[ تعيين قتل الساب له صلى الله عليه وسلم ]
وفيها : تعيين قتل الساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن قتله حد لا بد من استيفائه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمن مقيس بن صبابة ، وابن خطل ، والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية وقد أمر بقتل هاتين الجاريتين وأهدر دم أم ولد الأعمى لما قتلها سيدها لأجل سبها النبي صلى الله عليه وسلم وقتل كعب بن الأشرف اليهودي ، وقال من لكعب فإنه قد آذى الله ورسوله " وكان يسبه وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف فإن الصديق - رضي الله عنه - قال لأبي برزة الأسلمي وقد هم بقتل من سبه لم يكن هذا لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومر عمر - رضي الله عنه - براهب فقيل له هذا يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لو سمعته لقتلته ، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا صلى الله عليه وسلم
ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذية ونكاية لنا من المحاربة باليد ومنع دينار جزية في السنة فكيف ينقض عهده ويقتل بذلك دون السب وأي نسبة لمفسدة منعه دينارا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على رءوس الأشهاد بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه فهذا محض القياس ومقتضى النصوص وإجماع الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلا .
[له صلى الله عليه وسلم الخيار في حياته لقتل من سبه ]
فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل عبد الله بن أبي وقد قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له اعدل فإنك لم تعدل ولم يقتل من قال له يقولون إنك تنهى عن الغي وتستخلي به ولم يقتل القائل له إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي أن كان ابن عمتك ، وغير هؤلاء ممن كان يبلغه عنهم أذى له وتنقص .
من أسباب عدم قتله صلى الله عليه وسلم من سبه تأليف الناس
وعدم بلوغهم أنه يقتل أصحابه
قيل الحق كان له فله أن يستوفيه وله أن يسقطه وليس لمن بعده أن يسقط حقه كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه وله أن يسقط وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته من تأليف الناس وعدم تنفيرهم عنه فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه لنفروا ، وقد أشار إلى هذا بعينه وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي : لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه
ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل وترجحت جدا ، قتل الساب كما فعل بكعب بن الأشرف ، فإنه جاهر بالعداوة والسب فكان قتله أرجح من إبقائه وكذلك قتل ابن خطل ، ومقيس والجاريتين وأم ولد الأعمى ، فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقه .