رجل اسمه راغب، (سلمته) الأقدار إلى سفينة تقف على شاطئ صخري كئيب، السفينة بالية كثيرة المسامير، ربانها يسمى "شيطا" وهو رجل شرير متآمر، ركابها خليط؛ فيهم طيبون، وأكثرهم تلوح من عيونهم الانتهازية والمصلحية.
وقف الربان وسط السفينة وهو يلبس تبانا ويضع على رأسه عصابة حمراء وعينه اليمنى مغطاة بقطعة قماش سوداء مربوطة إلى رأسه، وقف يلقي تعليماته إلى الركاب: "من يريد أن يرحل معنا في هذه السفينة فعليه أن يمتثل بالشروط التالية: لا يسأل عن المقصد، لا ينتقد، لا يشتكي، ولا يبتسم إلا إذا كان في ابتسامته مصلحة لربان السفينة، لا يرحم أحدا ولا يفكر إلا في منفعته الخاصة".
ركب راغب السفينة رغم كراهيته لذلك، ربما كان الأمل يحدوه بالإصلاح والتغيير، كانت تصرفات الربان وبعض الركاب تثير قرفه، لكن الذي استغربه أكثر أنه حتى الطيبين منهم يسارعون في إرضاء "شيطا" الربان الشرير في معظم الأحيان، ومع ذلك يلعنونه صباح مساء.
بحث عن صديق فلم يجد غير "ضمرة"، وهو شيخ طاعن في السن يكثر من رواية الحكم والأمثال وليس لديه قدرة على فعل أي شيء .
قد يجد بعض المتنفس عندما يقف على سور السفينة ويطلق العنان لأحلامه؛ كان يحلم بالرسو على جزيرة جميلة كثيرة الأشجار والأنهار، تخيل نفسه يلهو ويمرح في مروجها حرا طليقا رفقة حيواناتها الوديعة.
ذات يوم كان يقف عند حاجز السفينة ينظر إلى أمواج البحر تتراقص ضاحكة، فيجد فيها بعض التسرية لما يجيش في فؤاده، وقال يناجيها: "أيتها الموجة الضاحكة، هلا أعرتني بعضا من سعادتك، ليتني كنت مثلك حراً على صفحة هذا اليم الواسع، ليتني أمتطي ظهرك فأرحل معك إلى حيث تذهبين، وأتخلص من هذه السفينة البالية وربانها الشرير وركابها المتناقضين، ترى ماذا تخفين تحت طياتك الزرقاء ورغوتك البيضاء؟ وأنت أيها البحر المهيب ترى ما الذي تخفيه أعماقك السحيقة؟ هل من دنيا أخرى أجمل من دنيانا؟ هل من مخلوقات أخرى أصدق وأوفى من البشر؟"، وبقي هكذا مسترسلا في تخيلاته ومناجاته عدة ساعات، وفجأة تراءى أمامه على صفحة اليم منظر شد انتباهه، في البداية لم يصدق بصره ثم لم يلبث أن تأكد من صحة ما يرى. كان يظن أن عرائس البحر كائنات خرافية، ولكن هاهو الآن يرى أمام ناظريه واحدة منها!
أجل إنها عروس بحر! وجهها مشرق كصبح صادق، وشعرها الفاحم الكثيف يحاكي ليالي الشتاء. ومن عيونها الواسعة يصدر لمعان ينبئ بالذكاء. شعر راغب بجاذبية عنيفة تجاهها، وعندما نظرت إليه رأى على ثغرها ابتسامة خيل إليه أنه لم ير مثلها في حياته، ولوحت بيدها الرشيقة ثم غاصت في الماء واختفت لتتركه وسط دوامة عنيفة من الخواطر: "ليت شعري أهي من البشر؟ أم تشبه البشر؟ كلا.. كلا لو كانت من البشر ما عاشت في الماء، ولو شابهت البشر ما صدر عنها تلك الابتسامة العجيبة التي لا يملك البشر منها إلا الصورة، ترى لم ابتسمت له؟ ولماذا لوحت بيدها؟ أواه أنت تتوهم، كل ما رأيت محض خيال، ولكن أنا الآن أسير هواها! دع عنك هذا الهراء.. أتعشق سرابا؟ أتهوى مخلوقا لا وجود له إلا في الأساطير؟"، واستبد به القلق.
يتبع [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]