إن للصلاة والعبادة والقرآن والذكر وقع خاص في النفوس ولذة لا يشعر بها إلا من قويت صلته بالله لصدقه في اتصاله بالله وتودده إلى ربه الغفور الودود في ليله ونهاره فبالصلاة والعبادة ألحقه والقرآن والذكر وحده تنشرح الصدور وتحيا القلوب وتسلم فيعيش الإنسان سعادة أبديه وراحة نفسيه قال تعالى (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)(طه-123)
ولكن حينما تجاهل كثير من الناس أهمية الصلاة والعبادة والقرآن و الذكر وقعوا في أمراض القلوب المتنوعة الخطيرة ( أعني أمراض القلوب المعنوية) منها مرض النفاق ومرض الشهوات ومرض الشبهات ومرض فقد الغيرة ومرض العجب بالنفس و الغرور ومرض الشهرة ففرق بين من يعمل لشهرة نفسه وبين من يعمل لشهرة الإسلام والقرآن والسنة وصدق الله القائل (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)(آل عمران-152)
ومن أخطر أمراض القلوب مرض العادة وهذا المرض تحولت به لذات العبادات والصلوات والقرآن والذكر والدعوات إلى عادات حتى أصبح الكثير من المصابين بهذا المرض يصلي ويقرأ عادة لا عبادة , يصلي صلاة هو للعقوبة أقرب منه للرحمة ولهذا المرض أسباب منها
أولها : ضعف الإخلاص
فلما قلت المراقبة لله جل جلاله فسدت الأعمال وكثرت آفاتها من الرياء والسمعة والعجب وحب المدح والثناء الكاذب بل والصادق أيضاً فوقع هؤلاء في مستنقعات الشرك ففقدوا لذة العبادة والصلاة والقرآن والذكر والطاعة لأن من رجى غير الله وأحب مدح الناس وعمل من أجل الناس فسد قلبه ومن باب أولى عمله قال تعالى ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)(الكهف -110)
الأمر الثاني التدنس بالمعاصي :
حتى لقد سمى الله المشركين بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام)(التوبة -28)لأنه لا يدخل المسجد إلا من كان أهلاً للاتصال المباشر برب المشارق والمغارب , أما من دنس نفسه بالمعاصي فأن للمعصية شؤم عظيم وبلاء خطير فالمعاصي هي العدو اللدود للذة وحلاوة الطاعات وهي مرض القلب الخطير , بل إذا كثرت المعاصي على العبد أهلكته وأماتت قلبه حتى لقد قال واحد من سلفنا الكرام (حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته) هذا بذنب واحد حرم لذة صلاة قيام الليل فكيف بمن حياته كلها معاصي بل وكبائر فمن أين يشعر بلذة وحلاوة العبادة والطاعات
الأمر الثالث :
التوسع في المباحات من الطعام والشراب واللباس والمراكب وفضول النظر وفضول الاستماع وفضول الكلام والمخالطة وفضول النوم فكلما توسع الإنسان فيها وتجاوز الحد المشروع المطلوب الذي حددته الشريعة السمحة قصر عن العبادة وأورثه هذا التوسع الكسل والخمول والفتور حتى يفقد كثيراً من العبادات ويفقد التلذذ بالطاعات لثقلها على النفس المتوسعة في الدنيا والنفس كلما وسعت عليها ضاق الصدر وفقد حلاوة الطاعة في القلب وكلما ضايقت وعاندت النفس الأمارة بالسوء كلما اتسع الصدر وشعر بحلاوة الطاعة
الأمر الرابع : الزهد في الأجر والثواب
فبدلاً من أن يزهد هؤلاء في الدنيا زهدوا في الآخرة وحينما يزهد الإنسان في الآخرة وأجرها وثوابها العظيم على الطاعات فإنه بهذا الزهد يفقد تدريجياً لذة الطاعة ويستلذ الراحة فلا يتحسر على فوات الأجر العظيم
فمن أراد السعادة ولذة الصلاة والعبادة فعليه بإصلاح النية والإخلاص لله تعالى في السر والعلانية وإرضائه ولو سخطت البشرية
قال بن القيم رحمه الله ( لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار )
فلذة الصلاة والعبادات والطاعات لا تحصل إلا بالإخلاص فإذا أردت الإخلاص فأقبل على الطمع فيما عند الناس فأذبحه بسكين اليأس ثم أقبل على المدح والثناء فأزهد فيهما كما يزهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك اليأس مما في أيدي الناس والزهد في ثناء ومدح الناس سهل عليك الإخلاص وشربت لذة الصلاة والعبادة والقرآن والذكر