البدايات هي أكثر شيء أخشاه في الوجود وخاصة البدايات في الكتابة كنت أؤمن أن بداية الكتابة دائما نقطة ولا زلت وأن النهاية يجب أن تبقى مفتوح لأجل مسمى ليس الا
وعلى مهل.. تعلمتُ مع بيداء كيف أكتفي بأنصاف اللهجات.. مرتكباً نصف وهم آخر يقنعني أني أمتلكها جميعاً، ترويضٌ ناعم العبور تسلَّلَت به امرأةٌ لا تعرف الرجال جيداً إلى حيث الزاويا الأخيرة من أحدهم، حيث يُخبِّئ أنانيته الأثيرة وبضع تعاويذ سادية يتمتم بها على مسامع النساء العابرات في طريقه
في البدايات دائماً تُلقِي التجاربُ حكمتها وليس في النهاية كما نظن، منذ الوهلة الأولى وأن أجدها امرأةً عصيّة على المدللين من أمثالي، امرأةً تشبه معلمة الروضة التي التقيتُ بها آخر مرة
قبل عشرين عاماً، وبعدها.. لا أتذكر أني آمنتُ بتناسخ أرواح المعلمات، حتى مَثَلَتْ بيداء، كحكايةٍ خفيةٍ لم أرها قط، في المسافة بين يدي التي تمسك الأشياء.. وقلبي الذي يستشعر حنينها عن بعد..
بيداء كانت تنقصها الريبة في ذلك، ولكن شيئاً يشبه الحتم التاريخي الذي يعيد تدوير أفلامه المبطنة.. كان يكرر انسياقي القديم ذاك، ماشياً مع امرأةٍ مجهولة، كنت تماماً، كما هو الحال مع معلمة الروضة، لا أعرف إلا اسمها الأول
لأن الذاكرة الصغيرة آنذاك.. لم تكن تمنح أكثر من خانة واحدة لتعيين الأشخاص، كانوا يلقون على مداركنا الأسماء الأولى فقط.. ورغم أن الذاكرة كبرت، وابتَنَت في فراغاتها غرفاً كثيرة تأوي الأسماء، والأحداث،
والمشاعر الخلفية، ظلّت بيداء شغوفةً بلعبةٍ يديرها الزمن، تتقمص التفاصيل الجادة نفسها تقريباً، وتسعى لارتداء ملامحها بكل دقة، وتتكلم ذات الكلام القديم، وكم تعجبت من أن بيداء تمارس دوراً.. لا تعرف عنه شيئاً
وكما أني دخلتُ الروضة وقد علمتني أمي الأبجدية.. ووجدتُ في اضطراري إلى إعادة تلقي ذلك مع معلمتي شأناً باعثاً على النفور، كانت بيداء تصر منذ أيامنا الأولى أن تعيد ترتيب الأبجديات في داخلي وذلك بمنحي ثقتها وائتمانها لي، وأنا..
أعيد اجترار قصة النفور نفسها معها، دون أن أعي أي دورةٍ طويلةٍ أكملتُهَا من عمري، ثم عدتُ لأمرَّ على نفس الأشياء.. دون أن أنتبه إلى أني رأيتها من قبل..
بيداء استوفت مني زمناً غير كثيف.. لأن تواصلنا كان يمر بطريقة الكترونية عبر ما يسمى الشات ولا مبرر لديّ لانطلاقتها الواسعة في داخلي، إلا أنها ليست امرأة جديدة كلياً عليّ..
بل كانت أشبه باستئنافٍ غير متوقع لمشروع خاص من الأنوثة يمرُّ من فوقي، .. وظلّت هذه المدرسة الأنثوية خابيةً حتى جاءت بيداء لتعيد بعثها، وتنتصب قائمةً.. بجمالها الجاد الذي يغوي ببطء!، والاعتداد الذاتي بقضية أنوثتها.. واعتبارها الغائب، من حقي، وقد طرقتني كل هذه المترادفات
تُرى.. هل لبيداء شفتين لغير الكلام.. ونهدين يرتعشان مثل بقية الفتيات.. وقلباً يمكن أن يستقبل الرجال ويبتلعهم؟، هل لها نبضةٌ صارخة يمكن أن ينتزعها أحدهم من قلبها ذات حب؟،
وملابسها الطويلة، وتفلت شعرها الحبيس، ثم تجلس عارية من قيودها.. لتستحم كما تريد الطبيعة.. عند ضفة ذكورية ما !
هل يمكن أن تسافر بيداء.. مسافة رغبة.. باتجاه رجل !!
لم أتخيلها، منذ انتصاف العلاقة، تحمل مسافة الرغبة هذه !!، ..
أنا أعلم أن التحايل على الرغبات محض غباء، وأعرف أن بيداء تخبئ في داخلها الكثير لظامئ ما، ينتظر انصهاره الملائم، ولكن.. لا الظروف، ولا الأشخاص، ولا بقية الأشياء.. تمنحها درجة الحرارة المناسبة !
بيداء تتدلى بمقدار قوسٍ من الشفة التي تنتظر قبلتها.. ولكن تتراجع أيضاً مقدار قوسٍ آخر من الجرس الداخلي المؤدب، تقترب مني بكلماتها.. حتى أشمُّ رائحة الغيمة الحبلى باكتمال حاجتها، والخبز الناضج الذي يكسو جسماً استطال فيه القمح.. وراح يغوص في الريح.. بحثاً عن ومضة خصب، قمحٌ كثيفٌ يستحق جوعاً طويلاً فعلاً،
بيداء إذ تروح، لا تذرني ورائها حزيناً.. لأني عندما تركت معلمة الروضة، كان الأطفال الناجحون.. لا يحزنون
ومعلمتي تركت معي شهادةً مليئةً بكلماتها الرطبة، كتبت عليها لأمي عن سلوكي، وذكائي، وتفوقي.. وكذلك بيداء، تركت في ذاكرة كمبيوتري الدافئة شهاداتٍ ثقة .. لا يمكن أن أريها أمي..
الآن..
أن الأسماء الكاملة لا تعني بالضرورة.. رقعة أوسع في الذاكرة !، بينما الأسماء الأولى، أو المجهولة أحياناً، قد تجعل ليلة رجل مثلي الآن.. ملتهبةً بدهشة لا يمكن أن تسكت قبل أن يكتمل عويلها تماماً !
هل أغادر هذه المتاهة؟، هل أنام؟، عليّ أن أوقن أن بعض التشابهات العنيدة قد تتحول إلى عبثٍ محتوم، وبعضها يتحول إلى لعنةٍ مؤذية !!،
ولكن المشكلة التي تثبتني في مكاني، أن المتاهات، ككينوناتٍ محددة، لا نغادرها باختيارنا متى شئنا، وإلا ما كان اسمها متاهة أصلاً!
الآن لم يعد الأمر مجرد مسرحية باسمة تشترك فيها ذاكرتي والأشياء.. في قعر ليلة رتيبة، لقد تجاوز ذلك بكثير.. ثَمَّ ذهولٌ قد يحيق بي قريباً، وليس الذهول من الحالات التي نهملها.. وننام
الآن أفهم أن بيداء التي أبصَرَت فيَّ خامة مختلفة.. ولكنها ما زالت مشوبة ببضعة عادات رجالية تقليدية، قررت أن تغمسني في محلول مذيب لكل هذه العادات التي لا تناسبها،
وكل شيء كان مدبراً بدقة، الوقت المحدود الذي تهاتفني به، اللغة المتفاوتة في نعومتها من حوار لآخر، وحتى صوتها البدوي الناعم الذي تلقي فيه على بصري أمنية جميلة.. لا تلبث أن تسحبها ببطء..
كانت تحقنني بجرعاتٍ منتظمة من الحيرة، وتخرب عليّ كل المحاولات التي أمارسها كرجل لتصنيفها.. حتى أتخذ معها تكنيكاً يفضي إلى الانتصار المرتقب
الغريب أن بيداء تخوض معركتها عن بعد، وبيني وبينها مسافةٌ هاتفية..
والكترونية، تجعل التخطيط لمثل هذه اللعبة أمراً صعباً، ومرور النساء العابرات من فوقي يزيد الأمر تعقيداً، ويزيدها هي إصراراً على ممارسة دورها القدري معي، قبل أن ترحل إلى قدرها.. في الوقت الأخير كل حلواها.. ضفائرها.. نقوش يديها..
لغتها الجادة الجميلة، صوتها النجدي المضيء، وضحكتها النادرة.. لذلك أنا أستقبل انهمارها الأخير بهدوء.. حتى لا أخيفها، حتى لا تتراجع بيداء.. ويعود الكلام للاحتباس في صدرها هناك..
ربما يمنعها من البوح شعورٌ بالذنب تجاهي، إذ ليس من العدل أن تعلق على رقبتي تمائم غزل متأخرة وتمنيتُ وأنا يأتيني هذا الخاطر، لو أستطيع أن أقنع بيداء أن حجرة العتب مقفلة تماماً في قلبي،
ولا يمكن أن أخزن فيها موقفاً ضدها، لأنها امرأة مختلفة.. امرأةٌ تحكمت بي عن بعد، وغلفتني عن بعد، وحركتني كل هذه الفترة .. دون أن أعرف حتى كيف تبدو؟، وما هو اسمها الكامل!
متحفّظة كانت بيداء، نعم.. تكبح جماح البوح في اللحظة الزلقة من عمر المحادثة الهاتفية، حجة.. قامعةً في داخلها رغبتها كأنثى في الاتكاء على كتف رجل،
يا لبيداء.. كم أجّلت غموضها حتى كالته لي دفعةً واحدة.. هذه الليلة !
الآن.. هي على بعد سنين من انتمائها إلى رجل آخر، لا تعرف عنه أكثر من الحيز الضبابي الذي تتيحه الظروف هنا، ولطالما باحت لي بقلقها من الرجل الذي لا تعرفه،..
في الملاهي الليلية أتذكر دائما أن جرس الآيات لا يُقرع في كل مكان، ربما أن بوصلة إسرائكِ أخطأت هذه الليلة، وجاءت إلى حيث لا يصلي الأنبياء، هنا صوت الثملين ملئٌ بالتعب والمرح
وهو يختلس كثيراً من رماد ذاكرتي، ويذرها في عيون لم يكن يملك مواجهتها إذا كان الصدق أرنباً يختبئ في ركن بعيد من النفس.. يرتعد حلمه بواقع أكثر رحابة.. لا يُؤخذ إلا غلابا..
لماذا تنادين دائماً من بين رحيق الله..
وتنتظرين الصدى من متردم الإثم !، أيتها الغائبة خلف القرى، ورائحة (البخور) تملأ ثياب ليلكِ.. أما كنتِ تفوحين بعدد الركعات التي يتناوب كل شيء على حملها نحو السماء، لماذا أخطأتِ التسبيح هذه المرة..
وفوّضتِ الهاتف الخاطئ!، أنتِ سيدة الاستغفار منذ أفواجٍ مديدة.. ماذا عن حالة المغفرة هذه؟، هل ترينها جديرةً بالمحاولة !
تسامي بعيداً.. أرجوكِ!، المكان مريع جداً.. بالنسبة لملائكة قلبك !، لا صوتُ الغناء الذي أعيدت عربدته عدة مرات من أول الليل.. ولا خصر الراقصة الذي جُنَّ طويلاً..
ولا لون الكؤوس التي تنقّب في رأسي منذ ساعة بحثاً عن حجر الحكمة !، ماذا تفعلين هنا على مرمى إصبعٍ من عهري.. مرفوعةً باستفهامٍ لا يظهر على آخره ضمةُ الشوق.. ولا التنوين المتكرر!.
كيف يمكن أن تفسري كل الأشياء التي هنا !، غطاء الطاولة مزخرفٌ بكل آيات العذاب.. لو تدرين!، وخصلة من شعر الراقصة ترشق وجهي كلما مالت عليّ مؤذنةً بغواية جديدة..
وهذا اللعين الذي يتزايد في الكأس ولا ينقص.. والأرواح التي تتسلل إلى المكان في عتمته.. كل شيء متواطئ مع خفوت الضوء.. يمنحكِ إرهاقاً يكفيكِ حتى آخر العمر.. لو أني أرد!!
ها أنتِ بين أصابعي.. يزفكِ الوميض في الإطار الصغير.. ولا أسمعكِ !،
تكررين اتصالكِ وكأنما سكب الله في قلبكِ دلو الريبة في غفلةٍ من الظنون البيضاء، غرابة حضورك قاسيةٌ جداً.. تجعلني أشعر باحتجاجٍ حزينٍ عندما تصفعين المكان هكذا.. دون احترام لكل ذنوبه المتراكمة!!
خَفَت الوميض.. وأمامي اختفى.. واختفيتِ !، ومسّني شواظٌ من نار ونحاسٍ في اللحظة التي أمعنتُ فيها بخذلان صوتكِ..
وكانت هجرتكِ لوهلة مليئةٌ بقلق الأنبياء، وأنا مشغولٌ بوحي أقل قداسة بكثير!، هل كان ينقذني من قلبي الآن ادعاء تجنيبكِ الخطيئة.. أو ربما حفظ أوراق المصحف المتراكمة في صدركِ من لغةٍ لم تسمعيها من قبل!!
هذا هو الإطار الصغير..
صار يشيُّع نداءكِ نحو خيبته الأخيرة، ويكتب على شاهد الصمتِ صدى لم يبلغكِ قط، تناولتُ كأسي بمرارة القدماء.. وجرعتُ بقيته.. وأخرجتُ مقابلها دموعاً قليلة تليق بالعتمة، وبالأغنية التالية التي بدأت للتو بصخبٍ أعلى،
وراح الجميع يتمايلون على أطراف سكرتهم، ويلكزون الراقصات بضحكاتٍ رديئة، وأنا مقهورٌ بالهاتف الذي سكت.. وتجمَّدَت على وجهه شهقتُهُ الأخيرة: ((مكالمات لم يُرد عليها: أمي !))