ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كانك تعاين ذلك عيانا وبعد ذلك فإذا تأملت أخبار الامم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق وأن الرسول حق وأن الله ينجز وعده لا محالة فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر .
الجواب الكافي2
فصل
الأمر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب وهذا من أهم الأمور فان العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته ولا جد ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة وبالتشويف بالتوبة والاستغفار باللسان تارة وبفعل المندوبات تارة وبالعلم تارة وبالاحتجاج بالقدر تارة وبالاحتجاج بالاشباه والنظراء تارة وبالاقتداء بالأكابر تارة وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال أستغفر الله زال أثر الذنب وراح هذا بهذا وقال لى رجل من المنتسبين الى الفقه أنا أفعل ما أفعل ثم أقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وقد غفر ذلك أجمعه كما علمني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال في يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وقال لي آخر من أهل مكة نحن أحدنا إذا فعل ما فعل ثم اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا قد محي عنه ذلك وقال لي آخر قد علمني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أذنب عبد ذنبا فقال أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فغفر الله ذنبه ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فقال الله عز وجل علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليصنع ما شاء وقال أنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب ويأخذ به وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها وتعلق بها بكلتا يديه واذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغرته ونصوص الرجاء وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم وكثر مااستطعت من الخطايا اذا كان القدوم على كريم وقول بعضهم التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله وقال الآخر ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغارا لها وقال محمد بن حزم رأيت بعض هؤلاء من يقول في دعائه اللهم اني أعوذ بك من العصمة ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبروان العبد لافعل له البتة ولا إختيار وإنما هو مجبور على فعل المعاصي ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الا رجاء وأن الايمان هو مجرد التصديق والاعمال ليست من الايمان وأن ايمان أفسق الناس كايمان جبريل وميكائيل ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ
والصالحين وكثرة التردد إلي قبورهم والتضرع إليهم والاستشفاع بهم والتوسل الى الله بهم وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا فلا يدعون أن يخلصوه كما يشاهد في حضرة الملوك فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته ومنهم من يغتر بان الله عز وجل غنى عن عذابه وعذابه لايزيد في ملكه شيئا ورحمته له لاينقص من ملكه شيئا فيقول أنا مضطر إلى رحمته وهو أغني الاغنياء ولو أن فقيرا
مسكينا مضطرا الى شربة ماء عند من في داره شط يجري لما منعه منها فالله أكرم وأوسع فالمغفرة لاتنقصه شيئا والعقوبة لاتزيد في ملكه شيئا ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى قال وهو لايرضى أن يكون في النار أحد من أمته وهذا من أقبح الجهل وأبين الكذب عليه فانه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر فحاشا رسوله أن يرضى بما لايرضى به ربه تبارك وتعالى وكاتكال بعضهم على قوله تعالى ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذا أيضا من أقبح الجهل فان الشرك داخل في هذه الآية فانه رأس الذنوب وأساسها ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين فانه يغفر ذنب كل تائب أي ذنب كان ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة وهذا إنما أوتي صاحبه من قلة علمه وفهمه فانه سبحانه ههنا عمم وأطلق فعلم أنه أراد التائبين وفي سورة النساء خصص وقيد فقال إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فاخبر الله سبحانه أنه لايغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه ولو كان هذا في حق التائب لم راحم بين الشرك وغيره وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم فيقول كرمه وقد يقول بعضهم انه لقن المغتر حجته وهذا جهل قبيح وانما غره بربه الغرور وهو الشيطان ونفسه الأمارة بالسؤ وجهله وهواه وأني سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لاينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه فوضع هذا المغتر الغرور فى غير موضعه واغتر بمن لاينبغي الاغترار به وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار لايصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وقوله أعدت
للكافرين ولم يدر هذا المغتر ان قوله فأنذرتكم نارا تلظى هي النار مخصوصة من جملة دركات جهنم ولو كانت جميع جهنم فهو سبحانه لم عبادي لايدخلها بل قال لايصلاها الا الاشقى ولا يوم من عدم صليها عدم دخولها فان الصلى أخص من الدخول ونفي الاخص لا يستلزم نفى الأعم ثم هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها فلا يكون مضمونا له ان يجنبها وأما قوله في النار أعدت للكافرين فقد قال في الجنة أعدت للمتقين ولا ينافى إعداد النار للكافرين أن تدخلها الفساق والظلمة ولا ينافىإعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من فى قلبه أدني مثقال ذرة من ايمان ولم يعمل خيرا قط وكأغترار بعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة حتي يقول بعضهم يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفة زيادة في الاجر ولم يدر هذا المغتران صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وهي إنما تكفر ما بينهما اذا اجتنبت الكبائر فرمضان والجمعة الى الجمعة لايقويا على تكفير الصغائر الا مع انضمام ترك الكبائر اليها فيقوي مجموع الامرين على تكفير الصغائر فكيف يكفر صوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر