وتدور الأبحاث الفلكية المعمقة حالياً في شكل رئيسي حول تحديد طريقة تمدد الكون عبر تاريخه بشكل دقيق، بغية استنتاج صفات الطاقة الداكنة ودورها وكنهها والمادة التي تخضع لها، وبخاصة تغيّر كثافتها المحتمل مع الزمن. فإذا كانت كثافة هذه الطاقة ثابتة لا تتزايد مع الزمن، فإنها لا تهدد وجود الأنظمة الفلكية التي تعتمد على قوة الجاذبية، مثل المجرات والمجموعات النجمية والكواكب وغيرها. هكذا تبقى مثلاً المجموعة الشمسية أو مجرة «درب التبانة» في استقرار، بينما تتباعد أرجاء بقية الكون، خارج التجمعات النجمية.
أما إذا كانت الطاقة الداكنة تتزايد مع الزمن، فإن مشهداً آخر سيحل بالكون، وأُطلقت عليه تسمية «التمزق الأعظم»، بحيث تتشظى في النهاية كل المتحدات الكونية، حتى على مستوى الذرات نفسها، مخلفة كوناً لا متناهي الأبعاد، يحكمه فراغ كلي!
وثمة احتمال آخر، أن تفتر «الطاقة الداكنة» نفسها وتقل كثافتها مع الزمن، أو ربما تنقلب إلى طاقة تجاذبية! عند ذلك ستحكم الكون بأكمله قوة جاذبة تجعله يبدأ مسيرة التقلص على ذاته، في خطى معاكسة للتمدد الحالي الذي تلا «الانفجار الأعظم» منذ نحو 14 بليون سنة، حتى يصل بعد عشرات بلايين السنين من بدء التقلص إلى الانضغاط مجدداً في نقطة من الزمان والمكان حتى يختفي فيها، في عملية سمّيت «الانهيار الأعظم» تماماً كما يفترض أنه وُلد إثر «الانفجار الأعظم».
إن دقة المشاهدات الفلكية المرجوة للحسم في هذا الأمر لا تزال غير كافية. ويقول العلماء أن السيناريو الأخير، وفقاً للمعطيات الحاضرة، قليل الاحتمال. وعلى كل حال، فإن أيّ من السيناريوات المحتملة لمصير الكون ربما لا تشهده أعين البشر. فثمة احتمال أن كوكب الأرض قد تحرقه الشمس عندما تخمد وتتحول الى «جمرة» حمراء عملاقة؛ بعد نحو خمسة بلايين سنة.
وُلدت مقولة «المادة الداكنة» Dark Matter مع نظرية «النسبية العامة» لأينشتاين في الربع الأول من القرن العشرين. وعلى رغم الاختلاف حول كنهها وشكلها وتقدير مستوى وجودها، يسود شبه اتفاق، علمياً، مفاده أن المادة القابلة للرصد والرؤية لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من كتلة الكون. والمعلوم أن كتلة المادة، وفقاً لقوانين نيوتن، هي المسؤولة عن الجاذبية، والجاذبية المحتسبة وفقاً لكتلة الكون المرصودة تقل بأضعاف عن الجاذبية المفترضة التي تكبح انفلات توسّع الكون.
إذن هناك كتلة مفترضة مفقودة من الكون، لكنها لا ترى؛ وتتألف من «مادة داكنة» غريبة، تشترك مع «طاقة داكنة» لا تقل عنها غرابة وغموضاً. والأرجح انهما تشكلان 96 في المئة من الكون!
وعلى رغم هذا الرقم القوي، إلا أن حكاية «المادة الداكنة» لا تزال عرضة لآراء شتى، بل يرفض البعض القبول بوجودها.
إن ما هو «حقيقي» حتى الآن، أننا لم نرصد سوى 0.4 في المئة من طاقة الكون الكلية، وأن حصة الكتلة المرصودة في الكون من نجوم ومجرات وغبار كوني وغيرها، لا تزيد عن 3.6 في المئة.
وتمثل البقية وهي غير قابلة للرصد راهناً، مادة داكنة بنسبة 23 في المئة وطاقة داكنة بنسبة 73 في المئة تقريباً، بحسب رأي مجموعة كبيرة من علماء الفلك والفيزياء.
ومثلاً، يرى ريك غيتسكل، الباحث في فيزياء الفلك من جامعة «براون» الأميركية، أن المادة الداكنة يمكن أن تكون باردة، أي أنها تتألف من جزيئات بطيئة الحركة؛ وكذلك ربما حارة وغير مرئية، على رغم صدور نوع من «الضوء» عنها.
ويرفع البروفسور جورجي هاورد، من جامعة «هارفرد»، مستوى الغرابة باعتقاده أنها نوع من المادة التي تتمتع بكتلة ولكنها لا تتصرف بالطرق التي يعرفها العلم راهناً. ويطلق هاورد عليها اسم «اللاجزيئة». ويتوقع إمكان استشعارها في مسرّع عملاق للجزيئات، مثل «مُصادم الجزيئات العظيم» («لارج هادرُن كولايدر» LHC) الذي يملكه «المركز الأوروبي للأبحاث النووية» («سيرن» CERN) في سويسرا.
لكن من الصعب فهم كنه هذه الكتلة إذا كنت لا تستطيع رؤيتها، ويبقى كل ما نعرفه عنها نظرياً إلى أن نستطيع اختبارها عملياً. ويميل البروفسور هاورد الى القول: «ربما استطاع مصادم الجزيئات العظيم مشاهدة المادة الداكنة وحتى... إنتاجها أيضاً»!
من المعروف أن أي مجرة تترافق غالباً مع جسم كروي ضخم من غاز الهيدروجين البارد يغلفها ويدور حولها خلف حدودها المرئية. ويمكن استعمال سرعة دوران هذا الغاز من أجل احتساب حقل الجاذبية لهذه المجرة. ومن معرفة قيمة الجاذبية، يمكن تقدير الكتلة الجاذبة للمجرة.
إن سرعة دوران ذرّات الغاز هذه يمكن احتسابها بدقة استناداً إلى قياس الانزياح الموجي بواسطة «معادلة الدوبلر».
ويمكن تحديد الكتلة الإجمالية لمجرة ما استناداً إلى معادلة نيوتن للتوازن بين قوة جاذبية المجرة على ذرات الهيدروجين في تخوم هالة المجرة من جهة، وبين القوة الطاردة الناتجة من التسارع الدوراني لهذه الذرات. وتشير معظم الحسابات إلى أن الجاذبية المطلوبة لجعل هذا التوازن ممكناً في المجرة، يتطلب وجود كتلة أكبر بكثير من تلك المرصودة راهناً فيها.
وأخيراً، توصل علماء فلك من جامعة «جونز هوبكنز» الأميركية، الى رصد هالة داكنة حول إحدى المجرات البعيدة، واعتبروها دليلاً قوياً ومباشراً على «المادة الداكنة».
واكتشفوا أيضاً أن سرعة دوران الذرات في تخوم هالة المجرة لا تتغير مع بعد هذه الذرات عن مركزها. واستنتجوا أن كتلة المجرة تزداد بالتناسب مع انتفاخ هالة المجرة. وبما أن الكتلة المرصودة في المجرة لا تتيح هذا الاستنتاج المنطقي، فإن الفريق يعتقد بقوة بوجود مادة داكنة في هالة المجرّة، وأن كتلتها تصل إلى عشرة أضعاف كتلة نجوم المجرة مجتمعة!
هل تنتهي مقولة «المادة الداكنة» كما انتهى مفهوم «الأثير» باعتباره الوسط الذي افتُرِض طويلاً أنه ينقل الموجات الكهرومغناطيسية، والذي برهن إينشتاين أنه، وببساطة، غير موجود إطلاقاً؟
يطرح بعض الفيزيائيين، مثل دوغلاس شنايدر من جامعة «لوس أنجليس» في كاليفورنيا، مقاربة مختلفة لاحتساب الجاذبية الإضافية المطلوبة، ومن دون الحاجة لافتراض وجود كتلة «المادة الداكنة».
وبحسب رأيه، تقدم نظرية النسبية العامة لأينشتاين الوسائل اللازمة لتطوير فهم عمل حقل جاذب قوي في الكون. ويستعيد
المسألة الأساسية: إن ما يستحضر التفكير بـ «المادة الداكنة» هو مقدار الجاذبية الكونية المطلوبة لاكتمال معادلات تجاذب الأفلاك والانسجام مع تسارع ابتعادها عن بعضها بعضاً باطراد. فالجاذبية المحتسبة لكتلة المادة العادية المرصودة حالياً في الكون لا تكفي لشرح البطء في تمدده، وقد كان عليه أن يتمدد بأضعاف ما يفعله راهناً.
ويرى شنايدر أن المشكلة هي أن البعض أضاف «المادة الداكنة» ليضيف مقدار جاذبيتها إلى المعادلة السابقة. ويشير أيضاً الى أن إينشتاين نفسه طرح مفهوماً آخر للجاذبية في نظريته عن «النسبية العامة» عام 1916، لكن ... من دون أن يتخلّى عن «المادة الداكنة».
وناقش إينشتاين مثلاً وضعية رجل في غرفة واسعة افتراضية لا نوافذ فيها، وهي موضوعة في الفضاء بعيداً من الأجرام الجاذبة، كما أنها مربوطة بحبل يشدها نحو الأعلى وفقاً لتسارع ثابت.
ورأى أن الرجل في الغرفة يختبر جاذبية فعلية كما لو أنه على كوكب كبير؛ وكذلك فإن كل الاختبارات التي يقوم بها الرجل تجعله يستنتج وجود جاذبية فعلية كما لو أنه على كوكب الأرض. لكن بالنسبة الى مشاهد في الفضاء من مكان ثابت خارج الغرفة الافتراضية، فهو قادر على تفسير اختبارات رجل الغرفة وفقاً لقوانين نيوتن الميكانيكية، من دون التطرق إلى جاذبية إضافية مفترضة.
ولنأخذ مثلاً آخر: سائح في مركبة صاروخية فضائية مثلاً، تتسارع بقوة في أعماق الفضاء؛ هل يمكن إقناعه أن «الجاذبية» التي تشدّه بقوة إلى مقعده ليست موجودة؟
في كلا المثلين، ليست الجاذبية المستشعرة إلا نتيجة العلاقة بين نظام فيزيائي عائد للرجل (أو للسائح) وآخر يهيمن على الغرفة (أو المركبة الصاروخية).
وهذا ما يريد شنايدر توجيه الأبحاث نحوه، أن أطروحة «حقل الجاذبية» الكوني التي لأجلها احتاج أينشتاين إلى «المادة الداكنة»، قد لا تكون في جانب منها، سوى امتداد لنظرية «النسبية العامة» نفسها؛ وأن الجاذبية هنا إذن هي نتاج التسارع، ولا علاقة له بأي كتلة لمادة مفترضة!
ويستنتج أن الميزات الأساسية للنسبية العامة، تكفي لتقديم المفتاح لفهم الجاذبية الكونية؛ وأن لا لزوم للمادة الإضافية الخفية، بيضاء كانت أو سوداء أو داكنة.
ويبدو أن النقاش حول «المادة الداكنة» وطاقتها وجاذبيتها وأصلها، سيشغل علماء الفلك والفيزياء لعقود مقبلة