- وروى أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا عمرو بن عمر الأحموسى عن السفر بن نسير قال : سئل أبو الدرداء عن أرواح الشهداء . قال : هي طير خضر معلقة في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها .
348- وروى عن مجاهد أنه قال : ليس الشهداء في الجنة ، ولكنهم يرزقون منها.
349- فروى آدم بن أبي إياس حدثنا ورقا عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } الآية قال : يقول : أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها .
350- وروى ابن المبارك عن ابن جريج عن مجاهد قال : ليس هم في الجنة ، ولكن يأكلون من ثمارها ، ويجدون ريحها .
351- وقد يستدل لقوله بما روى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشهداء على طريق بارق نهر الجنة فيه قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا " .
352- وخرجه ابن منده ولفظه " على بارق نهر في الجنة " وهذا يدل على أن النهر خارج من الجنة وابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث هنا ، ولعل هذا في عموم الشهداء ، والذين في القناديل التي تحث العرش خواصهم : ولعل المراد بالشهداء هنا من هو شهيد من غير قتل في سبيل الله كالمطعون والمبطون والغريق وغيرهم ممن ورد النص بأنه شهيد .
فالحاديث السابقة كلها فيمن قتل في سبيل الله وبعضها صريح في ذلك ، وفي بعضها أن الآية نزلت في ذلك وهو قوله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } الآية نص في المقتول في سبيل الله .
وقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته بقوله تعالى : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } .
353- قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية يقول : يشهدون على أنفسهم بالإيمان بالله .
354- وروى سفيان عن رجل عن مجاهد قال : كل مؤمن صديق وشهيد ثم قرأ { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } .
355- وخرج ابن أبي حاتم من رواية رشدين بن سعد عن ابن عقيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : كلكم صديق وشهيد . قيل له : ما تقول يا أبا هريرة ؟ قال : إقرأ { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم }.
356- وخرج ابن جرير من طريق إسماعيل بن يحيى التيمي عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مؤمنوا أمتي شهداء " ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } ، وإسماعيل هذا ضعيف جداً . ويعضد هذا ما ورد في تفسير قوله تعالى { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } من شهادة هذه الأمة للأنبياء بتبليغ رسالاتهم ، وبكل حال فالأحاديث المتقدمة كلها في الشهيد المقتول في سبيل الله لا يحتمل غير ذلك ، وإنما النظر في حديث ابن إسحاق هذا والله أعلم .
وأمابقية المؤمنين سوى الشهداء فينقسمون إلى أهل تكليف ، وغير أهل تكليف فهذان قسمان : أحدهما غير أهل التكليف كأطفال المؤمنين فالجمهور على أنهم في الجنة ، وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع . وقال في رواية جعفر بن محمد : ليس فيهم اختلاف يعني أنهم في الجنة . وقال في رواية الميموني لا أحد يشك أنهم في الجنة . وذكر الخلال من طريق حنبل عن أحمد قال : نحن نقر بأن الجنة قد خلقت ونؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان قال الله عز وجل { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً } لآل فرعون ، وقال : أرواح ذراري المسلمين ، في أجواف طير خضر تسرح في الجنة يكفلهم أبوهم إبراهيم فيدل هذا أنهما خلقتا . وكذلك نص الشافعي على أن أطفال المسلمين في الجنة ، وجاء صريحاً عن السلف على أن أرواحهم في الجنة كما روي .
357- الليث عن أبى قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاؤا وإن أرواح أولاد المسلمين في أجواف عصافبر تسرح بهم في الجنة حيث شاءت فتأوى إلى قناديل معلقة في العرش . خرجه ابن أبي حاتم ، ورواه الثوري والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله لم يذكر ابن مسعود .
358- وخرج البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس عن كعب نحوه . وخرج الخلال من طريق ليث عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير قال : إن في الجنة لشجرة لها ضروع كضروع البقر يغذى به ولدان أهل الجنة حتى إنهم ليستنون إستنان البكارة .
359- وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن معدان قال : إن في الجنة شجرة يقال لها : طوبى . ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم الساعة فيبعث ابن أربعين سنة ويدل على صحة ذلك ما في صحيح مسلم قال .
360- لما توفي إبراهيم قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة " وخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث البراء بن عازب .
361- وروى سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن ذراري المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر الجنة يكفلهم أبوهم إبراهيم عليه السلام ". وكذا رواه علي بن عثمان الأحفى عن حماد بن سلمة عن خيثم عن مكحول إلا أنه قال : عصافير خضر في الجنة وهذا مرسل ولفظه يشبه لفظ الحديث الذي احتج به الإمام أحمد على خلق الجنة كما تقدم .
362- وقد روي متصلاً من وجه آخر من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن فروة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذراري المؤمين يكفلهم [ أبوهم ] إبراهيم في الجنة " خرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد . وخرجه الإمام أحمد عن موسى بن داود عن ابن ثوبان إلا أنه شك في رفعه , ولكن رواه عن واحد عن ثوبان ولم يشك في رفعه .
363- وروي من وجه آخر من رواية مؤمل عن سفيان عن ابن الأصبهاني عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولاد المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة عليهما السلام فإذا كان يوم القيامة رفعوا إلى آبائهم " وكذا رواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع عن سفيان مرفوعاً ، ورواه ابن مهدي وأبو نعيم عن سفيان موقوفاً قال الدارقطني : والموقوف أشبه .
364- ومما يستدل لهذا أيضاً ما خرجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به ، فانطلقا به ، وذكر حديثاًً طويلاً وفيه " فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ و شباب ونساء وصبيان ، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب " وذكر الحديث " وفيه قالا : والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم [ عليه السلام ] والصبيان حوله فأولاد الناس " وفي رواية " فكل مولود مات على الفطرة " وفي رواية " ولد على الفطرة " والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدارفدار الشهداء .
365- وروى أبو خالد عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة وفي حديثه " قلت فالروضة قال : أولئك الأطفال وكل بهم إبراهيم يربيهم إلى يوم القيامة " .
366- وخرج الطبراني والحاكم من حديث سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه قال : " بينا أنا نائم انطلق بي إلى جبل وعر " فذكر الحديث وفيه " ثم انطلق بي حتى أشرفت على الغلمان يلعبون بين نهرين قلت : من هؤلاء ؟ قال ذراري المؤمنين يحضنهم أبوهم إبراهيم عليه السلام ، ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفر قلت : من هؤلاء ؟ قال إبراهيم وموسى عليهم السلام وهم ينتظرونك " .