-[align=center] اسمي آن. "آن سيسيليا ورد" فما هو اسمك؟
- اسمي على نادر.
وصافحته وهي تقول:
- اسمك خفيف وسهل. كثير من الأسماء الأجنبية لا أستطيع أن أنطق بها، ولكن اسمك سهل.
ورقصا مراراً، وتحدثا طويلاً.
وفي النهاية سألها الدكتور نادر دون أن يفكر:
- هل تشرفينني بشرب كأس عندي في منزلي، والاستماع إلى مجموعة أسطواناتي الجديدة؟
وفوجىء بقبولها بدون تردد. كان يأمل أن ترفض، وكان متأكداً أنها ستفعل في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ولكنه كتم المفاجأة وأظهر السرور.
ومر بخياله شريط سريعة يستبق الأحداث الآتية. ومر ببطنه ألم حاد لم يشعر به منذ أيام الكتاب والامتحانات.
ودفع الحساب، وألبسها معطفها وارتدى معطفه وخرجا.
كانت السماء ما تزال غائمة ثقيلة، والضباب تتزاحم أمواجه الصامتة في جميع الاتجاهات. ونظر الدكتور نادر حواليه، وقال:
- تبدو هذه الليلة شبيهة بإحدى ليالي الدكتور "هايد" أو "جاك السفاح".
فأطلقت آن صرخة صغيرة، وأمسكت بذراعه، والتصقت به، فقال ضاحكاً:
- لا تخافي يا عزيزتي. أي شبح من تلك الأشباح سيفكر مرتين قبل أن يتحرك من خلف هذا الضباب.
ومشيا على رصيف "فولهام رود" الموازية ب لـ كنجزرود"، لا يسمعان إلا أصوات وقع خطواتهما، ولا يريان المارة الآخرين حتى يكاد يحدث الاصطدام... كانت السيارات تتحرك ببطء، وتغير قوة أضوائها حتى تراها السيارات القادمة. وقالت آن:
- ما أكثفه من ضباب! يمكنك قصه بمقص!
- تصوري أنك في حمام بخار، ويزول خوفك.
وعبرا الطريق إلى الرصيف المقابل، ثم دارا يمينا في شارع صغير مهجور يبدو الضباب فيه أكثف، وله وجوه وأفواه وعيون كأنها غيلان تداخلت حجومها، أو مخلوقات فضائية في طور التكوين...
وأحس "بآن" تتعلق بذراعه وتلتصق به، وعيناها تحملقان في أبخرة الضباب في وجوم وتوقع..وبدأ هو يغني ويصفر ليذهب عنها الخوف ويرخي أعصابها المتوترة.
وحين خرجا إلى "كنجزرود" بدا الضباب أخف، ولاحت أضواء الشارع العالية محاطة بهالات ملونة ملفوفة في الضباب كأقواس قزح.
وأخيراً وصلا المنزل، وتنفست "آن" الصعداء...وفي غرفة الجلوس، علق الدكتور نادر المعطفين، وجاءها يفرك يديه ويسأل:
-ماذا تريد الآنسة أن تشرب؟ بارداً أم ساخناً؟
فقالت، ويمناها على خصرها، وهي تسوي شعرها من الخلف بيدها اليسرى:
- ماذا عندك من البارد؟
- كل ما يمكن أن يخطر على بالك.
- هل عندك بيرة؟
- نعم.
- بيرة إذن، فأنا عطشى.
- وصبَّ لها كأس بيرة، ولنفسه قدح ويسكي على مكعبات الجليد، وجاء بهما إليها من البار، وهي وسط غرفة الجلوس، تتأمل اللوحات على الحائط والتحف على الرفوف الرخامية والنوافذ الزجاجية. وناولها الكأس، فشكرته، ورشفت من رغوته فعَلِقَ بعضها بشفتيها الحلوتين، وسألت:
- أين مجموعتك الموسيقية؟
وأومأ لها إلى ركن به غراموفون، وحوله رزمة من الأسطوانات الكبيرة والصغيرة. فوضعت الكأس وجثت تتصفح أغلفة الأسطوانات الأنيقة. وصاحت مسرورة:
- إيه! عندك "فكر فيَّ بعض الوقت"، "لساندي شو" هل ألعبها؟
وتناولها منها، فوضعها على الفونغراف، وبدأت الأغنية، وارتفع صوت ساندي شو المخملي الدافىء، فقفزت إلى رجليها وواجهته.
- لنرقص!
وطوق خصرها اللذان النحيل، فالتصقت به، وتلامست وجنتاها، ودارا في مكانهما من وسط الغرفة في صمت العبادة، يرهفان سمعهما لكلمات الأغنية الرقيقة وصوت "ساندي شو" الناعم الحالم.
وحين انتهت الأغنية، رفعت آن وجهها نحوه، فتلامس أنفاهما. ونظرت إلى وجهه بعينيها الواسعتين وفيهما تأثرٍ وانفعال، وانفرجت شفتاها فوضع يده خلف رأسها وجذبه نحوه، والتحمت شفاهُهما في قبلة حارة.. وحين أرسلها تنهدت بعمق، ووضعت جبينها على صدره، وكأنها ترتاح من مجهود عاطفي جبار...
وناولها كأسها فارتشفت منه وعادا إلى اختيار الأغاني الجميلة والرقص الذي كان ينتهي كل مرة بعناق وقبلة طويلتين. وعند الكأس الثالثة وضعت إحدى الأغاني الاسكتلاندية، وأخذت ترقص له وسط الغرفة على أطراف بنانها، وهو يصفق مع الموسيقى. وعند نهاية الأغنية اختفت في بيت النوم ونادته.
- علي! علي!
- ماذا؟
- تعالَ...
- تعالي أنت.
- أريد أن أقول لك شيئاً.
ونهض فدخل حجرة النوم التي كانت معتمة لا ضوء فيها إلاّ ما ينعكس بداخلها من ضوء غرفة الجلوس، ووقف على الباب قائلاً:
- هل أشعل النور؟
- لا، لا، لا تفسد خلوة الظلام...
واستطاع أن يراها واقفة أمام مرآته المستطيلة، تتأمل شبح وجهها، فدخل ووقف خلفها، فأخذت ذراعيه ولفتهما حول خصرها، وألصقت ظهرها بصدره. ورفعت إليه وجهها فقبل أذنها قبلة حارة ألهبتها، فاستدارت في موقفها، وطوقت عنقه بذراعيها وارتفعت على بنانها لتقبله...وبعد قبلة طويلة، خرجت من بين ذراعيه، وأشارت إلى فراشه.
- تنام هنا؟
- لا يوجد فراش غيره.
- لماذا السرير الواسع وأنت غير متزوج؟
- هناك دائماً الاحتمال...
وضحكت هي، وجذبته نحو السرير:
- لنسترحْ قليلاً.. يظهر أن البيرة طلعت إلى رأسي...
واستلقت على ظهرها فوق السرير، وجذبته إلى جانبها وعانقته بحرارة.وبعد فترة من العناق الطويل، ابتعدت عنه قليلاً قائلة:
- اسمح لي لحظة، سأخلع فستاني حتى لا ينكمش. فسوف أذهب به للعمل غدا.
وقامت فخلعته داخل دولاب ملابسه وهي تقول:
- ألا تخلع ملابسك أنت؟
وأحس هو بغصة في حلقه، وارتعاش في ركبتيه وبرودة في يديه وقدميه. ووقف أمام المرآة يفسخ أزرار قميصه، ويخاطب نفسه سراً: "يا لك من جبان! هذه التجربة ضرورية. وقد حضرت المناسبة بنفسها وأنت تحاول الهروب.. إذا نجحت الآن، فسوف تخترق الجدار الفولاذي الذي طالما وقف بينك السعادة والحب...ستذهب أيامك، وينتهي عمرك، دون أن تعرف حرارة جسد المرأة ودفء عاطفتها وأنين استسلامها واستمتاعها بك... ستذهب بكراً كلوح ثلج بارد بدون حياة..".
ولبس رداءه المنزلي، وخرج لغرفة الجلوس، فشرب ما تبقى من كأسه، وعاد إلى غرفة النوم حيث كانت "آن" قد دخلت تحت أغطية الفراش. وحين دخل الغرفة رفعت له الغطاء ليدخل معها، ثم اقتربت منه وعانقته في الحال بقوة. فحاول فك نفسه من ذراعيها وهي تهمس:
- ماذا؟
- لا أدري. ولكني متعب للغاية. أنظري إلى الساعة، إنها الثالثة تقريباً.
- أنا كذلك متعبة. يظهر أن المشروبات فعلت مفعولها.
وحاولت أن تعود إلى عناقه فولاها ظهره. وبعد لحظة هدوء، أخذت تمر بيدها على ظهره، وتدلك أكتافه. وفي النهاية ركزت أصابعها في لوح ظهره، وهمست في أذنه:
- ألا أعجبك؟
- بالعكس، تُعجبينني كثيراً...
- فماذا إذن؟
- ليس لي رغبة الليلة.
- ياه! هذه أول مرة أسمع فيها رجلاً يقول هذا.. دائماً أجد صعوبة في دفع الرجال عني!
والتفت إليها وقال:
- أعتقد أنه ينبغي أن تذهبي...
- أذهب؟ في هذه الساعة؟ إلى أين؟
- إلى شقتك.
- أنا أعيش في "ريتشموند"!
- أعطيك أجرة التاكسي.
وأشعل النور، وتناول سماعة الهاتف ونادى سيارة الأجرة. وقامت آن ترتدي ملابسها غاضبة:
- أي نوع من الرجال أنت؟ لم أر في حياتي شيئاً مثيراً للحنق كتصرفك هذا! من أنت؟ أم هل ينبغي أن أقول: "ما أنت؟"
وسكتت لحظة، ونظرت إليه وهو في رداء البيت قاعداً على حافة السرير ينظر إلى الأرض، ثم قالت مغيرة صوتها من الغضب إلى الشماتة:
- إيه! كان ينبغي أن أعرف! يا لي من غيبة! أنت من أولئك! لست رجلاً بالمرة! لماذا بحق السماء، إذن جئت بي إلى بيتك؟
ورن جرس الباب، فقام الدكتور نادر يلبسها معطفها، ويفتح لها الباب، فاختطفت منه المعطف، وبدأت ترتديه بينما هو يسأل السائق عن الأجرة إلى ريتشموند، وينقده الثمن.
وصفق الباب، ووقف وراءه ينصت إلى محرك السيارة يبتعد عن بابه حتى تلاشى. وساد صمت الليل. وبقى هو واقفاً وراء الباب مقبوض اليدين في عصبية، وقد انغلق فكره عن جميع ما حوله...
وبعد بعض دقائق تنبه لحاله، فعاد إلى غرفة النوم كسير القلب، واستلقى في فراشه يحاول إرخاء أعصاب عنقه وساعده المتوترة. وأخيراً غلبه القهر، فدار في مكانه، وضرب الوسادة بقبضتيه، وهو يخاطب نفسه:
- عليك اللعنة! عليك اللعنة!
وغلبه التعب والإرهاق العاطفي فنام نوماً متقطعاً مليئاً بالكوابيس...ورأى نفسه في حلم على جزيرة استوائية جميلة كإحدى جزر الجالاباجوس. مليئة بالطيور الملونة، والنخيل الباسقة، يخترقها نهر أزرق ينعرج بين غاباتها وسهولها.
وفي طريقه إلى المحيط الواسع، رأى نفسه في طوف صغير يسبح طافياً على النهر، والتيار نازل به نحو البحر. وحين حاذى الرمال نزل وأخرج الطوف، ورفع عينيه فإذا تاج محيي الدين واقفة على الشاطىء الذهبي عارية تغمر جسمها الأحمر أشعة شمس الضحى، وبشرتها الصافية تلمع صحة وأنوثة، فينطلق وراءها فتجري وشعرها الطويل الفاحم يلمع، والهواء يتخلله كشلال من الحرير الأسود.. ويجري خلفها بكل قواه، ولكن حركته تبقى بطيئة سحابية، وهو ينظر إلى جسمها الرشيق ينساب وعضلاتها الناعمة تنشد وتنطلق، وإلى ساقيها وخصرها النحيل وبطنها الملساء كغزال صحراوي أو فرس سباق...ولحق بها وارتمى على خصرها كموجة بطيئة فطوقه بذراعيه، ووقعت على الرمل الناعم، ثم استدارت وواجهته بصدر ناهد يرتفع وينخفض مع تنفسها المتلاحق، وهي تنظر إلى وجهه القريب منها، وعلى وجهها ابتسامة المهزوم المنتصر، فتطوقه بذراعيها. ويحس بأصابعها الرقيقة تنطبع على ظهره، فيدفن وجهه في صدرها.
وتأتي موجة هائلة فتغطيهما، فيحس برغبته تتقلص، والبرد يسري في عظامه والألم حاداً في بطنه... وتنظر تاج إلى بدنه، وينظر هو إلى حيث تنظر فيرتاع.. ويكتشف أنه بدون جنس... فيوليها ظهره، ويعدو بكامل قواه، ودموع اليأس تتقاطر على خديه، وصرخات البؤس تمزق قلبه. وتتبعه هي مبسوطة اليدين، تناديه بلغة لا يفهمها، ولا تلبث أن تذهب بها الرياح.
وأفاق من كابوسه يتقاطر عرقاً وينتفض من الانفعال والإرهاق العصبي...وقام من فراشه فذهب إلى الحمام حيث رش وجهه بماء بارد، وراح يتمشى داخل غرفة الجلوس، ويرفع أستار النوافذ ليرى ضوء الفجر الذي كان يشرف على الانبلاج.
وعاد إلى غرفة النوم، فرفع سماعة الهاتف، وأدار رقم تاج، فجاءه صوتها نائماً.
- تاج، هذا علي.
- كم الساعة؟
- لا أدري. انتظري. الخامسة صباحاً.
- ماذا حدث؟
- لا شيء يا عزيزتي. اغفري لي إزعاجك، ولكن لابد لي أن أتحدث إلى مخلوق بشري. وأنت نوعاً ما مسؤولة عن انزعاجي بطريقة غير مباشرة.
- أنا؟!
- لا تنزعجي! أنا أمزح. أتذكرين حديثنا عن جزيرة واق الواق؟
- آه!
- الليلة رأيت حلماً مزعجاً كنت أنت فيه معي في تلك الجزيرة...
- ما هو هذا الحلم؟ هل يمكنك أن تقصه على؟
- فيما بعد.. الآن أريد أن أقول لك، إنني مستعد للذهاب إلى "فيجي" ولا يهمني إذا لم أرجع إلى لندن أبداً...
وجاءه صوت تاج مليئاً بهجة وسروراً:
- لا أدري ما أقول يا علي... الآن لا يهمني أن أنام... لقد طار النوم عن عيني...
- ما قولك إذن في الفطور معاً؟
- سأكون عندك في ظرف نصف ساعة.
ووضع السماعة وقام للاستحمام.
وفي طريقهما إلى المطعم لاحظاً اسم الدكتور هالن وصورته على واجهات محلات الصحافة واسمه مكتوباً بالحروف الكبيرة على الصفحات الأولى، فاشتريا مجموعة من الصحف لفها نادر تحت إبطه ليقرأها على مائدة الفطور.
ونظرت تاج إليه بعد انتهائه من قراءة الصحف متسائلة فرد:
- لا جديد...
وتخشب وجهه الشاحب، وساد الصمت المائدة.[/align]