الإنسان أمام قدر الله على حالين ،فإن وافق هواه كالصحة واليسار والجاه ، فهو إما مفتر بالنعم ، وإما شاكر حامد عابد.
فى الحالين يحتاج إلى معية الله والصبر على المنحة والمحنة مصداقا لقوله تعالى :"ولنبلونكم بالشر والخير فتنة ". أما كيف تكون المنحة ابتلاء فهذا ما أجاب عنه السلف الصالح فيقولون : إن البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العوافى إلا الصديقون
وكذلك يقول عبد الرحمن بن عوف :ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر
وقال أحد الصالحين :أكثروا من سؤال الله العافية، فما المبتلى بأحوج من معافى لا يأمن البلاء.
وما المبتلون اليوم إلا أهل العافية بالأمس .
وفى الأثر:"النعم ثلاث :نعمة حاصلة يعلم بها العبد ، ونعمة يرجوها وينتظرها ، ونعمة هو فيها ولا يشعر بها"فإذا أراد الله تمام نعمته على عبده عرفه بنعمته الحاضرة وأعطاه من شكره قيدا يقيدها به فإن النعم تزول بالمعاصى وتدوم بالشكر "
فيا أهل النعمة تذكروا ، واحذروا ، تذكروا أن النعم لا تدوم ، تذكروا أنه لا يحفظ النعم إلا رب النعم ، فقدموا زكاة العافية والصحة بالذكر والصلاة والصيام والتسبيح ، والشكر
وقدموا زكاة الأموال بكثرة الصدقات والنفقات الطيبة ، وقدموا زكاة المواهب ، التى حباكم بها بالعمل والسعى الدائم من أجل تحقيق الخير للجماعة المسلمة.
واحذروا غضب الله ، وتحول النعمة إلى نقمة , واحذروا دعوة المظلوم فهى من الدعوات المستجابة التى يهتز بها العرش, وفروا إلى الله تجدوه عند أهل الحوائج ,خالطوهم ،عايشوهم
ترفقوا بهم ،أنصتوا لشكواهم ،اقتصوا ممن ظلمهم ،استشعروا بهمومهم وبحرمانهم
وإذا تحولت الأقدار وسبحان من له الدوام ،إلى إعسار بعد يسار أو إلى سقم بعد عافية، أو إلى فقد عزيز بعد طول صحبة ، وإلى وحشة اغتراب بعد أنس العشرة ، وليس له فيما أصابه حيلة عليه إلا أن يلجأ إلى الله ويلوذ بحماه يحتمى به من نفسه كى لا تجزع وتصرخ بالشكوى لمن لا يملك، فإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذى لا يرحم
والشكوى إلى الله لا تتنافى مع الصبر فهذا أيوب عليه السلام يقول تعالى على لسانه :"أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ، فقد امتدحه الله تعالى على صبره فى قوله تعالى :"إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " وهذا هو نبى الرحمة يشكو إلى بارئه من أهله الذين آذوه وعذبوه "اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس "
على كل من أصابه غم وحزن وليس فى مقدوره شىء ليغير من حاله فما عليه إلا أن يصبر ،ليحظى بمقام الصابرين ، ويوكل الأمر لمن بيده الأمر ، وأن يجمع بين الصبر والذكر والتسبيح والصلاة ، ليحظى بالمدد النورانى الذى يعالج به الروح والنفس والقلب الكسير
يقول تعالى :"واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم "
ويأتى الأجر والجزاء رحمات ندية تتوالى تخفف البلاء ، وتعين على التحمل ، فيرى المحنة عين المنحة ، فقد عرف طريق الله بعد وحشة النية، وأدرك حلاوة الإيمان بعد سكرة الغفلة
والأجر أضعاف وأضعاف يقول تعالى :"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب "
والصابر الذى تجرع كأسه بغير جزع أو شكوى فى ضيافة ملائكة الرحمة فى الدنيا بتهدئة روعه وفى الآخرة بمصاحبته وملازمته يقول تعالى "و الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار "
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ابتلى فصبر , وأعطى فشكر ، وظُلم فغفر وظًلم فاستغفر ، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون "
اللهم أجرنا فى مصيبتنا واخلفنا خيرا منها