مفهوم كلام الشيخ أن الأئمة المتقدمين لم يذكروا هذا الشرط؛ لكن عدم الذكر لا يعني عدم قولهم به، إذ الحامل على ذكر الشرط قد لا يكون موجودا في زمانهم، بخلاف الذين ذكروه، فإنهم ما ذكروه إلا لغلبة الفساد، يدل على هذا ما سبق نقله، من ذلك:
- قال الإمام محمد أنور الكشميري:
" يجوز الكشف عند الأمن عن ((الفتنة))، على المذهب، وأفتى المتأخرون بسترها ((لسوء حال الناس))". فيض الباري على صحيح البخاري 1/254
- قال ابن نجيم:
" قال مشايخنا: تمنع المرأة ((الشابة)) من كشف وجهها بين الرجال في زماننا(( للفتنة))". نفس المصدر 1/284
- وفي المنتقى:
" تمنع ((الشابة)) من كشف وجهها، لئلا يؤدي إلى الفتنة، ((وفي زماننا المنع واجب، بل فرض لغلبة الفساد))".
هذه النقول توضح أن الفتوى جاءت لواقع الحال، والشيخ رحمه الله يوافق على هذا ـ بالرغم مما يظهر عنه من خلاف ذلك ـ فإنه يقرر في الموضع ذاته في كتابه "جلباب المرأة المسلمة" أن الفتنة والخشية على الخلق والدين موجب ـ لا أقول للتغطية فحسب ـ بل للزوم البيت وعدم الخروج منه، انظر ماذا يقول:
" ولو أنهم قالوا: يجب على المرأة المتسترة بالجلباب الواجب عليها إذا خشيت أن تصاب بأذى من الفساق لإسفارها عن وجهها: (((أنه يجب عليها في هذه الحالة أن تستره دفعا للأذى والفتنة)))، لكان له وجه في فقه الكتاب والسنة..
بل قد يقال: (((إنه يجب عليها أن لا تخرج من دارها إذا خشيت أن يخلع الجلباب من رأسها))) من قبل بعض المتسلطين الأشرار المدعمين من رئيس لا يحكم بما أنزل الله، كما وقع في بعض البلاد العربية منذ بضع سنين مع الأسف الشديد؛ أما أن يجعل هذا الواجب شرعا لازما على النساء في كل زمان ومكان، وإن لم يكن هناك من يؤذي المتجلببات فكلا ثم كلا
فهو بالرغم من قوله بجواز كشف الوجه على وجه الإباحة ـ مع كونه يرى الأفضل هو التغطية ـ إلا أنه يرى، لا أقول وجوب التغطية فحسب، بل وجوب القرار في البيت، ألا تخرج أصلا، إذا صار الزمان زمان فتنة، يتعرض فيه السفهاء للصبايا واليافعات.. هذا واضح من كلامه، ونحن نقول:
ألا ترون قدر الفتنة التي تكون اليوم جراء خروج الفتاة من بيتها؟..
الخروج لوحده يستفز السفهاء ليحوموا حول الحمى، من أجل التحرش والأذى، فما بالكم حينما تكشف عن وجهها، وكلكم سمع ورأى من مثل هذا، ما صار معلوما مشهورا؟.
هذا بالإضافة إلى الكيد الكبير الذي يخطط له أعداء الحجاب، وهو معلوم لا يخفى..
إذن، نحن نعيش حالة حرب حقيقة مع أعداء الحجاب، وكل متبصر، أو لديه نصف تبصر يدرك هذا، وعلى هذا ألا تتفقون معي أن:
ـ كل العلماء يجمعون أنه في زمان كهذا يجب التغطية، حتى من أجاز، حتى الشيخ الألباني نفسه في كلامه السابق يقرر هذا؟...
ـ وأن الحكمة والعقل يأمران بالحجاب والتغطية، وأن ندعوا إلى هذه الفضيلة درءا لهذه الفتنة العمياء؟. لو كان هناك من يرى جواز الكشف مطلقا، حتى في حال الفتنة، فإنهم بالنسبة لعموم الأمة شيء لا يذكر، وقولهم لا يقبل في محكم العقول.
--------------
5- حديث الخثعمية.
روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
" أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئا، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فعدل وجهه عن النظر إليها".
في الاستئذان، باب: قول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم..}
احتج بهذا من قال بجواز كشف الوجه، وموضع الشاهد قوله: " وضيئة".
قالوا: لا تعرف الوضاءة إلا بكشف الوجه، فالوجه كان مكشوفا إذن.
وهذا موضع النزاع...
فإننا ننازعهم في أن الوجه كان مكشوفا... فليس في الروايات تصريح بأنه كان مكشوفا، وأما عن دعوى أن معرفة الوضاءة تستلزم كشف الوجه نقول:
الوضاءة تعرف بالوجه، وتعرف كذلك بالقوام من دون رؤية الوجه، ومن تأمل هذا أدرك حقيقة ما نقول، وشاهد هذا من كلام العرب قول الشاعر:
.... طافت أمامة بالركبان آونة... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا...
فالوضاءة أو الحسن، كلاهما بمعنى، يدركان بالقوام، وهو أمر محسوس، فقد تمر المرأة بالرجل وهي مستترة بالكامل، فيرجح حسنها ووضاءتها بما يراه من اعتدال قدها وحسن مشيها، فتقع في قلبه، ويتابعها بنظره، ويطير بها، ولو لم ير شيء منها، وقد تمر به أخرى بدينة قصيرة، فلا يلتفت إليها..
هذا أمر...
وأمر آخر: أنه على فرض أن يكون الفضل قد رأى وجهها، فذلك لا يدل على أنه كان مكشوفا على الدوام، إذ لا يمتنع أن يكون الريح حرك خمارها فظهر شيء منها فوقع نظر الفضل على ذلك فأعجب بها..
والنتيجة أنه لا يمكن الجزم بأن المرأة كانت مكشوفة الوجه مع ورود الاحتمالات الآنفة، التي لا يمكن إلغاؤها أو إهمالها، وقد تقرر في قواعد الفقه: أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال، لبس ثوب الإجمال، وسقط به الاستدلال..
فلا يمكن إذن الاستناد إلى دليل محتمل كهذا الحديث لتقرير حكم شرعي يناقض به نصوصا أخرى محكمة.. والله أعلم..