاف من ليس بمحترم؛ كالكافر والزاني المحصن الذي وجب قتله، فلا بد أن يكون إنسانا محترما.
وكذلك من أتلف مالا لا بد أن يكون المال محترما، فيخرج المال الذي ليس بمحترم كآلات الملاهي كالمزامير والطبول وآلات اللهو، والمحرمات كزقاق الخمر وما أشبهها، فإنها لا قيمة لها.
قوله: "أو جزءا منه" إذا أتلف جزءا من الإنسان فإن عليه ديته، فالذي في الإنسان منه عضو واحد فيه دية كاملة: كالأنف ونحوه، والذي فيه اثنان فيهما دية وفي إحداهما نصفها: العينان فيهما دية، والأذنان فيهما دية، والشفتان واليدان والرجلان فيهما دية، وفي كل واحد منهما نصف دية، أي نصف الدية مثلا في إحدى الشفتين، أو إحدى العينين، أو أحد الحاجبين، أو إحدى الخصيتين فيهما نصف الدية.
والذي فيه ثلاثة كالمنخرين والحاجز بينهما فيهما دية، وفي أحدهما ثلث الدية، والذي فيه أربعة كالأجفان في الجفن ربع الدية، أجفان العينين في الجفن ربع الدية، وفي الأربعة دية كاملة، والذي في الإنسان منه عشرة كالأصابع في جميع أصابع اليدين دية، أو أصابع الرجلين دية، وفي الواحد عُشْرها.
والأسنان فيها دية. الأسنان إذا كملت اثنان وثلاثون سنا، فإذا قلعت كلها فدية، ولو قلع منها عشرون فدية كاملة، هكذا، فهذا معنى "أو جزءا منه".
وقوله: "بمباشرة أو تسبب" المباشرة هو التعمد، أن يتعمد أن يقتله، أو يتعمد أن يقطع منه طرفا كإصبع أو سن أو أذن تعمد. التسبب: إذا فعل شيئا كان سببا كأن حفر جفرة وحفرة في الطريق، سقط فيها إنسان فمات أو تعيب، أصبح مقعدا أو أصبح مشلولا؛ فإن هذا الذي تسبب عليه الدية، كذلك إذا رمى هدفا أو رمى صيدا وأصاب معصوما؛ فعليه الدية لاعتباره هو السبب هكذا.
ذكر أمثلة: "إلقاؤه على حية" حتى لدغته، هذا تسبب؛ لأن الحية عادة ذوات السموم القاتلة، أو مثلا "ألقاه على سبع" أوثق يديه ورجليه ولم يستطع الدفاع، فكان سببا في أن افترسه السبع، أو ألقاه في نار تضطرم؛ أضرم نارا وألقاه فيها، أو أشعلها في ثيابه واشتعلت حتى مات، فإن هذا تسبب، أو ألقاه في نار أو في ماء كبئر أو بحر فلم يستطع التخلص حتى مات، الشيء الذي لا يمكنه التخلص منه يعتبر هذا مباشرة وتسببا.
"إذا طرح في الطريق قشر بطيخ" عادة القشر إذا وطئ عليه الإنسان فالعادة أنه يزل به يزل قدمه وقد يسقط على رأسه فيتعيب أو يموت؛ فيعتبر متسببا.
أو حفر بئرا في طريق ولم يحجزها بحواجز، كالذين يحفرون الآن حفريات في الطريق إذا لم يحجزوها بحواجز ضمنوا من يسقط فيها، سواء مات أو تعيب؛ لأنهم هم السبب.
أو وضع حجرا أو نحوه في طريق، حجارة وضعها في الطريق الذي يمر به الناس، ومر إنسان غافل ومن أثار مروره لم ينتبه إلا وقد تعثر في تلك الحجارة. كذلك إذا تعتدى بربط دابة، إذا ربط دابة في طريق وعثر بها إنسان، فإنه يضمن، ومثلها أيضا إيقاف السيارة في طريق ضيق، يعتبر أيضا ضيّقَ الطريق فيضمن ما تلف بسببها. أما إذا كان الطريق واسعا، تمر معه السيارات ويمر معه المشاة بدون مضايقة فلا بأس كما عليه الآن حال كثيرين، ومن تضييق الطريق يضمن الذي ضيقه يضمن ما حصل بسببه من تضييق الطريق، حتى ذكروا الأشياء التي يحنيها الناس في الطريق أنه يضمن ما تلف بسببها، كانوا ينهون عن بناء الدكة في الطريق، الدكة يسمونها الحبوس الذي يأخذ من الطريق قدر ذراع ويسمته ويجعله كمرفق أو ككراسي يجلس عليها فمعناه أنه أخذ من الطريق أخذ ذراعا، هذا لا يحل له، الطريق ملك للمسلمين. [/align]