بسمـــــــــ اللهــــــــــــ الرحمنـــــــــــــ الرحيمـــــــــــــــ
استخدم المصريون القدماء السفن على النيل للتنقل والتجارة والترفيه والتنزه. وتولت بحرية قوية مهام حماية طرق تجارتهم. كما أنشئت، في العصر الإسلامي، عدة مراكز لبناء السفن؛ كما أنشئت موانئ هامة.
بناء السفن في مصر القديمة
تصور نقوش بارزة ونقوش جدارية عديدة، بداية من الدولة القديمة، أعمال بناء السفن. وأبرز النقوش، تلك التي عثر عليها في سقارة بمصطبة المسئول "تي" من الأسرة الخامسة.
ويشاهد فيها العمال وهم يقطعون جذع شجرة بالفئوس وينعمونه باستخدام القدوم. ويشاهد أحدهم وهو ينشر لوحا من الخشب، ربما عارضة سطح أو أرضية، بينما يقوم آخران بقطع ثقوب في لوح للتثبيت أوتاد (أسافين)؛ مستخدمين مطرقة وأزميلا. كما يجري ربط وتثبيت لوح بدن سفينة، لعله متراس. ويمكن حصر ما لا يقل عن سبعة أوتاد بين اللوح وجانب السفينة.
ويمسك أحد الرجال بعصا في الفتحة؛ للتأكد من دخول اللوح تماما في موضعه، ويقوم آخران بالطرق عليه بالحجارة: بينما يقوم الملاحظ بالإشراف على العملية كلها.
وفي ذات الوقت يقوم رجل بتجهيز اللوح مستخدما أزميلا ومطرقة، بينما يعمل أربعة آخرون في تنعيم بدن السفينة مستخدمين القدوم. ولم يكن القدوم يستخدم فقط لتسوية الألواح، وإنما كان يستخدم أيضا في المراحل النهائية كنوع من المسحاج (الفارة).
وتظهر ثلاثة أنواع من أبدان السفن في النقوش التي تصور السفن الشراعية الكبرى، وكذلك في النماذج. ولأحد الأبدان طرفان ينتهيان فجأة، وآخر قطعت إحدى نهايتيه بينما تتقلص النهاية الأخرى إلى نقطة؛ وأما النوع الثالث فإن له نهايتين مستديرتين. وتظهر الألواح في أحد أنواع الأبدان؛ واضحة مميزة.
وجعلت الخصائص الفريدة لبناء السفن في الدولة الوسطى من الممكن نظريا فك السفن ونقلها ثم إعادة تركيبها في مكان آخر؛ حيث لم تستخدم فيها المسامير أو الأوتاد (الأسافين) وإنما اعتمدت على تثبيت الألواح باستخدام أحبال من البردي أو الحلفا.
ويبدو أن هذا التطور قد حدث في عصر الدولة الوسطى عندما سافرت الحملات بالبر إلى البحر الأحمر، حيث بنيت الأساطيل للحملات المتجهة إلى الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.
مراكب النيل المصرية القديمة
كانت المراكب والسفن من وسائل النقل الهامة على نهر النيل؛ فلقد تنقل المصريون داخل البلاد، كما سافروا إلى السودان والأقطار الإفريقية الأخرى: لجلب الحيوانات، مثل الأسود والأفيال والنمور والقردة والماشية.
كما أنهم استوردوا المنتجات الأجنبية؛ مثل الجلود والذهب والعاج والأبنوس والإلكتروم وريش النعام والبخور. والإلكتروم سبيكة طبيعية، هي خليط من الذهب والفضة.
وكانوا يحتاجون إلى الأشرعة في الإبحار على النيل جنوبا أى عكس التيار، ولكن السواري كانت تدلى وتستقر أفقيا على ظهر السفينة عند الإبحار شمالا؛ مع التيار.
وعلى الرغم من أن عدد المراكب المتبقية غير كبير، فإن الكثير عرف عن أشكال وأغراض استخدام المراكب في مصر القديمة عن طريق مئات من نماذج القوارب التي عثر عليها بالمقابر في عموم البلاد؛ وأهمها نموذج مركب مكت رع.
وقد صنعت نماذج لقوارب البردي من الخشب المطلي؛ وإن كانت المراكب الحقيقية تصنع من الخشب، وقلة منها فقط كانت تصنع من عيدان البردي.
وكانت الطواف المصنوعة من البوص (الغاب) تستخدم أساسا لأغراض القنص في المستنقعات؛ بالعصي الطويلة أو بالشباك أو بما يشبه الأوتاد، أو في المسابقات الرياضية المنظمة.
وارتبطت المراكب المصنوعة من البردي بالأرباب أو العائلة الملكية. فكانت تستخدم: إما للأنشطة اليومية، مثل الإبحار والتنزه، أو في المناسبات الدينية؛ مثل نقل تماثيل الأرباب أو للحج أو الاحتفالات المرتبطة بطرد الأرواح الشريرة. واستخدمت المراكب الخشبية في نقل البضائع الثقيلة.
وكان للملك سنفرو أسطول من أربعين سفينة؛ استخدمت في استيراد ألواح خشب الأرز من لبنان. وتنوعت معالم وتصميمات المراكب المصرية القديمة؛ وفق وظائفها، وإذا ما كانت للاستخدام في الإبحار على النيل أم عبر البحر المتوسط أو البحر الأحمر. وأبحرت المراكب الدينية والمراسمية (الطقسية) على النيل والبحيرات المقدسة.
وتطورت السفن الحربية في الحجم والمعالم (الإمكانيات والتجهيزات)؛ وأضخمها تلك التي بنيت في عصر الرعامسة، حيث وصل وزنها إلى نحو خمسين طنا متريا.
ولقد عثر على مركبين كبيرين للملك خوفو. واكتشفت إحداهما في عام 1954، وأخرجت من حفرتها جنوب الهرم الأكبر: بينما تبقى الأخرى داخل حفرتها إلى الغرب من الأولى.
وتتكون المركب (المستخرجة) من 1224 جزءا من خشب الأرز، بها ثقوب عديدة: لربط الأجزاء معا بحبال من نبات الحلفا.
ويعرض المتحف المصري قاربين أصغر للملك سنوسرت الثالث، وقد عثر عليهما في دهشور.
وعثر بمقبرة الملك توت عنخ آمون على 35 نموذجا خشبيا لقوارب متنوعة؛ بعضها بمقاصير ملونة لراحة الملك وحاشيته.
وقد عثر أيضا على مراكب لاستخدام رب الشمس في رحلته السماوية الرمزية.
البحرية البطلمية
تطلع البطالمة إلى الهيمنة على البحر المتوسط؛ لضمان أمان وسلامة الشواطئ الشمالية لمصر.
قد تحقق لهم ذلك ببناء أسطول سفن قوي. وكانت بحريتهم من أهم الدعائم التي ترتكز عليها وترتكز عليها الإمبراطورية؛ فتحمي مصر وتؤمن لها استقلالها السياسي والاقتصادي.
كان بطليموس الأول هو مؤسس تلك القوة البحرية الهائلة التي ظلت تنمو في عهد خلفائه. قد كان حريصا على تطوير أسطوله البحري، لدرجة أن معاصريه أطلقوا عليه لقب "أمير السفن".
كانت سفن الأساطيل البطلمية، بحرية أو تجارية أو نيلية، في أنماط مختلفة معروفة في كافة أنحاء العالم الهلليني.
بنيت السفن البحرية بأشكال وأحجام عديدة؛ ومن أهمها تلك المسماة "باريديس".
وربما استخدم هذا النمط في بداية القرن الخامس قبل الميلاد؛ إذ ورد ذكرها في مسرحية "الفرس" للشاعر الإغريقي "أيسخيلوس". لقد استخدمت سفن تسمى كيركيروس للأغراض البحرية والتجارية، بينما أطلق على نمط أصغر بين السفن البحرية اسم ليمبوس. وهذه كانت أقرب في الشكل إلى مركب، فاستخدمت لشن ضربات سريعة.
جاءت السفن التجارية أيضا في أشكال وأحجام عديدة؛ وأهمها تلك التي تسمى كوربيتا التي عبرت البحر المتوسط في القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، ثم استخدمت بصفة عامة السفينة كيبيا في القرن الأول قبل الميلاد.
لقد ازدهرت التجارة نتيجة الاصلاحات التي أدخلها البطالمة على السفن التجارية.
وأصبح الملوك البطالمة من أثرى ملوك ذلك الوقت، إذ كانوا مولعين باستعراض ثرائهم، وبنوا سفنا هائلة يمخرون بها عباب البحار.
صناعة السفن والتجارة في العصور الإسلامية
قام النيل بدور مهم في التجارة الخارجية وصناعة السفن في العصور الإسلامية بمصر.
فقد بنى عمرو بن العاص، فاتح مصر، الفسطاط وهى أول عواصم مصر الإسلامية على النيل مباشرة.
وغدت الفسطاط مركزاً تجارياً مهماً، إذ كانت على اتصال دائم بباقي أجزاء مصر، حيث كانت تجتمع إليها منتجات الوجهين البحري والقبلي.
وبعد تزايد اهتمام المسلمين بسواحل البحر الأحمر عن المتوسط، فقد امتثل عمرو بن العاص لأوامر الخليفة عمر بن الخطاب بإعادة حفر قناة تراجان لربط النيل بميناء القلزم. ومن ثم تمكين نقل القمح من مصر إلى الحجاز، وحيث يسمح ذلك بتركيز الثقل العسكري الإسلامي تجاه البحر الأحمر.
وقد تطورت مراكز أخرى مهمة بين النيل والبحر الأحمر مثل عيذاب والقصير.
وأضحت صناعة السفن من الصناعات المهمة، فالمصادر العربية تشير إلى إنشاء مراكز لصناعة السفن في القلزم والإسكندرية بدءاً من القرن الأول الهجري. ونتيجة لاتصالها المباشر بالنيل فان مدناً مثل رشيد ودمياط أصبحت مراكز تجارية وصناعية مهمة.
كما تم إنشاء أسطول بحري في تنيس بشمال مصر على بحيرة المنزلة حيث كانت متصلة بالبحر المتوسط.
وقد شجع أحمد بن طولون على صناعة السفن ووسع دار صناعة السفن "دار الصناعة" في جزيرة الروضة. كما بنى محمد بن طغج الإخشيدى مركزاً لصناعة السفن بساحل الفسطاط.
وعني الفاطميون بصناعة السفن إلى الحد الذي غدت معه مصر واحدة من أقوى الدول البحرية من نهاية القرن السادس الهجري (12 م).
وقد عقد مؤرخو مصر الإسلامية فصولاً خاصة لصناعة السفن مثل بن عبدالحكم والقلقشندي والمقريزي. وقد كان لصناعة السفن الإسلامية تأثيرها على باقي أجزاء العالم.
فكلمة "دار الصناعة" هي كلمة عربية تعني "دار صناعة السفن" واستخدمها الإيطاليون بلفظ "Darsena" ثم Arsenal حيث شاعت بين باقي لغات أوروبا.
وثمة أنواع عديدة من السفن كانت موجودة إبان العصر الفاطمي، فقد كانت هناك السفن الحربية المخصصة لمنازلة الغزاة، والسفن النيلية وهي إما تختص بالتجارة أو الاحتفالات.
بالإضافة إلى نوع ثالث خصص للملاحة في البحر الأحمر فيما يخص التجارة أو الحج وكذلك في المحيط الهندي.
وكانت أهم قطع الأسطول الفاطمي الشين والحراريق والحراريب والطرائد.
الفسطاط، ميناء إسلامي وترسانة
كانت الفسطاط والتى شيدت بالقرب من حصن بابليون مركزا رئيسيا للتجارة البحرية الخارجية، لوقوعها علي النيل في موقع متوسط بين الوجهين البحري والقبلي، ولاتصالها بثغور مصر الشمالية ومدن الصعيد الجنوبية عن طريق النيل. تأكد هذا الدور في العصر الفاطمي لإتصالها بالقاهرة، مقر الخلفاء الفاطميين. وأصبحت الفسطاط ميناء للتجارة القادمة من الصين والهند واليمن وأوروبا، كما أصبحت المركز الرئيسي لحركة النقل المائي. وقد وصفها المقريزى بإنخفاض أسعارها عن القاهرة. ووجدت المحال التجارية علي ساحل الفسطاط، حيث تفرغ البضائع مباشرة علي أبوابها. وكان يستحيل نقل البضائع علي ظهور الدواب نظرا لازدحام مدينة الفسطاط. حتى ان الرحالة المقدسي، الذي زار مدينة الفسطاط، تعجب من كثرة السفن والمراكب التي رآها بميناء الفسطاط. كما أن الرحالة بن سعيد، الذي زار الفسطاط، قال "لئن قلت إنني لم ابصر علي نهر ما أبصرته علي ذلك الساحل فإني أقول حقا".
وعندما كانت ترسو المراكب الواصلة إليها والمحملة بأصناف الغلات المختلفة، كان الحمالون يقومون بحمل ذلك الي أماكن التخزين الخاصة بها التي تقوم في عدة أماكن بالقاهرة.
ونلاحظ ان مركز الفسطاط التجاري لم يهتز بشدة عقب المجاعة والشدة، التي حدثت في عصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي.
وقد قام أحمد بن طولون ببناء ترسانة، في جزيرة الروضة بالقرب من الفسطاط، وعندما تولى محمد ابن طغج الإكشيدى الحكم، حول منطقة ترسانة الفسطاط إلي حديقة، وأنشأ ترسانة جديدة سنة 325هـ / 937م.
ويقال أنها ظلت تعمل أيام الفاطميين والأيوبيين والمماليك. كما ذكر فى المصادر التاريخية، أن هذه المدينة هى مركز تصنيع الأسطول الذي أستخدمه صلاح الدين فى البحر المتوسط لمحاربة الصلييبين، كما حدث فى عهد الملك الكامل محمد وولده الصالح نجم الدين أيوب. وكانت هذه السفن تجهز بالأسلحة والمحاربين، ثم كان يتم إرسالها من الفسطاط عن طريق النيل إلي الموانى الشمالية مثل الإسكندرية، ورشيد ودمياط. كما كان للترسانة أيضاً دوراً حيوياً فى بناء المراكب البحرية فى عصر المماليك، فقد منع السلطان الظاهر بيبرس الناس من التصرف في خشب السفن وأمر بإنشاء عشرين مركباً. كما كان السلطان الأشرف خليل بن قلاوون وأخيه السلطان الناصر محمد بن قلاوون من كبار صناع السفن في الفسطاط. ويفهم من كتب المؤرخين ان دار صناعة الفسطاط قد توقفت عن العمل في عصر الناصر محمد ابن قلاوون.
منقول