- وفي صحيح البخاري قال قتادة : أحياهم الله تعالى [ يعني أهل القليب ] حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً .
وذهب طوائف من أهل العلم وهم الأكثرون وهو اختيار الطبري وغيره - يعني بالطبري ابن جرير - وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء ، وهؤلاء يحتجون بحديث القليب ، كما سبق ، وليس هو بوهم ممن رواه ، فإن ابن عمر وأبا طلحة وغيرهما ممن شهد القصة حكياه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
265- وعائشة لم تشهد ذلك وروايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق " يؤيد رواية من روى : إنهم ليسمعون ، ولا ينافيه ، فإن الميت إذا جاز أن يعلم جاز أن يسمع ، لأن الموت ينافي العلم كما ينافي السمع والبصر ، فلو كان مانعاً من البعض لكان مانعاً من الجميع .
266- وروى أبو الشيخ الأصبهاني يإسناده عن عبيد بن مرزوق قال : كانت امرأة بالمدينة يقال لها أم محجن تقم المسجد ، فقال : " التي كانت تقم المسجد ؟ " قالوا : نعم ، فصف الناس فصلى عليها ، ثم قال : " أي العمل وجدت أفضل " قالوا : يا رسول الله أتسمع ؟ قال : " ما أنتم بأسمع منها " ، فذكر أنها أجابته : قم االمسجد وهذا مرسل . وأما أن ذلك خاص بكلام النبي صلى الله عليه وسلم فليس كذلك ، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم " وقد سبق ذكره ، وسنذكر الأحاديث الواردة بسماع الموتى سلام من يسلم عليهم فيما بعد ، إن شاء الله .
وأما قوله : { إنك لا تسمع الموتى } وقوله { وما أنت بمسمع من في القبور } فإن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه ، ويراد به أيضاً الانتفاع به والاستجابة له . والمراد بهذه الآيات نفي الثاني دون الأول ، فإن ها في سياق خطاب الكفار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا إليه كما قال الله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها [ ولهم آذان لا يسمعون بها ] } الآية في نفي السماع والإبصار عنهم لأن الشيء قد ينفى لانتفاء فائدته وثمرته فإذا لم ينتفع المرء بما يسمعه ويبصره فكأنه لم يسمع ولم يبصر ، وسماع الموتى هو بهذه المثابة ، وكذلك سماع الكفار لمن دعاهم إلى الإيمان والهدى . وقول قتادة في أهل القليب : أحياهم الله حتى أسمعهم ، يدل على أن الميت لا يسمع القول إلا بعد إعادة الروح إلى جسده : وبذلك قال طوائف كثيرة من السلف لأنه لا يسأل في قبره إلا بعد إعادة الروح إلى جسده ، كما جاء ذلك مصرحاً به في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم الطويل ، وقد سبق ذكر بعضه وفيه في حق الكافر " وتعاد روحه في جسده " .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء في حق المؤمن والكافر في كل منهما قال : " وتعاد روحه في جسده " وكذلك عند ابن منده إعادتها إلى جسده عند ضرب الملك له بعد أن يضربه فيصير تراباً من رواية يونس بن خباب عن المنهال ، وقد سبق ذلك كله .
267- وخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة قبض الروح والمساءلة وقال في روح الكافر : " فتصير إلى القبر " وقد سبق أيضاً .
268- وخرج ابن منده بإسناده ضعيف جداً عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة قبض الروح ، وفيه قال : " فيهبطون به يعني الروح على قدر فراغهم من غسله وأكفانه فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه " . وهذا لا يثبت .
269- وخرج الخلال في كتاب " شرح السنة " من طريق أبي هاشم عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : إن للمؤمن إذا نزل به الموت جاءه ملك الموت يناديه يا روح طيبة أخرجي من الجسد الطيب ، فإذا خرجت روحه لفت في خرقه حمراء ، فإذا غسل وكفن ، وحمل على السرير تحولت حتى يوضع في قبره فإذا وضع في قبره أجلس وجيء بالروح فجعلت فيه ، فقيل له : من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك ؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيقال له : صدقت فيوسع له في قبره مد البصر، ثم ترفع روحه فتجعل في أعلى عليين ، ثم تلا عبد الله هذه الآية { إن كتاب الأبرار لفي عليين } .
270- وخرج ابن أبي الدنيا من طريق سالم بن أبي الجعد قال : قال حذيفة : الروح بيد ملك ، وإن الجسد ليغسل ، وإن الملك ليمشي معه إلى القبر ، فإذا سوي عليه سلك فيه ، وذلك حين يخاطب .
271- ومن طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقول : أسمع ما يقال لك فإذا بلغ حفرته دفن معه .
272- ومن طريق داود العطار عن أبي نجيح قال : ما من ميت يموت إلا وروحه بيد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل ويكفن ، ويمشي به إلى قبره ثم تعاد إليه روحه ، فيجلس في قبره . وكذلك قال أبو صالح وغيره من السلف في قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم إليه ترجعون } فدل على أن الحياة الأولى هي القبر للسؤال , وإن كان الأكثرون خالفوا في ذلك فهؤلاء السلف كلهم صرحوا بان الروح تعاد إلى البدن عند السؤال ؛ وصرح بمثل ذلك طرائف من الفقهاء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم كقاضي أبى يعلى وغيره , وأنكر ذلك طائفة ابن حزم وغيره , وذكر أن السؤال للروح خاصة , وكذلك سماع الخطاب , وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره , وقالوا لو كان ذلك حقا للزم الإنسان أن يموت ثلاثة مرات ويحيى ثلاث مرات , والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان , وهذا ضعيف جداً ، فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلةكحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث ، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما وليس هو حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتا تاماً وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتاً وحياة .
273- كما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ : " الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا ، وإليه النشور " وسماه الله تعالى وفاة لقوله : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى } الآية ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حياً ، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حياًّ حياة مطلقة وممن رجح هذا القول - أعني السؤال والنعيم والعذاب للروح خاصة - من أصحابنا ابن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي في بعض تصانيفهما واستدل ابن عقيل بأن أرواح المؤمنين تنعم في حواصل طير خضر ، وأرواح الكفار في حواصل طير سود ، وهذه الأجساد تبلى فدل ذلك على أن الأرواح تنعم وتعذب في أجساد أخر ، وهذا لا حجة فيه لأنه لا ينافي اتصال الروح ببدنه أحياناً مع فناءه واستحالته . وتستدل طائفة ممن ذهب إلى هذا القول بما .
( 274 ) روي منصور بن عبد الرحمن عن أمه قال : دخل ابن عمر المسجد وابن الزبير قد قتل وصلب فقيل له : هذه أسماء بنت أبي بكر في المسجد فقال لها : اصبري فإن هذه الجثة ليست بشيء وإنما الأرواح عند الله . فقالت : وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل .
275- وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن عمر صاحب السفلي قال : نزل ابن عمر إلى جانب قبور دارسة فنظر إلى قبر منها ، فإذا هو بجمجمة بادية ، فأمر رجلاً فواراها ، قال : إن هذه الأبدان ليس يضرها الثرى شيئاً ، وإنما الأرواح التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة .
276- وروى محمد بن سعد عن الواقدي حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال : لما انهزمت الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان فجعلت الروم تقاتل عليه ، فتقدم هشام بن العاص فقاتلهم حتى قتل ووقع على تلك الثلمة فسدها ، فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطؤه الخيل فقال عمر بن العاص إن الله قد استشهده ورفع روحه وإنما هو جثة فأوطئوه الخيل ، ثم أوطأه وتبعه الناس حتى قطعوه . وهذه الآثار لا تدل على أن الرواح لا تتصل بالأبدان بعد الموت إنما تدل على أن الأجساد لا تتضرر بما ينالها من عذاب الدنيا ، وإنما هو من نوع آخر يصل إلى الميت بمشيئة الله وقدرته وقولهم : الأرواح عند الله تعالى تعاقب وتثاب لا ينافي أن تتصل بالبدن أحياناً فيحصل بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب ، وقد تستقل الروح أحياناً بالنعيم والعذاب أما عند إستحالة الجسد أو قبل ذلك ، وقد أثبت طائفة أخرى النعيم والعذاب للجسد بمجرده من غير اتصال الروح له ، وممن ذكر ذلك من أصحابنا : ابن عقيل في كتاب الإرشاد ، وابن الزاغوني وحكي عن ابن جرير الطبري أيضاً ، وذكر القاضي أبو يعلى أنه ظاهر كلام الإمام أحمد فإنه قال في رواية حنبل : أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار ، والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ، ويرحم من يشاء منها بعفوه . قال القاضي : ظاهر هذا إن الأرواح تعذب وتنعم على الإنفراد ، وكذلك الأبدان إذا كانت باقية أدى إلى الأجزاء التي استحالت ، قال : ولا يمنع أن يخلق في الأبدان إدراك تحس به النعيم والعذاب ، كما خلق في الجبل لما تجلى له ربه ثم جعله دكاً. وقال القاضي أبو الحسين : ولأنه لما لم يستحل نطق الذراع المسموم ، ولم يستحل عذاب الجسد البالي وإيصال العذاب إليه بقدرة الله تعالى . وقد يستدل لهذا بأن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم كلم أهل القليب : كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها ؟ فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وإنما قال : " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " فدل على أن سماعهم حصل على أجساد لا أرواح فيها . وقد دل القرآن على سجود الجمادات وتسبيحها لله تعالى وخشوعها له ، فدل على أن فيها حياة تحييها وإدراكاً فلا يمنع مثل ذلك في جسد ابن آدم بعد مفارقة الروح له ، والله أعلم ، ويدل على ذلك ما أخبر الله من شهادة الجلود والأعضاء يوم القيامة . وما روي عن ابن عباس في اختصام الروح والجسد يوم القيامة فإنه يدل على أن الجسد يخاصم الروح ويكلمها وتكلمه ، ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه ، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر ولم ينسب إليه .