الحديث الحادي عشر:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال, فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل يارسول الله ؟ فقال: وأيكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما , ثم يوما , ثم رأوا الهلال , فقال : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل , لهم حين أبوا أن ينتهوا ".
تخريج الحديث :
أخرجه البخاري في صحيحه حـ 1965 ـ ومسلم في صحيحه 2/774 ـ من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه.
شرح الحديث :
" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال" حقيقة الوصال هو أن يستمر الإنسان في الصيام, بعد الغروب ويواصل إلى نهار الغد بنية المواصلة ، أما إذا لم يكن بنية المواصلة فلايدخل في ذلك كمن لم يجد طعاماً أو شراباً يفطر عليه حتى طلع عليه الفجر ، فهذا ليس وصالاً .
قوله : "وأيكم مثلي" هذا استفهام إنكار وتوبيخ , والاستفهام يأتي لأغراض متعددة ومنها الإنكار والتوبيخ.
ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم عدم المثلية بينه وبينهم بقوله : "إني أبيت..." وفي بعض الروايات : "إني أظل...."
"فلما أبو أن ينتهوا" : أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به تقديره الانتهاء.
قوله : " ثم رأوا الهلال " هو هلال شوال .
قوله : " كالمنكل لهم" هذا من كلام راوي الحديث, ويسمى إدراجاً عند علماء الحديث, وأراد الراوي أن يبين أن مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم تنكيل, والإدراج يكون في السند ويكون في المتن وإدراج المتن ثلاثة أقسام : في أول الحديث ووسطه وآخره .
مثال الإدراج في أول الحديث ـ وهو قليل جداً ـ قول أبي هريرة رضي الله عنه : " أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار"
فقوله " أسبغوا الوضوء " من كلام أبي هريرة وليس من الحديث.
ومثال الإدراج في وسط الحديث : قول الزهري في حديث عائشة رضي الله عنها في الوحي : "والتحنث هو التعبد" أخرجه البخاري , وفي الغالب يكون تفسيراً.
ومثال الإدراج في آخر الحديث مثل حديث الباب, "كالمنكل لهم" .
مسائل الحديث :
المسألة الأولى : المراد بالطعام والسقي في هذا الحديث ؟
اختلف العلماء فيهما على عدة آراء :
الرأي الأول : أن المقصود بالطعام والشراب هنا أنه طعام وشراب حقيقي, وقالوا إن هذا مقتضى اللفظ ولا صارف له عن ذلك, وقالوا بأنه يأتي من الجنة ، وحكمه يختلف عن حكم الطعام والشراب الدنيوي فلا يفطر الصائم, ولكن هذا القول ليس صحيحاً لأن الطعام والشراب ينافي حقيقة الصيام, وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُطعم ويُسقى فلا يكون مواصلاً.
والرأي الثاني : إن المقصود بالطعام والشراب أن الله يخلق في نبيه الري والشبع فيجدهما من غير أن يطعم ويشرب, وهذا القول أيضاً بعيد ، لأنه جاءت أحاديث متعددة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يجوع , بل كان يربط على بطنه الحجر من الجوع, بل قد ظاهر بين حجرين كما في الخندق, ولو كان يخلق فيه الري والشبع لما وجد الجوع, إذاً هذا تفسير لا يستقيم.
وقال الجمهور: ليس المقصود بالطعام والشراب ، الطعام والشراب الحسي وإنما المراد لازم الطعام والشراب وهو القوة, فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم يُعطي قوة عند الوصال, فلا يتأثر بالمواصلة فيكون المقصود بالطعام والشراب أنه يجد لازمهما من القوة والتحمل .
وثمة رأي رابع وهو: أن المقصود بذلك ما يفضيه الله عليه من الأنس واللذة والطمأنينة التي يجدها فإنها تنسيه الطعام والشراب وتغنيه عنهما ولا ريب أن للطاعة لذة وأنساً , والنبي صلى الله عليه وسلم في أعلى ذروة اللذة والأنس بطاعة الله عزوجل وقد جاء في أشعار العرب مايدل على أن المحبة أحيانا تغني عن الطعام والشراب كقول الشاعر:
لها من ذكراك أحاديث تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
وإذا كان هذا في المحبة بين المخلوقين , فما بالك بالمحبة واللذة التي يفيضها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم , وهذا ماذهب إليه ابن القيم رحمه الله وقرره في كتابيه:" زاد المعاد", و "مفتاح دار السعادة" , قال: "وكيف لا يكون ذلك ونحن نجد من أحوال السلف رحمهم الله ما يتعجب منه الإنسان كقول بعضهم لو يعلم" الملوك وأبناء الملوك مانحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف" وهم في السعادة والطمأنينة واللذة والأنس في طاعة الله عز وجل, فلو يعلم الملوك الذين غرهم ما هم فيه هذه اللذة الحقيقية لجالدوهم عليها ."
وقال آخر : مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما وجدوا ألذ ما فيها....
واللذة هنا طاعة الله عز وجل, وهذا أمر معلوم ومستفيض في أحوال السلف والصحابة أنهم كانوا يجدون من طاعة الله عز وجل حلاوة ولذة, وللنبي صلى الله عليه وسلم أعلاها وذروتها, ولا مانع أن يقال أن المقصود بالطعام والشراب هو لازمه وهو القوة, مع ما يفيضه الله على نبيه من الأنس واللذة بالطاعة وأن مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من مرتبتهم فإنه يجد ما لا يجدون ويقدر على ما لا يقدرون . فهذه مجمل الأقوال في هذه المسألة ، وأقربها آخرها .