[align=center]كتاب الجنايات
أحكام القتل
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى:
كتاب الجنايات.
الْقَتْلُ إِمَّا عَمْدٌ؛ وَهُوَ قَصْدُ الْجِنَايَةِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَإِمَّا شِبْهُ عَمْدٍ، وَهُوَ قَصْدُهَا بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَإِمَّا خَطَأٌ مِثْلُ رَمْيِهِ هَدَفًا فَيُصِيبُ بَشَرًا، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ أَوْ مَاتَ الْجَانِي وَجَبَتْ مُغَلَّظَةً حَالَّةً، وَفِي الْخَطَأِ وَعَمْدِهِ دِيَةٌ مُؤَجَّلَةٌ وفِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، تُخَفَّفُ فِي الْخَطَأِ، وَتُغَلَّظُ فِي الْعَمْدِ.
باب القود
يُقَادُ وَلَوْ جَمْعٌ بِوَاحِدٍ فِي نَفْسٍ وَعُضْوٍ لَهُ مَفْصِلٌ أَوْ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجَانِي مُكَلَّفًا غَيْرَ أَصْلٍ، وَالْمَقْتُولِ مَعْصُومًا مُكَافِئًا دِينًا وَحُرِّيَّةً، وَتَسَاوِي مَحَلِّ الْعُضْوَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ الْمَقْطُوعُ بِنَقْصٍ، وَاتَّفَقَ جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا وَإِلَّا حُبِسَ الْجَانِي حَتَّى يُكَلَّفَ، وَأَنْ يُؤْمَنَ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ الْجَانِي، فَلَا يُقَادُ مِنْ حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ كَالْحَدِّ.
وَيَضْمَنُ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ قَبْلَ الْبُرْءِ وَلَا الْقَوَدِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصُّ بَعْدَ بُرْءِ الْجُرْحِ وَأَمْنِ النَّقْدِ، وَمَتَى وَرِثَ الْجَانِي أَوْ وَلَدُهُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً وَرَضُوا بِقَتْلِهِ قُتِلَ، وَإِنْ تَشَاحَنُوا قُتِلَ بِالْأَوَّلِ وَلِلْبَاقِينَ دِيَةُ قَتْلِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَوْفَى بِالسَّيْفِ بِالْعُنُقِ، وَلَوْ مَثَّلَ فَلَهُمْ فِعْلُ مِثْلِهِ لَا مُحَرَّمًا.
وَلَوْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ كَقَطْعٍ وَدجِيهٍ، ثُمَّ ضَرَبَ الْآخَرُ عُنُقَهُ فَالْأَوَّلُ الْقَاتِلُ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، وَإِنْ أَمَرَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ فَفَعَلَ قُتِلَ الْقَاتِلُ وَأُدِّبَ الْآمِرُ، وَلَوْ أَلْزَمَهُ قُتِلَا، وَإِلَّا قُتِلَ الْآمِرُ، وَيُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ. والله أعلم.
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
الجنايات هي التعدي على الأنفس بالقتل، أو بما دون القتل؛ كالجرح أو قطع طرف، والتعدي على الأموال بالسرقة وما أشبهها، والتعدي على الأعراض بالقذف والزنا ونحو ذلك.
بدأ الفقهاء كتبهم بالعبادات؛ لأنها حق الله، ولما كملوا العبادات ذكروا بعد ذلك المعاملات التي بها التكسب؛ لضرورة الإنسان إلى تحصيل كسب يقوت به نفسه، بعد ذلك ذكروا العقود كالنكاح؛ لضرورة الإنسان إلى النكاح الذي يكسر به حدة شهوته إذا تمت عليه النعمة، بالمأكل والمشرب والمسكن والمنكح ونحو ذلك، فالعادة أنه قد يتأدى من طبيعته الأشر والبطر والتعدي على غيره؛ فلذلك كتب بعد ذلك الجنايات وبدءوا بالقتل؛ لأنه أكبرها جرما وأشدها عقوبة .
وقد ذكر الله أن القتل قسمان: الخطأ والعمد، فجعل في الخطأ الدية والكفارة، قال تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ هذا في قتل الخطأ، ثم قال: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلى آخره، وجاء في السنة قسم ثالث: وهو شبه العمد، وهو أن يتعمد الضرب ولا يتعمد القتل هكذا .
ثم ذكروا صور القتل، ذكروا له صورا كثيرة:
الصورة الأولى: إذا طعنه بمحدد؛ كسكين أو سيف أو نحو ذلك؛ المحدد الذي له طرف حاد يقطع اللحم، ويصل إلى العظم إذا طعنه ولو لم يصل إلى العظم فهذا عمد .
القسم الثاني: أن يضربه بمثقل، وذلك المثقل يقتل، كحجر كبير، ودبوس كبير، وعصا ثقيلة، فإن هذا يعتبر أيضا عمدا .
القسم الثالث: أن يخنقه حتى يموت، فهذا أيضا عمد .
القسم الرابع: أن يلقيه من شاهق؛ من رأس جبل أو من رأس بناء فيموت بذلك، فهذا عمد .
النوع الخامس: أن يحرقه؛ يلقيه في نار إذا لا يستطيع أن يتخلص منها كما لو كان موثقا حتى يحترق، فهذا عمد .
القسم السادس: أن يسقيه سما، والسم عادة يميت، فيعتبر عمدا .
السابع أن يعمل له سحرا، فإن السحرة قد يعملون من السحر ما يكون قاتلا، كما عرفوا بذلك السحر .
القسم الثامن: لو شهدت بينة على رجل بأنه قاتل، وكانوا كاذبين، واعترفوا أنهم كاذبون، وإنما يريدون قتله، فهذه الأقسام وما أشبهها تعتبر عمدا، فإذا فعله وطلب أولياء القتيل القصاص فإنه لهم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ .
لماذا سمي؟ سمي قصاصا؛ لأن ولي القتيل يقص ذلك القاتل، يعني يتبعه، وكل شيء متتابع يسمى قصا، ومنه سميت الحكايات قصص، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى أخبر تعالى بأنه شرع هذا القصاص، الحكمة فيه أنه أقرب إلى التثبت؛ ولهذا قال: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ كيف يكون لهم حياة؟ لأن الذي يريد أن يقتل إذا تذكر بأنه سوف يقتل ارتدع فترك القتل، فأحيا القتيل، وأحيا نفسه؛ فيه حكمة ظاهرة، مصلحة ظاهرة، وهي كونه يكون سببا لقلة الاعتداءات، كان العرب قبل الإسلام يستعملون القصاص، يقتلون القاتل ويقولون في عباراتهم: " القتل أنفى للقتل " يعني قتل القاتل أدعى إلى انتفاء القتل وتعدي الناس بعضهم على بعض، هكذا الحكمة في القصاص.
جاء في هذه الأزمنة القانونيون وأبطلوا القصاص، يقولون: إذا قتل من شعبنا واحد فلا نقتل ذلك القاتل، نقصنا واحدا فإذا قتلناه نقصنا اثنين، هذه فكرتهم، لكنهم يعذبونه بالحبس الطويل، فأبطلوا شرع الله، الله تعالى يقول في القرآن: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى وفي التوراة ذكر الله فيها القصاص، قال تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فجعل فيها القصاص، ولكن المتأخرون هؤلاء اكتفوا بهذه القوانين التي وضعوها، وأبطلوا بها شرع الله، الله تعالى شرع هذا القصاص لهذه الحكمة التي هي تقليل هذه الجنايات: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ .[/align]