وههنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو أن كمال اللذة والسرور والفرح ونعيم القلب وإبتهاج الروح تابع لامرين أحدهما كمال المحبوب في نفسه وجماله وإنه أولى بايثار المحبة من كل ما سواه والامر الثاني كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول اليه على كل شيء وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوته ومحبته فكل ما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل فلذة من اشتد ظمؤه بادراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه باكل الطعام الشهى ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرداته
ومحبته فاذا عرفت هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسها فهي تذم اذا أعقبت ألم أعظم منها أو منعت لذة خيرا منها وأجل فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات والمسرات وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما وهي لذة الاخرة ونعيمها وطيب العيش فيها قال تعالى بل تؤثرون الحيوة الدنيا الآية والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم وينيل من أطاعه هذه اللذة الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم بخلاف الآخرة فان
لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين مع الخلود أبدا فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين بل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا المعني الذي قصده الناصح لقومه بقوله يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الآخرة هي دار القرار فاخبرهم ان الدنيا متاع ليستمتع بها الى غيرها وان الآخرة هي المستقر واذا عرفت أن لذات الدنيا متاع وسبيل الى لذات الاخرة ولذلك خلقت الدنيا لذاتها فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت اليها لم يذم تناولها بل يحمد لحسب ايصالها الى لذة الآخرة اذا عرف فاعظم نعيم الآخرة ولذاتها النظر الى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والقرب منه كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية فوالله ما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وفي حديث اخر إنه اذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وفي النسائي ومسند الامام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
في دعائه واسئلك اللهم لذة النظر الى وجهك الكريم والشوق الى لقائك وفي كتاب السنة العبد الله بن الامام أحمد مرفوعا كأن الناس يوم القيمة لم يسمعوا القران من الرحمن فاذا سمعوه من الرحمن فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك فاذا عرف هذا فاعظم الاسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الاطلاق وهي لذة معرفته سبحانه ولذة محبته فان ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي ونسبة لذاتها الفانية اليه كتلفة في بحر فان
الروح والقلب والبدن انما خلق لذلك فاطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها من اللذة القاطعة عن ذلك تتقلب آلاما وعذابا ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك فليس الحياة الطيبة الا بالله وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول إن كان أهل الجنة في نعيم مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وكان غيره يقول لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجلدونا عليه بالسيوف وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب يقول في حاله وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوي * فلا خير فمن لا يحب ويعشق
ويقول آخر * أف للدنيا متى ما لم يكن صاحب الدنيا محب أو حبيب * ويقول الآخر ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها * وأنت وحيد مفرد غير عاشق ويقول الآخر * أسكن الى سكن تلذ بحبه ونهب الزمان وأنت منفرد * ويقول الآخر تشكي المحبون الصبابة ليتني * تحملت ما يتقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها * فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي فيكف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الارواح وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة الا بها وإذا فقدها القلب كان المه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها والأذن إذا فقدت سمعها والانف إذا فقد سمه واللسان إذا فقد نطقه بل فساد القلب إذا خلى من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلي منه الروح وهذا الأمر لا يصدق به الأمن فيه حياة وما لجرح ميت ايلام والمقصود إن أعظم لذات الدنيا هي السبب الموصل الى أعظم لذة في الآخرة ولذات الدنيا أنواع فاعظمها وأكملها ما أوصل الى لذة الآخرة ويثاب الانسان على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب
على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه وشفاء غيظ لقهر عدو الله وعدوه فكيف بلذة ايمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه الى لقائه وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم النوع الثاني لذة تمنع لذة الآخرة وتعقب آلاما أعظم منها كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا يحبونهم كحب الله ويستمع بعضهم ببعض كما يقولون في الآخرة اذا لقوا ربهم ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا آجلنا الذي أجلت لنا الآية الى قوله يكسبون ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق وهذه اللذات في الحقيقة انما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم الآلام ويحرمهم بها أكمل اللذات بمنزلة من قدم لغيره طعام لذيد مسموم يستدرجه به الى هلاكه قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعملون الآية إلى قوله إن كيدي متين قال بعض السلف في تفسيرها كل ما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة حتى
اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون الآية إلى قوله والحمد لله رب العالمين وقال تعالى لاصحاب هذه اللذة أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بلابل لا يشعرون وقال في حقهم فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا الآية وهذه اللذة تنقلب آلاما من أعظم الآلام كما قيل يا رب كائنة في الحياة لاهلها * عذبا فصارت في المعاد عذابا النوع الثالث لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما يمنع وصول لذة دار القرار وإن منعت كمالها وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة فهذه زمانها يسير وليس لتمتع النفس بها قدر ولا بد أن يشتغل عما هو خير وأنفع منها وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل
الأرمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فانهن من الحق فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق وما لم يعن عليها فهو باطل
فصل
فهذا الحب ولا يذم بل هو أحد أنواع الحب وكذلك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما نعني بالمحبة الخاصة وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره لمحبوبه والا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل الاسلام إلا بها الكراهة متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوت لا يحصيه إلا الله فبين محبة الخليلين صلى الله عليه وسلم ومحبة غيرهما ما بينهما فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف اثقال
التكاليف وتسخي البخيل وتشجع الجبان وتصفي الذهن وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة لا محبة الصور المحرمة وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد كما قيل سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا * سريرة حب يوم تبلى السرائر وهذه المحبة هي التي تنور الوجه وتشرح الصدر وتحيي القلب وكذلك محبة كلام الله فانه من علامة حب الله وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن من قلبك وإلتذاذك سماعه أعظم من إلتذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم فإنه من المعلوم أن من أحب حبيبا كان كلامه وحديثه احب شيئا اليه كما قيل ان كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي * أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي وقال عثمان ابن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وكيف يشبع المحب من كلام من هو غاية مطلوبه وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوما لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال أقرأ عليك وعليك أنزل فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فاستفتح فقرأ سورة النساء حتى قوله فكيف اذا جئنا من كل جهلتم بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك الآن فرفع رأسه فاذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان من البكاء وكان الصحابة اذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون يا يشير موسى إقرأ علينا فيقرأوهم يستمعون فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف مالمحبي السماع الشيطاني فاذا رأيت الرجل ذوقه وشدة وجده وطربه وشوقه سماعه الابيات دون سماع الآيات في سماع الالحان دون سماع القرآن وهو كما قيل نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر * وبيت من الشعر ينشد فتميل كالنشوان فهذا من أقوي الادلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه وتعلقه بمحبة سماع الشيطان والمغرور يعتقد انه على شيء ففي محبة الله وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلم أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه بل لا حب على الحقيقة أنفع منه وكل حب سوى ذلك باطل ان لم يعن عليه ويسوق المحب اليه