لاقتران الأرض والقمر والشمس، وهو ما يسمى أيضاً بالاجتماع أو الاقتران أو الاتصال أو مولد الشهر الجديد أو القمر الجديد ، ولذلك لا يرصد الهلال عند الغروب إذا لم يكن الاقتران قد حدث، ولا عبرة في الاقتران الذي يحدث بعد الغروب لاستحالة وجود الهلال في الافق الغربي. وعلى العموم فإن الهلال القابل للرؤية في أفق من الآفاق يعتمد على عدة متغيرات منها : البعد الزاوي ، والارتفاع فوق الافق الغربي ، ومنها مدة المكوث بعد مغيب الشمس و موقع القمر في مداره حول الأرض، وموقع الأرض في مدارها حول الشمس، وزاوية انحراف القطب الشمالي نحو الشمس أو بعيداً عنها وحالة الجو من الصفاء والنقاء أو التلوث بالغازات ، ومنها أيضاً وحدة البصر وسلامة العينين والخبرة بالمنـزلة والموقع. كل هذه المتغيرات والعوامل لها أثرها الكبير بإمكانية الرؤيا . ومن المؤكد أن كل هذه الشروط والضوابط لم تكن متوفرة في هلال رمضان مساء نهار الجمعة في 18 كانون الأول 1998 ولا في هلال شوال مساء نهار الأحد في 17 كانون الثاني 1999. إذاً فالشهود لم يروا الهلال الحقيقي ولا شاهدوه ولكن شُبّه لهم . وهناك دعوى إلهية لتعلّم أحوال الكواكب وطريقة جريها وسيرها . قال تعالى::, وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً- وفي سورة أخرى :, هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدرناه منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصّل الآيات لقوم يعلمون - قصة تقويم أم القرى الملاحظ أن هذه المرحلة الهامة من تاريخ البشرية، أنّ الشعوب والدول تنتقل من قرنٍ إلى قرنٍ مضى مليء بالمنجزات العلمية والتقنية والتغيرات السياسية والاجتماعية إلى قرن قادم قد يحدث للبشرية انجازات وتغيرات قد تكون الآن ضرباً من الخيال . إنّ ظاهرة التخلف الشديد في هذا العصر أن لا يستخدم العالم الإسلامي تقويماً موحداً تتعامل به الحكومات الإسلامية الملتزمة باستخدام التقويم القمري الهجري الإسلامي في كافة معاملاتها وإداراتها في مؤسساتها الرسمية. وإنّ تشابك العلاقات والمصالح والروابط الاقتصادية والعسكرية التربوية والإدارية بين الدول الإسلامية والدول الغربية في هذا العصر قد أدى إلى اهتمام الغرب وخاصة الولايات المتحدة لإيجاد وسيلة علمية تربط بين التقويم القمري الإسلامي والتقويم الشمسي الميلادي حتى لا يحصل أيّ تضارب أو خلاف في تواريخ المواعيد والمراسيم والاحتفالات والزيارات والمؤتمرات المتفق عليها بين الفرقاء. كما أن وضع تقويم قمري إسلامي موحد ملزم للمسلمين يعرف به بداية ونهاية الشهر مسبقاً أصبح في هذا العصر ضرورة مُلحّة للدول الإسلامية من أجل وضع البرامج التربوية المشتركة والتحقيق الاقتصادي والاجتماعي وما شابه . والمعروف أنّ جميع التقاويم الشمسية المتبعة في البلدان الغربية تشير إلى اليوم الذي يولد فيه هذا الشهر القمري الجديد بناءً على الأرصاد والحسابات الفلكية المعمول بها في تلك البلدان. وكان محصّل التقدم التقني والعلمي في الغرب أن أصبحت معرفة ورصد دخول القمر في المحاق وخروجه من البديهيات العلمية المتعارفة عليها . والمعروف أنّ المملكة العربية السعودية كانت أول دولة إسلامية تتبنى تقويماً قمرياً لمدة 15 سنة من 1990 إلى 2005 . أطلقت عليه اسم تقويم (أم القرى) . ويقوم هذا التقويم على اعتبار خروج القمر من المحاق كبداية للشهر الهجري القمري على أساس أن يكون اليوم التالي وهو خروج القمر من المحاق في أي ساعة من ساعات ذلك اليوم حسب التوقيت العالمي هو بداية الشهر الجديد. والمعروف أن هذا التقويم هو نفس التقويم الذي يعمل به مرصد البحرية الامريكية. وقد تعين في هذا التقويم بدايات ونهايات الشهور القمرية بشكل قاطع ثابت لا علاقة له بالرؤية العينينة للهلال. وقامت علاقة رياضية حسابية ثابتة بين التواريخ الإسلامية والميلادية في كافة العلاقات والمعاملات والمستويات بين الدول المعنية. وبذلك لم يعد للرؤية العينية بالنسبة للسعودية أي تأثير على بداية ونهاية الشهور القمرية وقد أدى الحال إلى قيام خلاف دائم بين الجمعيات الفلكية العربية الإسلامية من ناحية ووزارة الأوقاف ومجلس الافتاء الأعلى في المملكة العربية السعودية ويصل هذا الخلاف إلى الأوج في تعيين بداية شهر رمضان المبارك ونهاية وبداية ذي الحجة في كل عام. الخلل الملاحظ في تقويم أم القرى إن الضعف والخلل في هذا التقويم يتمثل فيما يلي: 1.. حساب بداية الشهر القمري في السعودية على أساس التوقيت العالمي (أي يصلون على التوقيت المحلي ويحسبون الشهر على أساس التوقيت العالمي) الفرق حوالي 8 ساعات أحياناً. 2.. في حالات كثيرة يستحيل توفر إمكانية الرؤية العينية للهلال مما يتضارب مع البداية الفلكية المقررة للشهر حسب التوقيت العالمي. بالرغم من كل هذا النقص استطاعت السلطات السعودية أن تجد دائماً من يتقدم بشهادة الرؤية منذ العام 1990. وقد احتجت الجمعيات الفلكية في البلدان الإسلامية وفي أميركا الشمالية على الأسلوب المتبع في تقويم أم القرى. وقد وُجّه احتجاجٌ صدر عن رئيس الجمعية الفلكية الأردنية الأستاذ حايم ممدوح أبو زيد بتاريخ 23رمضان سنة 1418هـ الموافق 21 كانون الثاني 1992م إلى مجلس الإفتاء الأعلى في الرياض حول الإعلان عن ولادة هلال شوال قبل موعده الطبيعي بيوم كامل (24ساعة) . وقد أجابه أحد المسؤولين المدعو محمد بن أُحيمد بما يلي : (إنّ تعيين مواقيت بداية أول الشهر الإسلامي هي كتعيين مواقيت الصلاة وإنّ الحكمة الإلهية من هذه المواقيت هي العلم بعدم جواز اتخاذها كطقسٍ عبادي لأن العبادة لله وحده وليست للمواقيت). ولم تتعرض رسالة مجلس الافتاء الأعلى السعودي لا بقليل ولا بكثير إلى موضوع الرؤية والشهود بل ذكر طريقة حسابية قمرية في تعيين الشهر القمري بالنص التالي: (( يعتبر تقويم أم القرى أنه إذا كان عمر القمر عند مغيب الشمس مقدار 12 ساعة فما فوق فعندئذٍ يكون اليوم السابق هو أول أيام الشهر الإسلامي لأنّ اليوم الإسلامي يبدأ عند مغيب الشمس)).. فسّروا لنا هذا الكلام !!
لا يخفى أن مع هذا التصريح الوارد في بيان الملاك لتقويم أم القرى في تعيين أوائل الشهور، فلا يبقى مجال إلا لجريان الكلام والإشكال في حسابات تقويم أم القرى! فإن التجربة عبر السنين الماضية تذكّرنا أن هذا التقويم: أعلنت بأوائل الشهور مرات، (التي يفيد بكون عمر القمر أكثر من 12 ساعة)، حيث أن في نفس الوقت أعلنت المراكز الفلكية العالمية (من توكيو وبكن ومسكو وبرلين وباريس ولندن وكانادا وأمريكا واستراليا) بأن القمر لم يتولد أو لم يخرج من المحاق بعد.
ومع هذه التجربة من تخالف حسابات تقويم أم القرى مع المراكز العالمية، هل يصح الإعتماد عليه؟ خاصة في صورة مخالفته مع نتائج المراكز الفلكية العالمية (من توكيو وبكن ومسكو وبرلين وباريس ولندن وكانادا وأمريكا واستراليا)؟! أو أن العقل يدلنا إلى ملاحظة نتائج المراكز العالمية، هذا إذا كان العمل على الحساب وكان المذهب الفقهي معتمد على تعليق أمر الصيام والإفطار على الحساب.
وأما إذا استقر المذهب الفقهي على تعليق أمر الصيام والإفطار بثبوت الرؤية الحقيقية للهلال، فلا تنس التنبيهات السابقة في موجبات توهم الهلال في العصر الصناعي، واعتمد على الرؤية الحقيقية التي تثبت برؤية أهل البلد لا الرؤية الفردية المتفرقة، إذ لا يعني إذا كان السماء صاحيا والجو نقيا وكثير من الناس مستهلين وفاحصين لرؤية الهلال، أن يرى الهلال شخص أو أشخاص معدودة فقط!!!
فلذلك في موضوع الرؤية يلزم أن يلاحظ جهتين: الأولى: إمكانية الرؤية بتأييد المراكز الفلكية العالمية وأن في هذا التاريخ تولد الهلال وتجوز الرؤية. والثانية: أن تكون الرؤية حقيقية لا وهمية، وذلك بوقوعها بلديّا و جمعيّا لا فرديّا.
وفي الختام أقول اللهم أرنى الأشياء كما هي، اللهم عرفنا الحق والحقيقة، وجنبنا الوهم والخطيئة، وأعذنا من شر الشيطان ووفقنا لخالص الأعمال إنك سميع الدعاء.