بسم الله الرحمن الرحيم
مشبب بن عبدالله الزهيري
مقدمة
الحمد لله الذي أعظم على عباده المنَّة ، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنَّه ، وردَّ أمله وخيّب ظنَّه ، إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنَّة ، وفتح لهم به أبواب الجنَّة ، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ، وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ، ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المُنَّة .
والصلاة على محمد قائد الخلق وممهد السنة ، وعلى آله وأصحابه ذوي الأبصار الثاقبة والعقول المرجحة وسلم تسليماً كثيرا . أما بعد :
فقد أضلنا ضيف عزيز على القلوب ، وحبيب إلى النفوس ، شهر يحمل بين طياته وخلال أيامه ولياليه الخير والبركة ، إنه شهر رمضان الكريم ، شهر القرآن والصيام ، شهر التهجد والقيام ، شهر العتق من النار ، شهر تصفد فيه الشياطين ، وتغلق في أبواب النيران ، وتفتح فيه أبواب الجنان ، شهر الجور العظيمة ، والفضائل الجسيمة ، إنه شهر رمضان ، فحري بكل من أدرك هذا الضيف أن يستقبله أحين استقبال ، وأن يقدم لنفسه العمل الصالح حتى يخرج من هذا الشهر وقد زكت روحه وطهرت نفسه ، وفيما يلي بيان فضل هذا الشهر وما يجب على المسلم معرفته من أحكام وواجبات ، ونسأل الله أن يتقبل من الجميع .
دعاء رؤية الهلال :
عن طلحة بن عبيدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان إذا رأى الهلال قال : ( اللهم أهله علينا باليمن والإيمان ، والسلامة والإسلام ، ربي وربك الله ) [ حديث حسن ، رواه أحمد والترمذي ] .
فضل شهر شعبان ، والتحذير من البدع فيه :
قبل أن نبدأ في ذكر فضائل شهر رمضان ، نود أن نتعرض لبعض الأعمال الفاضلة في شهر شعبان ، والتطرق أيضا لبعض المنكرات لتي استحدثت فيه ، فقد ورد في صحيح البخاري ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان ، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان .
وكان يقول : ( خذوا من العمل ما تُطيقُون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ) . واعلم أخي المسلم بأن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وان قلّ .
وروى أبو داود والنسائي ، وصححه ابن خزيمة ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، قال : يا رسول الله ! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : ( ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ) .
قال صاحب فقه السنة : وتخصيص صوم يوم النصف منه ، ظناً أن له فضيلة على غيره، مما لم يثبت به دليل صحيح .
ومن البدع الفاشية في الناس ، احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان ، بالصلاة ، والدعاء عقب صلاة المغرب ، يؤدونه بأصوات مرتفعة بتلقين الإمام ، فإن إحياءها بذلك على الهيئة المعروفة ، لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .
تعريف الصوم :
الصوم لغة : الإمساك ، وشرعاً : الإمساك بنية التعبد عن الأكل والشرب وغشيان النساء ، وسائر الفطورات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
فضله :
قال صلى الله عله وسلم : ( من صام يوماً في سبيل الله عز وجل زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً ) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( للصائم عند فطره دعوة لا ترد ) [ ابن ماجه والحاكم وصححه ] .
فوئد الصيام :
فوائد روحية : أنه يعود الصبر ويقوي عليه ، ويعلم ضبط النفس ويساعد عليه ، ويوجد في النفس ملكة التقوى ويربيها ، وبخاصة التقوى التي هي العلامة البارزة من الصوم .
فوائد اجتماعية : أنه يعود الأمة النظام والاتحاد ، وحب العدل والمساواة ، ويكوّن في المؤمنين عاطفة الرحمة وخلق الإحسان ، كما يصون المجتمع من الشرور والمفاسد .
فوائد صحية : فهو يطهر الأمعاء ويصلح المعدة ، وينظف البدن من الفضلات والرواسب ، ويخفف من وطأة السمنة وثقل البطن بالشحم ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : ( صوموا تصحوا ) [ ابن السني ، وأبو نعيم وحسنه السيوطي ] .
مذا على من سابة أحد وهو صائم :
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الصيام جُنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم ) .
وجوب صوم رمضان :
صيام شهر رمضان واجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، فقد قال تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) [ البقرة ] ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ) [ متفق عليه ] .
ما يجب على الصائم :
يجب عليه أن يكثر من الطاعات ويجتنب جميع المنهيات . ويجب عليه المحافظة على الواجبات . والبعد عن المحرمات ، فيصلي الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة ، ويترك الكذب والغيبة والغش والمعاملات الربوية وكل قول أو فعل محرم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) [ رواه البخاري ] .
فضل رمضان :
لرمضان فضائل عظيمة ، ومزايا عديدة لم تكن لغيره من الشهور ، قال صلى الله عليه وسلم : ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ، إن اجتنبت الكبائر ) [ رواه مسلم ] . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه ) [ متفق عليه ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً كلما ورد حوضاً منع منه ، فجاءه صيام رمضان فسقاه وروّاه ) [ الطبراني في حديث منامه الطويل ] . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجان ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، ونادى منادٍ : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشرّ أقصر ، ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة ) [ الترمذي وقال غريب ورواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ] .
البر والإحسان في رمضان :
الصدقة : إذ قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة صدقة في رمضان ) [الترمذي وهو ضعيف ] وقال صلى الله عليه وسلم : ( من فطر صائماً فله أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء ) [ أحمد والترمذي وهو صحيح ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من فطر صائماً على طعام أو شراب من حلال صلّت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان وصلى عليه جبريل ليلة القدر ) [ الطبراني وأبو الشيخ ] ، وكان صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ) [ رواه البخاري ] .
قيام الليل : إذ قال صلى الله عليه وسلم : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) [ متفق عليه ] ، وكان صلى الله عليه وسلم يحيي ليالي رمضان ، وإذا كان العشر الأواخر أيقظ أهله ، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة ) [ رواه مسلم ] .
تلاوة القرآن الكريم : إذ كان صلى الله عليه وسلم يكثر من تلاوة القرآن الكريم في رمضان ، وكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان ) [ رواه البخاري ] . وكان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان أكثر مما يطيل في غيره ، فقد صلى معه حذيفة ليلة فقرأ بالبقرة ثم آل عمران ثم النساء ، لا يمرّ بآية تخويف إلا وقف عندها يسأل فما صلى ركعتين حتى جاء ( بلال ) فآذنه بالصلاة كما ورد في الصحيح . وقال صلى الله عليه وسلم : ( الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصوم : ربِّ منعته الطعام والشراب بالنهار ، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفعنا به ) [ أحمد والنسائي ] .
الاعتكاف : وهو ملازمة المسجد للعبادة تقرّباً إلى الله عزّ وجلّ ، فقد اعتكف صلى الله عليه وسلم ولم يزل يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى كما ورد في الصحيح . وقال عليه الصلاة والسلام : ( المسجد بيت كل تقي ، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة ) [ الطبراني والبزار ] .